في الحقوق والواجبات

(١) واجب المرء نحو نفسه

يجب على المرء فيما يرى الغزالي أن يجتهد في أن لا يراه مولاه حيثما نهاه، وأن لا يفقده حيث أمره، ولن يقدر على ذلك إلا بتوزيع أوقاته، وترتيب أوراده، من صباحه إلى مسائه.

ويحسن فيما يرى الغزالي أن يستيقظ المرء قبل طلوع الفجر، وأن يكون أول ما يجري على لسانه ذكر الله، وأن لا يترك السواك فإنه مطهرة للفم، ومرضاة للرب، ومسخطة للشيطان.

ولا يفوتنا أن نقرر أن عناية الغزالي بالحث على ما تدعو إليه الشريعة الإسلامية من الوضوء والغسل وما إليهما من أنواع الطهارة، إنما هو دعوة صريحة إلى الحياة. فإن الإسلام بفرضه الوضوء عند كل صلاة، والغسل عند الاحتلام والوقاع، إنما يرفع عن الناس آصار البطالة والخمول.

ولا يعلم إلا الله ما كانت تصل إليه حالة الشرق لو لم ينتشر فيه الإسلام، فإنه يعوض على أهله ما فات أكثرهم من سلامة الذوق، إذ لا يعرفون للنظافة قيمة، ولا يقيمون للطهارة وزنًا. حتى لنجد من العلماء من ينص على أن نية النظافة تقلل من قيمة الوضوء، لأن الطهارة في نظرهم عبادة آلية، لا تتعلق بها الأغراض، وسبحان من وهب العقول!

غير أننا لا نوافق الغزالي فيما ذكر من آداب النوم، إذ يحض المرء على أن ينام على يمينه كما يضطجع الميت في لحده، وأن يتذكر أن النوم مثل الموت، واليقظة مثل البعث ولعل الله يقبض روحه في ليلته، وأن ينام على طهارة، وأن تكون وصيته مكتوبة تحت رأسه … إلخ.

وما كنت لأوافق الغزالي على ذلك، لأنه يجب إقصاء فكرة الموت عن الأحياء فإن التفكير في الموت مدعاة إلى الزهادة والجمود وهو كذلك نقص في العزائم، وخمود في القرائح.

وهناك سبل أخرى غير الموت للحض على الطيبات، فلماذا لا نزين الخير للناس، ببيان ما يفعل الخير في رفعة الأقدار، وسمو النفوس؟

وقد فصل الغزالي آداب المرء نحو نفسه في أكثر كتبه في الأخلاق. ولا عيب عليه غير الإفراط في تحقير الدنيا، وهو عيب فظيع، فإن الدنيا أجل وأعظم مما يتصور هو وأمثاله ممن يرون الموت من جملة الأرزاق!

وهل كان الله عابثًا يوم خلق هذه الدنيا الجميلة، التي رميتم عشاقها بالإثم والفسوق؟

(٢) واجب المرء نحو إخوانه في الدين

وضع الغزالي عدة آداب للرجل مع أخيه في الدين، بعضها خاص بكيفية المعاملة، والآخر خاص بتنقية النفس من الضغائن وجزء منها يتعلق بتربية المرء على كف الأذى وإسداء المعروف.

ويخطر بالبال هذا السؤال: ألا يرى الغزالي وجودًا لغير المسلم؟ وإلا فما رأيه في معاملة من ليسوا بمسلمين؟

وفي جواب هذا السؤال نذكر ما جاء في إحدى فتاويه١ من أن الذمي كالمسلم فيما يرجع إلى الإيذاء. لأن الشرع عصم دمهم وأموالهم. فيفهم من هذا أن الذمي والمسلم يعاملان معاملة تكاد تكون واحدة، وإن لم ينص على ذلك في الإحياء.
وإلى القارئ خلاصة ما على المسلم لأخيه من الواجبات:
  • (١)

    أن لا يؤذي أحدًا منهم بفعل أو قول.

  • (٢)

    أن يتواضع لكل منهم، ولا يتكبر عليه.

  • (٣)

    أن لا يزيد في الهجر لمن يعرفه على ثلاثة أيام، مهما غضب عليه.

  • (٤)

    أن يحسن إلى كل من قدر على الإحسان إليه منهم، بلا تمييز.

  • (٥)

    أن لا يدخل على أحد منهم إلا بإذنه، بل يستأذن ثلاثًا فإن لم يؤذن له انصرف.

  • (٦)

    أن يخالق الجميع بخلق حسن، ويعامل كل امرئ بحسب طريقته، فإنه إن أراد لقاء الجاهل بالعلم، والأمي بالفقه، والعيي بالبيان، آذى وتأذى.

  • (٧)

    أن يوقر المشايخ، ويرحم الصبيان.

  • (٨)

    أن يكون مع الكافة مستبشرًا طلق الوجه رقيقًا.

  • (٩)

    أن لا يعد مسلمًا بوعد إلا ويفي به.

  • (١٠)

    أن ينصف الناس من نفسه، فلا يعاملهم إلا كما يحب أن يعاملوه.

  • (١١)

    أن يزيد في توقير من تدل هيئته وثيابه على علو منزلته.

  • (١٢)

    أن يصلح ذات البين مهما وجد إلى ذلك سبيلًا.

  • (١٣)

    أن يستر عورات المسلمين كلهم. وقد استشهد الغزالي بهذا الحديث البديع: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه! لا تغتابوا الناس ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورة أخيه المسلم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو كان في جوف بيته».

  • (١٤)

    أن يشفع لكل من له حاجة من المسلمين إلى من له عنده منزلة، ويسعى في قضاء حاجته بما يقدر.

  • (١٥)

    أن يصون عرض أخيه المسلم، ونفسه، وماله، عن ظلم غيره، مهما قدر. ويرد عنه، ويناضل دونه، وينصره، قيامًا بأخوة الإسلام.

  • (١٦)

    أن يتقي مواضع التهم، صيانة لقلوب الناس عن سوء الظن ولألسنتهم عن الغيبة.

  • (١٧)

    أن يجامل أخاه ويواسيه إذا بلي بشر.

  • (١٨)

    أن يجتنب مخالطة الأغنياء، ويختلط بالفقراء والمساكين.

ويرى القارئ في هذه الحقوق شيئًا من التكرار. وهذا أيضًا يمثل وجهة الغزالي في الأخلاق: فهو كثير الحذر، شديد الحيطة، ولا يزال بالمعنى يردده في كتبه، بل في الكتاب الواحد حتى يرسخ في نفس المستفيد.

(٣) حقوق الجوار

ويرى الغزالي أن الجوار يقتضي حقًّا وراء ما تقتضيه أخوة الإسلام، فيستحق الجار المسلم، ما يستحقه المسلم وزيادة، ويرى قوله عليه السلام: «الجيران ثلاثة: جار له حق واحد، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق؛ فالجار الذي له ثلاثة حقوق الجار المسلم ذو الرحم: فله حق الجوار، وحق الإسلام، وحق الرحم. وأما الذي له حقان فالجار المسلم: له حق الجوار، وحق الإسلام. وأما الجار الذي له حق واحد فالجار المشرك».

ويقول تعليقًا على هذا الحديث: فانظر كيف أثبت للمشرك حقًّا بمجرد الجوار!

وقد وضع للجار ما يأتي من الواجبات:
  • (١)

    أن يبدأ جاره بالسلام.

  • (٢)

    وأن لا يطيل معه الكلام.

  • (٣)

    وأن لا يكثر عنه السؤال. ولا يتبعه النظر فيما يحمل إلى داره.

  • (٤)

    وأن يعوده في المرض.

  • (٥)

    وأن يعزيه في المصيبة، ويقيم معه في العزاء.

  • (٦)

    وأن يهنئه في الفرح، ويظهر الشركة في السرور معه.

  • (٧)

    وأن يصفح عن زلاته، ولا يسمع فيه كلامًا.

  • (٨)

    وأن لا يطلع من السطح على عوراته، بل يستر ما ينكشف له.

  • (٩)

    وأن لا يضايقه بوضع الجذع على جداره.

  • (١٠)

    وأن لا يصب الماء في ميزابه، ولا يطرح التراب في فنائه.

  • (١١)

    وأن لا يضيق طريقه إلى الدار.

  • (١٢)

    وأن ينعشه في صرعته إذا نابته نائبة.

  • (١٣)

    وأن لا يغفل عن ملاحظة داره في غيبته.

  • (١٤)

    وأن يغض بصره عن حرمته، ولا يديم النظر إلى خادمته.

  • (١٥)

    وأن يتلطف لولده في كلمته.

  • (١٦)

    وأن يرشده إلى ما يجهله من أمر دينه ودنياه.

يقول الغزالي: هذا إلى جملة الحقوق التي ذكرناها للمسلمين، ولم يستثن المشرك في جملة هذه الحقوق، ولكنك رأيت أنه خص الذميين بهذه المساواة، إذ كان إيذاء الحربي عنده غير حرام.

(٤) حقوق الأقارب

ثبت حق المشرك بالجوار. وكذلك يثبت حقه بالقرابة. ويروي الغزالي في هذا أن أسماء بنت أبي بكر قالت: «قدمت على أمي فقلت يا رسول الله، إن أمي قدمت علي وهي مشركة، أفأصلها؟ قال نعم. وفي رواية: أفأعطيها؟ قال: نعم، صليها».

ومن الواضح أن القريب المسلم أو الجار يثبت له فوق حق القرابة ما يثبت بأخوة الإسلام وبالجوار من الحقوق.

(٥) حقوق الوالدين

يقول الغزالي: كيفية القيام بحق الوالدين تعرف مما ذكرنا في حق الأخوة، فإن هذه الرابطة آكد من الأخوة، بل أكثر العلماء على أن طاعة الأبوين واجبة في الشبهات، وإن لم تجب في الحرام المحض، لأن ترك الشبهة ورع، ورضاء الوالدين حتم.

ويرى الغزالي أن ليس للإنسان أن يبادر بالحج وهو فرض إلا بإذن والديه، لأن المبادرة نفل. وكذلك ليس له أن يخرج لطلب العلم إلا بإذنهما، ويستثني علم الفرائض من الصلاة والصوم إذا لم يكن في البلد من يعلمه. وليته عمم هذا الحكم في جميع العلوم الضرورية في الحياة.

وينقل الغزالي عن رسول الله أن لزوم الوالدة أفضل من الجهاد وهو يقدم الوالدة في البر على الوالد.

(٦) حقوق الأبناء

يجب على الوالد:
  • (١)

    أن يسمي ابنه اسمًا حسنًا.

  • (٢)

    و أن يؤدبه إذا بلغ ست سنين، فإذا بلغ تسع سنين عزل فراشه، فإذا بلغ ثلاث عشرة سنة ضربه على الصلاة، فإذا بلغ ست عشر سنة زوجه.

  • (٣)

    وأن يعينه على بره، فلا يحمله على العقوق بسوء عمله.

  • (٤)

    وأن يسوي بين أولاده.

  • (٥)

    وأن يبدأ بالإناث إذا حمل لأولاده طرفة من السوق.

(٧) واجب التاجر

وعلى التاجر فيما يرى الغزالي ما يأتي من الواجبات:
  • (١)

    أن لا يحتكر، فيدخر الطعام ينتظر به غلاء الأسعار وهذا مطرد في أجناس الأقوات. أما ما ليس بقوت، ولا هو معين على القوت كالأدوية، والعقاقير، والزعفران وأمثاله، فلا يتعدى النهي إليه وإن كان مطعومًا. وأما ما يعين على القوت كاللحم والفواكه وما يسد مسد القوت في بعض الأحيان وإن كان لا يمكن المداومة عليه ففيه نظر. ومن العلماء من طرد التحريم في السمن والعسل والشيرج والجبن والزيت وما يجري مجراه، على أن احتكار الأطعمة جائز إذا استغنى الناس عنها ولم يخش من احتكارها قحط. وبقدر درجات الإضرار تتفاوت درجات الكراهة والتحريم.

    وكان على الغزالي أن يبين حكم احتكار الأدوية إذا وجد وباء، أو انتشر مرض من الأمراض. فقد تصبح الأدوية أهم من الأطعمة، ويمسي احتكارها من عظائم الأمور.٢
  • (٢)

    أن لا يثني على السلعة بما ليس فيها.

  • (٣)

    أن لا يكتم من عيوبها وخفايا صفاتها شيئًا.

  • (٤)

    أن لا يكتم في وزنها ومقدارها شيئًا.

  • (٥)

    أن لا يكتم من سعرها ما لو عرفه المعامل لامتنع عنه.

  • (٦)

    أن لا يروج الزيف من الدراهم أثناء النقد، إذ يستضر به المعامل إن لم يعرف، وإن عرف فسيروجه على غيره. وهكذا دواليك، ومن هنا وجب على التاجر تعلم النقد، لا ليستقصي لنفسه فحسب، ولكن لئلا يسلم إلى مسلم زيفًا وهو لا يدري فيكون آثمًا بتقصيره في تعلم ذلك العلم.

  • (٧)

    أن لا يغبن صاحبه بما لا يتغابن به في العادة، فأما أصل المغابنة فمأذون فيه، لأن البيع للربح، ولا يمكن إلا بغبن ما، ولكن يراعي فيه التقريب.

  • (٨)

    أن يحسن نيته في ابتداء التجارة، فينوي بها الاستعفاف عن السؤال، وكف الطمع عن الناس، والقيام بكفاية الأولاد.

  • (٩)

    أن يقصد القيام في تجارته أو صنعته بفرض من فروض الكفايات، فإن الصناعات والتجارات لو تركت لهلك أكثر الناس.

  • (١٠)

    أن لا يكون شديد الحرص على السوق والتجارة، بأن يكون أول داخل في السوق وآخر خارج منه، وبأن يركب البحر في التجارة، ففي الخبر «لا يركب البحر إلا بحج أو عمرة أو غزو».

    هكذا يرى الغزالي. وهذه منه نزعة صوفية لا تأتلف مع واجب الرجل الأخلاقي في الحياة الاجتماعية. فللتاجر أن يكون أول داخل في السوق وآخر خارج منه، بل عليه ذلك، وعليه أن يركب البحر في التجارة، وأن يسلك إلى الربح كل سبيل. والحج والعمرة، والغزو، كل أولئك من وسائل الحياة. ولكن أكثر الناس لا يفهمون.

  • (١١)

    أن لا يقتصر على اجتناب الحرام، بل يتقي مواضع الشبهات، ومظان الريب، ولا ينظر إلى الفتاوى، بل يستفتي قلبه. وإذا حملت إليه سلعة رابه أمرها سأل عنها حتى يعرف وإلا أكل الشبهة.

  • (١٢)

    أن يراقب جميع مجاري معاملته مع كل واحد من معامليه ويعد جوابه ليوم الحساب والعقاب.

  • (١٣)

    أن يقيل من يستقيله، فإنه لا يستقيل إلا متندم مستضر بالبيع، ولا ينبغي أن يكون سبب استضرار أخيه.

  • (١٤)

    أن يخص في معاملته جماعة من الفقراء بالنسيئة، وهو في الحال عازم على ألا يطالبهم إن لم تظهر لهم ميسرة.

  • (١٥)

    أن يحسن في استيفاء الثمن، وسائر الديون، فيتسامح مرة، ويمهل مرة، ويحط البعض مرة.

وبعد سرد هذه الآداب لا يفوتنا أن ننوه بعناية الغزالي بصالح الهيئة الاجتماعية، فإن التاجر الذي تأدب بهذه الآداب تمسي تجارته ولا شك ربحًا عامًّا للناس، ويصبح خادمًا لأهل بلده من حيث لا يعلمون.

هذا وجه الجمال في هذه الآداب التي خص بها التجار وما أنكر أن فيها جانبًا من الضعف بإثقال التاجر بكثير من التكاليف الظاهرة والمستورة، في حين أنه يجب تمرينه على المخاطرة في سبيل الحياة، ولكن الغزالي لا يعدل بالسلامة شيئًا والسعيد عنده من نجا بدينه، وإن خسر دنياه.

(٨) آداب المسافر

وضع الغزالي فصولًا مطولة عن السفر، وفوائده، وآفاته، وعده نوعًا من الحركة والمحافظة. وبين الباعث عليه من هرب أو طلب، وأطال في ذلك وأجاد.

نحن ذاكرون هنا طائفة مما وضع للمسافر من الآداب:
  • (١)

    أن يبدأ برد المظالم، وقضاء الديون، وإعداد النفقة لمن تلزمه نفقته، ويرد ما عنده من الودائع، ولا يأخذ لزاده إلا الحلال الطيب، وليأخذ قدرًا يوسع به على رفقائه.

  • (٢)

    أن يختار رفيقًا، فلا يخرج وحده، وليكن رفيقه من أهل الدين، فإن المرء على دين خليله.

  • (٣)

    أن يودع رفقاء الحضر، والأهل، والأصدقاء.

  • (٤)

    أن يرحل من المنزل بكرة فإن الخير في البكور.

  • (٥)

    أن يجعل أكثر سيره بالليل، فإن الأرض تطوى بالليل ما لا تطوى بالنهار.

  • (٦)

    أن يحتاط بالنهار، فلا يمشي منفردًا خارج القافلة، فربما ينقطع، أو يغتال، وأن يتحفظ عند النوم بالليل.

  • (٧)

    أن يرفق بالدابة فلا يحملها ما لا تطيق، ولا يضربها في وجهها، وأن يروحها بالنزول عنها غدوة وعشية.

  • (٨)

    أن يحمل معه مرآة، ومكحلة ومقراضًا، ومسواكًا ومشطًا، وقارورة، وركوة، وحبلًا.

  • (٩)

    أن ينوي في دخول كل بلدة أن يرى شيوخها، ويجتهد في أن يسع من كل واحد كلمة، أو أدبًا ينتفع به.

  • (١٠)

    أن لا يزيد على ثلاثة أيام في زيارة أخ له، وإذا زار أحد أساتذته في سفره، فلا يقم عنده أكثر من يوم وليلة.

  • (١١)

    أن يرجع من سفره إذا رأى في نفسه نقصانًا عما كان عليه في الحضر.

وأحب أن يتنبه القارئ إلى دقة هذا الأدب الأخير.

(٩) حقوق المرأة

لا يرى الغزالي أن المرأة تساوي الرجل، بل يرى أن الرجل سيد المرأة. ويقول فيمن أطاع زوجه، وملكها نفسه «أنه عكس القضية. وأطاع الشيطان لما قال: وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّـهِ.٣ إذ حق الرجل أن يكون متبوعًا لا تابعًا. وقد سمى الله الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ،٤ وسمى الزوج سيدًا فقال: وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ.٥ فإذا انقلب السيد مسخرًا فقد بدل نعمة الله كفرًا.٦

ولم يقتصر الغزالي على ذلك، بل حكم على طبيعة المرأة حكمًا أقسى من الصخر، فقد قال في معرض الحديث عن أدب النساء «والغالب عليهن سوء الخلق وركاكة العقل» واستدل بحديث لا أعلم مبلغه من الصحة، وهو قوله عليه السلام: «مثل المرأة الصالحة كمثل الغراب الأعصم بين مائة غراب».

وإليك جملة ما وضع الغزالي للمرأة من الحقوق:
  • أولًا: على الرجل أن يحسن الخلق معها، وأن يتحمل الأذى منها، ترحمًا عليها لقصور عقلها. ويقول الغزالي: «واعلم أنه ليس حسن الخلق مع المرأة كف الأذى عنها، بل احتمال الأذى منها، والحلم عند طيشها وغضبها».
  • ثانيًا: أن يزيد على احتمال الأذى بالمداعبة، والمزاح، والملاعبة، فهي التي تطيب قلوب النساء. ويقول الغزالي: «وقد كان رسول الله يمزح معهن، وينزل إلى درجات عقولهن في الأعمال والأخلاق» وهذا تأكيد لرأيه في طبيعة المرأة.
  • ثالثًا: الاعتدال في الغيرة، فلا يتغافل الرجل عن مبادئ الأمور التي تخشى غوائلها، ولا يبالغ في إساءة الظن، والتعنت وتجسس البواطن.
  • رابعًا: الاعتدال في النفقة، فلا ينبغي أن يقتر عليها في الإنفاق، ولا ينبغي أن يسرف، ولا ينبغي ترك الحلوى بالكلية، وينبغي أن يأمر الرجل أهله بالتصدق ببقايا الطعام، وما يفسد لو ترك. وللمرأة أن تفعل ذلك بحكم الحال من غير إذن الزوج. ولا ينبغي أن يستأثر الرجل عن أهله بمأكول طيب، فإن ذلك ينافي المعاشرة بالمعروف.
  • خامسًا: على الرجل أن يعلم زوجه أحكام الصلاة، فإن لم يعرف ناب عنها في سؤال العلماء، وليس لها أن تخرج لطلب العلم ما دام الزوج لم يقصر في تعليمها الفرائض، فإن قصر فلها الخروج للاستفادة، بل عليها ذلك، ويعصي الرجل بمنعها. ومتى تعلمت الفرائض فليس لها أن تخرج لتعلم فضل إلا برضاه. وللرجل الحق في أن لا يدخل عليها الرجال، وأن يمنعها من الخروج إلى المساجد والأسواق.

    وهنا نلفت النظر إلى أن الغزالي يقرر ويلح في تحريم خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية، ولم يفرق بين العلماء وغير العلماء، والمرأة العجوز فقط هي التي يجوز لها عنده زيارة المساجد وإن خالف ذلك بعض الشيء ما كان على عهد رسول الله. ويكاد يجزم بأن النبي لو شاهد أهل عصره لشدد في التضييق على المرأة.

  • سادسًا: إذا كان له نسوة فينبغي أن يعدل، فإذا خرج إلى سفر وأراد استصحاب واحدة أقرع بينهن، والعدل واجب في العطاء والمبيت، وأما في الحب والوقاع فهو تكليف بما لا يطاق.
  • سابعًا: إذا وقع بين الزوجين خصام ولم يلتئم أمرهما، فإن كان في جانبهما جميعًا، أو من الرجل فلا بد من حكمين: أحدهما من أهله والآخر من أهلها، لينظرا بينهما ويصلحا أمرهما، وليس للمرأة أن تتولى تأديب الرجل حين يكون الخصام من جانبه لئلا تسلط فلا يقدر على إصلاحها كما يقول الغزالي.

    وأما إذا كان النشوز من المرأة خاصة، فللرجل أن يؤدبها، ويحملها على الطاعة قهرًا، ولكن ينبغي أن يتدرج في تأديبها؛ فيقدم أولًا الوعظ، والتحذير، والتخويف، فإن لم ينجح أولاها ظهره في المضجع، وانفرد عنها بالفراش، وهجرها وهو في البيت معها من ليلة إلى ثلاث ليال، فإن لم ينجح ذلك ضربها ضربًا غير مبرح بحيث يؤلمها ولا يكسر لها عظمًا، ولا يدمي لها جسمًا، ولا يضرب وجهها فإن ذلك منهي عنه.

  • ثامنًا: أن ينظر الرجل في حاجة امرأته إلى التحصين، فإن تحصينها واجب عليه. وللغزالي في هذا الموضوع كلام كله سذاجة: إذ تراه يضع طائفة من الأدعية يقوم بها الرجل عند الوقاع، حتى ليذكر أن بعض أصحاب الحديث كان يكبر حتى يسمع أهل الدار صوته! وما أدري كيف تصلح هذه اللحظة للأدعية والأوراد، وما إلى ذلك مما يضعف الشهوة، ويبعث على الخمود.
  • تاسعًا: الطلاق مباح، ولكنه إيذاء. ولا يباح للرجل إيذاء المرأة إلا بجناية من جانبها أو ضرورة من جانبه. ومهما آذت زوجها أو بذأت على أهله فهي جانية، وكذلك مهما كانت سيئة الخلق أو فاسدة الدين. ويرى الغزالي أن حق الوالد مقدم على حق الزوجة، فإذا كرهها الوالد لغرض غير فاسد فقد جاز الطلاق. وإن كان الأذى من الزوج فلها أن تفتدي بمال، ويكره للرجل أن يأخذ منها أكثر مما أعطى، فإن ذلك إجحاف بها وتحامل عليها وتجارة على البضع. وعلى الزوج أن يتلطف في التعلل بتطليق زوجته من غير تعنيف واستخفاف. وأن يطيب قلبها بهدية على سبيل الجبر والإمتاع، ولا يفشي سرها لا في الطلاق ولا في النكاح.

ومما سلف بيانه نعرف أن الغزالي لم يفكر في المرأة إلا من حيث هي زوجة، فلم يذكر شيئًا عن حقوقها الاجتماعية، ولم يتكلم عن تعليمها قبل الزواج، ولم يسمح للمتزوجة بشيء من العلم أكثر من الفرائض، وهي غاية بسيطة بالطبع، لأن تعلم الفرائض لم يكن موضع خلاف. وكل هذا نتيجة محتومة لرأيه في طبيعة المرأة، إذ كانت عنده في مقام التابع، ومن طاعة الشيطان أن تصبح في مقام المتبوع!

(١٠) الرفق بالمرأة

ولم يكتف الغزالي بهذه الحقوق في صيانة المرأة، بل حض الرجل على الرفق بها في كل حال، فذكر في ص١٢١ من كتابه «التبر المسبوك» أن من أحب أن يكون مشفقًا على زوجته رحيمًا بها، فليذكر أن المرأة لا تقدر أن تطلقه، وهو قادر على طلاقها متى شاء، وأنها لا تقدر أن تأخذ شيئًا بغير إذنه، وهو قادر على ذلك، وأنها ما دامت في حباله لا تقدر على زوج سواه، وهو قادر على أن يتزوج عليها، وأنه لا يخافها وهي تخافه، وأنها تقنع منه بطلاقة وجهه، وبالكلام اللين، وهو لا يرضى بجميع أفعالها، وأنها تفارق أمها وأباها وجميع أقاربها لأجله، وهو لا يفارق أحدًا، وأنه يقدر أن يتسرى ويختص بالجواري دونها، وأنها تخدمه دائمًا وهو لا يخدمها، وأنها تتلف نفسها إذا كان مريضًا وهو لا يغتم لها ولو ماتت.

وألاحظ أن هذه النصيحة الشعرية تفترض أن يكون الرجل مسيطرًا على المرأة، وأنها كالحمل الوديع. ومن الواضح أن الرجل لا يكون دائمًا على هذه السيطرة، والمرأة لن تكون دائمًا بهذه الوداعة. ولكن عذر الغزالي في إطلاق هذا النصح، أن الغالب وقوع هذه الحال، فالرجل في الغالب يأمر وينهى، والمرأة تسمع وتطيع، وما عدا ذلك شذوذ، وهم لا يضعون القواعد للشواذ!

والذي لا شك فيه، من بين ما قال الغزالي، أن الرجل يملك رقبة المرأة، ويستطيع أن يتزوج من غيرها إن شاء، ويتصرف في البيت بلا رقيب ولا حسيب، وأن المرأة تركت من أجله أمها وأباها وأقاربها، وهو لم يفارق لأجلها أحدًا من العالمين.

(١١) واجبات المرأة

النكاح نوع رق — كما يقول الغزالي — فالزوجة رقيقة الزوج، وعليها طاعته في كل ما يطلب، مما لا معصية فيه. وإليك خلاصة ما عليها من الواجبات:
  • (١)

    أن تكون قاعدة في قعر بيتها، ملازمة لمغزلها، لا يكثر صعودها واطلاعها على سطح الجيران.

  • (٢)

    وأن تكون قليلة الكلام لجيرانها، ولا تدخل عليهم إلا في حال يوجب الدخول.

  • (٣)

    وأن تحفظ بعلها في غيبته وحضرته، وتطلب مسرته في جميع أمورها، لا في نفسها ولا في ماله.

  • (٤)

    وأن لا تخرج من بيتها إلا بإذنه، فإن خرجت بإذنه فمختفية في هيئة رثة، تطلب المواضع الخالية، دون الشوارع والأسواق، محترزة من أن يسمع غريب صوتها أو يعرفها بشخصها.

  • (٥)

    وأن لا تتعرف إلى صديق بعلها في حاجاتها، بل تتنكر على من تظن أنه يعرفها أو تعرفه.

  • (٦)

    وإذا استأذن صديق لبعلها على الباب، وليس البعل حاضرًا، لم تستفهم ولم تعاوده في الكلام، غيرة على نفسها وبعلها وأن تقنع من زوجها بما رزقه الله.

  • (٧)

    وأن تقدم حقه على حقها وحقوق سائر أقاربها.

  • (٨)

    وأن تكون متنظفة في نفسها مستعدة في جميع الأحوال ليتمتع بها إن شاء.

  • (٩)

    وأن تشفق على أولادها.

  • (١٠)

    وأن تكون قصيرة اللسان عن مراجعة الزوج وسب الأولاد.

  • (١١)

    وأن تقوم بكل خدمة في الدار تقدر عليها.

  • (١٢)

    وأن لا تذهب إلى الحمام، إلا إذا لم يكن في البيت مستحم، وكانت نفساء أو مريضة، وإن دخلت فلا تدخل إلا بمئزر سابغ.

(١٢) آداب الكتاب

ومما يوضح بعض الجوانب في تصور الغزالي للحياة، وحرصه على النظام، ما وضعه من آداب الكتاب، فقد نتبين بذلك وجهة نظره فيما ينبغي أن يكون عليه الكاتب من الخبرة والكفاية، ولم تنشأ إلا لمثل ذلك كليات الصحافة في العهد الحديث.

ويرى الغزالي أن الكاتب يجب عليه:
  • (١)

    أن يعرف بعد الماء وقربه تحت الأرض.

  • (٢)

    وأن يعرف زيادة الليل والنهار، ونقصانهما، في الصيف والشتاء، ومسير الشمس، والقمر، والنجوم.

  • (٣)

    وأن يعرف الحساب، والهندسة، والتقويم.

  • (٤)

    وأن يعرف اختيارات الأيام، وما يصلح للمزارعين.

  • (٥)

    وأن يعرف الطب والأدوية.

  • (٦)

    وأن يعرف ريح الشمال والجنوب.

  • (٧)

    وأن يعرف الشعر والقوافي.

  • (٨)

    وأن يكون خفيف الروح، طيب اللقاء.

  • (٩)

    وأن يحسن بري القلم وقطه، ورفعه وحطه، كما قال!

  • (١٠)

    وأن يحرس نفسه من طغيان قلمه.

  • (١١)

    وأن يظهر بشبا قلمه ما يجول في نفسه.

  • (١٢)

    وأن يعرف ما يمد من الحروف.

  • (١٣)

    وأن يبين الخط، ويعطي كل حرف حقه.

وقد وضع الغزالي فوق ما تقدم صورة لما يمد أو يقصر من الحروف، ووضع طريقة لبري الأقلام العربية، والفارسية، والعبرية، وما يجب أن يكون عليه المقط من الصلابة، وما ينبغي أن يمتاز به القرطاس من التساوي والصقالة، وما يحسن من تشابه صورة الأحرف، ليقرب الخط من الجمال. وكل ما تقدم هو بالطبع صورة لرأيهم إذ ذاك فيما ينبغي أن يكون عليه الكتاب.

(١٣) واجبات الملوك

يتكلم الغزالي كثيرًا عن «الأمراء والسلاطين» ويذكر ما لهم وما عليهم، وتجد في حقوق المحتسب من هذا الكتاب ما وضعه من الفرق بين إرشاد العامة، وإرشاد الأمراء والسلاطين كما يقول، وقد وضع لهم كتابًا خاصًّا سماه «التبر المسبوك في نصيحة الملوك»، وهو الذي قدمه للسلطان محمد بن ملك شاه، وقد فصلنا رأينا فيه، فلا نعود إليه الآن.

ويستحسن الغزالي أن يقسم الملك نهاره إلى أربعة أقسام: قسم لعبادة الله وطاعته. وقسم للنظر في أمور السلطنة، وإنصاف المظلومين، والجلوس مع العلماء والعقلاء لتدبير الأمور، وسياسة الجمهور وتنفيذ الأوامر، والمراسيم، والكتابة، وإنفاذ الرسل، وقسم للأكل والنوم، والتزود من الدنيا، وأخذ الحظوظ من الفرح والسرور. وقسم للصيد ولعب الكرة والصولجان وما أشبه ذلك.

وينصح الغزالي للملك بأن لا يشتغل دائمًا بلعب الشطرنج، والنرد، وشرب الخمر وضرب الكرة والصيد، لأن هذه تمنعه من الأعمال، ولكل عمل وقت، فإذا فات عاد الربح خسرانًا.

ويفهم من هذا أن الملك يجوز له شرب الخمر مع الإقلال، ولكن هذا ينافي حرص الغزالي وإصراره على حرب المسكرات، فلا يبعد أن تكون هذه الكلمة دست أو وقعت سهوًا في كتاب «التبر المسبوك».

ويجب فيما يرى الغزالي أن يراعي الملك ما يأتي من الأصول:
  • (١)

    أن يعرف قدر الولاية وخطرها، وما يكون من سعادته إذا أحسن، ومن شقائه إذا أساء.

  • (٢)

    أن لا يقنع برفع يده عن الظلم. بل يهذب غلمانه، وأصحابه وعماله، ونوابه، فإنه عن ظلمهم مسؤول.

  • (٣)

    أن لا يتكبر، فإن التكبر داعية الغضب والانتقام.

  • (٤)

    أن يفرض نفسه واحدًا من الرعية في كل ما يعرض عليه فما لا يرضاه لنفسه لا ينبغي أن يرضاه لأحد من المسلمين.

  • (٥)

    أن لا يشغل بنوافل العبادة، وببابه أحد أرباب الحوائج.

  • (٦)

    أن لا يعود نفسه الاشتغال بالشهوات: من لبس الثياب الفاخرة، وأكل الأطعمة الطيبة، بل يتعود القناعة في جميع الأشياء، فلا عدل بلا قناعة.

  • (٧)

    أن يتجنب الشدة، والعنف كلما أمكنه الرفق.

  • (٨)

    أن يجتهد في أن ترضى عنه الرعية بموافقة الشرع.

  • (٩)

    أن لا يطلب رضا أحد من الناس بمخالفة الشرع.

  • (١٠)

    أن يعين رعيته إذا وقعت في ضائقة، وأن ينفق عليها من خزائنه، إذا وقعت في قحط أو غلاء، لأن في ذلك استبقاء لطاعتهم ودرءًا لمطامع المحتكرين.

والغزالي لا يستنكر قسوة الملك، إذا لؤمت الرعية، بل يدعو إلى أن تهابه الرعية وهو بعيد، ويقول: «وسلطان هذا الزمان يجب أن تكون له أوفى سياسة، وأتم هيبة، لأن أناس هذا الزمان ليسوا كالمتقدمين، فإن زماننا هذا زمان ذوي الوقاحة والسفهاء، وأهل القساوة والشحناء. وإذا كان السلطان والعياذ بالله بينهم ضعيفًا أو كان غير ذي سياسة فلا شك أن ذلك يكون سبب خراب البلاد، وأن الخلل يعود على الدنيا والدين».٧

والسياسة في كلامه هذا معناها الحزم في شدة وقسوة، لينتهي الفاسدون.

(١٤) حقوق الوزراء

وعلى الملك أن يعامل الوزير بثلاث أشياء:
  • الأول: إذا ظهرت منه زلة، أو وجدت منه هفوة فلا يعاجله بالعقوبة.
  • الثاني: إذا اتسعت حاله في خدمته واستغنى، فلا يطمع في ماله وثروته.
  • الثالث: إذا سأله حاجة فلا يتوقف في قضائها.
وينبغي أن يمنحه ثلاثة أشياء:
  • الأول: أن لا يمتنع عن رؤيته متى اختار أن يراه.
  • الثاني: أن لا يسمع في حقه كلام مفسد.
  • الثالث: أن لا يكتم عنه شيئًا من سره، لأنه مدبر الدخل وبه عمارة الخزائن والولايات.
ويجب على الوزير:
  • أولًا: أن يكون محبًّا للخير، مبغضًا للشر.
  • ثانيًا: أن يعين الملك على الشفقة بالرعية إذا رأى منه الميل لذلك.
  • ثالثًا: أن يرشده باللطف إذا رأى منه ميلًا للظلم.

ويقول الغزالي في نصح الملك الذي أهداه كتابه: «وينبغي أن تعلم أن دوام الملك بالوزير، وأن دوام الدنيا بالملك، وينبغي أن تعلم أنه لا يجوز له أن يهتم بغير الحياة» ٧٩.

وهذه الواجبات التي وضعها للملوك والوزراء تعتبر في الواقع مجملة بالنسبة لما يحتاجون إليه من شتى الآداب في معاملة الرعية، ومعاملة جيرانهم من الدول، ولكن يلاحظ كذلك أنه حكم الشرع في جملة هذه الآداب، وقد وضع الفقهاء بعض الأحكام التي تخص الخلفاء والولاة، وما أحسبه يخالفهم في هذا الباب.

(١٥) معاملة الملوك الظالمين

ومما يوضح جانبًا من جوانب الأخلاق عند الغزالي رأيه في معاملة الظلمة من الأمراء والسلاطين، فقد حتم على من يأخذ مالًا منهم أن ينظر كيف وصل إليهم، وأن يتأمل الصفة التي استحق بها الأخذ، والمقدار الذي يأخذه، وهل يستحقه إذا أضيف إلى حاله وحال شركائه في الاستحقاق، وبين أنه إذا لم يعرف للسلطان دخل إلا من الحرام، فالأخذ منه سحت محض. وأن واجب الورع يقضي بأن لا يأخذ المرء شيئًا من مال الظالم على الإطلاق، فإن لم يستطع فيأخذ ما يتأكد أنه حلال.

أما الدخول على الظلمة وغشيان مجالسهم فهو محظور. ولا تجوز زيارة الملك الجائر إلا بعذرين:
  • الأول: أن يكون من جهتهم أمر إلزام، لا أمر إكرام، ويعلم الرجل أنه إن امتنع أوذي، او فسدت طاعة الرعية، فتجب عليه الإجابة، لا طاعة لهم بل مراعاة لمصلحة الخلق، حتى لا تضطرب الولاية.
  • الثاني: أن يدخل عليهم في دفع ظلم عن مسلم سواه. أو عن نفسه، بطريق الحسبة، أو بطريق التظلم.

وإذا دخل عليك السلطان الظالم زائرًا فجواب السلام لا بد منه، والقيام له غير حرام، والأولى تركه إن لم يكن معه أحد. ثم تأخذ في تعريفه ما يجهله، وتخويفه فيما هو مستجرئ عليه. وإرشاده إلى ما هو غافل عنه.

والأفضل فيما يرى الغزالي أن يعتزلهم المرء فلا يراهم ولا يرونه! والأمر كذلك في معاملة قضاتهم، وعمالهم، وخدمهم.

وللغزالي في هذا الباب تفاصيل عجيبة فيما يتعلق بما يقيمون من القناطر والطرقات والمساجد والسقايات والأسواق. وأخص ما يلاحظ أنه إنما يدعو إلى أن يخلص المرء ذمته، مع البعد كل البعد عما يفضي إلى فتنة أو اضطراب.

(١٦) حقوق الأخوة

المراد بالأخوة الصحبة والصداقة، إلى غير ذلك مما تثمر الألفة، والألفة — كما نص الغزالي — ثمرة حسن الخلق، إذ يوجب التحاب والتآلف والتوافق، كما أن سوء الخلق يثمر التباغض، والتحاسد، والتدابر.

ويجب فيما يرى الغزالي أن يكون للرجل أعداء يبغضهم في الله، كما يجب أن يكون له أصدقاء يحبهم في الله.

ولكن الحب في الله، والبغض في الله غامض. ولكشف الغطاء عنه، قسم الصحبة إلى: ما يقع بالاتفاق، كالصحبة بسب الجوار، أو بسبب الاجتماع في المكتب، أو في المدرسة، أو في السوق، أو على باب السلطان، أو في الأسفار، وإلى ما ينشأ باختيار وبقصد، وهو المراد. إذ لا ثواب ولا عقاب إلا على الأفعال الاختيارية. والصحبة عبارة عن المجالسة، والمخالطة، والمجاورة. وهذه الأمور لا يقصد بها الإنسان غيره إلا إذا أحبه. والذي يحب: إما أن يحب لذاته، وإما أن يحب للتوصل به إلى مقصوده، وذلك المقصود: إما أن يكون مقصورًا على الدنيا وحظوظها. وإما أن يكون متعلقًا بالآخرة، وإما أن يكون متعلقًا بالله تعالى.

حب المرء لذاته وجماله

يرى الغزالي أن الإنسان قد يحب لذاته، لا لفائدة تنال منه في حال أو مآل، بل لمجرد المجانسة، والمناسبة في الطباع الباطنة والأخلاق الخفية، ويدخل في هذا القسم، فيما يرى، الحب للجمال إذا لم يكن للمحب غرض خبيث، فإن الجمال مستملح لذاته، وإن قدر فقد أصل الشهوة. والغزالي يضرب المثل لهذا بالنظر إلى الفواكه، والأنوار، والأزهار والتفاح المشرب بالحمرة، وإلى الماء الجاري والخضرة من غير غرض مذموم إذ تحب لعينها. وهذا الحب كما يقول الغزالي لا يدخل فيه الحب لله، بل هو حب الطبع، وشهوة النفس، وهو مباح لا يوصف بمدح ولا بذم.

الحب للمنافع الدنيوية

وقد يحب الإنسان لينال من ذاته غير ذاته. كما يحب الرجل سلطانًا لانتفاعه بماله، أو جاهه، ويحب خواصه لتحسينهم حاله عنده.

والمتوسل إليه — كما يقول الغزالي — إن كان مقصور الفائدة على الدنيا، لم يكن حبه من جملة الحب في الله، وإن لم يكن مقصور الفائدة على الدنيا، ولكنه لا يقصد به إلا الدنيا كحب التلميذ لأستاذه، فهو أيضًا خارج عن الحب لله، فإنه إنما يحبه ليحصل منه العلم لنفسه، فمحبوبه العلم.

وينقسم هذا الحب فيما يرى الغزالي إلى مذموم ومباح، فإن كان يقصد به التوصل لأغراض مذمومة كقهر الأقران، وحيازة أموال اليتامى، وظلم الرعية بولاية القضاء أو غيره، كان الحب مذمومًا. وإن كان يقصد به التوصل إلى مباح فهو مباح.

الحب للمنافع الأخروية

وقد يحب الإنسان، لا لذاته بل لغيره وذلك الغير ليس راجعًا إلى حظوظه في الدنيا، بل يرجع إلى حظوظه في الآخرة، كمن يحب أستاذه لأنه يتوصل به إلى تحصيل العلم وتحسين العمل ومقصوده من العلم والعمل الفوز في الآخرة. وهذا من جملة المحبين في الله. ومثله من أحب زوجته لأنها آلة إلى مقاصد دينية، كالتحصن والولد الصالح.

الحب لمنافع الدنيا والآخرة

ويقول الغزالي: ليس من شرط حب الله أن لا يحب في العاجلة حظًّا ألبتة. ويقول: إذا اجتمع في قلبه محبتان: محبة الله، ومحبة الدنيا. فاجتمع في شخص واحد المعنيان جميعًا حتى صلح لأن يتوسل به إلى الله وإلى الدنيا، فإذا أحبه لصلاحه للأمرين جميعًا فهو من المحبين في الله، كمن يحب أستاذه الذي يعلمه الدين، وكيفية مهمات الدنيا بالمواساة في المال.

الدنيا خليقة بالحب

ولا يفوتنا أن ننوه بما وفق إليه الغزالي حين قال: «وعلى الجملة، فإذا لم يكن حب السعادة في الآخرة مناقضًا لحب الله تعالى، فحب السلامة، والصحة والكفاية والكرامة في الدنيا، كيف يكون مناقضًا لحب الله؟ والدنيا والآخرة عبارة عن حالتين إحداهما أقرب من الأخرى. فكيف يتصور أن يحب الإنسان حظوظ نفسه غدًا ولا يحبها اليوم؟ وإنما يحبها غدًا لأن الغد سيصير حالًا راهنة. فالحالة الراهنة لا بد أن تكون مطلوبة. إلا أن الحظوظ العاجلة مقسمة إلى ما يضاد حظوظ الآخرة ويمنع منها، وهو الذي احترز عنه الأنبياء، وأمروا بالاحتراز عنه. وإلى ما لا يضاد، وهو الذي لم يمتنعوا عنه كالنكاح الصحيح وأكل الحلال.

وليس بمستنكر أن يشتد حبك لإنسان لجملة أغراض لك ترتبط به، ولا يستحيل اجتماع الأغراض الدنيوية والأخروية، فهو داخل في جملة الحب لله».

وإنما نوهنا بهذه الفقرة لأنها في صوابها تناقض ما يردده الغزالي من احتقار الأغراض الدنيوية، والإشادة بالحياة الأخروية مما يخيل إلى القارئ أن الدنيا عنده أحقر من أن تتعلق بها الأغراض.

الحب لله

وقد يحب الإنسان في الله ولله. ودون أن ينال منه شيئًا، أو يتوسل به إلى أمر وراء ذاته، وهذا أعلى الدرجات، وهو غاية في الدقة والغموض.

ميزان الحب

بين الغزالي أن المرء قد يحب لذاته، وقد يحب لمقصود دنيوي أو أخروي ينال منه، وقد يحب لله، لا لغرض يقصد في حال أو مآل.

ولكن ما هي دلائل ذلك الحب، حميدًا كان أو غير حميد؟ وبأي ميزان يوزن ذلك الميل، حتى تعرف درجات المحبين؟

لقد وضع الغزالي ميزانًا هو أدق موازين الحب في هذا الوجود، وهو المال! وانظر قوله: «ومن أحب ملكًا أو شخصًا جميلًا أحب خواصه وخدمه، وأحب من أحبه، إلا أنه يمتحن الحب بالمقابلة بحظوظ النفس، وقد يغلب بحيث لا يبقى للنفس حظًّا إلا فيما هو حظ المحبوب، وعنه عبر من قال:

أريد وصاله ويريد هجري
فأترك ما أريد لما يريد

وقول من قال:

فما لجرح إذا أرضاكم ألم

وقد يكون الحب بحيث يترك به بعض الحظوظ دون بعض، كما تسمح نفسه بأن يشاطر محبوبه في نصف ماله، أو في ثلثه، أو في عشره. فمقادير الأموال موازين المحبة، إذ لا تعرف درجة المحبوب إلا بمحبوب يترك في مقابلته، فمن استغرق الحب جميع قلبه لم يبق له محبوب سواه فلا يملك لنفسه شيئًا».

المال هو أدق موازين الحب في هذا الوجود، وقد أفصح عن ذلك الغزالي، وإن سبقه قول جميل:

سليني مالي يا بثين فإنما
يبين عند المال كل ضنين

ما للأخ على أخيه

وبعد الميزان الذي وضعه الغزالي للمحبة لا ترانا في حاجة إلى إجمال ما فصله من حقوق الأخوة، ويكفي أن نذكر أنه يرى للأخ حقًّا على أخيه: في نفسه، وماله، وقلبه، ولسانه، ولكل حق من هذه الحقوق درجات تتناسب مع ما تنطوي عليه الصدور من حب قوي أو ضعيف.

حقوق الأخ المذنب

على أني أرى من الواجب أن أذكر رأي الغزالي في حقوق الأخ المذنب، فإنه فيما أعتقد رأي كله صواب، وهو في الوقت نفسه كثير على عصر كالعصر الذي عاش فيه الغزالي، فلسنا نجهل أن الناس كانوا إذ ذاك قليلي التسامح، وأنهم كانوا مملوئين بالريب والظنون.

يرى الغزالي أن الصداقة لحمة كلحمة النسب. والقريب لا ينبغي أن يهجر بالمعصية. فقد قال تعالى للنبي في عشيرته: فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ٨ ولم يقل إني بريء منكم، مراعاة لحق القرابة، ولحمة النسب. قال الغزالي: «ومن حيث أن الأخوة عقد ينزل منزلة القرابة، فإذا انعقدت تأكد الحق، ووجب الوفاء بموجب العقد. ومن الوفاء به أن لا يهمل أيام حاجته وفقره. وفقر الدين أشد من فقر المال. وقد أصابته جائحة، وألمت به آفة افتقر بسببها في دينه، فينبغي أن يراقب ويراعى، ولا يهمل، بل ولا يزال يتلطف به ليعان على الخلاص من تلك الواقعة التي ألمت به، فالأخوة عدة للنائبات، وهذا من أشد النوائب».

وقد توقع الغزالي أن يقول قائل: إن مقارف المعصية لا تجوز مؤاخاته ابتداء فتجنب مقاطعته انتهاء، لأن الحكم إذا ثبت بعلة فالقياس أن يزول بزوالها، وعلة عقد الأخوة التعاون في الدين، ولا يستمر ذلك مع مقارفة المعصية. وقد أجاب بأن المعصية إنما منعت في ابتداء المؤاخاة مع الفاسق لأنه لم يتقدم له حق، أما الأخ المذنب فقد ثبتت أخوته، فلا تسقط بالمعصية، كما لا تسقط القرابة، ومتى بقيت فقد بقي ما كان لها من الحقوق.

ويزيد الغزالي: إن مصاحبة الفاسق خير من مجانبته، إذ كانت الصحبة داعية الرجوع إلى الحق، والإقلاع عن الباطل، بخلاف المجافاة، فقد تقوي فيه الإصرار والعناد.

وهذه عظة بالغة، لأولئك الذين كلما رأوا مبطلًا فروا منه باسم الدين، وهم يفرون من الواجب لو يعلمون!

(١٧) البغض في الله

يقول الغزالي: «كل من يحب في الله لا بد أن يبغض في الله، فإنك إن أحببت إنسانًا لأنه مطيع لله، ومحبوب عند الله، فإن عصاه لا بد أن تبغضه، لأنه عاص لله وممقوت عند الله، ومن أحب لسبب فبالضرورة يبغض لضده، ولكن البغض كما رأيت لا يوجب المجافاة.

العصيان بالاعتقاد

والمخالف لأمر الله إما يكون مخالفًا في عقده أو في عمله، والمخالف في العقد إما مبتدع أو كافر، والمبتدع إما داع إلى بدعته أو ساكت، إما بعجزه أو باختياره: فأقسام الفساد في الاعتقاد ثلاثة:
  • الأول: الكفر والكافر إن كان محاربًا فهو يستحق القتل والإرقاق، وإن كان ذميًّا فلا يجوز إيذاؤه إلا بالإعراض عنه والتحقير له.
  • الثاني: المبتدع يدعو إلى بدعته، فإن كانت البدعة بحيث يكفر بها فأمره أشد من الذمي، لأنه لا يقر بجزية، ولا يسامح بعقد ذمة. وإن كان مما لا يكفر به فأمره بينه وبين الله أخف من أمر الكافر لا محالة، ولكن الأمر في الإنكار عليه أشد منه على الكافر، لأن شر الكافر غير متعد. أما المبتدع الذي يدعو إلى البدعة ويزعم أن ما يدعو إليه حق فهو سبب لغواية الخلق وشره متعد، فالاستحباب في إظهار بغضه، ومعاداته، والانقطاع عنه، وتحقيره، والتشنيع عليه، وتنفير الناس منه، أشد.
  • الثالث: المبتدع العامي، الذي لا يقدر على الدعوة، ولا يخاف الاقتداء به، فأمره أهون. والأولى أن لا يفاتح بالتغليظ والإهانة، بل يتلطف به في النصح، فإن قلوب العوام سريعة التقلب.

العصيان بالفعل

أما العصيان بالفعل لا بالاعتقاد فأنواعه ثلاثة:
  • الأول: وهو أشدها، ما يتضرر به الناس في دنياهم، كالظلم والغضب، وشهادة الزور، والغيبة، والنميمة، وهذه معاص شديدة، لأنها ترجع إلى إيذاء الخلق. وأصحاب هذه المعاصي ينقسمون إلى من يظلم في الدماء، وإلى من يظلم في الأموال، وإلى من يظلم في الأعراض، بعضها أشد من بعض، والاستحباب في إهانتهم، والإعراض عنهم مؤكد جدًّا.
  • الثاني: ما يتضرر به الناس في أخراهم لا في دنياهم، كعمل صاحب الماخور الذي يهيئ أسباب الفساد ويسهل طرقها على الخلق، وهو قريب من الأول، ولكنه أخف منه.
    وأنا لا أفهم كيف يرى الغزالي أن هذا لا يضر الناس في دنياهم.٩
  • الثالث: عمل الذي يفسق به في نفسه، بشرب خمر. أو ترك واجب، أو مقارفة محظور يخصه. والأمر فيه أخف مما سبقه، ولكنه إن صودف وقت مباشرة العمل يجب منعه بما يمتنع به منه، ولو بالضرب والاستخفاف.

نتيجة

ويحسن بالقارئ أن يضم الحب في الله، والبغض في الله، إلى ما قرره الغزالي من وجوب الاحتساب، فإن ضم هذه الأبواب بعضها إلى بعض يعطينا صورة واضحة لما يجب أن يكون عليه المسلم أو المريد أو ذو الخلق الحسن فيما يرى الغزالي.

والرجل الذي أحاط بالحسبة، والحب في الله، والبغض في الله، هو رجل يعرف ما يجب عليه للهيئة الاجتماعية، التي تصلح بصلاح الأفراد، فيهذب نفسه أولًا ليفهم بالضبط ما له وما عليه، ثم يدعو الناس إلى حفظ أموالهم وأنفسهم، وينهاهم عن اقتراف ما يضر بهم وبإخوانهم في الدين، ثم يبغض بقلبه وبجوارحه من يغض من العقيدة، أو يظلم الناس. وقد فصل الغزالي ذلك كله بأسلوب بالغ التأثير، ودعم كلامه بكثير من الآيات والأحاديث والأخبار.

(١٨) آداب الزواج

يسميها الغزالي آداب النكاح، وهو أصح في التعبير، لأن النكاح في كتب التشريع لا يُراد به الجماع، وإنما يقصد به العقد. ولكنا قلنا آداب الزواج مجاراة للعرف الحديث.

وقد وضع الغزالي عدة آداب للنكاح، تعد في الواقع ترغيبًا فيه، وهي في جملتها من الآداب العادية، ويهمني منها أدب واحد، أصاب الغزالي في الاهتمام به، وهو تربية النفس بالزواج على احتمال أعباء المعاش. فقد ذكر أن الفائدة الخامسة من فوائد النكاح «هي مجاهدة النفس ورياضتها بالرعاية والولاية. والقيام بحقوق الأهل والصبر على أخلاقهن، واحتمال الأذى منهن، والسعي في إصلاحهن، وإرشادهن إلى طريق الدين، والاجتهاد في كسب الحلال لأجلهن، والقيام بتربيته لأولاده؛ فكل هذه أعمال عظيمة الفضل، فإنها رعاية وولاية، والأهل والولد رعية، وفضل الرعاية عظيم. وإنما يحترز منها من يحترز خيفة من القصور عن القيام بحقها. وإلا فقد قال عليه السلام: «يوم من وال عادل أفضل من عبادة سبعين سنة.» ثم قال: «ألا كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته.» وليس من اشتغل بإصلاح نفسه وغيره كمن اشتغل بإصلاح نفسه فقط، ولا من صبر على الأذى كمن رفه نفسه وأراحها، فمقاساة الأهل والولد بمنزلة الجهاد في سبيل الله. ولذلك قال بشر: فضل علي أحمد بن حنبل بثلاث: إحداها أنه يطلب الحلال لنفسه ولغيره. وقد قال عليه السلام: «ما أنفقه الرجل على أهله فهو صدقة، وأن الرجل ليؤجر في اللقمة يرفعها إلى في امرأته».

ويقرر الغزالي بعد هذا أن في الصبر على الأهل رياضة للنفس، وكسرًا للغضب، وتحسينًا للخلق. ويذكرني هذا الأدب بما يكرره سيدي الأستاذ الدكتور منصور فهمي في رسائله من كلمة «غرم الحياة وغنمها» ويريد الترحيب بما في الحياة من متاعب، في سبيل ما فيها من الطيبات. والحق أن احتمال الأهل والولد من عزائم الأمور. والشبان الذين ينفرون من الزواج إيثارًا للراحة، إنما هم جبناء، ضعفاء، لا يصلحون للجلاد في ميدان الحياة.

(١٩) الخروج من المظالم

ونريد أن نبين رأي الغزالي فيما يجب على التائب الذي ظلم الناس، لأن في ذلك بيانًا لرأيه في احترام ما يلزم المرء من مختلف الحقوق. وقد بدأ الكلام في هذا الموضوع بقوله عليه السلام: «من كانت له عند أخيه مظلمة في عرض أو مال، فليتحللها منه من قبل أن يأتي يوم ليس هناك دينار ولا درهم».

مظلمة العرض

فإن كانت المظلمة متعلقة بالعرض، فواجب على المغتاب أن يندم ويتوب، ويتأسف على ما فعله، ليخرج من حق الله. ثم يستحل المغتاب ليحله، فيخرج من مظلمته. وينبغي أن يستحله وهو حزين متأسف نادم على فعله، لئلا يقارف بريائه معصية جديدة.

مظلمة المال

وإن كانت المظلمة في المال فعليه أن يميز الحرام، وأن ينظر في مصرفه.

فإن كان الحرام معلوم العين: من غصب، أو وديعة، أو غير ذلك، فأمره سهل. وإن كان متلبسًا فلا يخلو أمره من أن يكون في مال هو من ذوات الأمثال، كالحبوب والنقود والأدهان، أو أن يكون في أعيان متمايزة: كالعبيد والدور والثياب.

فإن كان في المتماثلات، أو كان شائعًا في المال كله، كمن اكتسب بتجارة يعلم أنه قد كذب في بعضها بالمرابحة، وصدق في بعضها، أو من غصب دهنًا وخلطه بدهن نفسه، وفعل ذلك في الحبوب والدراهم والدنانير، فلا يخلو أمره من أن يكون معلوم القدر أو مجهولًا. فإن كان معلوم القدر: كأن يعلم أن قدر النصف من جملة ما له حرام، فعليه تمييز النصف. وإن أشكل فله طريقان: أحدهما الأخذ باليقين، والآخر الأخذ بغالب الظن، وكلاهما قال به العلماء.

وفي الأعيان المتمايزة: كالدور والعبيد، يوزع القاضي الثمن بقدر النسبة. وإن كانت متفاوتة أخذ من طالب البيع قيمة أنفس الدور مثلًا، وصرف إلى الممتنع منه مقدار قيمة الأقل ويقدر التفاوت بالعرف.

صرف المال الحرام

فإذا أخرج الحرام فلا يخلو أمره:
  • (أ)

    إما أن يكون له مالك معين، فيجب الصرف إليه أو إلى وارثه. وإن كان غائبًا فينتظر حضوره. وإن كانت له زيادًا ومنفعة فلتجمع فوائده إلى وقت حضوره.

  • (ب)

    وإما أن يكون لمالك غير معين ميؤوس منه لا يدري أمات عن وارث أم لا. فهذا لا يمكن الرد فيه للمالك، ويوقف حتى يتضح الأمر فيه. فإن لم يعرف المالك تصدق بالمال، وله أن ينفقه على نفسه وعلى أولاده إن كان فقيرًا. ومثل ذلك ما لو تعذر الرد لكثرة الملاك، كفلول الغنيمة، فإنه كيف يقدر على جمع الغزاة بعد تفرقهم؟ وإن قدر فكيف يفرق دينارًا واحدًا على ألف أو ألفين؟

  • (جـ)

    وإما أن يكون من مال الفيء والأموال المرشدة لمصالح المسلمين كافة، فيصرف ذلك إلى القناطر، والمساجد، والطرق، وأمثال هذه الأمور التي يشترك في الانتفاع بها عامة المسلمين.

مظلمة النفس

وإن كانت المظلمة في النفس، كالقتل، فينظر في نوعه، فإن كان خطأ فليسلم الدية، وإن كان عمدًا موجبًا للقصاص فبالقصاص وله أن يتعرف إلى ولي الدم ويحكمه في روحه، فإن شاء عفا عنه وإن شاء قتله. وقد تنبه الغزالي إلى أن هناك ذنوبًا يجب أن تستر، فلا يصح أن يظهر فيها الاستحلال؛ لأن في إظهاره جناية جديدة، والخروج من مثل هذه المظالم يكون بالمجاهدة، ورياضة النفس، والإحسان الموصول إلى من أساء المرء إليه، فإن في الإحسان جبرًا للإساءة، وهو كل ما يستطيعه التائب في مثل هذه الحال.

(٢٠) واجب الاحتساب

الحسبة والاحتساب في عرف المسلمين عبارة عن الأمر بالمعروف إذا ظهر تركه، والنهي عن المنكر إذا ظهر فعله. لقوله تعالى:وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ.١٠ والاحتساب واجب على كل مسلم قادر، وهو فرض كفاية، إذا قام به واحد من المسلمين سقط عن الجميع، ويصير فرض عين على القادر الذي لم يقم به غيره. وإذا كانت القدرة شرطًا للحسبة فقد أصبحت على ذوي السلطان أوجب، لأنهم أقدر من غيرهم. ومتى أقامت الحكومة محتسبًا كان عليه أن يبحث عن المنكر الظاهر ليصل إلى إنكاره، والمعروف المتروك ليأمر بإقامته، وكان لكل مسلم الحق في أن يستعديه فيما يجب إنكاره.

ومن الفروق بين الحسبة والقضاء، أن المحتسب يجوز له أن يتعرض لتصفح ما يأمر به من المعروف، وينهى عنه من المنكر، وإن لم يحضره خصم مستعد، وليس للقاضي أن يتعرض لذلك إلا بحضور خصم يجوز له سماع الدعوى منه. وأنه يجوز للمحتسب أن يستعمل القوة فيما يتعلق بالمنكرات، وليس للقاضي غير فحص القضية بالأناة والوقار.

ويطول بنا القول لو أردنا سرد الفروق بين الحسبة، وأحكام القضاء، وأحكام المظالم في الحكومات الإسلامية، فلنكتف بهذا القدر، تمهيدًا لرأي الغزالي في شروط الاحتساب.

شروط المحتسب

ولا يجب على امرئ فيما يرى الغزالي أن يأمر بخير، أو ينهى عن شر، إلا بالشروط الآتية:
  • أولًا: أن يكون مكلفًا، فلا يجب على الصبي أمر بمعروف، ولا نهي عن منكر بل يجوز له ذلك، وليس لأحد أن يمنعه.
  • ثانيًا: أن يكون مؤمنًا. ومفهوم أن الغزالي لا يعترف للجاحد بشيء حتى يصلح للإرشاد.
  • ثالثًا: أن يكون عدلًا. ويناقش الغزالي هذا الشرط، ويذكر أن الأنبياء قد اختلف في عصمتهم عن الخطايا، والقرآن العزيز دال على نسبة آدم عليه السلام إلى المعصية، وكذا جماعة من الأنبياء، فلو اشترطنا في الإرشاد أن يكون متعاطيه معصومًا عن المعاصي لأغلق هذا الباب.
  • رابعًا: أن يكون مأذونًا من الإمام والوالي. وقد ناقش الغزالي هذا الشرط، ورأى أن تخصيص الاحتساب بإذن الوالي بعد إطلاقه في الأحاديث والآيات تحكم لا أصل له. وقرر أنه يجب على المرء زجر العاصي أينما رآه، وكيفما رآه.
  • خامسًا: أن يكون قادرًا، فليس على العاجز حسبة إلا بقلبه. ولا يقف سقوط الوجوب عند العجز الحسي، بل يلتحق به ما يخاف منه مكروهًا يناله، فذلك في معنى العجز، وكذلك إذا لم يخف مكرهًا وعلم أن إنكاره لا ينفع، وقد اختلفت كلمة الغزالي في هذه النقطة ففي ص٣٢٢ ج٣ من الإحياء ينص على سقوط وجوب الحسبة حين يعلم أنها لا تفيد. وفي ص١٥٣ ج١ يقول: في النهي عن كشف العورة في الحمام «فأما قوله: اعلم أن ذلك لا يفيد ولا يعمل به فهذا لا يكون عذرًا، بل لا بد من الذكر، فلا يخلو قلب امرئ عن التأثر من سماع الإنكار واستشعار الاحتراز عند التلبس بالمعاصي. وذلك يؤثر في تقبيح الأمر في عينه وتنفير نفسه عنه فلا يجوز تركه».

وقد توقع الغزالي أن يقول قائل: إن المكروه المتوقع ما حده الإنسان. فإن الإنسان قد يكره كلمة، وقد يكره ضربة، وقد يكره طول لسان المحتسب عليه في حقه بالغيبة، وما من شخص يؤمر بالمعروف إلا ويتوقع منه نوع من الأذى. وقد يكون منه أن يسعى به إلى سلطان، أو يقدح فيه في مجلس يتضرر بقدحه فيه، فما حد المكروه الذي يسقط الوجوب به؟

وأجاب الغزالي بأن الحسبة لا تسقط إلا بالمكروه الظاهر كمن يعلم أنه يضرب ضربًا مؤلمًا يتأذى به، أو يعلم بأنه تنهب داره، ويخرب بيته، وتسلب ثيابه.١١

المنكر المنهي عنه

ولا ينهى عن شيء فيما يرى الغزالي إلا بالشروط الآتية:
  • أولًا: أن يكون منكرًا، أي محذور الوقوع في الشرع. قال الغزالي: «وإنما عدلنا عن لفظ المعصية إلى هذا، لأن المنكر أعم من المعصية، إذ من رأى صبيًّا أو مجنونًا يشرب الخمر فعليه أن يريق خمره ويمنعه، وكذا إن رأى مجنونًا يزني بمجنونة أو بهيمة، فعليه أن يمنعه. ثم قال: ولا تختص الحسبة بالكبائر، بل كشف العورة في الحمام، والخلوة بالأجنبية، واتباع النظر للنسوة الأجنبيات، كل ذلك من الصغائر ويجب النهي عنه».
  • ثانيًا: أن يكون المنكر موجودًا في الحال، فلا حسبة على من فرغ من شرب الخمر، ولا على من يعلم من قرينة حاله أنه عازم على الشرب في ليلته.
  • ثالثًا: أن يكون المنكر ظاهرًا، فكل من ستر معصية في داره وأغلق بابه لا يجوز أن يتجسس عليه، وقد أمرنا أن نستر ما ستر الله، وننكر على من أبدى لنا صفحته.
  • رابعًا: أن يكون المنكر معلومًا بغير اجتهاد، فكل ما هو في محل الاجتهاد فلا حسبة فيه، وهذا الشرط الأخير يدل على قدر الغزالي لحرية الرأي والتفكير، وما أحوج المصلحين إلى تأمله والعمل بمقتضاه!

صفات المرشد

ويجب أن يتصف المرشد بالعلم، والورع، وحسن الخلق.

أما العلم فليعلم مواقع الحسبة، وحدودها، ومجاريها، وموانعها، ليقتصر على حد الشرع. وأما الورع فليردعه عن مخالفة معلومة، فربما يعلم أنه مسرف في الحسبة، وزائد على الحد المأذون فيه شرعًا، ولكن يحمله عليه غرض من الأغراض، وأما حسن الخلق فليتمكن به من اللطف والرفق، وهو أصل هذا الباب.

قال الغزالي: «فهذه الصفات الثلاث بها تصير الحسبة من القربات وبها تندفع المنكرات، وإن فقدت لم يندفع المنكر، بل ربما كانت الحسبة أيضًا منكرة لمجاوزة حد الشرع فيها».١٢

وقد نص على أن اشتراط الورع ليس معناه أن الأمر بالمعروف يصير ممنوعًا بالفسق، وإنما يسقط أثره من القلوب بظهوره للناس.

أنواع المنكرات

قسم الغزالي المنكرات إلى مكروهة ومحظورة، وبين أن منع المكروه مستحب، والسكوت عليه مكروه، وليس بحرام إلا إذا لم يعلم الفاعل أنه مكروه فيجب ذكره له، لأن الكراهة حكم في الشرع يجب تبليغه من لا يعرفه، وأن منع المحظور واجب والسكوت عليه حرام.

ثم ذكر طائفة من المنكرات التي تجري في المساجد، والأسواق، والشوارع، والحمامات، والضيافة، وآراؤه في هذا الباب مسددة، ترجع إلى الحرص على سلامة الناس في دينهم ومعاشهم، وإصلاح ذات بينهم. فمنها دعوته إلى منع ما يؤدي إلى تضييق الطرق واستضرار المارة، ودعوته إلى منع الملاك من تحميل الدواب ما لا تطيقه، وهو رفق بالحيوان. ودعوته إلى منع الإسراف في الطعام والبناء. والذي يتأمل ما سرده الغزالي في المنكرات يدرك مبلغ حرصه على غرس الرجولة والشرف في نفوس الأفراد والجماعات.

درجات الاحتساب

للاحتساب درجات، وهي:
  • (١)

    التعريف.

  • (٢)

    ثم النهي.

  • (٣)

    ثم الوعظ.

  • (٤)

    ثم النصح.

  • (٥)

    ثم السب والتعنيف.

  • (٦)

    ثم التغيير باليد.

  • (٧)

    ثم التهديد بالضرب.

  • (٨)

    ثم إيقاع الضرب وتحقيقه.

  • (٩)

    ثم شهر السلاح.

  • (١٠)

    ثم الاستظهار بالأعوان وجمع الجنود.

وفي الدرجة الأخيرة يقول الغزالي: «وربما يستمر الفاسق أيضًا بأعوانه، ويؤدي ذلك إلى أن يتقابل الصفان ويتقاتلا، فهذا قد ظهر الاختلاف في احتياجه إلى إذن الإمام. فقال قائلون: لا يستقل آحاد الرعية بذلك، لأنه يؤدي إلى تحريك الفتن وهيجان الفساد وخراب البلاد. وقال آخرون: لا يحتاج إلى الإذن. وهو الأقيس. لأنه جاز للآحاد الأمر بالمعروف، وأوائل درجاته قد تجر إلى ثوان وثوالث، وقد ينتهي لا محالة إلى التضارب، والتضارب يدعو إلى التعاون. فلا ينبغي أن يبالي بلوازم الأمر بالمعروف، ومنتهاه تجنيد الجنود في رضا الله ودفع معاصيه.» ص٣٣٦ ج٣.

إرشاد الأمراء

ولا يجوز من درجات الاحتساب مع الأمراء والسلاطين — فيما يرى الغزالي — إلا الرتبتان الأوليان وهما التعريف والوعظ. أما المنع بالقهر فليس لآحاد الرعية مع السلطان، فإن ذلك يحرك الفتن ويهيج الشر، ويكون ما يتولد عنه من المحذور أكثر.

وأما التخشين في القول، كقوله: يا ظالم، يا من لا يخاف الله، وما يجري مجراه، فذلك إن كان يحرك فتنة يتعدى شرها إلى غيره لم يجز، وإن كان لا يخاف إلا على نفسه، فهو جائز، بل مندوب إليه، ومن قتل في هذا فهو شهيد.

١  انظر ص ١٥ ج ١ من شرح الزبيدي.
٢  ليس بمستعص على الإنسان أن يفهم ذلك من كلام الغزالي. إذ هو يدير كلامه على محور واحد هو الرفق بالناس ورفع الحرج عنهم وعدم إرهاقهم بما يكون فيه مشقة عليهم. (عبد الوهاب النجار)
٣  سورة النساء: ١١٩.
٤  سورة النساء: ٣٤.
٥  سورة يوسف: ٢٥.
٦  إن النساء يغلب عليهن المزاج العصبي فهن يتأثرن بالتافه من الأمور ويحملن من الهفوة الصغيرة أمرًا خطيرًا ويصيرن الحبة من مخالفتهن قبة ويبنين علالي الشقاق على أوهن أساس. وهذا أمر لا يعرفه إلا مجرب ممارس لأحوال الزوجات وبخاصة من كان لهن في البيت نظائر ومنافسات كزوجة أخي الزوج وأخته ونحو ذلك من أم الزوج. وهكذا فهناك الشقاق الدائم والخصام الذي لا ينقضي. ولا دواء لذلك سوى أن يكون الزوج قاهر الحكم، نافذ الكلمة، مطاع الأمر، فإذا ضعف أو وهن فلا انقضاء لشقاء البيت. (عبد الوهاب النجار)
٧  ص ٥٥ «التبر المسبوك».
٨  سورة الشعراء: ٢١٦.
٩  لم يكن للزنا في عهده من المضار الدنيوية من الأمراض الفتاكة كالزهري ونحوه ما له اليوم فلم يرتق بنظره إلى أكثر من الضرر الديني لأنه هو الماثل أمامه. (عبد الوهاب النجار)
١٠  سورة آل عمران: ١٠٤.
١١  انظر ص ٣٢٣ ج ٢ إحياء.
١٢  ص ٣٣٧ ج ٣ إحياء.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠