في تأثير الغزالي في عصره وما تلاه من العصور

(١) تجديده للقرن الخامس

وكان جمهور المسلمين فيما سلف يعتقد أن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد أمر الدين، ولهم في هذه العقيدة كلام طويل، وفيها يقول جلال السيوطي في أرجوزته:

والشرط في ذلك أن تمضي المائة
وهو على حياته بين الفئة
يشار بالعلم إلى مقامه
وينصر السنة في كلامه
وأن يكون جامعًا لكل فن
وأن يعم علمه أهل الزمن
وأن يكون في حديث قد روي
من أهل بيت المصطفى وقد قوي
وكونه فردًا هو المشهور
قد نطق الحديث والجمهور

وهم يعتقدون أن مبعوث المائة الأولى عمر بن عبد العزيز ومبعوث الثانية الشافعي، والثالثة الأشعري أو ابن سريج، والرابعة الإسفراييني أو الصعلوكي أو الباقلاني. ويتفقون على أن مبعوث المائة الخامسة هو الغزالي، ويقول السيوطي في ذلك:

والخامس الحبر هو الغزالي
وعده ما فيه من جدال١

وأنا لا أريد الآن تحقيق هذه الفكرة، وبيان ما ترتكز عليه من أساس قوي أو ضعيف، فهي في ذاتها فكرة سخيفة، ونظم السيوطي فيها أسخف، ويكفي أن يعلم القارئ أن الغزالي بذ معاصريه، وأخملهم، حتى جاء المتأخرون فعدوه مجدد المائة الخامسة، وقد يكونون مخطئين!

(٢) المنامات والأحلام

ومما يدل على أن الغزالي شغل الناس، واحتل أفئدتهم، وصار موضع وساوسهم، وهواجسهم، وأحلامهم، ما رأيناه لغير واحد من المنامات المتشابهة في تأييد الغزالي، ونشر فضله.

فهذا السبكي يذكر في طبقاته أنه كان في زمانه شخص يكره الغزالي ويذمه ويعيبه في الديار المصرية، فرأى النبي في المنام، وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما بجانبه، والغزالي جالس بين يديه وهو يقول: يا رسول الله هذا يتكلم في! وأن النبي قال: هاتوا السياط، وأمر به فضربه لأجل الغزالي، وقام هذا الرجل من النوم وأثر السياط على ظهره، ولم يزل، وكان يبكي ويحكيه للناس (!؟).

ويذكر السبكي أيضًا أن أبا الحسن بن حرزهم لما وقف على الإحياء وتأمله، قال: هذا بدعة، مخالف للسنة، وكان شيخًا مطاعًا في بلاد المغرب، فأمر بإحضار كل ما فيها من نسخ الإحياء، وطلب من السلطان أن يلزم الناس بذلك، فكتب إلى النواحي، وشدد في ذلك، وتوعد من يخفي شيئًا منه، فأحضر الناس ما عندهم واجتمع الفقهاء، ونظروا فيه، ثم أجمعوا على إحراقه يوم الجمعة وكان ذلك يوم الخميس، فلما كانت ليلة الجمعة رأى ابن حرزهم في المنام كأنه داخل من باب الجامع الذي تعود الدخول منه، فرأى في ركن المسجد نورًا، وإذا بالنبي وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما جلوس، والإمام أبو حامد قائم وبيده الإحياء فقال: يا رسول الله، هذا خصمي! ثم جثا على ركبتيه وزحف عليهما إلى أن وصل إلى النبي فناوله كتاب الإحياء، وقال: يا رسول الله انظر فيه، فإن كان بدعة مخالفًا لسنتك كما زعم تبت إلى الله تعالى، وإن كان شيئًا تستحسنه حصل لي من بركتك، فأنصفني من خصمي! فنظر فيه رسول الله ورقة ورقة إلى آخره، ثم قال: إن هذا شيء حسن، ثم ناوله أبا بكر فنظر فيه كذلك، ثم قال: نعم! والذي بعثك بالحق يا رسول الله إنه حسن! ثم ناوله عمر فنظر فيه كذلك، ثم قال كما قال أبو بكر، فأمر رسول الله بتجريد أبي الحسن بن حرزهم من ثيابه، وضربه حد المفتري، فجرد وضرب، ثم شفع فيه أبو بكر بعد خمسة أسواط، وقال: يا رسول الله، إنما حصل ذلك منه اجتهادًا في سنتك وتعظيمًا. فعفا عنه أبو حامد عند ذلك، فلما استيقظ من منامه وأصبح أعلم أصحابه بما جرى، ومكث قريبًا من الشهر متألمًا من الضرب، ثم سكن عنه الألم، ومكث إلى أن مات، وأثر السياط على ظهره (؟!).

وهناك المنام الذي رأى فيه أبو الفتح الساوي أنه تلا بين يدي رسول الله قواعد العقائد الذي صنفه الغزالي، وهو منام طويل نقله السبكي في طبقاته. وقد كنت وضعت قائمة لأمثال هذه المنامات، ثم بدا لي أن أقتصر على ما ذكرت رغبة في الإيجاز.

وأنا لا أتخذ من هذه الأحلام دليلًا على أن الغزالي من أصحاب الكرامات، كما نوه بذلك مترجموه، كلا! وإنما أتخذها دليلًا على ما وصلت إليه منزلة الرجل في قلوب المسلمين، فإن لما يراه المرء في منامه صلة قوية بما يلهج به في يقظته، وهؤلاء الذين جلدوا في منامهم، لا يبعد أن يكونوا استشعروا خوف الغزالي وهم أيقاظ، وعلى الأخص إذا لاحظنا ما شاع بين المسلمين في تلك العصور الخوالي من سلطة الأولياء، وتصرفهم المطلق في عالم الأحياء، وسبحان من جل عن الشريك!

(٣) تلامذة الغزالي وأصحابه

ومما يبين عن أثر العالم في عصره تلامذته وأصحابه: فهم في علمهم وأدبهم أثر من آثاره. وقد أثر الغزالي تأثيرًا حسنًا في جمهور كبير من تلامذته وأصحابه، ذكرهم الزبيدي، منهم القاضي أبو نصر أحمد بن عبد الله الخمقري (نسبة إلى خمس قرى التي تعرف بسيخ رية) ولد سنة ٤٦٦ وتوفي سنة ٥٤٤هـ. ومنهم الإمام أبو الفتح أحمد بن علي بن محمد بن برهان — بفتح الباء — ولد سنة ٤٧٦ وتوفي سنة ٥١٨. ومنهم أبو منصور محمد بن إسماعيل بن القاسم الطوسي توفي سنة ٤٨٦. ومنهم أبو سعيد محمد بن أسعد بن محمد النوقاني قتل في مشهد علي بن موسى الرضى سنة ٥٥٤ في واقعة النفر. ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله ابن تومرت المصمودي الملقب بالمهدي صاحب دعوة سلطان المسلمين عبد المؤمن بن علي ملك المغرب، دخل الشرق وتفقه على الغزالي. ومنهم أبو حامد محمد بن عبد الله بن محمد الجوزقاني الإسفراييني. ومنهم أبو سعيد محمد بن علي الجاواني الكردي حدث بكتاب «إلجام العوام» للغزالي عنه. ومنهم الإمام أبو سعيد محمد بن يحيى بن منصور ولد سنة ٤٧٦ وهو من أشهر تلامذة الغزالي، تفقه عليه وشرح كتابه «البسيط».

وما أريد أن أطيل في هذا الباب، وإنما أنص هنا على أن تلامذة الغزالي أحدثوا أثرًا كبيرًا في الحياة الإسلامية، وأكثرهم ماتوا شهداء، وليس اشتراك العلماء في الحركات العامة، إلا أثرًا لقوتهم المعنوية، وإيمانهم بما يدعون إليه. وأنص أيضًا على أن تلامذة الغزالي لم يعرفوه غالبًا إلا بمؤلف الإحياء، فهم لم يصحبوه لمؤلفاته في الفقه أو المنطق أو الأصول، وإنما صحبوه على أنه داعٍ إلى الله، ومرشد لمكارم الأخلاق.

(٤) مؤلفاته وفتاواه

ومما يدل على مبلغ تأثير الغزالي في الحياة الإسلامية عناية الناس بمؤلفاته وفتاواه، فإنا نجد مثلًا كتابه الوجيز في الفقه وضع له نحو سبعين شرحًا كما قال الزبيدي، وقد قيل: لو كان الغزالي نبيًّا لكان معجزته الوجيز! وممن شرح هذا الكتاب الفخر الرازي وأبو الثناء محمود بن أبي بكر الأرموي. والعماد أبو حماد بن يونس الأريلي وأبو الفتوح العجلي، وأبو القاسم عبد الكريم بن محمد القزويني الرافعي، وقد اختصر النووي من شرح الرافعي كتابًا سماه الروضة، وأخرج أحاديثه ابن الملقن في سبع مجلدات، سماه البدر المنير، ثم اختصره في أربع مجلدات وسماه الخلاصة، ثم لخص جزءًا، وسماه المنتقى. ولخصه أيضًا الحافظ ابن حجر، وشرح الوجيز أيضًا البدر الزركشي، والبدر بن جماعة، والشهاب البوصيري، والجلال السيوطي.

ونجد أيضًا كتابه «الوسيط» في الفقه، شرحه تلميذه محمد بن يحيى النيسابوري شرحًا سماه «المحيط» في ستة عشر مجلدًا، وشرحه نجم الدين أحمد بن علي بن الرفعة في ستين مجلدًا وسماه «المطلب» وشرحه النجم القمولي وسماه «البحر المحيط»، وشرحه عدد غير هؤلاء ذكرهم الزبيدي في ص٤٣ ج١ شرح الإحياء.

وقال عمر بن عبد العزيز بن يوسف الطرابلسي يمدح كتبه الأربعة في الفقه:

هذب المذهب حبر
أحسن الله خلاصه
ببسط ووسيط
ووجيز وخلاصه

ونجد كذلك كتابه «المستصفى» في الأصول موضع عناية العلماء، فقد اختصره أبو العباس أحمد بن محمد الأشبيلي المتوفى سنة ٦٥١هـ. وشرحه أبو علي الحسن بن عبد العزيز الفهري المتوفى سنة ٧٧٦هـ. وعليه تعليقات لسليمان بن داود الغرناطي المتوفى سنة ٨٣٢هـ.

ونجد كتابه «تهافت الفلاسفة» قد أحدث رجة عنيفة بين فلاسفة المسلمين، فقام ابن رشد المتوفى سنة ٥٩٥هـ، وألف كتابًا في نقده، ومقام ابن رشد في عالم الفلسفة غير مجهول. ثم جاء خوجه زاده المتوفى سنة ٨٩٣هـ، وألف كتابًا في التحكيم بين الغزالي وابن رشد بإشارة السلطان محمد الفاتح العثماني. ووضع علاء الدين بن علي الطوسي كتابًا في المحاكمة بين الغزالي وابن رشد سماه «الذخيرة» ومنه نسخة بدار الكتب المصرية نمرة ١٧٤.

ونجد كتابه «قواعد العقائد» شرحه ركن الدين الاستراباذي ومحمد أمين بن صدر الدين الشرواني.

ونجد العلماء عنوا بتحقيق نسبة (المضنون به على غير أهله) إلى الغزالي. وممن بحث ذلك السبكي وصاحب «تحفة الإرشاد» وصنف أبو بكر محمد بن عبد الله المالقي المتوفى سنة ٧٥٠هـ، كتابًا في رده، وهذا مظهر لعناية العلماء بنفي ما دس عليه.

وليست عناية العلماء بفتاواه بأقل من عنايتهم بكتبه، فقد جمعها غير واحد، بل رأينا من كتبه دروسه التي كان يعظ بها الناس في بغداد، ورأيناهم يحفظون ما نقل عنه من القصائد المتفرقة (انظر نمرة ٢٤٣، ١٢٨، ٥٦٢، ٢٧٦٢ من فهرست دار الكتب المصرية).

ولو رجعنا إلى ما ألف في الوعظ والفقه في الأعصر الأخيرة لرأينا أكثر المؤلفين يرجعون إلى الغزالي في أكثر الأبواب.

وقد أخبرني صديقي عبد القوي أفندي الحلبي أن من النادر أن تنشأ مكتبة في أي قطر من الأقطار الإسلامية، ولا تشتمل قائمتها على طائفة من كتب الغزالي في الفقه والأخلاق.

(٥) علاقة الفقه بالأخلاق

وقد يبدو لأول نظرة، أن لا صلة بين اهتمام العلماء بمؤلفاته في الفقه وبين تأثرهم بما كتب في الأخلاق، ولكننا لو عرفنا أن الروح السائد في ذلك العصر كان يجمع بين الفقه والتصوف، لرأينا ان اهتمام المؤلفين بشرح مصنفات الغزالي إنما كان أثرًا لإيمانهم بصلاحه وتقواه، وقد كانت الأوساط الفقهية ولا تزال تعتقد أن لصلاح المؤلف تأثيرًا في الانتفاع بمؤلفاته، ولو كتب في الحساب والنجوم.

أضف إلى هذا أن الغزالي نفسه كان يعنى بالفقه والتوحيد في مؤلفاته الأخلاقية، فكأنه يرى هذين الفنين جزءًا أو مقدمة لعلم الأخلاق.

والذي عنوا بنقد كتبه إنما التفتوا أيضًا إلى الوجهة الأخلاقية، فالقضاة منهم كانوا يرونه خطرًا على الأخلاق، لأنه بجانب الشريعة، وهي فيما يرون أساس الأخلاق. والفلاسفة منهم كانوا يخافونه على الأخلاق، لأن لها قواعد متينة تلقوها عن معلميهم، وصاحبنا هذا يريد أن يأتي على تلك القواعد بإذاعته وساوس المتصوفة، وقد وقع ما كانوا يحذرون.

(٦) تأثير الإحياء

ولئن قالوا في «الوجيز» ما قالوا، ووضعوا عليه ما شاءوا من عشرات الشروح، وفعلوا مثل ذلك أو قريبًا منه في مؤلفاته في الفقه، والتوحيد، والأصول، فإن أبعد كتبه أثرًا، وأسيرها ذكرًا، وأبقاها على وجه الدهر، هو كتابه «إحياء علوم الدين» بلا جدال.

كتب الغزالي في الفقه، ولكن لم يجدد مذهبه إلا بمقدار، فلم يثر فتنة. وكتب في المنطق، ولكنه لم يزد عن سواه غير الإبانة والإيضاح. وكتب في الأصول، ولكن بحيث لا يثير الخصومة، ولا يهيج اللدد. وكتب في الفلسفة. ولكنه لم يزد على أن تغنى بليلى معاصريه. وكتب في التوحيد، فلم يخالف الأشاعرة إلا قليلًا، فظل مستور الحال.

وما كتب «الإحياء» حتى التفت الناس إليه من كل جانب، وسار اسمه مسير الشمس، وشغلت به جميع القلوب، شوقًا إليه أو عتبًا عليه، أو بغضًا له، أو رفقًا به. وقد شهد هذه الضجة، وسمع هذه الصيحة، وهو حي يرزق. وحاول أن يهدي ناقديه بكتاب يوضح فيه ما غمض في الإحياء، وهو «الإملاء على إشكالات الإحياء» ولكنه في الواقع لم يزده إلا إشكالًا إلى إشكال. فلج الناس في المراء فوضع كتابه «المنهاج» على أن يكون موضع وفاق، فكان في الواقع أيضًا ضغثًا على إبالة، ثم مات الغزالي قبل أن يحسم هذا النزاع، فلم تهدأ العاصفة بموته، بل قامت قيامة الجدل بين تلامذته وبين خصومه، ولا يزالون مختلفين!

ويمكن الحكم بأن الخصومة التي كانت بين أنصار الغزالي وبين خصومه كانت خصومة بين الشريعة والتصوف، فإن أنصار الغزالي جميعًا صوفية، أو شبه صوفية، وخصومه جميعًا من علماء الشريعة، وأبعدهم غورًا في النيل منه هم المتصدرون للفتيا والقضاء.

فبينا نجد ابن القيم يرميه (بالتخليط والهذيان) نجد أبا الحسن الشاذلي يذكر أنه رأى النبي في منامه وقد باهى موسى وعيسى بالغزالي. وقال: أفي أمتيكما حبر كهذا؟ فقالا: لا! ونجد أبا العباس المرسي يشهد له بالصديقية العظمى! وليت شعري ما هيه؟

والفرق كبير بين من يرميه بالتخليط والهذيان وبين من يحلم بأن لا نظير له في أمة موسى وعيسى عليهما السلام.

وقد قدمت لك شيئًا من المنامات المتعلقة به، وبينت ما لها من أسباب، وأزيد الآن أن كل هذه المنامات مسببة عن «الإحياء» فهي تارة تقع لناقدي ذاك الكتاب، وتارة تقع للمنتفعين به من علماء الإسلام.

والذين أحرقوا «الإحياء» لم يحرقوه لأنه كتاب هين، والذين ألفوا الكتب في نقده، لم يفعلوا ذلك لأنه كتاب هين، وإنما نقده هؤلاء، وأحرقه أولئك، لأنه فيما يرونه كتاب خطر، وليكن خطرًا على الإسلام والمسلمين، وليكن كتاب شر وفتنة، وليكن كتلة زندقة وإلحاد، فهو على كل حال كتاب رهيب خشيه أولئك الناس، وهذا ما يعنينا الآن.

وأشهر من نقد «الإحياء» الإمام أبو عبد الله المأزري المالكي المتوفى سنة ٥٣٦هـ وقد ناقشه السبكي في طبقاته، فليرجع إليه من شاء، ويتلخص نقد المأزري في أن الغزالي غير ثقة فيما تعرض له من الفنون، وأن كتابه «متردد بين مذاهب الموحدين والفلاسفة وأصحاب الإشارات» ويتلخص رد السبكي في رمي المأزري بالحسد والكيد للصوفية في شخص الغزالي، وممن نقده أبو الوليد الطرشوشي وتجد جملة من نقده في الجزء الأول من شرح «الإحياء» للزبيدي. فأما الذين كتبوا في فضل الإحياء فهم كثير: منهم الشيخ عبد القادر العيدروس، وضع كتابًا سماه: «تعريف الأحياء، بفضل الإحياء» وفي أيدي الناس كتاب لبعض الفضلاء اسمه: «بغية القاصدين لفضائل إحياء علوم الدين».

وأطال السبكي في مدحه حتى نقل عن بعض المحققين أنه قال: «لو لم يكن للناس في الكتب التي صنفها الفقهاء الجامعون في تصانيفهم بين النقل والنظر والفكر والأثر غيره لكفى.» ثم قال: «وهو من الكتب التي ينبغي للمسلمين الاعتناء بها وإشاعتها ليهتدي بها كثير من الخلق، وقلما ينظر فيه ناظر إلا ويتعظ به في الحال».

ويدل على مبلغ تأثير «الإحياء» عناية العلماء به، فإنا نجد الحافظ العراقي يخرج أحاديثه في كتابين: أحدهما كبير الحجم في مجلدين، وهو الذي صنفه في سنة ٧٥١هـ ثم اختصره في مجلد وسماه «المغني عن حمل الأسفار». ثم أتى تلميذه شهاب الدين بن حجر العسقلاني فاستدرك عليه ما فاته في مجلد. وصنف الشيخ قاسم بن قطلوبغا الحنفي كتابًا سماه: «تحفة الأحياء فيما فات من تخريج أحاديث الإحياء» وقد سبقت كلمتنا فيما نقل السبكي من الأحاديث الموضوعة.

وممن اختصر «الإحياء» أبو الفتوح أحمد بن محمد الغزالي المتوفى بقزوين سنة ٥٢٠هـ وسماه «لباب الإحياء» وأحمد هذا هو أخو الغزالي. ثم اختصره أحمد بن موسى الموصلي المتوفى سنة ٦٢٢هـ. ثم محمد بن سعيد اليمني، ويحيى بن أبي الخير اليمني، ومحمد بن عمر بن عثمان البلخي وسماه «عين العلم وزين الحلم» (انظر نمرة ١٠٩ من فهرست دار الكتب المصرية). واختصره عبد الوهاب بن علي الخطيب المراغي وسماه «لباب الإحياء» واختصره الشمس محمد بن علي بن جعفر العجلوني المشهور بالبلالي شيخ خانقاه سعيد السعداء بمصر المتوفى سنة ٨٢٠هـ.

واختصره ابن الجوزي في كتابه سماه: «منهاج القاصدين» ومنه نسخة مخطوطة بدار الكتب المصرية نمرة ١٦٧.

وللإحياء شرح مطول يقع في عشر مجلدات، وفيما شاء الله من الصفحات، ألفه الزبيدي، وقد اعتمدت على هذا الشرح في تحقيق كثير من مواطن الخلاف.

ولم يقف الأمر عند شرح الإحياء، واختصاره، وتخريج أحاديثه، بل وضعت الأبحاث المفردة، لشرح كلمة وردت في الإحياء، وهي: «ليس في الإمكان أبدع مما كان» وممن شرح هذه الكلمة: عبد الوهاب الشعراني، وعبد الكريم الجبلي، ومحمد المغربي شيخ الجلال السيوطي، وأحمد بن مبارك السجلماسي، وأبو بكر بن عربي. ووضع ناصر الدين بن المنير الإسكندري رسالة في هذه المسألة سماها: «الضياء المتلالي في تعقب الإحياء للغزالي» وفي مناقضة هذه الرسالة ألف السيد السمهودي رسالة تقع في سبعة كراريس كما قال الزبيدي. وألف البرهان البقاعي رسالة في هذه المسماة سماها «تهديم الأركان» وألف الجلال السيوطي رسالة ناقض بها البقاعي سماها «تشييد الأركان».

(٧) الانتفاع بمؤلفات الغزالي

ولقد تتبعت العصور التي تلت عصر الغزالي فوجدت الانتفاع بمؤلفاته ظاهرًا كل الظهور في حياة علماء الدين والتصوف والأخلاق. ولقد رأيت من بينهم من هم يحفظ كتاب الإحياء عن ظهر قلب. ورأيت منهم من كان يتقرب إلى الله بنسخ هذا الكتاب. وتجد في ص٦٩ ج٣ من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» مظهرًا لأثر الغزالي في ذلك العصر، إذ تجد من العلماء من يتخذ وردًا من الإحياء كما يتخذ وردًا من القرآن ولولا خوف الإطالة لضربت للقارئ عشرات الأمثال.

وفي العصر الحاضر يدرس كتاب الإحياء في الأزهر والمعاهد الدينية، وكان الأستاذ الشيخ محمد عبده قرر أن يدرس معه كتاب ابن مسكويه في تهذيب الأخلاق، ولكن رأى العلماء فيه آراء فلسفية، فقرروا لذلك حذفه، لئلا يفسد الطلاب.

والأستاذ الشيخ يوسف الدجوي ينصح لتلامذته دائمًا بالانتفاع بكتاب الإحياء. وكنت ممن أوصاهم بذلك، ولكن الله لم يشأ أن أكون كما أراد الأستاذ، فقد رأيت كيف صورت الغزالي بصورة الذي قد يخطئ وقد يصيب، وهذا من مثلي كثير!

وأثر الغزالي ظاهر في مؤلفات الشيخ الدجوي، وهو أيضًا سبب ضعف تلك المؤلفات: فإن كتاب «سبيل السعادة» الذي وضعه الأستاذ منذ بضع سنين يشبه أن يكون خلاصة مشوهة للآراء الحديثة في فهم أصول الأخلاق، وفضيلة الشيخ معذور لأنه لا يعرف لغة أجنبية، ولأنه يبغض المدنية الحديثة من أعماق صدره، ويستبعد الاهتداء بآراء الفلاسفة المحدثين!

ويمكن الحكم بأن دراسة كتاب الإحياء في الأزهر مجردًا من آراء المفكرين في نقده، وتمييز غثه من سمينه، كانت السبب في إفساد العقلية الأزهرية، وجعلها غير صالحة لأن تسمو بأصحابها إلى الطمع في أن تكون العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.

والأمل كبير في أن يصل هذا الصوت إلى من بيدهم الأمر في الأزهر والمعاهد الدينية: فيغيروا ذلك المنهج القديم في دراسة الأخلاق، فإن في الأزهر ولواحقه نحو عشرين ألفًا من الطلبة تميتهم تلك المذاهب البالية، التي يعولون عليها في فهم نزعات النفوس، وخلجات القلوب. وسبحان من لو شاء لهدانا وإياهم سواء السبيل!

(٨) عناية الأجانب بالغزالي

ومما يتصل بتأثير الغزالي في الحياة العلمية عناية الأجانب به: فقد كتبت عنه عدة مؤلفات بالفرنسية، والإنكليزية، والألمانية. ومنهم من يتعصب له فوق ما يفعل المسلمون. ويعده الدكتور زويمر واحدًا من أربعة ويقول: «كل باحث في تاريخ الإسلام يلتقي بأربعة من أولئك الفطاحل العظماء. وهم محمد نبي المسلمين نفسه، والبخاري، والأشعري، والغزالي».

والدكتور زويمر من المستشرقين الإنكليز الذين درسوا العقلية الشرقية، وكتابه عن الغزالي من الكتب القيمة، وتجد فيه من مظهر العناية بالغزالي ما كتبه عن قبره، نقلًا عن خطاب وصله من القس دونالدسن في ١٧ يناير سنة ١٩١٧، وقد زار قبر الغزالي ووجد في إحدى زوايا الحجر كلمة (غزالي) و(بوحا) وأصلها بالطبع أبو حامد. وهذا هو الرسم الذي أرسله قس دونالدسن إلى الدكتور زويمر عن قبر الغزالي.

ومن أجود ما كتب بالفرنسية عن الغزالي كتاب Cara de Vaux والمسيو «كارادي فو» هذا رجل خبير بالحياة الإسلامية، وله كتاب عن ابن سينا أحب أن يطلع عليه من يود أن يعرف شيئًا عن المدارس الفلسفية عند المسلمين، وإني لآسف حين أقرر أن المستشرقين يفهمون مذاهب أهل السنة والمعتزلة أكثر من علماء الأزهر الذين إذا عرض لهم ذكر المعتزلة لم يزيدوا على أن يقولوا (قبحهم الله) وقد أخبرني حضرة الأستاذ الدكتور طه حسين أن المسيو كازانوفا وضع كتابًا عن الغزالي، وإني لملوم في أن غفلت عن هذا الكتاب، فإن الطريقة التي جرى عليها المسيو كازانوفا في كتابه «محمد ونهاية العالم» طريقة تغري الباحث بتعقب ما يكتب هذا الرجل الدقيق. وآسف أيضًا على أن الظروف لا تسمح بأن أترجم شيئًا من آراء هذا الرجل، لأن البحث العلمي عنده فوق كل مقام. وإنما أدعو من يحب الاطلاع إلى مراجعة Mohamed et la fin du monde فإن فيه من المباحث ما يواتي شهوات العقول، وللعقول شهوات!
وهناك كتاب للمسيو Moher موضوعه: Etudes sur la philosophie d’Averroes concernant son rapport avec celle d’Avicenne et Gazali.
ويحسن الرجوع إلى المقدمة التي وضعها المسيو Lucien Gautier حين نقل «الدرة الفاخرة» إلى الفرنسوية Traite d’eschatologie musulmane ويحسن الاطلاع على الجزء التاسع من المجموعة السابعة من Journal asiatique وفي مقدور القارئ أن يرجع إلى Encylcopedie de l’Islam 20 Livers إذا أراد أن يعرف ما كتب عن الغزالي باللغة الفرنسية والإنكليزية والألمانية. وقد أخبرني حضرة الأستاذ الشيخ مصطفى عبد الرازق أنه علم أن في اللغة التركية عدة مؤلفات عن الغزالي. وأحسب أن السبيل إليها ممهد لمن شاء.

وأحب أن يغنيني القارئ عن تفصيل ما أعرف عن نظر المستشرقين إلى الغزالي ومذاهبه الصوفية، فإني مضطر إلى الاكتفاء بإرشاده إلى طريق الاطلاع.

الفوز للحياة

وبالرغم من تأثير الغزالي في الشرق والغرب، وتغلغله في أعماق الحياة العلمية، فإن الفوز فيما يظهر لن يكون لآرائه في الأخلاق. ولكن سيكون الفوز للحياة.

إلا أن الأخلاق كالشرائع، فكما تنهزم الشريعة أمام الحياة، كما انهزمت المسيحية لخروجها على ما للحياة من قوانين، كذلك تنهزم الأخلاق أمام الحياة، حين تخلو عما في الحياة من عناصر وأصول.

وهكذا انهزم الغزالي حين نازل الحياة!

حرم النقش والتصوير، ولكن النزعات البشرية مشت في طريقها بقوة. ولم تصدف عن النقوش والتصاوير!

وحرم الغناء. ولكن مشت الأذواق في سبيلها بقوة، ولم تزل ظامئة إلى الأنغام والألحان!

وليته حين حرم النقش والتصوير والغناء، وضع لذلك عللًا معقولة! ولكنه حرم التصوير لأنه يدعو إلى الوثنية، وهذا كذب على الواقع، فطالما أحببنا تهاويل الصور، ولم نفكر في الوثنية. وحرم الغناء لأنه يدعو إلى شرب الخمر. وهذا ظن مردود، فطالما سمعنا عبد اللطيف أفندي البنا وإبراهيم أفندي القباني والشيخ عبد السميع عيسى، ولم نفكر في الخمر، ولا في مجالس الخمر!

ليست الأخلاق شيئًا آخر غير مناهج الحياة. والأخلاق التي تبنى بها الأمم ليست ما يعرفه الغزالي من التواضع، والتوكل، والخمول، وإنما هي فهم قوانين الحياة وأحب أن أكرر كلمة الحياة؛ لأنها عندي غاية الأخلاق.

والفضائل السلبية كالصبر، والزهد، والقناعة، لن تكون فضائل حتى تقضي الظروف باعتبارها أسلحة ماضية في سبيل الحياة. فقد يكون الخمول من أسباب النباهة وذيوع الشهرة، كما يكون الصيت أحيانًا من أسباب الخمول.

ولا قيمة للحياة بغير القوة، فيجب أن تكون الأخلاق بابًا إلى الحياة القوية. وطالما شككت في قوله عليه السلام: «اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين»!

١  راجع شرح الزبيدي ص ٢٦ ج ١.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠