في الموازنة بين الغزالي وبين الفلاسفة المحدثين

(١) الغزالي وديكارت Descartes

أقرب الفلاسفة شبهًا بالغزالي هو «ديكارت» لأنه ارتاب كما ارتاب الغزالي، وبقي في شكه وارتيابه زمنًا غير قليل.

ولد «ديكارت» في لاهاي سنة ١٥٩٦م أي بعد الغزالي بنحو ٥٣٠ سنة. تلقى العلم في مدرسة يسوعية، كأكثر الأطفال لعهده، وحمله جده ونشاطه على دراسة اللغات القديمة، والأساطير والتاريخ، والبلاغة، والشعر، والرياضيات، والأخلاق، واللاهوت. ولم يقنع بذلك، بل قرأ كل ما وقع في يده من نادر المؤلفات، كما حدث عن نفسه. ورحل إلى باريس في السادسة عشرة من عمره، وتطوع في الجندية، وعمل عدة سياحات في ألمانيا، والسويد، والدانمارك، ثم استقر في هولنده، حيث رأى الإقامة فيها أنفع لنشر آرائه بحرية لم تسمح بها فرنسا إذ ذاك.

وبعد أن أقام في هولنده عشرين سنة، مكبًّا على وضع مذهبه، دعته كريستين ملكة السويد لتتلقى عنه العلم، ولكنه لم يتحمل برد تلك البلاد، فقضى نحبه في سنة ١٦٥٠ بعد أن أمضى نحو سنة في ستوكهلم ثم حملت جثته إلى فرنسا في سنة ١٦٦٧ ودفن بكنيسة Saint-Etienne.

مؤلفات ديكارت

يعتبر ديكارت في نظر مؤرخي الآداب الفرنسية أول رجل عبر عن آرائه الفلسفية بلغة واضحة، وجعل لغة الفرنسيين لغة فلسفية، بعد أن كان الفلاسفة من قبله يكتبون فلسفتهم باللغة اللاتينية. وأهم ما يعنينا من مؤلفاته:
  • أولًا: Règles pour la direction de ľesprit.
  • ثانيًا: Discours de la méthode.
  • ثالثًا: Méditations métaphysiques.
  • رابعًا: Les principes de la philosophie.
  • خامسًا: Les passions de ľâme.

ففي هذه المؤلفات بسط ديكارت آراءه الفلسفية، فليرجع إليها من شاء، فإنه لا يوجد عنه شيء مقنع بالعربية.

شكوك ديكارت

وكما ارتاب الغزالي حين رأى صبيان النصارى لا نشوء لهم إلا على التنصر، وصبيان اليهود لا نشوء لهم إلا على التهود، وصبيان المسلمين لا نشوء لهم إلا على الإسلام، فقد ارتاب ديكارت حين رأى شيوع التقليد، ورأى الناس في الأكثر إما أن يكونوا ضعفاء لا يقدرون على تمييز الحق من الباطل، فيتبعوا آراء غيرهم بلا بصيرة، وإما أن يكونوا أقوياء فيسرعوا إلى الحكم ثقة بقوتهم، فإذا شكوا بعد ذلك فقد لا يهتدون إلى سواء السبيل.

ومما حمل ديكارت على الشك ما رآه في أسفاره من اختلاف العادات والآراء، وتباين العقائد والمدركات، وما تبينه من تأثير التربية في التفرقة بين أخلاق الشعوب.

وأهم ما تنبه له في رحلاته الشك في قيمة الرأي العام، والاستهانة بكثرة الأصوات، لأن إجماع الأمة على رأي لا يدل على أنه رأي الأمة، فقد يكون رأي فرد واحد، حملت عليه الأمة لسبب من الأسباب.

وآراء الفلاسفة كانت مما حمل «ديكارت» على الارتياب، إذ قلما يوجد رأي غريب بعيد التصديق إلا وقد قال به فليسوف.

ولكن ديكارت كان في ارتيابه أصرح من الغزالي، فبينما نجد الغزالي يحدثنا بأنه دام قريبًا من شهرين على مذهب الفلسفة «بحكم الحال، لا بحكم النطق والمقال» أي أنه لم يكاشف الناس بشكه إلا حين أجمعوا أو كادوا يجمعون على تقديسه، نجد ديكارت يتطلب الأماكن الصالحة لنشر شكوكه، ونجده يحكم ببطلان الآراء التي بنى عليها آراءه حين ظنها حقه، وبوجوب التخلي مرة واحدة عن جميع آرائه، ليضع بناء جديدًا على أساس جديد.

ونرى الغزالي شك في المحسوسات، لأنه ينظر إلى العقل فيراه واقفًا لا يتحرك، فيحكم بنفي الحركة، ثم يعرف بالتجربة والمشاهدة أنه يتحرك ولكن بالتدريج. ثم نراه هم بالشك في العقليات، لأنه يعتقد في النوم أمورًا، ويتخيل أحوالًا لها ثباتًا واستقرارًا، ثم يستيقظ فيعلم أنه لم يكن لجميع متخيلاته ومعتقداته أصل، فيسأل: بم تأمن أن يكون جميع ما تعتقده في يقظتك بحس أو عقل هو حق بالإضافة إلى حالتك، وقد يمكن أن تطرأ عليك حالة أخرى تكون نسبتها إلى يقظتك كنسبة يقظتك إلى منامك؟

كذلك نجد ديكارت يقرر أن الأشياء التي سلم بأنها أثبت من غيرها وأصح، إنما كان اعتمد في صحتها وثباتها على الحواس، وقد تبين غير مرة أن الحواس خداعة، وهو كذلك يرى في نومه تصورات يعلم حين يستيقظ أنها باطلة، فمن أين يعرف فضل اليقظة على المنام، أو فضل المنام على اليقظة، وهو في كليهما مضلل مخدوع؟!

الفرق بين الغزالي وديكارت

الفرق عظيم جدًّا بين الغزالي وديكارت، فإن الغزالي خرج من شكه بطريقة لا تصل بأحد إلى يقين، خرج من شكه بنور الله، ونور الله هذا لا يعرفه العلم، حتى يضمه إلى ما لديه من أصول. والغزالي نفسه يشعر بذلك، فقد نراه يحكم بأن من ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المجردة، فقد ضيق رحمة الله الواسعة، وينقل أن رسول الله لما سُئل عن «الشرح» ومعناه في قوله تعالى: فَمَن يُرِدِ اللَّـهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ١ قال: «نور يقذفه الله في القلب فيشرح به الصدر، فقيل وما علامته؟ قال: التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود.» يقول الغزالي: وهو الذي قال فيه: «إن الله تعالى خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره.» فمن ذلك النور ينبغي أن يطلب الكشف!!

وما دام الغزالي لم يرجع عن شكه «بنظم دليل وترتيب» كما قال، فمن العبث أن نستعين بالعقل والمنطق لنخرج من ظلمات الشكوك. وهذا ما يناقض كل ما فعله ديكارت للخروج من شكوكه، وكذلك كان الغزالي سببًا لخمود الفلسفة في الشرق كما كان «ديكارت» سببًا لنهوضها في الغرب.

أسلوب ديكارت

لم ير ديكارت من الحكمة أن يخرج على ما في بلاده من عادات وقوانين، بل رأى من الخير أن يحافظ على الدين الذي نشأ عليه، وأن يسير على أكثر الأمور قبولًا واعتدالًا عند أهل عصره، حتى يتمكن من وضع مذهبه في طمأنينة وسكون.

ويقول بول جانيه Paul Janet: إن ديكارت حين اقتنع بعدم كفاية العلوم المعروفة لعصره لم يركن إلى الارتياب كما فعل مونتيني Montaigne بل رأى من الواجب أن يبني صرح العلم على أساس جديد. وكذلك يمكن أن نقول إن الغزالي انهزم أمام شكوكه، ولكنه لم يركن إلى الارتياب كما فعل مونتيني، ولم يفكر في وضع العلم على أساس جديد كما فعل ديكارت، ولكنه انتظر هداية الله، والله يهدي من يشاء.

وأول ما يبدأ به «ديكارت» هو الدعوة إلى نبذ الكتب وتحكيم العقل، لأنه يرى أن المؤلفات التي تنطوي على مختلف الآراء، ليست أقرب إلى الحقيقة من التعقلات البسيطة التي يقوم بها رجل سليم الذوق، وقد لمس الأشياء بيديه. والمهم عنده أن تحسن التفكير، لا أن تعرف كيف فكر الناس. والبناء الذي قام به مهندس واحد خير عنده من البناء الذي يقوم به عدد من المهندسين، فإن وحدة الذوق من موجبات الجمال.

ويرى «ديكارت» أنه لوضع فلسفة جديدة، يجب أن يُوضع أسلوب جديد. والأسلوب المختار لديه هو الأسلوب الرياضي، لأنه يعصم الفكر عن الخطأ والضلال.

وقد وضع لأسلوبه هذه القواعد الأربع:
  • أولًا: لا يصح قبول شيء على أنه حق، ما لم يعرف (ما هو) بغاية الوضوح.
  • ثانيًا: تقسيم كل مسألة صعبة إلى ما يمكن أن تشتمل عليه من الأجزاء، ليكون إدراكها سهل المنال.
  • ثالثًا: ترتيب التفكير، والابتداء بالموضوعات السهلة البسيطة، للوصول إلى الموضوعات المركبة.
  • رابعًا: فرض نظام في الموضوعات التي لا يسبق بعضها بعضًا في الطبع.
    يقول «بول جانيه»: «ولهذه القواعد الأربع في ذهن ديكارت معنى جد محدود. والقاعدة الأولى تظهر كأنها عادية، وليس كذلك، فإن إغفال كل سلطة، وإقرار الاستقلال المطلق للعقل، كان في أوائل القرن السابع عشر جرأة وبدعة.٢

ومن جانب آخر ينبغي أن نفهم كلمة (وضوح) فإن كل ما نعتقده بقوة ليس واضحًا، ولأجل وضوحه ينبغي أن يخلص العقل من كل تأثير للحواس والخيال، ليدرك الأفكار بوضوح وتمييز، فإن مدركات الحواس مختلطة، والآراء المعقولة هي التي تولد من أعماق العقل واضحة متميزة. وكذلك لا يوجد واضح محسوس، إذ كل واضح معقول».

والجارحة التي تدرك الحقيقة مباشرة هي البصيرة Intuition ولا يريد بها ديكارت ما يتغير من أحكام الحواس والخيال، وإنما يريد بها إدراك العقل السليم اليقظ؛ الإدراك السهل الواضح الذي لا يتطرق إليه أي شك، الإدراك الحازم الذي يولد فقط من أضواء العقل.

وبموجب هذه البصيرة يستطيع كل إنسان فيما يرى ديكارت أن يعلم أنه موجود، وأنه يفكر. ويستطيع كذلك أن يعلم أن الواحد نصف الاثنين، وأن ٢ + ٢ = ٤ كما أن ١ + ٣ = ٤ لأن هذه الأحكام مدركة بغاية الوضوح والجلاء.

وديكارت يبدأ بنفسه فيفرض أن جميع ما يراه باطل، فماذا يمكن أن يعتبر صحيحًا حينئذ؟ قد لا يثبت إلا عدم وجود شيء يقيني في العالم، ولكن يبقى بالطبع أن هناك إنسانًا شك، وأن هذا الإنسان لا محالة موجود وهنا يقول ديكارت كلمته المأثورة: Je pense, donc je suis أنا أفكر، فأنا إذن موجود. ولا بأس فيما يرى ديكارت أن يغش الإنسان ويخدع، فإن هذا يدل فقط على أنه رأى الأشياء على غير ما هي عليه، ولا ينافي أنه كائن موجود. ويرى ديكارت أنه قد يرغب في أشياء لن تكون فالمرغوب فيه موهوم، ولكن الرغبة نفسها حقيقة لا خيال.

وجملة القول في أسلوب ديكارت أنه لا شيء أوضح لديه من فكره، فهو يؤمن أولًا بوجوده، ثم ينتقل إلى الأشياء يقيس وجودها بقدر ما فيها من الوضوح؛ لأن القاعدة عنده أنه لا يصح قبول شيء على أنه حق حتى يعرف «ما هو» بغاية الجلاء.

ولفلسفة «ديكارت» كثير من الخصوم والأنصار، ولا يسمح لنا الوقت بتفصيل ما قيل في النيل منه، والدفاع عنه، وربما عدنا إليه في مؤلف خاص.

(٢) الغزالي وبسكال

ولد بسكال في كليرمون في ١٨ يونية سنة ١٦٢٣ وانتقل به أبوه إلى باريس في سنة ١٦٣١ حيث اتصل بكثير من علماء ذلك العصر، وكان أول أستاذ لبسكال هو والده الذي عني بتربيته على قوة الفكر، وحسن الاستنباط. وقد شغف بسكال بالرياضة، وألف فيها وهو يافع. ثم مال إلى الفلسفة، ولكنه لم يعول على عقله، بل أسلم نفسه لهواجس دينية، حمل عليها بضعف صحته، واضطراره إلى حياة العزلة والانفراد.

واشتهر بسكال بكتابه «الأفكار» Pensées وهو مجموعة آراء جمعت وطبعت بعد وفاته، وكتابه Lettres provincials يمثل رأيه في حياة القسيسين والرهبان.

ووجه الشبه بين الغزالي وبسكال هو أن كلًّا منهما ابتدأ حياته بقوة قهارة، ثم انتهت به صحته إلى الرضا بالخمول في ظلال التنسك والزهد، فقد رأيت كيف أقبل الغزالي على كل علم، وكيف درس كل النحل، وعرف بواطن جميع الفرق، ثم رأيت كيف رضي بوساوس الصوفية، وعد كل ما سوى مذهبهم ضلالًا في ضلال!!

وكذلك ابتدأ باسكال بتأييد مذهب ديكارت، والتحمس لنصرة العقل، ومحاربة الوساوس القديمة. حتى لنجده يدافع عن الشهوات الكبيرة التي توجد الأعمال العظيمة، كالحب والطمع، وذلك في رسالته Discours sur les passions de ľamour ولكن صحة باسكال أخذت تسوء يومًا بعد يوم واضطر إلى العزلة في Port-Royal واختار الفلسفة الصوفية التي لخصها في محادثته مع مسيو دي سامي كما قال بول جانيه، ثم عول أخيرًا على الاكتفاء بالإنجيل.
ومما يقرب بسكال من الغزالي شكه في قوة الطبيعة الإنسانية، فهو يرى أن الإنسان مملوء بالخطأ الغريزي الذي لا يزول إلا بعناية الله. وليس هناك شيء يهدي الإنسان إلى الحقيقة، بل كل شيء يخدعه. ومع أن العقل والحواس أصلان للحقائق فإن كلًّا منهما يخدم صاحبه، والناس يدعو بعضهم بعضًا إلى الخداع: Pascal لون المدح لعلمهم فيما بينهم بكراهة الحقيقة التي تنافي المديح، وكذلك لا يتكلم امرؤ في حضرتك كما يتكلم في مغيبك، فالإنسان في نظر بسكال مجموعة من الكذب والزور والنفاق.

وقد بالغ بسكال في احتقار العقل. ثم تمنى لو أنه عرف جميع الأشياء بالوحي والشعور ولم يحتج أبدًا إلى العقل!! ويتهم بسكال عقله بإغرائه بالشك. ويعتقد أن الدين لا يأتي مطلقًا من ناحية العقل، وإنما يأتي من شعور القلب، ومن هداية الله، ويجوز أن يأتي الدين من طريق العقل، ولكن مثل هذا الدين لا ينفع للنجاة! وهذا بالطبع إسراف.

(٣) الغزالي وهوبس Hobbes

ولد هوبس في إنجلترا سنة ١٥٨٨ ورحل إلى باريس في سن الأربعين حيث درس الرياضيات وعلوم الطبيعة. ثم زار فرنسا مرة ثانية وأقام فيها مدة طويلة، واتصل صلة متينة بالفيلسوف «جسندي» صاحب الفضل على «موليير» و«فولتير». ثم مات في إنجلترا سنة ١٦٧٩.

وأشهر مؤلفات هوبس هو كتابه La nature humaine وكتابه Leviarhan أو La matière, La forme et ľautorité du gouvernement.

وفي هذا الكتاب الأخير دافع عن الأثرة، والاستبداد، فقد كان هوبس من غلاة الماديين، والإحساس عنده ليس إلا حركة من حركات المخ، وهذه الحركة متى وافقت الوظائف الحيوية أنتجت اللذة، واللذة تولد الرغبة، والرغبة تولد الإرادة، فليست الإرادة إلا رغبة مسيطرة. وهوبس لا يعرف باعثًا للعمل غير طلب اللذة، أو الهروب من الألم، والعواطف عنده ليست إلا صورًا لحب الذات.

وهوبس من أصحاب نظرية العقد الاجتماعي Contrat Social التي عني بها جان جاك روسو فيما بعد. ويرى هوبس أن الإنسان مفطور على الأثرة والشره، وأن جميع أعماله إنما هي سلم إلى مطامعه. وهذه الفطرة جعلت الحياة الطبيعية مرة المذاق، لطمع القوي في الضعيف. ويتخيل هوبس أن آباءنا الأولين لم يروا سبيلًا إلى السلامة من شر الأقوياء غير الانضمام تحت لواء سلطة بشرية تدفع عنهم عادية المطامع، وهذه السلطة تتمثل في الملك، ولهذا الملك جميع الحقوق التي كانت لجميع الأفراد قبل التعاقد، وليس عليه إلا واجب واحد هو: حفظ الأمن.

ويرى هوبس تأييدًا لنظرته أن الدين الحق هو دين الدولة مهما كان جوهره، وعلى كل فرد الخضوع له، والخروج عليه كفر ومروق.

ويظهر مما سلف أن هوبس يريد بنظرية العقد الاجتماعي تأييد الملوكية، وكذلك روسو حين يدافع عن هذه النظرية فإنه يرى أن حياة الطبيعة كانت حياة نعيم، وأن الناس لما أفسدوها بأنفسهم اضطروا إلى أن يتنازل كل فرد منهم عن جزء من حريته ليتكون من مجموع هذه الأجزاء قوة مدنية تدافع عن الجميع، وهذه القوة لا تمثل في الملك كما يرى هوبس، وإنما تمثل في شخص هو مندوب الأمة، ولها عزله حين تريد.

إلى هنا لا يرى القارئ أي تناسب بين هوبس وبين الغزالي والواقع أن الجمع بينهما بعيد لأن الغزالي رجل تضحية وإيثار، والخير عنده يرجع في الأكثر إلى نفع الناس، في حين أن هوبس يرى الخير في أن يعمل المرء لنفسه، قبل أن يحلم بسواه. ولكني رأيت بعد البحث أنهما يتفقان في تكييف وجهة الطبيعة الإنسانية، وإن اختلفا في غاية الأخلاق، فإذا كان هوبس يرى أعمال المرء مظهرًا للأثرة، ويرى حب المرء لجاره ليس إلا ضربًا من حب النفس، وأن طاعته للقوانين الأخلاقية ليست إلا سعيًا في سبيل نفعه، فكذلك الغزالي يتهم أكثر العاملين بالرياء، ويرميهم بحب الذات.

والغزالي يسيء الظن بالطبيعة الإنسانية، ويرى العمل في الأغلب لا يراد به إلا نيل الثواب، أو الفرار من العقاب، ولا يزال بالطبيعة الإنسانية يفحصها ويسبر أغوارها بمسبر الشك والارتياب، حتى يصل بعد الفحص إلى أن هناك رياء «هو أخفى من دبيب النمل» ومن كلامه: «رب عبد يخلص في عمله، ولا يعتقد الرياء بل يكرهه ويرده، ولكن إذا أطلع عليه الناس سره وذلك وارتاح له، وهذا السرور يدل على رياء خفي، فلولا التفات القلب إلى الناس ما ظهر سروره عند إطلاع الناس».

والفرق بين الغزالي وهوبس، يرجع إلى أن هوبس يريد أن يجعل وجهة الطبيعة الإنسانية أساسًا للأخلاق، فيكون الخير ما ينفع المرء، والشر ما يضره. ولكن الغزالي يرى أن الخير لا يكون إلا حيث ينتفع المرء ولا يضر غيره، لأن وجهة الغزالي وجهة إسلامية، لا ضرر فيها ولا ضرار.

(٤) الغزالي وبوتلير Butler

«بوتلير» هو فيلسوف إنجليزي ولد سنة ١٦٩٢ وتُوفي سنة ١٧٥٢ وهو يعول أكثر من الغزالي على الفطرة الإنسانية، وعنده أن المرء يستطيع بنفسه أن يدرك ما في عمله من الخطأ والصواب قبل أن يقدم عليه، وإن لم يعلم شيئًا من المباحث الأخلاقية. ويرى أنه لا شيء يدعونا إلى طاعة قانون الأخلاق غير اعتماده على السريرة، ولا يرى بوتلير فرقًا بين السريرة التي تحتم طاعة الأخلاق وبين حب النفس ما دمنا نفهم سعادتنا الحقيقية، فإن الواجب والمنفعة لا يختلفان عنده، وهنا يتفق مع الغزالي بعض الاتفاق، لأن وجهة نظر الغزالي إسلامية، والإسلام يرى المنفعة في الواجب وإن كان لا يرى الواجب في المنفعة، فإن هذا شيء قد يكون وقد لا يكون. إلا إن أردنا ما هو نافع في الواقع. على أن بوتلير يقيد اتفاق المنفعة مع الواجب بالأمور الأخروية، ويرى اتفاقهما في الأمور الدنيوية كثير الوقوع، لا واجب الوجود.

وأجمل ما في بوتلير حكمه على الفضائل بأنها قانون الطبيعة في حين أن الغزالي يراها ضروبًا من التكاليف.

(٥) الغزالي وكارليل Karlyle

ولد كارليل سنة ١٧٩٥ في قرية اكفلكان بجنوب اسكوتلاندة من والد يشتغل بصناعة البناء. تلقى مبادئ العلم في قريته. ثم دخل جامعة ادنبرج في الثالثة عشرة من عمره. وفي التاسعة عشرة من عمره صار مدرسًا للرياضة بمدرسة أنان، وبعد ثلاث سنين صار رئيس مدرسة ببلدة كركالدي. وفي سنة ١٨١٨ ترك مهنة التعليم. وذهب إلى ادنبرج، وهو لا يدري ماذا يعمل، ولكنه درس علم المعادن، واضطر من أجله إلى تعلم الألمانية التي كانت سببًا لذيوع شهرته. وتوفي سنة ١٨٨١.

وكارليل هذا من كبار الفلاسفة، ومن أعظم المدافعين عن الديانات. حتى لنجده يدافع عن الوثنية، لأنها في رأيه ليست إلا إفراطا في العجب من الشيء، حتى ينقلب هذا العجب تقديسًا وعبادة، ولأنه يرى أن الأقدمين ما قدسوا شيئًا إلا لأنه إله، أو رمزًا إلى إله. ومن آثار كارليل كتاب الأبطال الذي ترجمه الأستاذ محمد السباعي. وفي هذا الكتاب فصل ممتع عن النبي محمد صلوات الله عليه وسلامه. كان سببًا في تغيير وجهة أنظار الأجانب نحو الإسلام. ومن كلامه في ذلك:

لقد أصبح من أكبر العار على أي فرد مهذب من أبناء هذا العصر أن يصغي إلى ما يظن من أن دين الإسلام كذب، وأن محمدًا خداع مزور. وآن لنا أن نحارب ما يشاع من مثل هذه الأقوال السخيفة المخجلة. فإن الرسالة التي أداها ذلك الرسول ما زالت السراج المنير مدة اثني عشر قرنًا لنحو مائتي مليون من الناس أمثالنا، خلقهم الله الذي خلقنا. أفكان يظن أحدكم أن هذه الرسالة التي عاش بها ومات عليها هذه الملايين الفائتة الحصر أكذوبة وخدعة؟ أما أنا فلا أستطيع أن أرى هذا الرأي أبدًا، ولو أن الكذب والغش يروجان عند خلق الله هذا الرواج، ويصادفان منهم مثل ذلك التصديق والقبول، فما الناس إلا بله ومجانين، وما الحياة إلا سخف وعبث وأضلولة، كان الأولى بها أن لا تخلق. فوا أسفاه، ما أسوأ مثل هذا الزعم. وما أضعف أهله، وأحقهم بالرثاء والمرحمة!؟

وقد دافع كارليل عن الإسلام خير دفاع، فناقش من رموه بالقسوة، واستعمال السيف، وبين أن المسيحية نفسها لجأت إلى القوة حين لم ينفع التسامح. ورد على من زعموا أن القرآن مملوء بالتعقيد، وبين أن سبب هذه التهمة هو عجز الترجمة عن نقل بلاغة القرآن وحلاوته. وعارض من نسبوا إلى رسول الله الهفوات، وأكد أن طلب العصمة طلب سخيف، فإن العصمة لله وحده، وأكبر الهفوات عنده أن يحسب المرء أنه بريء من هذه الهفوات.

الكفر والإيمان

يتفق الغزالي وكارليل في أن كلًّا منهما مؤمن ثابت اليقين، ويختلفان في فهم السريرة الإنسانية، وفي نتيجة التفكير. فالغزالي لا يعترف للضمير بالصلاحية للحكم، وإنما الشرع هو الفيصل في الحسن والقبح، فما حسنه الشرع فهو حسن، وما قبحه فهو قبيح. ولكن كارليل يرى أن الشعور بالواجب معنى أبدي، وهو جزء من الطبيعة الإنسانية، فهو قوة غريزية لا تحتاج في كسبها إلى شرائع ولا قوانين.

ونتيجة التفكير محترمة عند كارليل، وهو لا يصدق بأن الإلحاد والتفكير يجتمعان في قلب رجل واحد. والإخلاص عنده هو الأساس. ومن كلامه: «يرجى لنا أن نفهم الوثنية متى سلمنا أولًا أنها كانت في حين من الأحيان دينًا صحيحًا في اعتقاد أهلها. فلنوقن كل اليقين أن الناس كانوا يؤمنون بوثنيتهم حق الإيمان ولم يكن بهم من ذهول ولا جنون ولا نوم ولا مرض، بل كانوا مع ذلك أصحاء العقول والحواس، أيقاظًا قد صورهم الله على صورنا، وخلقهم كخلقنا، لا فرق بيننا وبينهم في حال من الأحوال. ولنوقن كذلك أنا لو كنا وجدنا معهم لآمنا بما كانوا يؤمنون به، ولكنا وإياهم سواسية في سائر الأشياء».

ويتلخص رأي كارليل في أن كل دين فيه عنصر من الحق، والوثنية عنده ليست إلا رموزًا شعرية، وتمثيلًا بالمرئيات لما جرى في وجدان الناس وأذهانهم عن الكون ومظاهره، وكل دين فيما يرى إنما هو رمز وتمثيل، ولكن الاختلاف هو في المشاعر والأفكار. والفرق بيننا وبين الوثنيين يرجع إلى الشكل أكثر مما يرجع إلى الجوهر، لأن كلًّا منا يرى التفكير في ملكوت الله نوعًا من العبادة، ونحن لو أغرمنا بالكون كما أغرم الوثنيون به لرأينا الله في كل نجم، بل في كل زهرة.

رأي الغزالي في الاجتهاد

لا يمكن لامرئ أن يكفر، في نظر كارليل، ما دام مخلصًا في عقيدته، مهما كانت تلك العقيدة. ولكن الغزالي يرى أن الاجتهاد له حد محدود والمختار عنده أن الإثم والخطأ متلازمان فكل مخطئ آثم وكل آثم مخطئ، ومن انتفى عنه الإثم انتفى عنه الخطأ، وهو يقسم النظريات إلى ظنية وقطعية، ولا إثم في الظنيات إذ لا خطأ فيها. والقطعيات عنده ثلاث أقسام: كلامية، وأصولية، وفقهية. ويعني بالكلامية العقليات المحضة، والحق فيها عنده واحد. ومن أخطأ الحق فيها فهو آثم. ويدخل في هذا القسم حدوث العالم، وإثبات المحدث، وصفاته الواجبة والجائزة والمستحيلة، وبعثة الرسل وتصديقهم بالمعجزات، وجواز الرؤية، وخلق الأعمال، وإرادة الكائنات، وجميع ما الكلام فيه مع المعتزلة والخوارج والروافض والمبتدعة. فهذه المسائل الحق فيها عنده واحد، ومن أخطأه فهو آثم فإن أخطأ فيما يرجع إلى الإيمان بالله ورسوله فهو كافر. وإن أخطأ فيما لا يمنعه من معرفة الله عز وجل ومعرفة رسوله، كما في مسألة الرؤية وخلق الأعمال وإرادة الكائنات، فهو آثم من حيث عدل عن الحق وضل، ومخطئ من حيث أخطأ الحق المتيقن، ومبتدع من حيث قال قولًا مخالفًا للمشهور بين السلف، ولا يلزمه الكفر. ويعني بالأصولية كون الإجماع حجة، وكون القياس حجة، وكون خبر الواحد حجة … إلخ. وهذه المسائل أدلتها عنده قطعية، والمخالف فيها مخطئ آثم. والفقهيات بعضها يكفر المرء بإنكاره، وبعضها يأثم بجحوده، فإنكار تحريم الخمر والسرقة ووجوب الصلاة والصوم كفر. وإنكار الفقهيات المعلومة بالإجماع خطأ وإثم.

تحرير هذه المسألة

الأصل في الحكم الأخلاقي أن يتبع غرض العامل من عمله: إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. فالعمل الذي أريد به الخير هو خير، وإن كان ضارًّا في ذاته. والعمل الذي أريد به الشر هو شر، وإن كان نافعًا في ذاته. ويطالب الرجل فقط بأن يتروى قبل أن يعمل، ليعرف ما في العمل من ضر ونفع، وخطأ وصواب. ومتى أفرغ الجهد في البحث فقد أمن المسئولية، واستحق حسن الجزاء.

ولقد تتبعت ما كتبه علماء المسلمين في هذه المسألة فرأيتهم لا يكادون يهتدون. وسبب ضلالهم يرجع إلى أنهم خلطوا بين الوجهة الأخلاقية، والوجهة القضائية، وكان يجب عليهم أن يفصلوا بين الوجهتين. فالذي يقتل مسلمًا خطأ مدين من الوجهة القضائية ولكنه بريء من الوجهة الأخلاقية، لأنه لم يقصد القتل. والشرع محق في اعتماده على الوجهة القضائية، لأن فيها استئصالًا للجرائم، ولأن القاضي متى عذر كل من ادعى الخطأ فقد يفلت منه كثير من المجرمين.

والذي يدلك على أن وجهة الشرع وجهة قضائية صرفة، أنه يكتفي بإيمان المقلد. مع أن الإيمان لا ينفع فيه التقليد. ويقول الباجوري في ص٣٢ من حاشيته على الجوهرة ما نصه: «والخلاف في إيمان المقلد إنما هو بالنظر لأحكام الآخرة وفيما عند الله، وأما بالنظر إلى أحكام الدنيا فيكفي فيها الإقرار فقط. فمن أقر جرت عليه الأحكام الإسلامية، ولم يحكم عليه بالكفر، إلا إن اقترن بشيء يقتضي الكفر كالسجود لصنم.» وهذا واضح الدلالة على أن النجاة لا تكون باتباع الشرع. ولكن بالإيمان به. والإيمان شيء آخر غير ظواهر الأعمال.

الخطأ والعناد

كان على الغزالي أن يفرق بين من يخطئ في العقليات بعد اجتهاده، وبين من يعاند. فإن الأقرب إلى الحق أن ينجو من نظر في الشريعة الإسلامية من الفلاسفة بنية حسنة وبقصد الاقتناع، ولكنه بعد البحث لم يقتنع، ولم يقف مع هذا في وجه المسلمين. ولو أن الغزالي نظر هذه النظرة لما كفر ابن سينا والفارابي، إلا إن أمكن أن يثبت عندهما العناد مع أنهما لم ينكرا الرسالة المحمدية، ولكن الناس لعهد الغزالي كانوا فيما يظهر مصابين بداء الشك في عقائد الفلاسفة، ورميهم بالمروق.

وقد جرت بيني وبين فضيلة الأستاذ الشيخ الدجوي مناقشة في هذه المسألة منذ ثلاث سنين، فكان فضيلة الأستاذ يرى أن الكفر يكفي فيه الجهل، وكنت أرى أنه لا يتحقق إلا بالعناد، ثم رأيت فيما بعد أن الجاحظ يرى هذا الرأي. وقد نقل الغزالي في المستصفى «أنه ذهب إلى أن مخالف ملة الإسلام، من اليهود، والنصارى، والدهرية، إن كان معاندًا على خلاف اعتقاده فهو آثم، وإن نظر فعجز عن درك الحق فهو معذور غير آثم، وإن لم ينظر من حيث لم يعرف وجوب النظر فهو أيضًا معذور. وإنما الآثم المعذب هو المعاند فقط، لأن الله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وهؤلاء قد عجزوا عن درك الحق، ولزموا عقائدهم خوفًا من الله تعالى إذ استد عليهم طريق المعرفة.» وينسب ابن الحاجب إلى الجاحظ أنه قال: «لا إثم على المجتهد مع أنه مخطئ، وتجري عليه أحكام الكفار، بخلاف المعاند فإنه آثم.» وهذا يدل على أن الجاحظ مع حكمه بنفي الإثم عن المجتهد المخطئ يرى معاملته كما يعامل الكفار، وهذه بعينها الوجهة القضائية التي حدثتك عنها منذ قليل.

ويظهر أنه كان لهذا الرأي أنصار فيما سلف، فقد جاء في فصول البدائع ص٤٢٤ ج٢ ما نصه: «وما نقل عن بعض السلف من تصويب كل مجتهد في المسائل الكلامية كخلق القرآن، ونفي الرؤية، وخلق الأفعال، فمعناه نفي الإثم والمعذورية، لا حقية القول والمأجورية.» وجاء في إرشاد الفحول ص٢٤١ ما نصه: «مسألة الرؤية، وخلق القرآن، وخروج الموحدين من النار، وما يشابه ذلك: الحق فيها واحد، فمن أصابه فقد أصاب، ومن أخطأه فقد يكفر. ومن القائلين بذلك الشافعي فمن أصحابه من حمله على ظاهره. ومنهم من حمله على كفران النعم».

وحكم ابن الحاجب في المختصر عن العنبري أن كل مجتهد مصيب. قال ابن دقيق العيد: «ما نقل عن العنبري والجاحظ، إن أرادا أن كل واحد من المجتهدين مصيب لما في نفس الأمر، فباطل، وإن أرادا أن من بذل الوسع ولم يقصر في الأصوليات يكون معذورًا غير معاقب، فهذا أقرب. لأنه قد يعتقد فيه أنه لو عوقب وكلف بعد استفراغه غاية الجهد لزم تكليفه بما لا يطاق.» انظر الشوكاني ص٢٤٢.

ترجيح بلا مرجح

يرى الغزالي في كتاب «فيصل التفرقة» أن الرحمة تشمل كثيرًا من الأمم السالفة، وإن كان أكثرهم يعرضون على النار، إما عرضة خفيفة، في لحظة أو في ساعة، وإما في مدة، حتى يطلق عليها اسم بعث النار. ويرى أن أكثر نصارى الروم والترك لعهده تشملهم الرحمة، لأن منهم من لم يبلغه اسم محمد، ومنهم من بلغه اسمه مقرونًا بأكاذيب تصرف المرء عن النظر. ويرى في كتاب «الصحبة» أنه لا ثواب ولا عقاب إلا على الأفعال الاختيارية.

ونسأله: لماذا وجوب أن تشمل الرحمة كثيرًا من الأمم السالفة؟ أليس ذلك لأنهم معذورون؟ ولماذا حكمت بنجاة الترك ونصارى الروم ممن لم تبلغهم الدعوة، أو بلغتهم محرفة مشوهة؟ أليس ذلك لأنهم معذورون؟ ولماذا قضيت بأنه لا ثواب ولا عقاب إلا على ما يفعل المر باختياره؟ أليس ذلك لأن عقاب المرء على ما اضطر إليه، أو أكره عليه، ظلم وعدوان؟

وإذا كان ذلك كذلك، كما يعبر الكتاب الأقدمون، فلماذا تحكم بكفر من لم يعلم وجوب النظر، أو علم بوجوب النظر، ولكنه بعد البحث لم يقتنع. ولماذا تحكم بنفي الإثم عمن يجتهد ويخطئ في المسائل الفقهية، وتحكم بالإثم والكفر على من يجتهد ويخطئ في المسائل الكلامية؟ ألا يسع العذر جميع المفكرين على السواء؟ فإن لم يسعهم أفلا يكون هذا الفرق ترجيحًا بلا مرجح، وهو في رأيكم غير معقول؟

ظلم الأبرياء

وما عجبت لشيء كما عجبت من حكم الجاحظ بمعاملة المعذورين كما يعامل الكفار. فإنه إذا صح لديه أن مخالف ملة الإسلام من اليهود والنصارى والدهرية، إن نظر فعجز عن درك الحق فهو معذور غير آثم، وإن لم ينظر من حيث لم يعرف وجوب النظر فهو أيضًا معذور، وإنما الآثم المعذب هو المعاند فقط، أقول إذا صح عنده ذلك فكيف يحكم بأن يعامل هؤلاء معاملة الكفار، وهم عند الله ناجون؟ أفنكون نحن أغير من الله على دينه الذي لم يكلف فيه نفسًا إلا وسعها؟

ولقد أعلم أن الجاحظ لو كان حيًّا وسمع هذا السؤال، لأجاب بأن في هذا التشديد تقليلًا للخوارج على الدين. وهذا جواب معقول، ولكن يلاحظ أنه تأييد لما قلناه آنفًا من أن علماء المسلمين نظروا إلى هذه المسائل من وجهة قضائية، لا من وجهة أخلاقية. وكان عليهم أن يتنبهوا إلى الفرق بين القضاء والأخلاق، فمن الواضح أن القتل الخطأ معاقب عليه من الوجهة القضائية، مع أن الذي يقتل خطأ بريء أمام نفسه، وأمام ربه، وأمام الواقع.

وأحب أن أنبه القارئ إلى أني في هذا الحكم لا أتكلم من وجهة شرعية، فقد يدعي المدعون أن الشرع لا يعرف ذلك. وإنما أتكلم من وجهة فلسفية، وأفترض أن الشرع إن لم يتنبه لهذا الحكم فقد كان يجب أن ينتبه له، وأن يضع له الحدود، فإن المعذور بريء، ومن الظلم أن يقتل الأبرياء.

(٦) الغزالي وسبينوزا Spinoza

ولد «سبينوزا» في أمستردام سنة ١٦٣٢ من عائلة يهودية. وقد اضطهده اليهود لشكه في تعاليم اليهودية. وهم أحدهم بقتله. فاضطر لذلك إلى أن يعتزل في لاهاي. وصار يكسب قوته بالعمل في صقل زجاج التلسكوب والميكروسكوب. وقد عرض عليه أصدقاؤه المساعدة عدة مرات، ولكنه رفض قبول المعونة بعزة وإباء. وعرض عليه منصب أستاذ الفلسفة بجامعة هيدلبرج، ولكنه لم يقبل. حبًّا في الاستقلال. وعاش عيش الناسكين. وقد أصيب بمرض الصدر، فاحتمله بلا شكاية. ثم مات سنة ١٦٧٧ بعد أن حكم أهل عصره بكفره.

وأهم مؤلفاته Traité théologico-politique وقد نشر في حياته، وفيه أخضع الكتاب المقدس للنقد وحرية الفكر. وكتابه Ethique ظهر بعد موته، وفيه بسط مذهبه عما وراء الطبيعة، وتكلم عن النفس، والأهواء، والشهوات.

وسبينوزا من أشد أنصار مذهب الحلول: فهو يرى أن الله هو كل شيء. وأن كل شيء هو الله. وهو في ذلك يخالف الغزالي إذ يرى لله وجودًا غير وجود العالم. والله في رأيه هو المدبر لهذا الكون، ولكن سبينوزا يرى أن الله والعالم شيء واحد، ويرى الله حالًا في كل ذرة، وفي كل حبة، وفي كل نبتة وفي كل ورقة، وفي كل دابة، إلى آخر ما في الوجود. وليس للإنسان حرية، وإن اعتقد أنه حر، وإنما يحلم وأعينه مفتوحة!

ومن أجل هذا ثار رجال الدين على سبينوزا ورموه بالزندقة، قال الدكتور رابوبرت: «وما كان أبعده عن الإحاد، فقد كان مملوءًا بحب الله، حبًّا جاءه عبر الطبيعة، فمن كأس الطبيعة قد شرب الألوهية حتى ثمل، وحتى أصبح لا يرى أمامه إلا الله.»٣ وهذا الاعتذار يشبه ما اعتذر به المسلمون عن البسطامي والحلاج، ومن إليهم من القائلين بوحدة الوجود.

وغاية الأخلاق عند سبينوزا هي كمال الطبيعة الإنسانية، فكل علم لا يفضي إلى ذلك فهو في رأيه غير مفيد، وهو يتفق مع الغزالي في هذا المعنى الأخير؛ أي في احتقار كل علم لا يوصل إلى السعادة، وإن اختلفت غايتهما بعض الاختلاف. فإن غاية الأخلاق عند الغزالي هي السعادة الأخروية.

ومع أن سبينوزا يعمل لكمال الطبيعة الإنسانية، فإنه يرى أن التمييز بين النقص والكمال، والخير والشر، من الأمور الاعتبارية، إذ ليس هذا التمييز إلا صورة ننتزعها من الموازنة بين الأشياء. فإذا كان الغزالي يرى أن الخير هو ما أمر الله به، والشر ما نهى الله عنه فإن سبينوزا يرى أن الخير هو النافع، والشر هو الضار. وبعبارة أخرى: الخير هو ما يزيد قوتنا ويعدها للعمل، والشر هو ما يضعفها أو يضع في سبيلها العوائق. وينتج من ذلك أن الخير يحدث الفرح والشر يحدث الحزن.

ويبقى بعد ما سلف أن السعادة كل السعادة في إكمال العقل لأنه في رأيه هو وجودنا الحق، ثم يقرر أن السعادة في الواقع هي طمأنينة النفس، التي تنشأ من معرفة الله، فليس الجهل شرًّا إلا لأن صاحبه دائم القلق والاضطراب، وليس للحكمة فضل أكثر مما تورث صاحبها من الأمن والسكينة، وهو يتفق مع الغزالي في هذه النقطة الأخيرة.

ومن أظهر الفروق بين الغزالي وسبينوزا نفي الشخصية الإنسانية، ونفي المسئولية. وهذا واضح، لأنه ما دام العالم هو الله، والله هو العالم، فلن يرى سبينوزا للمرء شخصية، ولن يحكم بأنه مسئول. أما الغزالي فيرى جود الشخصية الإنسانية ويرى أهليتها للجزاء والثواب والعقاب، وإن كانت عنده أضعف من أن تدرك شيئًا بغير هداية الله.

(٧) الغزالي وجسندي Gassendi

ولد «جسندي» في بروفنس بجنوب فرنسا سنة ١٥٩٢.

اشتغل حينًا بتدريس البلاغة والفلسفة، ثم صار قسيسًا وسافر إلى هولنده واشتغل بالطبيعيات ولا سيما الفلك والتشريح، ثم دُعي لتدريس الرياضيات بالمدرسة الملكية في باريس سنة ١٦٤٥ وظل بها إلى أن توفي سنة ١٦٥٥.

وأهم ما يمتاز به جسندي هو دفاعه عن فلسفة أبيقور المتوفي سنة ٢٧٠ قبل الميلاد. وأبيقور هذا يرى أن غاية الأخلاق هي السعادة الذاتية؛ فليست الفضيلة فضيلة إلا لأنها تجلب لذة، وليست الرذيلة رذيلة إلا لأنها تحدث ألمًا، ولا قيمة لأي عمل في نفسه إلا بنسبته إلى اللذائذ والآلام. وقد كان أبيقور يدافع عن مذهبه بطريقة تقربه من رضا العقلاء، فكان يرى أنه لا مانع من احتمال الآلام، لأن ما في الخروج على الفضيلة من اللذة لا يساوي ما يعقبه من الألم، وكذلك ما في الصبر على ترك الرذيلة من فوات اللذة العاجلة، يعوض على صاحبه كثيرًا من الآلام التي يتعرض لها باقتراف المنكرات.

ولكن الناس فهموا مذهب أبيقور فهمًا غير صحيح، فحسبوه فقط داعيًا إلى اللذة وأخذوا يصفون الرجل الخليع بأنه (أبيقوري) فجاءه «جسندي» فأحيا تعاليم هذا المذهب ودافع عنه. وقد أثر جسندي في عصره تأثيرًا شديدًا. وحسبه أن كان من تلامذته «موليير».

والغزالي تكلم عن اللذة، وعني بها كما فعل جسندي، ولكن الفرق بيهما بعيد، فإن جسندي يرى اللذة غرضًا من أهم أغراض الإنسان. ولكن الغزالي يراها صفة من صفاته، فللعين لذة، وللأذن لذة، ولعضو التناسل لذة. ولا قيمة للحياة بغير هذه اللذات. ولكن يجب أن تحد بحدود العقل والشرع، ومن السهل أن يعرف المرء ما لهما من الحدود. ولكن جسندي يحد اللذة بما لا يصحبه ألم ولا يعقبه ألم. وهنا موضع الخلاف، فإن الزنا في نظر الغزالي ليست له أضرار دنيوية، ولكنه يذهب بصاحبه إلى النار.

(٨) الغزالي ومالبرانش Malebranche

ولد «مالبرانش» في باريس سنة ١٦٣٨ ومكث قسيسًا خمسين سنة. وكان كل همه أن يوحد بين الدين والفلسفة. وقد توفي بعد مرض طويل سنة ١٧١٥.

وأهم مؤلفاته Traité de Morale, Recherche de la Vérité وهو من أنصار ديكارت والمعجبين به، ومن القائلين بوجوب حرية الفكر إلى أقصى حد. والقاعدة عنده أنه لا يصح أن نسلم تمامًا إلا بالقضايا التي تظهر لنا واضحة إلى حد أنه لا يمكننا أن نرفض التسليم بها، وإلا تعرضنا لعتب العقل، وتأنيب الضمير.

والقاعدة الأخلاقية عند مالبرانش أنه لا يصح أن نحب خيرًا من الخيرات حبًّا تامًّا، ما دمنا نستطيع ألا نحبه بلا ندم. وهنا يتفق مع الغزالي، فيقرر أنه لا يجب أن نحب غير الله حبًّا تامًّا مطلقًا. ونحن نذكر أن الغزالي قرر أن الحب المطلق لا يكون لغير الله، لأنه لا نظير له، لا في الإمكان ولا في الوجود.

ويتفق مالبرانش مع الغزالي في عدم الثقة بأحكام الحس، لأنه رأى البصر يختلف حكمه على الأشياء باختلاف القرب والبعد، ويضيف إلى ذلك شكه في الوحدة الزمنية، لأنه يرى اليوم على طوله قصيرًا بالنسبة إلى الفرح المسرور. ويرى الساعة على قصرها طويلة بالنسبة إلى المتألم الحزين.

ويتفق الغزالي ومالبرانش في فهم الرجل الخير، فإذا كان الغزالي يقرر أنه ما هلك امرؤ عرف قدره، فإن مالبرانش يقرر أن الإنسان الخير حقيقة هو من لا يريد أن يكون سعيدًا إلا بقدر ما يستحق، وبقدر ما تسمح له العدالة الإلهية.

ويفترق الغزالي ومالبرانش في تقدير اللذة، فهي عند الغزالي خير إلى حد محدود، ثم تنقلب إلى شر. وهي عند مالبرانش خير دائمًا، وإن كان التمتع بها لا يفيد دائمًا، لأنها قد تصرفنا عن الله. ويختلفان كذلك في فهم الألم، فهو عند مالبرانش يكاد يكون خيرًا، وإن كان شرًّا بالفعل. والغرض من ذلك تبرير الاحتمال. أما الغزالي فلا يخص الألم باهتمام خاص، وإن كان يرحب بكل ما يناله من الأذى في سبيل الله.

وبعد هذه المقارنات الموجزة. أوصي القارئ بأن يعتبر هذا الباب لمعة يسيرة في جانب ما يجب من درس آراء الفلاسفة المحدثين وأحضه على إتمام ما فاتني إتمامه، والله بالتوفيق كفيل.

١  سورة الأنعام: ١٢٥.
٢  بدعة: هي الكلمة التي اخترناها لترجمة كلمة (nouveauté) لأنها أقرب إلى المراد.
٣  مبادئ الفلسفة ص ١٦٦.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠