في آراء علماء العصر في الغزالي

(١) رأي الدكتور منصور فهمي

الدكتور منصور علم من أعلام هذا العصر، وهو أستاذ الفلسفة في الجامعة المصرية، وقد لاقى بسبب آرائه ما يقدر لأمثاله عادة من الظلم والاضهاد. فصلته الجامعة في سنة ١٩١٣ مجاراة للجمهور الذي غضب وثار بسبب ما شاع إذ ذاك من أنه رمى النبي عليه الصلاة والسلام بحب الشهوات. وقد رأى حضرة صاحب الدولة سعد باشا زغلول أن حرمان الجامعة من مثل هذا العقل الناضج ظلم مبين، فنصحه يومئذ بأن يصلي الجمعة في الأزهر ليكون في ذلك قطع لألسنة المرجفين، وليستطيع دولته أن يرجعه إلى الجامعة، ويصل من عمله ما انقطع، ولكن الدكتور منصور أبى أن يشهد العلماء له بالإيمان؛ لأن الله على إيمانه شهيد، فشكر لسعد باشا رفقه به، وظل بعيدًا عن الجامعة بضع سنين. ثم رجع إليها عالي الرأس في سنة ١٩٢١.

وللدكتور منصور رسالة عن الغزالي نال بها الدكتوراه من جامعة باريس، فلرأيه في الغزالي قيمة خاصة. وهو لا يعد خصمًا للغزالي ولا نصيرًا له، وإنما يشكره على ما أداه للعلم من الخدمات.

(٢) رأي الشيخ علي عبد الرازق

الأستاذ الشيخ علي عبد الرازق رجل ممتاز من بين رجال هذا العصر، وقد تلقينا عنه دروس الأدب والبيان في الأزهر منذ اثني عشر عامًا، وأماليه في علم البيان دليل على عقليته النادرة. ولو مضى في التأليف لأصبح قليل الأمثال.

وقد درس الغزالي بعناية، وهو يقف إزاءه موقف الحياد، ويقرر أن الغزالي أوجد حركة فكرية في العالم الإسلامي. أما قيمة هذه الحركة فتختلف باختلاف الأنظار، فمن الناس من يراها ضارة ومنهم من يراها نافعة، ولا يزالون مختلفين.

(٣) رأي الشيخ يوسف الدجوي

الأستاذ الشيخ يوسف الدجوي عالم من هيئة كبار العلماء، وهو ذو نفوذ كبير في الأزهر والمعاهد الدينية، وأكثر العلماء الممتازين اليوم من تلامذته. ومن الخطأ أن تعرفه من مؤلفاته، لأنها مع قلتها ضعيفة، ولأن الفرق بعيد بين ما يقوله في دروسه الخاصة وبين ما يدونه في تلك المصنفات، إذ كان يريد أن يصل بكتبه إلى أفهام الجماهير، ومن هنا فقدت هذه الكتب قيمتها العلمية. ورسالته الصغيرة في تفسير قوله تعالى: لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ١ تجعلنا نأسف كثيرًا على هجره لهذا الأسلوب البديع، وإقباله على خطة الترغيب والترهيب، التي تذكرنا بكتاب الإحياء.

ويكاد يعد الشيخ الدجوي خليفة للغزالي في هذا العصر، ففيه تقريبًا كل خصائصه، من القدرة، والإخلاص، وقوة النفوذ، وبغض الفلسفة، والحذر من أن يتجاوز العقل ما له من الحدود.

(٤) رأي الشيخ جاد المولى

الأستاذ محمد بك جاد المولى من نوابغ هذا العصر. تخرج من دار العلوم سنة ١٩٠٦ وكان ترتيبه الثاني، فسافر في أول بعثة أرسلها دولة سعد باشا زغلول حين كان وزيرًا للمعارف في سنة ١٩٠٧ فقضى ثلاث سنين في الكلية الجامعة بمدينة ردنج. ثم عين في سنة ١٩١٠ مساعدًا لأستاذ اللغة العربية بجامعة أكسفورد وقضى بها ثلاث سنين. ثم عاد في سنة ١٩١٣ فعين في قلم الترجمة بوزارة الأشغال فقضى بها ثلاث سنين. وفي سنة ١٩١٦ نقل إلى الديوان العالي، وظل في خدمة الملك إلى سنة ١٩٢٢ حيث نقل مفتشًا بوزارة المعارف العمومية.

وقد انتدبته الوزارة مع حضرة الأستاذ عبده خير الدين ليشتركا في الامتحان الذي تقدمت له في الجامعة المصرية. ويذكر الجمهور أن الأستاذ جاد المولى بك كان يتأجج غيرة على الغزالي، وقد ناقشني بشدة في كل الموضوعات التي خالفت فيها الغزالي. فبدا لي بعد الامتحان أن أحادثه عن الغزالي من جديد، فتوجهت إلى منزله لهذه الغاية، فتفضل وأطلعني على المحاضرات التي كان ألقاها عن الغزالي في سنة ١٩١٨ فرأيته يفضله على كثير من الفلاسفة المحدثين منهم والقدماء.

والأستاذ جاد المولى بك لا يشك في أن المسلمين انتفعوا بالتصوف أيما انتفاع، وبقدر نفع التصوف بقدر جهد الغزالي في نشره وإذاعته. وقد كان الأستاذ جاد المولى بك يستشهد وهو يحدثني عن ذلك بما كتبه الأستاذ الغمراوي بك في كتاب الغرائز ويقول: إن الصوفي هو كالمعلم سواء بسواء، فكما يجب على المعلم أن يعمل لاستئصال الغرائز السيئة، وتوجيه الغرائز الحسنة إلى النواحي النافعة، كذلك يجب على الصوفي أن يراقب حركات المريدين، لأن التصوف ليس إلا رياضة للنفوس.

وبالرغم من عناية الغزالي بالتصوف فإن الأستاذ جاد المولى بك يراه من المجددين، وقد سألته عن معنى هذا التجديد، فقرر أنه يريد به النهوض بالأفكار الإسلامية التي آمن بها الغزالي، والتي كاد يقضي عليها تيار الفلسفة إذ ذاك.

(٥) رأي الشيخ عبد العزيز جاويش

والأستاذ عبد العزيز جاويش إمام من أئمة المسلمين في هذا العصر. وهو معروف في جميع الأقطار الإسلامية، وله أبحاث في فلسفة التشريع تعز على من رامها وتطول، وقد استفاد من النفي والاضطهاد أيما استفادة، ووقف بذلك على كثير من عقليات الأمم والشعوب، وعده الإنكليز من بين أعدائهم الألداء في الحرب العالمية. ولقبوه بالرجل الخطر المخيف.

ويعد الشيخ جاويش من خصوم الغزالي. فهو أولًا يؤمن بقوة الغزالي ومتانته، ولكنه بعد ذلك يعجب من تساميه إلى منزلة المجتهد المطلق، مع أنه كان «جاهلًا» بفن الحديث. ويرى الشيخ جاويش أن جهل الغزالي بهذا الفن هو المقتل الوحيد لقيمته العلمية، ولن ينفعه بعد ذلك ذيوع اسمه في العالمين. ويقرر الشيخ جاويش أن الغزالي متناقض، وأنه من الصعب تحديد آرائه لأنها قد تختلف في الكتاب الواحد، ولأنه لم ينكر شيئًا إلا وقد قال به في بعض أحواله.

(٦) رأي الكونت دي جالارزا

ظل الكونت دي جالارزا أستاذًا للفلسفة في الجامعة المصرية ست سنين، وهو نادرة النوادر في كرم الأخلاق. وله مؤلفات في الفلسفة لا عيب فيها غير الغموض، وعذره في ذلك أنه أجنبي عن اللغة العربية.

وهو من أشد أنصار الغزالي، ويراه المسلم الحق بين فلاسفة المسلمين ويعجب كثيرًا بوجهته الروحية وله على الغزالي مأخذ واحد وهو منعه الناس من ورود مناهل العلم، مع أنه لم يمنع نفسه شيئًا من العلوم. ويرى أن الغزالي حرم بذلك من كانوا أهلًا للاستفادة، وإن كان عصم من ليسوا أهلًا للانتفاع، من سواد الناس. والغزالي في رأيه غاية الغايات في الإخلاص.

(٧) رأي الدكتور العناني

الدكتور علي العناني من كبار الأساتذة في هذا العصر، وقد مكث في ألمانيا نحو عشر سنين، فتمكن بذلك من أن يدرس الفلسفة دراسة عميقة، وهو من أساتذة الجامعة المصرية.

والدكتور العناني ينظر إلى الغزالي نظرة خاصة، من حيث تطور الفكر الإسلامي فهو يرى أن الفكرة الإسلامية كانت تعتمد أولًا على الوحي، ثم دخل العقل على أنه مفسر وموضح، ولكنه ما زال يقوى وينمو حتى كاد يستقل عن الوحي استقلالًا تامًّا، فرأى الغزالي أن يقف في وجه هذا الاستقلال، فأخذ يحارب الفلاسفة ويناضلهم حتى أخمل ذكرهم في الشرق، وبذلك انتقلت الفلسفة إلى الأندلس، ووجدت هناك مرعاها الخصيب.

والدكتور العناني يرى أن الغزالي سلك تلك السبيل خضوعًا للرأي العام في البداية، ولكنه تأثر بما دعا إليه في النهاية، وعاد حربًا للعقل، وسلامًا للمبادئ الروحية. وهو لا يصدق ما ذكره ابن تيمية من رجوعه إلى ظاهر الشريعة، فإن الرجل كان أخذ أخذًا بمذاهب الصوفية، وإن كان لا ينكر مع ذلك أن له آراء كان يخفيها ويضن بها على الناس.

(٨) رأي الشيخ عبد الوهاب النجار

الأستاذ الشيخ عبد الوهاب النجار نادرة هذا العصر، فقد يندر أن يفوته شيء من معارف هذا الجيل. وهو أعرف الناس بروح العرب والإسلام. وقد درس الغزالي دراسة جيدة. وله على هذا الكتاب ملاحظات يراها القارئ في الهوامش، وهي ملاحظات سديدة لم نشأ أن نحرم منها القراء. وقد قابلته أخيرًا فذكر لي أنه فاته أن يضع ملاحظة عما أخذته على الغزالي من تحريم الغناء في أكثر الأحيان، وهو يرى أن الغزالي محق فيما يقرر من الاكتفاء بإباحة الغناء حين لا يوجد موجب التحريم. لأن مهنة الغناء مجلبة للشقاء، وعلى الأخص حين تضطرب الأحوال.

ورأي الشيخ النجار في الغزالي رأي وسط: فهو يرى أنه في جملته لا نظير له، وأن الحكم بتناقضه فيه شيء من المبالغة، لأن الرجل كان ينظر إلى الأشياء من جهات متعددة، وكان لسنه في ذلك أكبر تأثير. وينكر عليه المبالغة في متابعة الصوفية، ويضرب المثل بما يبيحه للفقير من تمزيق الثوب قطعًا مربعة تصلح للترقيع ويقول: هذا الفقير إما أن يكون في حالة صحو أو في حالة ذهول؛ فإن كان ذاهلًا فهو معذور، ولا حكم له، وإن كان صاحيًا فهو عابث، لأنه ما معنى تمزيق الثوب بطريقة خاصة تجعله صالحًا لأن يرقع به سواه؟ إن هذا إلا إتلاف!

(٩) رأي الشيخ حسين والي

الأستاذ الشيخ حسين والي من كبار العلماء ومؤلفاته تمتاز بالوضوح والبيان، وعلى الأخص (كتاب التوحيد) الذي ظهر منذ سنين، ولولا أنه شغل بالإدارة عن التأليف لكان لمصنفاته تأثير عظيم في بسط آراء المتقدمين في الأصول والتوحيد والأخلاق.

ويعد الشيخ حسين والي من أشد أنصار الغزالي، فهو يدافع عن وجهته في التصوف لأن التصوف في رأيه لا يخرج عن الأصول الإسلامية، والغلو الذي نراه في الإحياء ليس إلا تمكينًا للمعاني التي يدعو إليها الغزالي. وهو لا يرى أن الغزالي قصد بمؤلفه فئة من الناس، وإنما يرى أنه كتبها لجميع الطوائف، وكل فريق يأخذ بقدر استعداده، وبقدر ما يصلح له من أنواع الخلال. والغزالي عنده معذور فيما وقع له من ضعيف الحديث. لأنه لم يرد غير تأييد وجهة نظره فيما اتفق له من الأحاديث والأخبار والآثار. ومن البعيد أن يضع حديثًا في كتاب من كتبه وهو يعلم أنه موضوع أو ضعيف، مع ما عرف عنه من الأمانة والإخلاص.

(١٠) رأي الشيخ عبد الباقي سرور

الأستاذ الشيخ عبد الباقي سرور من العلماء الأفذاذ الذين جمعوا بين المعقول والمنقول وكتابه عن «ماضي الإسلام وحاضره» الذي نشره في جريدة الأفكار من أدق ما كتب المصلحون في العهد الأخير. ويندر أن يظهر كتاب ولا يطلع عليه، فهو لذلك أعرف العلماء بالحركة الفكرية، وأعلمهم بما يجري في عالم السياسة، والفلسفة والاجتماع، وهو فوق ذلك أغير الناس على وطنه ودينه، وإنه لعلى خلق عظيم.

ويرى الشيخ عبد الباقي أنه ليس للغزالي مذهب خاص، وإنما يتنوع دفاعه بتنوع الرأي الذي يدافع عنه، وهذا منشأ ما في كتبه من تباين الآراء: فقد كان يحتج بأصول المعتزلة والأشعرية والكرامية، وهو يناقش الفلاسفة، ويريد أن يجمع في يده كل الأسلحة الفكرية ليدفع بها طغيان الفلسفة الذي كان يخشى على الدين من تياره. والشيخ عبد الباقي يرى أن التصوف في كتب الغزالي إنما كتب للصوفية، لا لجميع الناس، كما يظن ذلك كثير من الباحثين. ودليل هذا رجوعه في أخريات أيامه إلى دراسة كتب السنة حتى ليذكرون أنه مات والبخاري على صدره. ولعدم اختصاص الغزالي بمذهب خاص وجهة شريفة، هي تحري الحق والبحث عن عناصر القوة فيما كان لعهده من مختلف المذاهب. وهذه الوجهة فيما يرى الشيخ عبد الباقي ضمان للسلامة من التقاليد المذهبية التي تغل حرية الفكر، وتحرم الباحث من الانتفاع بثمرات العقول.

(١١) رأي الشيخ أحمد أمين

أحسن ما يوصف به الأستاذ الشيخ أحمد أمين أنه رجل نافع، فإن كتبه ورسائله مفعمة بالآراء الجيدة، التي تغرس الحياة في نفس المستفيد. وعمله في لجنة التأليف والترجمة والنشر عمل الرجل الذي يعرف أن لا حياة لأمته بغير العلم، ولهذه اللجنة أثر كبير في الحركة العلمية، ولأعضائها فضل عظيم على شباب هذا الجيل.

ويرى الشيخ أحمد أمين أن الغزالي حول الناس عن الاشتغال بالفلسفة، ورجعهم إلى الكتاب والسنة، وأعلى شأن التصوف والصوفية. وحبب ذلك إلى الناس. وأسلوبه في الترغيب والترهيب أنفع الأساليب في هداية الجماهير. ويرى معنا أن الغزالي لم يضع طريقة نافعة لخلوص المرء من شكوكه. وأن آراءه في الأخلاق لا تنفع في هذه الأيام، لأن المدنية الحديثة تتطلب قوة التنازع، وهو يفضل السلامة على كل شيء!

١  سورة الأنبياء: ٢٣.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠