الفصل الخامس

روح ذلك العصر

١

من الصعب تحديد الروح السائد في عصر من العصور، وإنما غاية المؤرخ أن يذكر الشواهد والأمثال، ويستخلص منها ما يرجح أن تكون عليه صورة العصر الذي يدرسه.

وأنا أرجح أن تكون السذاجة هي الصفة الغالبة في ذلك العصر مع شيء من المكر في الأمراء والعلماء. ومن الشواهد الدالة على هذه السذاجة ما ذكره الغزالي في كتابه «المنقذ من الضلال» من أن الناس كانوا يقولون حين ترك المدرسة النظامية ببغداد: إنها عين أصابت الإسلام! وما نقل السبكي من أن أحد معاصريه سمعه يقول: «قطعت علينا الطريق وأخذ العيارون جميع ما معي ومضوا، فتبعتهم، فالتفت إلي مقدمهم وقال: ارجع ويحك وإلا هلكت! فقلت له: أسألك بالذي ترجو السلامة منه أن ترد علي تعليقتي فقط، فما هي بشيء تنتفعون به، فقال لي: وما هي تعليقتك؟ فقلت: كتب في تلك المخلاة، هاجرت لسماعها وكتابتها ومعرفة علمها، فضحك وقال: كيف تدعي أنك عرفت علمها، وقد أخذناها منك، فتجردت من معرفتها وبقيت بلا علم؟ ثم أمر بعض أصحابه فسلم إلي المخلاة. قال الغزالي: هذا مستنطق أنطقه الله ليرشدني به في أمري، فلما وافيت طوس أقبلت على الاشتغال ثلاث سنين حتى حفظت جميع ما علقته، وصرت بحيث لو قطع علي الطريق لم أتجرد من علمي.»

والسذاجة ظاهرة في هذا الحديث، فمن الواضح أن حفظ الكتب عن ظهر قلب حتى لا تبقى إلى حفظها حاجة، آفة عظيمة في تكوين العقول، فليست قيمة العالم فيما يحفظ، ولكن قيمته في حسن الفهم، وأصالة الرأي، وصواب الحكم.

ومن شواهد السذاجة ما أورده نظام الملك في وصيته١ التي تركها لخلفه من الساسة حيث يقول:

كان الإمام الموفق النيسابوري من جلة علماء خراسان، مبجلًا مهيبًا، وقد نيف على الخمس والثمانين، وكان السائد في عقيدة أهل زمانه أن كل من قرأ عليه العلوم العربية نبغ فيها، وبلغ الغاية، وانساق إليه العز والجاه، والنعمة والثراء، ولذلك وجهني أبي من بلدة طوس إلى نيسابور مع عبد الصمد الفقيه، لأقرأ على ذلك الأستاذ النابغة الجليل. وهنالك حظيت به، فوشجت بيننا أواصر المودة، وتأكدت عرا الصداقة ولحظني بعين عنايته، وأنزلته من نفسي أخص منزلة وألطفها، ولبثنا على ذلك سنين عدة. وكنت أول ما نزلت به، وجلست في حلقته، لقيت تلميذين في مثل سني، حديثي عهد مثلي بالقراءة على الإمام الموفق. وهما عمر الخيام والحسن بن الصباح، وكانا آيتين في الفطنة والذكاء فأنس كل منا بصاحبيه، ونمت بيننا نحن الثلاثة أحسن صحبة وأمتنها. فكان إذا قام الإمام عن الدرس، وانفضت الحلقة، اجتمعنا فتذاكرنا ما تلقيناه عليه من المعارف. وكان الخيام من أهالي نيسابور، أما الحسن بن الصباح فكان أبوه ناسكًا ورعًا متقشفًا، ولكنه كان زنديقًا، فأقبل الحسن يومًا على عمر الخيام فقال له: لقد صح في أذهان الناس قاطبة أنه ليس من تلميذ يتخرج على الإمام الموفق إلا مصيبًا عزًّا وإقبالًا وثروة وجاهًا، فهب أن ذلك لم يتفق لنا نحن الثلاثة جميعًا فإنه لا بد أن يقع لواحد منا، فماذا يكون حق الخائبين على ذلك الفائز الظاهر؟ قلنا له: اقترح ما تشاء، فقال: فلنتعاهد الآن على أنه من أصاب منا الثراء فعليه أن يقسمه فيما بيننا نحن الثلاثة على السواء، لا يؤثر نفسه بشيء دون أخويه فأجبنا: ليكن ذلك كما قلت. ثم تحالفنا على ذلك وتعاهدنا، ومرت الأعوام على ذلك، وغادرت خراسان متجولًا في فضاء الله، إلى غزنة، ثم إلى كابل، ولما عدت تقلدت منصب الوزارة في سلطنة السلطان ألب أرسلان، وبعد مدة من الزمن عرف ذلك صاحباي. فآتياني يطلبان إنجاز وعدي القديم وإشراكهما فيما انحاز لي من النعمة والثراء.

والذي يعنيني من هذه الحكاية هو أن يكون «السائد في عقيدة أهل ذلك الزمان أن من قرأ العلوم العربية على الإمام الموفق نبغ فيها وبلغ الغاية وانساق إليه العز والجاه» وتلك خرافة لا يسيغها غير ضعاف العقول، وصغار الأحلام، وقد رأيت كيف كان الناس يتداولون «هذه العقيدة» وكيف كان الطلبة يتغنون بها في حلقات الدروس.

وقد رأينا في الفصل السالف كيف مَنّ «نظام الملك» على ملكشاه بأن أقام له جيش الليل من العلماء والفقراء، مع أنه لا يصح الدفاع عن العلم بإظهار الحاجة إلى دعوات أهله ودموعهم، فبئس السلاح سلاح الدمع والدعاء. وإنما تحرس الأمم بالعلم في إقامة ما اعوج من الأخلاق وإيقاظ ما خمد من النفوس، وإحياء ما اندرس من آثار العقول.

ومن الشواهد على سذاجة ذلك العصر التحدث بالمنامات والأحلام وهي شارة الارتياب في الواقع، والإيمان بالخيال.

٢

أما ما كان في ذلك العصر من مكر الأمراء والعلماء، فدلائله كثيرة مبعثرة في الكتب هنا وهناك، ومؤلفات الغزالي شهيدة على ذلك، فكثيرًا ما نراه يشن الغارة على العلماء الذين يكثرون الجدل، يتظاهرون بالغيرة على العلم والدين، وهم في الواقع طلاب جاه، وطلاب مال!

ويمكن الجزم بأن الغزالي يمثل عصره أصدق تمثيل وهو يتحدث عن الأتقياء المزيفين من المتصوفة الذين يخدعون الناس باسم التقى، وهم في أنفسهم أنصار غي وضلال، وإنما قلنا إنه يمثل عصره، لأنه يتكلم في هذه الشئون بحماسة عظيمة، ليست صدى لمطالعاته في المؤلفات القديمة، وإنما هي أثر لغضبته من قوم عاش بينهم، ولقي من مكرهم وريائهم أنواع الشقاء. وقد سبقه المعري بنقد المتصوفة، ولكن المعري كان غير مسموع الكلمة في نقدهم، أما الغزالي فكانت كلمته في ذمهم شديدة الأثر، لأنه صوفي، ولأن تلامذته كانوا عونًا له على نشر ما يريد.

وإليك إنموذجًا من كلامه عن أصناف المغرورين:

«وفرقة منهم عدلوا عن المنهاج الواجب في الوعظ، وهم وعاظ الزمان كافة، إلا من عصمه الله على الندور في بعض أطراف البلاد إن كان ولسنا نعرفه، فاشتغلوا بالطامات والشطح وتلفيق كلمات خارجة عن قانون الشرع والعقل طلبًا للإغراب، وطائفة شغلوا بعبارات النكت وتسجيع الألفاظ وتلفيقها، فأكثر همهم الأسجاع والاستشهاد بأشعار الوصال والفراق، وغرضهم أن تكثر في مجالسهم الزعقات والتواجد، ولو على أغراض فاسدة، فهؤلاء شياطين الإنس ضلوا وأضلوا عن سواء السبيل.» ص٤٠٥ ج٣ إحياء.

على أن الغزالي كان بنفسه أداة من أدوات الصوفية، وسترى كيف كان ذلك في غير هذا الباب.

أما مكر الأمراء والملوك فقد كاد ينحصر في ختل العامة وجرهم إلى الحروب باسم الدين، فمن المتعسر أن تجد أمة إسلامية حاربت أختها باسم الملك في دعوة صريحة، بل كانت كل أمة تختص نفسها بالهداية، وترمي غيرها بالمروق، وكانت الجماهير وقودًا لنار تلك الفتن في مصر والشام والعراق وخراسان، وغيرها من ممالك المسلمين. ولعن الله الساسة أصحاب الأغراض.

١  مقدمة السباعي لرباعيات عصر الخيام.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠