الفصل الثاني

مولده ونشأته

ولد الغزالي في طوس سنة ٤٥٠هـ وفيها تلقى ما تفقه به في صباه على أحمد بن محمد الراذكاني، ثم سافر إلى جرجان حيث تلقى طرفًا من العلم على الإمام أبي نصر الإسماعيلي وعلق عنه التعليقة — كما كانوا يقولون — ثم رجع إلى طوس وأقام بها ثلاث سنين يراجع ما تلقاه في جرجان، ثم قدم نيسابور حيث يدرس إمام الحرمين في المدرسة النظامية علوم الفقه والمنطق والأصول، فلازمه إلى أن توفي سنة ٤٧٨هـ. ثم خرج إلى المعسكر وهي محلة بالقرب من نيسابور يقيم فيها نظام الملك — وكان إذ ذاك في الثامنة والعشرين من عمره — وكان نظام الملك قد سمع الثناء على عقله وعلمه وأدبه. فأحضره مجلسه، وكانت منتدى العلماء، فوجدت الفرصة لينشر الغزالي أثمن ما في خزانته من نفائس العلم، وكان من نتيجة ذلك أن برع من كانوا يغشون مجلس نظام الملك وظهر عليهم، فولاه ذلك الوزير رتبة التدريس في مدرسة بغداد سنة ٤٨٤هـ.

ولننظر ماذا يقول عن طلبه للعلم من أوائل حياته العلمية إلى أن نيف على الخمسين: «ولم أزل في عنفوان شبابي منذ راهقت البلوغ قبل بلوغ العشرين إلى الآن، وقد أناف السن على الخمسين. أقتحم لجة هذا البحر العميق، وأخوض غمراته خوض الجسور، لا خوض الجبان الحذور، وأتوغل في كل مظلمة، وأتهجم على كل مشكلة، وأقتحم كل ورطة، وأتفحص عقيدة كل فرقة، وأستكشف أسرار مذهب كل طائفة، لأميز بين محق ومبطل، ومتسنن ومبتدع، لا أغادر باطنيًّا إلا وأحب أن أطلع على بطانته، ولا ظاهريًّا إلا وأريد أن أعلم حاصل طهارته، ولا فلسفيًّا إلا وأقصد الوقوف على كنه فلسفته، ولا متكلمًا إلا وأجتهد في الاطلاع على غاية كلامه ومجادلته، ولا صوفيًّا إلا وأحرص على العثور على سر صوفيته، ولا متعبدًا إلا وأترصد ما يرجع إليه حاصل عبادته، ولا زنديقًا معطلًا إلا وأتجسس وراءه للتنبه لأسباب جرأته في تعطيله وزندقته. وقد كان التعطش إلى إدراك حقائق الأمور دأبي وديدني، من أول أمري وريعان عمري، غريزة وفطرة من الله تعالى وضعها في جبلتي، لا باختياري وحيلتي. حتى انحلت عني رابطة التقليد. وانحسرت عني العقائد الموروثة على قرب عهد بسن الصبا.»

وهذه الفقرة تدلنا على أمرين؛ الأول: أن المذاهب الفلسفية كانت كثيرة الانتشار لذلك العهد، وأن أصحابها كانوا يجتهدون في الدفاع عنها، ويجدون في إذاعتها بين الناس، والثاني: أن الغزالي لم يكن من أولئك الطلبة الأغبياء الذين لا يعرفون غير رأي واحد: يعيشون عليه، ويموتون عليه! بل كان طالب علم بمعنى الكلمة، يعرف أن واجبه يقضي عليه بأن يعلم حقيقة كل نحلة، وكنه كل مذهب، ومقصد كل فرقة، ومرمى كل عقيدة.

وكان أول ما أثار فيه هذه الرغبة ما رآه من أن صبيان النصارى ينشئون على التنصر، وصبيان اليهود على التهود، وأطفال المسلمين على الإسلام. وكانت هذه الملاحظة الوجيهة باعثًا له على أن يشك في دينه حتى يتبين حقيقته — وإن لم يحدثنا عن ذلك — لأنه ما الدليل على أن النصرانية خير من اليهودية، أو أن الإسلام خير من النصرانية، أو أن اليهودية خير من الإسلام، كما يتحدث النصارى والمسلمون واليهود: كل على ما هو بسبيله من تفضيل دينه على غيره من الديانات.

وهنا يصرح الغزالي بأنه انتهى إلى أنه لا قيمة للتقليد، لأنه موجود في كل أمة وفي كل ملة، وإنما القيمة كلها لليقين الذي لو تحدى لإظهار بطلانه من يقلب الحجر ذهبًا والعصا ثعبانًا لم يورث ذلك فيه شكًّا، كما أنك لو علمت أن العشرة أكثر من الثلاثة، وقال قائل لا، بل الثلاثة أكبر، بدليل أني أقلب العصا ثعبانًا، ثم قلبها وشاهدت ذلك منه، لم تشك بسببه في معرفة أن العشرة أكثر من الثلاثة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠