الفصل الأول

المصادر الفلسفية

درس الغزالي الفلسفة، ولكنه درسها بنية سيئة، درسها ليسبر غورها، ثم ينشر مساوئها في العالمين!

وقد درسها بنفسه، ولم يتتلمذ لأستاذ، فكان ذلك داعية لهذا البغض العميق، الذي جعله ينسى الفلاسفة، ولم يذكرهم إلا بسوء في كتبه الأخلاقية، ولو أنه تلقاها على أستاذ تلقي الفقه والتصوف والتوحيد، لرجونا أن تخف حدته كلما وجد الفرصة سانحة ليسلق الفلاسفة بلسان حديد.١

ذلك بأن الأساتذة ينتصرون لعلومهم، ويؤثرون في تلامذتهم أثرًا غير قليل، وأثر المتصوفة من أساتذة الغزالي واضح كل الوضوح فيما صبغت به آراؤه الدينية والأخلاقية.

ولكن هل نجا الغزالي من محاكاة الفلاسفة حين كتب في الأخلاق؟ وإن نظرة في تقسيم الفضائل، وطرائق كسبها، وتنويع الرذائل، ووسائل الخلاص منها، لترينا مبلغ محاكاته للفلاسفة الذين كتبوا في الأخلاق، والآداب الاجتماعية.

وإنك لتضحك بملء فيك حين تراه يقول في كتابه «المنقذ من الضلال»:

«وأما السياسات فجميع كلامهم فيها يرجع إلى الحكم المصلحية المتعلقة بالأمور الدنيوية السلطانية، وإنما أخذوها من كتب الله المنزلة على الأنبياء، ومن الحكم المأثورة عن سلف الأولياء، وأما الخلقية فجميع كلامهم فيها يرجع إلى حصر صفات النفس وأخلاقها، وذكر أجناسها وأنواعها، وكيفية معالجتها ومجاهدتها، وإنما أخذوها من كلام الصوفية، وهم المتألهون المثابرون على ذكر الله، وعلى مخالفة الأهواء، وسلوك الطريق إلى الله بالإعراض عن ملاذ الدنيا، وقد انكشف لهم في مجاهداتهم من أخلاق النفس وعيوبها وآفات أعمالها ما صرحوا به، فأخذه الفلاسفة ومزجوه بكلامهم، توسلًا بالتجمل به إلى ترويج باطلهم.» ص١٦.

وقد لحظ الغزالي أن هذه الدعوى العريضة قد تقبل إذا وجهت إلى فلاسفة الإسلام، فقد قرأوا القرآن، وعرفوا منه أشياء من حكم الأنبياء والمرسلين، وقرأوا للصوفية كثيرًا من الحكم والأمثال، ولكن هذه الدعوى قد تظهر باطلة إذا وجهت إلى فلاسفة اليونان، فانظر ماذا يقول في ذلك:

«ولقد كان في عصرهم، بل في كل عصر، جماعة من المتألهين لا يخلي الله تعالى العالم منهم، فإنهم أوتاد الأرض، ببركاتهم تنزل الرحمة إلى أهل الأرض.» ص١٧.

فعلى هذا لا فضل لسقراط، ولا أفلاطون، ولا أرسططاليس فيما وفقوا إليه، حين كتبوا في الأخلاق، وإنما الفضل لأولئك «الأوتاد» الذين شرفت بهم بلاد اليونان منذ آلاف السنين ولا أدري ماذا يفعل الغزالي إذا أقسم الأغارقة بالله جهد أيمانهم أنه لم يكن لهم إله واحد وإنما كان لهم ألف إله وإله، بل كان من آلهتهم من يحض على اللذة، ويمهد للفسق السبيل!

إنه لا شك في أن الغزالي استقى من المنابع الفلسفية، في كل ما كتب عن الأخلاق، وغاية الأمر أن وجهة الدين، ووجهة التصوف، غلبتا عليه، وصورتا آراءه بصورة دينية، تبدو للنظرة الأولى وكأنها لا تمت للفلسفة بسبب، ولا تأخذ منها بنصيب، وهي في الواقع متأثرة بما للفلسفة من أصول.

وإنه لا حرج علينا في أن نقرر أن الغزالي أصلى الفلسفة نار العقوق فقد كانت سبب حصافته، وذيوع صيته، ثم أطمع فيها العامة، ومكن الجهال من تصغير الحكماء، وليس تكفيره لابن سينا والفارابي بالأمر الهين، وإن فعلته تلك لتحسب بذرة هذه التقاليد الممقوتة التي يعانيها المفكرون الأحرار، في جميع الأقطار الإسلامية، منذ حين!

إخوان الصفا

جمعية شبه سرية. اجتمعت في البصرة في منتصف القرن الرابع. وإنما كانت سرية لكره عامة الناس الفلسفة إذ ذاك. وكان غرض هذه الجمعية نشر المعارف التي يرونها صحيحة في جميع الأقطار الإسلامية، فقد كانوا يرون: «إن الشريعة قد دنست بالجهالات، واختلطت بالضلالات، ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة، لأنها حاوية للحكمة الاعتقادية، والمصلحة الاجتهادية.» وقد ألفوا إحدى وخمسين رسالة ضمنوها خلاصة العلوم المعروفة لعهدهم، وقالوا في أول هذه الرسائل: «إن الحكماء الفلاسفة الذين كانوا قبل الإسلام تكلموا في علم النفس، ولكنهم لما طولوا الخطب فيها، ونقلوها من لغة إلى لغة، من لم يكن قد فهم معانيها حرفها وغيرها، حتى انغلق فيها فهم معانيها. ونحن قد أخذنا لب معانيها، وأقصى أغراضهم فيها، وأوردناها بأوجز ما يمكن من الألفاظ في إحدى وخمسين رسالة».

وقد نقل الأستاذ أحمد أمين عن مكدونالد أن بعض الباحثين ظن أن هذه الجمعية جمعية باطنية، لما بين ما يجيء فيها أحيانًا وبين تعاليم الباطنية من التطابق، وقد عثر المغول عند فتحهم قلعة الموت على كثير من نسخ رسائل إخوان الصفا.٢

وذكر الأستاذ الكونت دي جلارزا في محاضراته بالجامعة المصرية أن أحد إخوان الصفا وهو أبو حيان التوحيدي المتوفى نحو سنة ٣٨٩هـ كان يقول: «إن الشريعة لم تكن كاملة، بل فيها غلطات وجب إصلاحها بواسطة الفلسفة».

ورسائل إخوان الصفا تحتاج إلى درس طويل لمعرفة ما فيها من الأغراض الفلسفية، والدينية، والسياسية، ويكفي أن يعرف القارئ أن الغزالي اطلع على هذه الرسائل، واستفاد منها، وإن صب على أصحابها جام سخطه وغضبه، لأن استفادة المرء من كتاب لا تتوقف على حبه لصاحبه، بل صرح الغزالي بأنه أقبل في أول حياته العلمية على درس ما عرف لعهده من المذاهب والآراء.

الفارابي

هو أبو نصر محمد بن طرخان. وهو فارسي من بلدة تسمى فاراب من بلاد خراسان، جاء إلى بغداد. وأخذ علم المنطق عن أبي بشر متى بن يونان النصراني الذي توفي سنة ٣٢٨هـ، ثم انتقل إلى مدينة حران وتعلم بها الفلسفة، وعاد بعد ذلك إلى بغداد، ثم رحل إلى دمشق وأقام بها أيام سيف الدولة بن حمدان.

قال سلطان (بك) محمد في محاضراته بالجامعة المصرية: «وهو في مقدمة الفلاسفة الإسلاميين الذين طالعوا كتب أفلاطون وأرسطو ووقفوا على أغراضها، وأحسنوا فهمها، يدل لذلك ما حكاه الشيخ الرئيس من أنه عرف غوامض الفلسفة، ووقف على مقاصدها، واستظهر القسم الإلهي منها ولم يقف على حقيقة أغراضه ومباحثه، فسئمته نفسه. وكان ذات يوم لدى الوراقين ومر عليه دلال كتب، وبيده مجلد، وقال له: اشتر هذا. فلما علم أنه في الفلسفة الإلهية، قال لا حاجة لي به. فقال له الدلال: إن صاحبه محتاج إلى بيعه، ويطلب به ثمنًا قليلًا. وأبيعكه بثلاثة دراهم. قال فأخذته ووجدته تأليف أبي نصر الفارابي، فلما قرأته وقفت منه على أغراض ذلك العلم وفهمته بعد أن مللت الاشتغال به ويئست من فهم أغراضه».

وكان معشوق الفارابي من فلاسفة اليونان أرسطو، حتى قيل إنه وجد كتاب النفس لأرسطو وعليه بخط الفارابي: «إني قرأت هذا الكتاب مائة مرة» ولكثرة شرحه لآراء الفلاسفة لقب بالمعلم الثاني كما لقب أرسطو بالمعلم الأول. وسئل: أنت أعلم أم أرسطو؟ فقال: لو أدركته لكنت أكبر تلاميذه. وتوفي الفارابي رحمه الله سنة ٣٣٩هـ وهو يناهز الثمانين.

وللفارابي آثار كثيرة عدا عليها الفناء، ومن مؤلفاته الباقية «آراء أهل المدينة الفاضلة» وهو يحاكي فيه جمهورية أفلاطون.

وقد انتفع الغزالي بمؤلفاته، وإن حكم بكفره مجازفة وبلا دليل.

ابن سينا

هو الشيخ الرئيس أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا أشهر فلاسفة المسلمين، توفي سنة ٤٢٨هـ وسنه ٥٨ سنة. وكان من أمهر الأطباء وكتابه «القانون» كان العمدة في الطلب في القرون الوسطى عند الشرقيين والغربيين. وقد عني العرب ببسط آرائه الفلسفية، وبشرح ما دون في الأخلاق، وطبائع النفوس.

ولا ريب في أن الغزالي انتفع بمصنفاته، وإن جازاه جزاء سنمار حيث حكم بكفره، مجاراة للعامة، وطاعة للهوى؛ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ.

ابن مسكويه

ومن الفلاسفة الذين انتفع الغزالي بآرائهم في الأخلاق ابن مسكويه: أبو علي أحمد بن محمد المتوفى سنة ٤٢١هـ. وهو من فلاسفة المسلمين وله عدة كتب في الأخلاق، أشهرها كتابه المسمى: «تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق»، وهو يقع في ١٨٥ صفحة، ويقول في مقدمته: «غرضنا في هذا الكتاب أن نحصل لأنفسنا خلقًا تصدر به عنا الأفعال كلها جميلة، وتكون مع ذلك سهلة علينا لا كلفة فيها ولا مشقة، ويكون ذلك بصناعة وترتيب تعليمي، والطريق في ذلك أن نعرف أولًا نفوسنا ما هي وأي شيء هي، ولأي شيء أوجدت فينا، وما قواها وملكاتها التي إذا استعملناها على ما ينبغي بلغنا بها هذه الرتبة العلية … إلخ».

وابن مسكويه هذا ينقل عن الفلسفة اليونانية بطريقة صريحة، لا لف فيها ولا مداراة، فهو من مجددي فلسفة اليونان مع الحرص بقدر ما يمكن على موافقة الشريعة الإسلامية، وكتابه الذي نوهنا عنه له أثر كبير في تكوين الغزالي من الوجهة العقلية، وقد هممت بوضع مقارنة بين كتابه ذاك وبين كتاب الإحياء، ثم رأيت أن هذا باب إذا أطلته طال، واستنفد وقتًا أنا محتاج إليه في غيره من الأبواب، فلأكتف ببعض فقرات نقلها الغزالي عن ابن مسكويه نقلًا يشبه أن يكون حرفيًّا، من غير أن ينوه بالكتاب الذي نقل عنه، وما أدري أكان ذلك مقصودًا أو غير مقصود، ولكنه على كل حال دليل على تأثر الغزالي بمؤلفات ابن مسكويه، وإلى القارئ البيان:
  • (١)

    يقول ابن مسكويه: «ومن انخدع عن هذه الموهبة السرمدية الشريفة بتلك الخساسات التي لا ثبات لها فهو حقيق بالمقت من خالقه عز وجل، خليق بتعجيل العقوبة، وراحة العباد والبلاد منه».

    ويقول الغزالي: «من انفك عن هذه الجملة كلها، واتصف بأضدادها، استحق أن يخرج من بين البلاد والعباد».

  • (٢)

    يقول ابن مسكويه: «إن أول ما ينبغي أن يتفرس في الطفل ويستدل به على عقله: الحياء، فإنه يدل على أنه قد أحس بالقبيح، ومع إحساسه به يحذره ويتجنبه، فإذا نظرت إلى الصبي فوجدته مستحييًا مطرقًا بطرفه إلى الأض، غير وقاح الوجه، ولا محدق إليك، فهو أول دليل نجابته، والشاهد لك على أن نفسه قد أحست بالجميل والقبيح، وهذه النفس مستعدة للتأديب، صالحة للعناية، لا يجب أن تهمل ولا تترك».

    ويقول الغزالي: «ومهما رأى مخايل التمييز فينبغي أن يحسن مراقبته، وأول ذلك ظهورًا أوائل الحياء، فإنه إذا كان يحتشم ويستحيي ويترك بعض الأفعال فليس ذلك إلا لإشراق نور العقل عليه، حتى يرى بعض الأشياء قبيحًا ومخالفًا للبعض، فصار يستحيي من شيء دون شيء والصبي المستحي لا ينبغي أن يهمل بل يستعان على تأديبه بحيائه وتمييزه».

  • (٣)

    يقول ابن مسكويه: «إن نفس الصبي ساذجة، لم تنتقش بعد بصورة، وليس لها رأي ولا عزيمة تميلها من شيء إلى شيء».

    ويقول الغزالي: «والطفل أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية من كل نقش وصورة».

  • (٤)

    يقول ابن مسكويه: «ويعلم أن أولى الناس بالملابس الملونة والمنقوشة النساء اللواتي يتزين للرجال، ثم العبيد والخول، وإن الأحسن بأهل النبل والشرف من اللباس البياض وما أشبهه حتى يتربى على ذلك. ويسمعه من كل من يقرب منه، ويكرر ذلك عليه».

    ويقول الغزالي: «ويحبب إليه من الثياب البيض دون الملون ويقرر عنده أن ذلك شأن النساء والمخنثين، وإن الرجال يستنكفون منه، ويكرر ذلك عليه».

  • (٥)

    يقول ابن مسكويه: «ولا يترك لمخالطة من يسمع منه ضد ما ذكرته، لا سيما من أترابه. ومن كان في مثل سنه ممن يعاشره أو يلاعبه. وذلك أن الصبي في ابتداء نشأته يكون على الأكثر قبيح الأفعال. إما كلها وإما أكثرها. فإنه يكون كذوبًا. ويخبر ويحكي ما لم يسمعه ولم يره. ويكون حسودًا سروقًا نمامًا لجوجًا ذا فضول».

    ويقول الغزالي: «ويُحْفَظ الصبي عن الصبيان الذين عودوا الرفاهية، فإن الصبي مهما أهمل خرج في الأغلب رديء الأخلاق كذابًا حسودًا سروقًا نمومًا لجوجًا ذا فضول».

    وبين العبارتين فرق صغير، وعبارة الغزالي أدق، لأنها تعلق فساد الطفل على إهمال تربيته وتأديبه.

  • (٦)

    يقول ابن مسكويه: «ثم يطالب بحفظ محاسن الأخيار والأشعار التي تجري مجرى ما تعوده بالأدب، ويحذر النظر في الأشعار السخيفة وما فيها ذكر العشق وأهله، وما يوهم أصحابها أنه ضرب من الظرف ورقة الطبع، فإن هذا الباب مفسدة للأخلاق».

    ويقول الغزالي: «ثم يشتغل في الكتب: فيتعلم القرآن وأحاديث الأخبار، وحكايات الأبرار، ويحفظ من الأشعار التي فيها ذكر العشق وأهله، ويحفظ من مخالطة الأدباء الذين يزعمون أن ذلك من الظروف ورقة الطبع، فإن ذلك يغرس في قلوب الصبيان بذور الفساد».

ولئن قال قائل إن هذه آراء فطرية، لا تصلح مثالًا للنقل والمحاكاة، فإني أجيبه بأن موافقة الغزالي لابن مسكويه في بعض الأبواب موافقة تكاد تكون تامة، تدل على الأقل على أنه صدى لمن قبله، وأن نصيبه من الإبداع قليل.

١  انظر ص ٩ و١٠ من المنقذ من الضلال.
٢  مبادئ الفلسفة ص ١٢٥.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠