الفصل الثاني

الإرادة

١

وردت كلمة الإرادة في كتب الغزالي لأغراض متعددة: فتارة يريد بها السلوك في طريق الله، ومنها المريد الذي يرد كثيرًا في كلامه ويريد به السالك في ذاك الطريق، طريق الصوفية.

وللإرادة بهذا المعنى شرط يتقدمها: وهو رفع السد الذي بين المريد وبين الحق، وهذا السد فيما يرى الغزالي أربعة أشياء: المال، والجاه، والمعصية، والتقليد.

ويرفع حجاب المال بخروج المريد عن ملكه، حتى لا يبقى له إلا قدر الضرورة. ويرفع حجاب الجاه بالبعد عن مواطنه مع إيثار الخمول. ويرفع حجاب التقليد بترك التعصب للمذاهب. أما المعصية فلا يرفعها إلا التوبة، والندم، والعزم على عدم العود والخروج من المظالم.

والتجرد من هذه الحجب فيما يرى الغزالي كالتطهر للصلاة ولا بد للمصلي من إمام. فكذلك لا بد للمريد من أستاذ، وقد وضع عدة آداب للمريد مع أستاذه، وليس ذلك مما يعنينا الآن. ويكفي أن يعرف القارئ ما يقصد من كلمة مريد التي يكثر دورانها في «الميزان» و«المنهاج» و«الإحياء».

٢

وتارة يذكر الإرادة ويريد بها ما ينبعث عن المعرفة ويسخر القدرة، والإرادة بهذا المعنى هي المقصودة عند علماء الأخلاق. ولها عند الغزالي أسماء مختلفة: فنراه حينًا يسميها القوة العاملة إذ يقسم قوى النفس الإنسانية إلى قوة عالمة، وقوة عاملة، ويذكر أن الثانية «هي قوة ومعنى للنفس هو مبدأ حركة بدن الإنسان إلى الأفعال المعينة الجزئية المختصة بالفكر والروية على ما تقتضيه القوة العالمة النظرية» الميزان ص٢٦.

ونراه حينًا آخر يسميها النية. ويعنونها كذلك في الأربعين والإحياء. فلو أنك نظرت في الفهرست لتعرف في أي موضع تكلم عن الإرادة، ثم نظرت في الفصل الذي شرحها فيه، لما رأيتها الإرادة التي يتكلم عنها الأخلاقيون، وإنما رأيتها الإرادة التي عناها الصوفية، واشتقوا منها كلمة مريد. فأما الإرادة التي هي من موضوعات الأخلاق، فاسمها عند الغزالي النية، وله في شرحها كلام طويل.

٣

يقول الغزالي: «إن النية والإرادة والقصد، عبارات متواردة على معنى واحد وهو حالة وصفة القلب، ويكتنفها أمران: علم وعمل. والعلم يتقدم لأنه أصل وشرط. والعمل يتبع لأنه ثمرة وفرع. وذلك لأن كل عمل، أعني كل حركة وسكون اختياري لا يتم إلا بثلاثة أمور: علم، وإرادة، وقدرة. لأنه لا يريد الإنسان ما لا يعلمه، فلا بد وأن يعلم، ولا يعمل ما لم يرد فلا بد من إرادة، ومعنى الإرادة انبعاث القلب إلى ما يراه موافقًا للغرض، إما في الحال، وإما في المآل.» ص٣٨١ ج٤ إحياء.

ويقول: «النية هي الإرادة الباعثة للقدرة، المنبعثة عن المعرفة. وبيانه أن جميع أعمالك لا تصح إلا بقدرة وإرادة وعلم، والعلم يهيج الإرادة، والإرادة باعثة للقدرة، والمقدرة خادمة الإرادة.» ص١٦٢ من الأربعين.

وواضح أن الإرادة كما يراها الغزالي لا تختلف عما نراه الآن فإنك لا تجد فرقًا بين كلامه هذا وبين قول جول سيمون: «والواقع أننا لأجل أن نعمل يجب أن نريد، ولأجل أن نريد يجب أن نعرف ماذا نريد، ولماذا نريده.» الواجب ص١٩.

٤

ويقرر الغزالي فوق ما تقدم أنه لا يكفي أن يعلم الإنسان صواب العمل ليريده وينفذه، بل لا بد من أن يقوي في نفسه كون الشيء موافقًا له، فإذا جزمت المعرفة بأن الشيء موافق ولا بد أن يفعل، وسلمت عن معارضة باعث آخر صارف عنه، انبعثت الإرادة، ونهضت القدرة لتنفيذ المراد.

ويقرر كذلك أن نهوض القدرة للعمل قد يكون بباعث واحد، وقد يكون بباعثين اجتمعا في فعل واحد. وإذا كان بباعثين فقد يكون كل واحد من القوة بحيث لو انفرد لكان كافيًا لإنهاض القدرة، وقد يكون كل واحد قاصرًا عنه إلا بالاجتماع! وقد يكون أحدهما كافيًا لولا الآخر، ولكن قام الآخر بمعاونته. فالباعث الثاني إما شريك أو رفيق أو معين. ولهذا التقسيم مزية في تقدير ما في العمل من خير أو شر بتقدير البواعث؛ فإن العمل تابع للباعث عليه، فيكتسب الحكم منه، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. بل ربما كانت النيات أقوى في التقدير من الأعمال، ومن هنا كانت نية المرء خيرًا من عمله، كما جاء في الحديث الشريف، وكما ذكر الغزالي من أن أعمال الجوارح ليست مرادة إلا لتأثيرها في القلب، ليميل إلى الخير، وينفر من الشر.١

تربية الإرادة

تُربى الإرادة فيما يرى الغزالي بتكرار طاعة الميل المحمود وتكرار مجاهدة الميل المذموم. وفي ذلك يقول: «وإذا حصل الميل بالمعرفة فإنه يقوى بالعمل بمقتضى الميل، والمواظبة على مقتضى صفات القلب تجري مجرى الغذاء والقوت لتلك الصفات، فالمائل إلى طلب العلم أو طلب الرياسة لا يكون ميله في الابتداء إلا ضعيفًا، فإن اتبع مقتضى الميل، واشتغل بالعلم، وتربية الرياسة، والأعمال المطلوبة لذلك، تأكد ميله ورسخ، وعسر عليه النزوع. وإن خالف مقتضى ميله ضعف ميله وانكسر، وربما زال. بل الذي ينظر الى وجه حسن مثلًا فيميل إليه طبعه ميلًا ضعيفًا، ولو تبعه وعمل بمقتضاه فداوم على النظر، والمجالسة، والمخالطة، والمحاورة، تأكد ميله حتى يخرج أمره عن اختياره فلا يقدر على النزوع عنه. ولو فطم نفسه ابتداء، وخالف مقتضى ميله، لكان ذلك كقطع القوت والغذاء عن صفة الميل، ويكون ذلك دفعًا في وجهه حتى لا يضعف … لأن بين الجوارح والقلب علاقة، حتى إنه ليتأثر كل واحد منهما بالآخر. إلا أن القلب هو الأصل المتبوع، فكأنه الأمير والراعي. والجوارح كالخدم والرعايا والأتباع».

والغزالي لا يرى للعمل قيمة بغير النية، وإن شئت الإرادة. وإذا كانت النية هي التي تقوم بالعمل، فمن الخير أن تكون قوية، لأنه كما تكون الرغبة في عمل طيب، أو النفرة من عمل خبيث، يكون جزاء العامل: فيكثر أجره إن قوي حبه للخير، وبغضه للشر، ويقل فيما عدا ذلك. وقد نص في عدة مواطن من كتبه بأن المعول على القلوب، حتى لنجده يذكر أن الصغيرة تنقلب كبيرة بالإصرار والمواظبة، أو بالاستهانة بما لها من الخطر. وأن الكبيرة إذا وقعت بغتة، ولم يتفق إليها عود، واستعظمها المرء، كانت مرجوة العفو، وفي ذلك يقول:

«فإن الذنب كلما استعظمه العبد من نفسه صغر عند الله، وكلما استصغره كبر عند الله، لأن استعظامه يصدر عن نفور القلب منه، وكراهيته له، وذلك النفور يمنع من شدة تأثره به. واستصغاره يصدر عن الألف له، وذلك يوجب شدة الأثر في القلب، والقلب هو المطلوب تنويره بالطاعات والمحذور تسويده بالسيئات.» ص٣٣ ج٣.

أهمية الارادة

الإرادة شرط للمسئولية، وشرط للجزاء. فالذي يعمل وهو ناس أو غافل لا يجازى ولا يؤاخذ. وإنما كان الأمر كذلك فيما يرى الغزالي: لأن القلب لا يتأثر بما يجري في الغفلة، والقلب عند الغزالي هو كل شيء، فليست الحسنة حسنة إلا لأنها تصلحه، أو تزيد في صلاحه، ولسيت السيئة سيئة إلا لأنها تفسده أو تزيد في فساده. والجريمة الهائلة إذا اقترفها المرء وهو مضطرب متردد لا خطر لها عنده، لأن القلب لا يتأثر بما يفعل المرء وهو كاره، والهفوة التافهة عظيمة الخطر إذا أتاها المرء وهو راض مسرور، لأنه بقدر ما تحلو السيئة يعظم أثرها في تسويد القلب وإفساده. والذنب الواحد تختلف قيمته حين يأتيه رجلان: أحدهما عارف به، وثانيهما جاهل له، فهو بالنسبة للأول كبيرة، وبالنسبة للثاني صغيرة، لأن الإرادة تختلف قوة وضعفًا باختلاف درجة العلم، إذ كانت ثمرة له.

ويقول الغزالي بعد كلام طويل: «فهكذا يجب أن تفهم تأثير الطاعات كلها، إذ المطلوب منها تغيير القلوب، وتبديل صفاتها فقط دون الجوارح، فلا تظنن في وضع الجبهة على الأرض غرضًا من حيث إنه جمع بين الجبهة والأرض، بل من حيث إنه بحكم العادة يؤكد صفة التواضع في القلب. ومن وجد في قلبه رقة على يتيم، فإنه إذا مسح رأسه وقلبه تأكدت الرقة في قلبه.» ص٢٨٤ ج٤.

الجبر والاختيار

وقد اختلف العلماء، ولا يزالون مختلفين، في حرية الإرادة، فمنهم من يقول إنها مجبورة، ومنهم من يقول إنها مختارة، ومنهم من يحكم بأنها دائرة بين الجبر والاختيار.

وأنا أرجح الرأي الأخير، لأن الواقع أن هناك مؤثرات تحمل الإرادة على الاتجاه إلى جهة معينة، كالوراثة، والصحة، والبيئة، والظروف الخاصة. والإرادة فيما عدا ذلك حرة مختارة، فالذي ورث عن أبيه خلقًا من الأخلاق يسير مضطرًّا إلى ما يوافق ذلك الخلق. والذي يحمله ضعف صحته على اللدد في الخصومة لا يستطيع اجتناب هذه الخصلة. والذي تقضي عليه البيئة التي يعيش فيها باحترام زي خاص، يشعر بالاضطرار إلى التربي بهذا الزي. فأنا أستطيع نزع العمامة لألبس الطربوش، ولكني لا أستطيع لبس القبعة، لأني مقهور على مسايرة الوسط الذي أعيش فيه، وإن زعمت أنني مختار. والذي يقهره ظرف من الظروف على إتيان جريمة من الجرائم غير مختار. وسيرقى القضاء يومًا فيحلل الظروف التي وقعت فيها الجريمة ليتبين صحة المسئولية، فكثيرًا ما يعاقب المجرم وهو غير مسئول.

فإذا انتفت مواقع الاختيار فالإرادة حرة في الإقبال على الفعل، أو الانصراف عنه. وفي هذه الحالة تصبح للخير قيمته، وللشر قيمته، ويصير الخير جديرًا بالمثوبة لأنه أحسن وهو مختار، والشرير خليقًا بالعقوبة لأنه أساء وهو مختار. أما المضطر إلى فعل الخير أو الشر لسبب من الأسباب فهو فيما أرى غير أهل للثواب والعقاب.

والغزالي لا يقول بحرية الإرادة حرية مطلقة، ولا يعجزها العجز المطلق. ويقول: «بل الله تعالى خلق القدرة والمقدور جميعًا. وخلق الاختيار والمختار جميعًا، فأما القدرة فوصف للعبد وخلق للرب، وأما الحركة فخلق للرب، ووصف للعبد وكسب له، فإنها خلقت مقدورة بقدرة هي كسب وصفة. وكانت الحركة نسبة إلى صفة أخرى تسمى قدرة فتسمى باعتبار تلك النسبة كسبًا. وكيف تكون جبرًا محضًا وهو بالضرورة يدرك التفرقة بين الحركة المقدورة والرعدة الضرورية؟ أو كيف يكون خلقًا للعبد وهو لا يحيط علمًا بتفاصيل أجزاء الحركات المكتسبة وإعدادها؟ وإذا بطل الطرفان لم يبق إلا الاقتصاد في الاعتقاد، وهو أنها مقدورة بقدرة الله تعالى اختراعًا، وبقدرة العبد على وجه آخر من التعلق يعبر عنه بالاكتساب.» ص١٢٠ ج١ إحياء.

والواقع أن رأي الغزالي هذا لا يفصح عن قيمة ما في أعمال المرء من الاختيار، فهي في رأيه ليست جبرًا لأنها تفترق عن الرعدة وهي ليست اختيارًا لأن المرء لا يحيط بتفاصيل ما لحركاته من الأجزاء. مع أن الاختيار لا يتوقف إثباته على معرفة الأجزاء والأعداد، لأن العمل الاختياري قد تكون له لوازم ضرورية، لا يتنبه لها المرء، ولا تكون غفلته عنها قادحة في اختياره.

ويقرر الغزالي مع هذا «أن فعل العبد وإن كان كسبًا له، لا يخرج عن كونه مرادًا لله سبحانه، فلا يجري في الملك والملكوت طرفة عين، ولا لفتة خاطر، ولا فلتة ناظر، إلا بقضاء الله وقدرته، وبإرادته ومشيئته، ومنه الشر والخير، والنفع والضر، والإسلام والكفر، والعرف والنكر، والفوز والخسر، والغواية والرشد، والطاعة، والعصيان، والشرك والإيمان.» ص١٢٠ ج١.٢

وأنا لا أفهم ما هو هذا الكسب الذي يقره أهل السنة، ويتبعهم الغزالي في إقراره. فهم لا يقولون بأن العبد مضطر، وإلا كانوا جبرية، والجبرية في رأيهم خاطئون. ولا يقولون بأنه مختار، وإلا كانوا معتزلة، وهم قد سلقوا المعتزلة بألسنة حداد. فلم يبق إلا أن العبد لا هو حر ولا هو مختار، وإنما هو مكتسب، وهذا الكسب أيضًا مراد الله. إذن فما الذي بقي للعبد المسكين!

الحق أن هذه وسوسة أوقعهم فيها الخلاف!

وأساس هذه الوسوسة أنهم يحسبون حرية الإرادة خروجًا عن الله من ملكوته، والغزالي يضرب المثل بزعيم الضيعة يستنكف أن يكون لأحد العمال رأي معه، وما كان أغناه عن ضرب هذه الأمثال!

إن حرية الإرادة الإنسانية لا تضر الله شيئًا، فما بال أهل السنة يأبون إلا أن تكون طرفة عين، وهي حركة طبيعية، أثرًا لإرادة الله؟

ولا قيمة لما يجيب به المتعسفون من أن اختراع الله للقدرة كاف في إقرار الكسب للمرء، فإنه لا خلاف في أن الله واهب القدرة، ولكن ليس معنى ذلك أنه يسيرها أنى شاء، ومتى شاء، وإلا كان التكليف ضربًا من العبث، ولو كره المتكلفون. فلم يبق إلا أن الإرادة حرة، وذلك هو ما وضع الله من قانون، فلا يبتئسوا بما نقول!

على أن العهد قريب بما قال الغزالي في تربية الإرادة، فإذا كان ما أريده هو ما يريد الله، فأي الإرادتين تربو؟ إن هذا إلا تناقض.

ونعود فنكرر أنه قرر في مكان آخر من الإحياء «أن النية غير داخلة تحت الاختيار»، وقد عرفت أنه يريد بالنية الإرادة، وأن رأيه وسط بين الجبر والاختيار، أفلا يكون متناقضًا في حكمه: تارة بأن النية حرة، وتارة بأنها مجبورة؟

الحقيقة أن الإرادة التي يقرر الغزالي أنها غير مختارة ليست هي الإرادة بمعنى القصد، وإنما ذلك ما يسمى إرادة صادقة، وهي التي يعقبها التنفيذ، فمن الجائز أن أقصد إلى أي عمل في أي وقت، ولكن ليس في مقدوري أن أرغب رغبة صادقة في كل ما يعن لي من الأعمال، في جميع الأحيان. وفي ذلك يقول الغزالي: «فقد تتيسر في بعض الأوقات، وقد تتعذر في بعضها. نعم من كان الغالب على قلبه أمر الدين تيسر عليه في أكثر الأحوال إحضار النية للخيرات، فإن قلبه مائل بالجملة إلى أصل الخير فينبعث إلى التفاصيل غالبًا، ومن مال قلبه إلى الدنيا وغلبت عليه لم يتيسر له ذلك. بل لا يتيسر له في الفرائض إلا بجهد جهيد، وغايته أن يتذكر عذاب النار أو نعيم الجنة، فربما تنبعث له داعية ضعيفة فيكون ثوابه بقدر رغبته ونيته».

وخلاصة رأي الغزالي أن المرء حر في الإقبال على ما شاء من الأعمال. وإن كان في إقباله إنما ينفذ إرادة الله، ولكنه ليس صادق النية في كل حين، وإنما تصدق النية بالترغيب في الجنة والتخويف من النار.

ولا يفوتنا أن ننبه على ما دعا إليه في تربية الخلق من مخالطة الأخيار، فإن في ذلك اعترافًا ضمنيًّا بتأثير الوسط في الإرادة الإنسانية، ونقله إياها من حال إلى حال. وهذا نوع من الجبر، ولكنه جبر معقول.

١  انظر ص ٢٦٣ من الأربعين.
٢  ٢٢١: ص ١٢٠ ج١ إحياء.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠