الفصل الثالث

فضيلة الخمول

الغزالي يسمي الخمول فضيلة، ويخيل إلي أنه لا فضل فيه!! ولكن تسمية الغزالي هذه تدلنا عن شيء خاص يوضح رأيه في الأخلاق: ذلك أنه حين دعا إلى الخمول لم يدع إلى التجرد من الخصائص الذاتية التي توجب ذيوع الشهرة وبعد الصيت، وقد خص الشهرة المذمومة بما يأتي من طريق التكلف. وهو لا ينكر أن يشتهر المرء بعمله في غير جلبة ولا ضوضاء.

وقد نبه بلطف إلى أن حسن السمعة قد يفسد المعلمين بنوع خاص، فقد يعود المعلم على كثرة الطلبة، فيفتر نشاطه حين يقلون. وفي هذا المعنى يذكر عن أبي العالية أنه كان إذا جلس إليه أكثر من ثلاثة قام. ولم ينس الغزالي أن التجمهر حول الأمراء فتنة لهم، وذلة لتابعيهم، فذكر في هذا المعنى كلمة جامعة لعمر بن الخطاب.

ويقول الغزالي: «فإن قلت فأي شهرة تزيد على شهرة الأنبياء والخلفاء الراشدين وأئمة العلماء، فكيف فاتتهم فضيلة الخمول؟ فاعلم أن المذموم طلب الشهرة، فأما وجودها من جهة الله سبحانه من غير تكلف من العبد فليس بمذموم. نعم فيه فتنة على الضعفاء، دون الأقوياء، وهم كالغريق الضعيف إذا كان معه جماعة من الغرقى فالأولى به أن لا يعرفه أحد منهم، فإنهم يتعلقون به فيضعف عنهم، فيهلك معهم. وأما القوي فالأولى أن يعرفه الغرقى ليتعلقوا به فيحييهم ويثاب على ذلك».

فالرجل الخير فيما يرى الغزالي هو الذي لا يعرف غير الواجب ولا يهمه أقبل الناس عليه، أم أعرضوا عنه، لأنه بالواجب مشغول.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠