الفصل الرابع

فضيلة التوكل

كتب الغزالي عن التوكل أربعًا وخمسين صفحة في الإحياء وثلاث عشرة صفحة في كتاب الأربعين، وسبعًا وعشرين صفحة في منهاج العابدين. وهو يبالغ في المنهاج أكثر مما يفعل في الأربعين والإحياء، فإن كلامه في الكتابين الأخيرين واحد، وإن اختلف في الإيجاز والإطناب، وكثيرًا ما يحيل في الأربعين على الإحياء.

وأول ما نلاحظه أن الغزالي اهتم بهذه الفضيلة، حتى احتاج إلى أن يعتذر عن تطويله في كتاب المنهاج، إذ كان التطويل يخالف شرط ذلك الكتاب. وهذا الاهتمام نفسه يوضح لنا جانبًا من أهم الجوانب في فهمه للحياة.

ونقرر منذ الآن أن ما كتبه عن التوكل صريح في الدعوة إلى الرهبنة، وقطع العلائق مع الناس، والتدرج على احتمال الظمأ والجوع، والاقتناع بأن الموت من جملة الأرزاق!

ونحن نعلم أن العلماء يجب أن يضربوا الأمثال بأنفسهم للناس كما فعل عمر حين خرج بعد الخلافة يتجر في الأسواق، ولكن الغزالي يقول: «فالاهتمام١ بالرزق قبيح بذوي الدين، وهو بالعلماء أقبح، لأن شرطهم القناعة. والعالم القانع يأتيه رزقه ورزق جماعة كثيرة إن كانوا معه إلا إذا أراد أن لا يأخذ من أيدي الناس ويأكل من كسبه، فذلك له وجه لائق العالم العامل الذي سلوكه بظاهر العلم والعمل، ولم يكن له سير بالباطن، فإن الكسب يمنع عن السير بالفكر الباطن، فاشتغاله بالسلوك مع الأخذ من يد من يتقرب إلى الله تعالى بما يعطيه أولى، فإنه تفرغ لله عز وجل، وإعانة للمعطي على نيل الثواب.» ص٢٨٦ ج٤.

ولو أنه دعا الحكومات إلى الأخذ بيد العلماء، وإغنائهم عن السعي إلى الرزق لتنحصر جهودهم في نشر العلم، لكان له قسط من الصواب. أما زعمه أن الكسب يمنع من السير بالفكر الباطن، وأن الأولى للعالم أن يكتفي بما يعطيه الناس ليعينهم على نيل الثواب، فهو رأي يهوي بصاحبه إلى الحضيض، ولا يتناسب مع مكانة العلماء.

كراهة السؤال

مع أن الغزالي يبيح للعالم السؤال ليعين المعطي على نيل الثواب، فإنا نجده في مكان آخر يقرر أن السؤال حرام في الأصل وإنما يباح لضرورة، أو حاجة قريبة من الضرورة، لأن في السؤال إظهار الشكوى من الله بإظهار الفقر، ولأن السائل يذل نفسه بسؤاله، وليس للمؤمن أن يذل نفسه لغير الله، ولأنه يؤذي المسئول: فقد لا تسمح نفسه بالبذل عن طيب قلب. فإن بذل حياء من السائل أو رياء فهو حرام على الآخذ.

ويمكن الحكم بأن الغزالي يحتاط أبلغ احتياط في إباحة السؤال، ولكن يبقى أنه من إهانة العلم والدين أن يقبل المرء بكليته على العبادة أملًا في أن يطعمه سواه، فإنه لا يعقل أن تكون نوافل العبادات مما يترك في سبيله طلب المعاش، حتى يباح لأجلها السؤال.٢

حكم الكسب

والغزالي مع هذا لا يرى الكسب منافيًا للتوكل في كل حال، فمن الخطأ فيما يرى أن «يظن أن معنى التوكل ترك الكسب بالبدن، وترك التدبير بالقلب، والسقوط على الأرض كالخرقة الملقاة، وكاللحم على الوضم، وهذا ظن الجهال، فإن ذلك حرام في الشرع، والشرع قد أثنى على المتوكلين، فكيف يقال مقام من مقامات الدين بمحظورات الدين؟» وقد بين أن الإنسان في سعيه إلى مقاصده إما أن يكون لجلب نافع هو مفقود عنده كالكسب، أو لحفظ نافع هو موجود عنده كالادخار، أو لدفع ضار لم ينزل به كدفع الصائل والسارق، أو لإزالة ضار قد نزل به. كالتداوي من المرض.

والنافع باعتبار الأسباب التي يجلب بها ثلاث درجات: مقطوع به، ومظنون ظنًّا يوثق به، وموهوم وهمًا لا تثق النفس به ثقة تامة ولا تطمئن إليه.
  • والأولى: كالأسباب التي ارتبطت لها المسببات بتقدير الله ومشيئته ارتباطًا مطردًا لا يختلف، كمن يرى الطعام موضوعًا بين يديه وهو جائع. ثم لا يمد إليه يده، لأنه يرى السعي إلى تناوله ومضغه تفويتًا للتوكل، وهذا فيما يرى الغزالي جنون «إنك إن انتظرت أن يخلق الله فيك شبعًا دون الخبز، أو يخلق في الخبز حركة إليك، أو يسخر ملكًا ليمضغه لك ويوصله إلى معدتك، فقد جهلت سنة الله. وكذلك لو لم تزرع الأرض وطمعت في أن يخلق الله نباتًا من غير بذر، أو تلد زوجتك من غير وقاع، فكل ذلك جنون».

    والتوكل في هذا المقام — كما نص الغزالي — لا يكون بالعمل، بل بالعلم، ومعنى ذلك أنه لا يجوز لك ترك الأسباب، وإنما تعلم أن الله هو مسبب الأسباب.

  • والثانية: الأسباب التي ليست متيقنة، ولكن الغالب أن المسببات لا تحصل دونها، وكان احتمال حصولها دونها بعيدًا، كمن يترك الأمصار والقوافل، ويسافر في البوادي التي يندر أن يطرقها الناس، ويكون سفره من غير زاد، فهو ليس شرطًا في التوكل، بل استصحاب الزاد سنة الأولين، ولا يزول التوكل به.

    وقد أسرف الغزالي حين تحدث عن هذا الموقف في المنهاج، وانظر ماذا يقول: «فإن قلت: فهل تدخل البادية بلا زاد؟ فأقول: إن كان لك قوة قلب بالله تعالى واثقة بالغة بوعد الله سبحانه وتعالى، فادخل، وإلا كن كالعوام بعلائقهم.» ص٨٢.

    ولو أننا رجعنا إلى ما وضعه من آداب المسافر لعلمنا أنه احتاط هناك، فحث المسافر على أن يأخذ حاجته من الزاد، ثم أوصاه بأن يأخذ حاجته من الزاد، ثم أوصاه بأن يأخذ قدرًا يوسع به على رفقائه، فكيف يصبح المسافر بزاده في البادية من العوام؟ ومن عسى أن يكون هؤلاء العوام المؤدبون؟

    وقد توقع الغزالي أن يسأل عن حمل رسول الله وأصحابه للزاد، ولكنه تفضل فأجاب بأن ذلك مباح غير حرام! ثم توقع أن يسأل: هل ترك الزاد أولى أم أخذه لمن قوي يقينه؟ وأجاب في المنهاج بأن الترك أفضل، وأنا لا أعلم لهذا الفضل أساسًا غير التنسك الذي ينكره العقل، ويأباه الدين!

    ولم يفت الغزالي أن يذكر أن هذه المجازفة قد تكون إلقاء بالأيدي إلى التهلكة، فأجاب بأن شرطها أولًا رياضة النفس حتى تحتمل الجوع أسبوعًا أو ما يقاربه، وثانيًا أن يكون المتوكل بحيث يقوى على التقوت بالحشيش، وما يتفق من الأشياء الخسيسة، إذ لا يخلو الأمر من أن يجد آدميًّا في بحر الأسبوع أو ينتهي إلى محلة، أو قرية، أو إلى حشيش يجتزئ به!

    وأحب أن يذكر القارئ هذه الصورة الغريبة، فإن الغزالي يدعو إليها جمهور المسلمين!

    وانظر كيف يقول: «فإن قلت فما قولك في القعود في البلد بغير كسب. أهو حرام أو مباح أو مندوب؟ فاعلم أن ذلك ليس بحرام لأن صاحب السياحة في البادية إذا لم يكن مهلكًا نفسه، فهذا كيف كان لم يكن مهلكًا لنفسه حتى يكون فعله حرامًا. بل لا يبعد أن يأتيه الرزق من حيث لا يحتسب، ولكن قد يتأخر عنه، والصبر ممكن إلى أن يتفق. ولكن لو أغلق باب البيت على نفسه بحيث لا طريق لأحد إليه، ففعله ذلك حرام. وإن فتح باب البيت وهو غير مشغول بعبادة، فالكسب والخروج أولى له. ولكن ليس فعله حرامًا إلى أن يشرف على الموت، فعند ذلك يلزمه الخروج والسؤال والكسب. وإن كان مشغول القلب بالله غير مشرف إلى الناس، ولا متطلع إلى من يدخل من الباب فيأتيه برزقه، بل تطلعه إلى فضل الله تعالى واشتغاله بالله فهو أفضل».

    وما أدري كيف يتفق هذا مع قوله في نفس الصفحة: فإذا التباعد عن الأسباب كلها مراغمة للحكمة، وجهل بسنة الله تعالى؟ إلا أن يكون السؤال من الأسباب، وهو سبب مهين!

    وأحب أيضًا أن يذكر القارئ هذا التناقض في الجمع بين التوكل وبين السؤال! وكيف تقوم لأمة قائمة وهي تربى على هذه الأخلاق!

    ثم ما هو الفرق بين من يترك الطعام عند وجوده، وبين من يدخل البادية بلا زاد؟ لا فرق إلا أن الثاني قد يجد من يتصدق عليه، أو يجد حشيشًا يقتات به! ولو ذكر الغزالي أن اليد العليا خير من اليد السفلى، وأن الله كرم بني آدم وحملهم في البر والبحر ورزقهم من الطيبات، لما اختار لامرئ هذا الحظ الخسيس، ولما وضع هؤلاء المشردين في طبقة المتوكلين.

  • والدرجة الثالثة: ملابسة الأسباب التي يتوهم إفضاؤها إلى المسببات من غير ثقة ظاهرة، كالذي يستقصي التدبيرات الدقيقة في تفصيل الاكتساب ووجوهه. يقول الغزالي: «وذلك يخرج بالكلية عن درجات التوكل كلها، وهو الذي فيه الناس كلهم، أعني من يكتسب بالحيل الدقيقة اكتسابًا مباحًا لمال مباح».٣

وإذا كان الاحتيال لكسب المباح مما ينافي التوكل، فقد انهدم أعظم ركن في بناء الممالك والشعوب. والغزالي يردد النفرة من الحيلة لكسب الرزق، وقد لاحظنا ذلك عليه حين تكلم عما يجمل بالتاجر من أن لا يكون أول داخل في السوق ولا آخر خارج منه.

ونرى الحاجة ماسة إلى أن ننبه إلى أن فهم التوكل بهذه الصورة خطأ صراح، وليس علينا من حرج إذا رأينا الغزالي من الخاطئين، وما نريد أن نزيد!

مقامات المتوكلين

وللمتوكل مقامات ثلاثة:
  • الأول: مقام من يترك الزاد وهو يدور في الوادي، وإنما كان هذا أفضل فيما يرى الغزالي لأن فيه تثبيتًا على الرضا بالموت!
  • الثاني: مقام من يقعد في بيته أو في مسجد، ولكنه في القرى والأمصار. وهذا أضعف من الأول كما يقول.
  • والثالث: من يخرج للكسب على الوجه الذي ارتضاه حين تكلم عن آداب الكسب، وهو أن لا يقصد به الاستثكار، ولم يكن اعتماده على بضاعته وكفايته، وعجيب والله أن يكون الكسب أدنى درجات المتوكلين.

توكل المعيل

غير أن الغزالي يخص تلك الحالة الشديدة بالمنفرد، وقد قدمنا أن يرضى له الاقتناع بأن الموت من جملة الأرزاق.

أما المعيل صاحب الأولاد فإنه لا يجوز له المقام الثالث، وهو توكل المكتسب، كتوكل أبي بكر رضي الله عنه إذ خرج للكسب «فأما دخول البراري وترك العيال توكلًا في حقهم، أو القعود عن الاهتمام بأمرهم توكلًا في حقهم، فهذا حرام. وقد يقضي إلى هلاكهم، ويكون هو مؤاخذًا بهم. بل التحقيق أنه لا فرق بينه وبين عياله. فإنه إن ساعده العيال على الصبر على الجوع مدة وعلى الاعتداد بالموت على الجوع رزقًا وغنيمة في الآخرة فله أن يتوكل في حقهم. وهذه مجازفة من الغزالي: إذ يرضى أن يعود الرجل أبناءه على الجوع، وأن يمرنهم على الاعتداد بالموت جوعًا في سبيل الآخرة، وقد يكونون لم يبلغوا سن التكليف.

يقول الغزالي: «وقد انكشف لك من هذا أن التوكل ليس انقطاعا عن الأسباب، بل الاعتماد على الصبر على الجوع مدة، والرضا بالموت إن تأخر الرزق نادرًا، وملازمة البلاد والأمصار وملازمة البوادي التي لا تخلو عن الحشيش وما يجري مجراه. فهذه كلها أسباب البقاء ولكن مع نوع من الأذى … إلخ»؟

ونكرر ما لاحظناه من أن فهم التوكل بهذه الصورة خطأ مبين، فإنه يجر القادر على الطلب إلى الرضا بالسؤال، وانتظار المصادفات، والترحيب بالموت، مع أن قطع أسبابه من أول ما يعنى به بناة الأخلاق.

الادخار

ورأي الغزالي في الادخار عجيب، إذ أفضل الحالات عنده لمن حصل على مال بإرث أو كسب أو أي سبب من الأسباب أن يأخذ قدر حاجته في الوقت: فيأكل إن كان جائعًا، ويلبس إن كان عاريًا، ويشتري سكنًا مختصرًا إن كان محتاجًا، ويفرق الباقي في الحال. ولا يأخذ، ولا يدخر، إلا بالقدر الذي يدرك به من يستحقه ويحتاج إليه، فيدخره على هذه النية!

والذي يدخر لسنة ليس من المتوكلين أصلًا كما يقول!

والذي يدخر لأربعين يومًا فما دونها يحرم من المقام المحمود الموعود في الآخرة للمتوكلين.

ونحب أن يتأمل القارئ هذا الرأي في الاقتصاد، فقد أكثر المؤرخون من لوم العرب على إهمال هذا العلم، وعدوا الجهل به سببًا لسقوط المملكة العربية، مع أنها كانت تسيطر على أخصب بلاد العالم كمصر والعراق. ولكن كيف يحترم هذا العلم في أمة يقول إمام الأئمة فيها: إن ادخار المال لأربعين يومًا يحرم المرء من المقام المحمود؟

وقد تفضل الغزالي فأباح للمعيل أن يدخر قوت عياله لسنة؟!

وتفضل كذلك فأجاز للرجل أن يدخر الكوز وأثاث البيت؟!

والفرق عنده بين الكوز وغيره، أن سنة الله لم تجر بتكرر الأواني مع الحاجة إليها في كل وقت، ولكن جرت سنته بتكرار الأرزاق في كل سنة. وكان عليه أن يعرف أن الرزق إنما يتجدد في كل سنة، لمن يملك من المزارع والمتاجر ما يتجدد ريعه في كل سنة. فيا عجبًا كيف يجيز التوكل إتلاف رأس المال!

آداب المتوكلين

وضع الغزالي الآداب الآتية للمتوكل حين يخرج من بيته:
  • (١)

    أن يغلق الباب، ولا يستقصي في أسباب الحفظ، كالتماسه من الجيران الحفظ مع الغلق، وكجمعه أغلاقًا كثيرة!

  • (٢)

    أن لا يترك في البيت متاعًا يحرص عليه السراق!

  • (٣)

    ما يضطر إلى تركه في البيت، ينبغي أن ينوي عند خروجه الرضا بما يقضي الله فيه من تسليط سارق عليه!

  • (٤)

    إذا عاد فوجد المال مسروقًا فينبغي أن لا يحزن، بل يفرح إذا أمكنه!

  • (٥)

    أن لا يدعو على السارق الذي ظلمه بالأخذ. فإن فعل بطل توكله، ودل على تأسفه على ما فات!

  • (٦)

    أن يغتم لأجل السارق وعصيانه وتعرضه لعذاب الله، ويشكر الله إذ جعله مظلومًا ولم يجعله ظالمًا!

وما أدري ما الذي أنسى الغزالي أن يحض المتوكل على أن يترك باب البيت مفتوحًا، وأن يعلق عليه لوحة مكتوبًا فيها بخط واضح جميل: من أراد أن يأخذ شيئًا من هذا البيت فهو مغفور الذنوب، بل مجزي بما مكن صاحبه من صنع المعروف!!

وليس من التوكل بالطبع أن يتعقب المرء الجناة، لينالوا على يد الوالي جزاء ما قدمت أيديهم. بل التوكل هو أن لا يبالغ المرء في أسباب الحفظ، وأن يوطن النفس على ما يسرق من متاعه، وأن لا يحزن بل يفرح حين يسرق، وأن يغتم لأن هذا السارق المسكين عصى الله وتعرض لعذابه، وأن يشكر الله على أن جعله من المظلومين، ولم يجعله من الظالمين.

وأظرف ما في هذا الباب دعوة الغزالي إلى أن يجعل الرجل ما سرق منه ذخيرة له في الآخرة، وإن أعيد إليه فالأولى أن لا يقبله!

توكل الخائف

يقرر الغزالي أن الضرر قد يعرض للخوف في النفس والمال. أما في النفس فكالنوم في الأرض المسبعة، أو في مجاري السيل من الوادي، أو تحت الجدار المائل، أو السقف المنكسر، وكل ذلك فيما يرى منهي عنه، لأنه تعريض للهلاك بلا فائدة.

وجملة القول أن أسباب الخوف إما مقطوع بها أو مظنونة أو موهومة، وترك الموهوم هو شرط التوكل، فالمبالغة في الاحتياط تبعد المرء عن مقام المتوكلين؟

وهنا لا نرى بأسًا من تحقيق مسألة أخطأ فيها الغزالي، فقد عد من الأسباب الموهمة الكي، وذكر أن رسول الله لم يصف المتوكلين إلا بترك الكي والرقية والطيرة. ولو صح رأيه فيما استشهد به لكان للرقية والطيرة فائدة موهومة، مع أنه يستحيل أن يرى رسول الله قيمة لهذه الأسباب، وإنما يريد أن يضيف المكتوين والمتطيرين والراقين إلى جملة الموسوسين.

ولو كان الكي فائدة موهومة لما عد تركه من التوكل، وهو يتعلق مباشرة بالصحة. وإنما نهى عنه الرسول لأن ضره كثير ومحقق ونفعه قليل بل موهوم. وفوق هذا يجب أن نلاحظ أن الأسباب الموهومة لم يكن تركها شرطًا في التوكل إلا لأن في تركها تعويدًا على المخاطرة، وهي من صفات الأحياء، فإذا اختلفت الظروف، وكانت رعاية الأسباب الموهومة نوعًا من الحيطة، فإني لا أفهم كيف تحرم المرء من المقام المحمود!

وإذا خاف الإنسان على ماله فله أن يغلق بيته، وأن يعقل بعيره، لأن هذه أسباب عرفت بسنة الله إما قطعًا وإما ظنًّا، فلا ينقض بها التوكل، كما لا ينقض بدفع العقارب والحيات والسباع، لأن الصبر على هذه جنون.

توكل المريض

يقسم الغزالي الأسباب المزيلة للمرض إلى مقطوع به، ومظنون، وموهوم، ويقرر أن ترك المقطوع به ليس من التوكل بل تركه حرام عند خوف الموت. وكان عليه أن يتنبه إلى أن المرض متى وجد فالموت مخوف في كل حال، لأن للمرض طفولة وحداثة وفتوة، فإن ترك وهو ناشئ أمسى وهو قوي متين، بل يجب حرب جراثيم المرض، لأنها تبيض وتفرخ، ثم تصبح أعداء الداء. فأما الموهوم فشرط التوكل تركه. وقد بينا ما تختلف عليه هذه الحال. وأما المظنون كالفصد والحجامة وشرب الدواء المسهل، وما إلى ذلك من الأسباب الظاهرة عند الأطباء، فليس تركه من التوكل، كما أن تركه ليس محظورًا كالمقطوع به، بل قد يكون أفضل من فعله في بعض الأحوال وفي بعض الأشخاص. وهذا ما لا نوافق عليه الغزالي، لأنا لا نفهم كيف يكون الحرص على الصحة مما يفضل إغفاله في بعض الأحيان.

وإلى القارئ الأحوال التي يحمد فيها عنده ترك التداوي:
  • (١)

    أن يكون المريض من المكاشفين، وقد كوشف بأن أجله انتهى، وأن الدواء لا ينفعه!

  • (٢)

    أن يكون المريض مشغولًا بحاله وبخوف عاقبته.

  • (٣)

    أن تكون العلة مزمنة، والدواء الذي يؤمر به موهوم النفع بالنسبة لعلته.

  • (٤)

    أن يقصد بترك التداوي استبقاء المرض لينال أجر الصابرين، أو ليمرن نفسه على الصبر الجميل!

  • (٥)

    أن يكون قد سبق له كثير من الذنوب، ويرى المرض تكفيرًا إذا طال، وكان قد عجز عن التكفير!

  • (٦)

    أن يستشعر في نفسه مبادئ البطر والطغيان بطول مدة الصحة، فيترك التداوي خوفًا من أن يعاجله زوال المرض، فتعاوده الغفلة والبطر والطغيان.

ويحسن أن نلفت النظر إلى أن هذه أسباب ضعيفة، لا تقتضي ترك الدواء، وهي في الوقت نفسه تدل على مبلغ حرص الغزالي على نزعته الصوفية، فمن الواضح أن إيثار المرض في سبيل الفرار من آفات العافية، إنما هو عمل سلبي قليل الغناء. وماذا يضرنا لو حاربنا المرض، ثم رجعنا بعد ذلك إلى حرب ما للصحة من الآفات، لنخرج رجالًا صحاح الجوارح والقلوب؟

والغزالي فوق ما سلف يفضل كتمان المرض، ولا يجيز إظهاره إلا في الأحوال الآتية:
  • (١)

    أن يكون الغرض التداوي، فيذكر المرض للطبيب، لا في معرض الشكاية، بل في معرض الحكاية.

  • (٢)

    أن يوصف المرض لمن يرجى من الدعوة إلى الصبر.

  • (٣)

    أن يقصد بإظهار المرض إظهار العجز والافتقار إلى الله.

قال الغزالي: «فبهذه النيات يرخص في ذكر المرض، وإنما يشترط ذلك لأن ذكره شكاية والشكوى من الله حرام. ويصير الإظهار شكاية بقرينة السخط وإظهار الكراهة لفعل الله. فإن خلا عن قرينة السخط وعن النيات التي ذكرناها فلا يوصف بالتحريم ولكن يحكم فيه بأن الأولى تركه. لأنه ربما يوهم الشكاية، ولأنه ربما يكون فيه تصنع ومزيد في الوصف على الموجود من العلة. ومن ترك التداوي توكلًا فلا وجه في حقه للإظهار، لأن الاستراحة إلى الدواء أفضل من الاستراحة إلى الإفشاء».

وهذه الكلمة الأخيرة غاية في الحكمة والسداد.

ملاحظات ثلاث

الأولى

جاء في ص٢٩٢ ج٤ إحياء ما نصه: «فإن قلت فكيف يكون للمتوكل مال حتى يؤخذ؟ فأقول: المتوكل لا يخلو بيته عن متاع كقصعة يأكل منها وكوز يشرب منه وإناء يتوضأ منه وجراب يحفظ به زاده، وعصا يدفع بها عدوه، وغير ذلك من ضرورات المعيشة من أثاث البيت. وقد يدخل في يده مال وهو يمسكه ليجد محتاجًا فيصرفه إليه فلا يكون ادخاره على هذه النية مبطلًا لتوكله. وليس من شرط التوكل إخراج الكوز الذي يشرب منه والجراب الذي فيه زاده، وإنما ذلك في المأكول وفي كل مال زائد على قدر الضرورة. لأن سنة الله جارية بوصول الخير إلى الفقراء والمتوكلين في زوايا المسجد. وما جرت السنة بتفريق الكيزان والأمتعة في كل يوم وفي كل أسبوع».

وهذه الفقرة تدل واضح الدلالة على أن التوكل هذا نزعة صوفية، وقد وضع الغزالي مقياسًا لتقدير الأعمال هو العقل والشرع، وما أحسبه يستطيع أن يثبت أن آية وَعَلَى اللَّـهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ٤ خاصة بهذا الصنف من الناس، بل التوكل المأمور به في القرآن هو الاعتماد على الله مع مباشرة الأسباب، والإيمان بأنه لا يضيع أجر العاملين.

الثانية

جاء في المنهاج ص٨٠ ما نصه: «فإن قيل هل يلزم العبد طلب الرزق بحال ما؟ فاعلم أن الرزق المضمون الذي هو الغذاء والقوام لا يمكننا طلبه إذ هو شيء من فعل الله سبحانه للعبد كالحياة والموت لا يقدر العبد على تحصيله ولا على دفعه (؟!) فإن قيل: لكن لهذا الرزق المضمون أسباب، فهل يلزمنا طلب الأسباب؟ قيل له لا يلزمك، إذ لا حاجة للعبد إليه إذ الله سبحانه يفعل بسبب وبغير سبب. فمن أين يلزمنا طلب السبب، ثم إن الله تعالى ضمن لك ضمانًا مطلقًا من غير شرط الطلب والكسب، قال الله تعالى: وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّـهِ رِزْقُهَا ثم كيف يصح أن يأمر العبد بطلب ما لا يعرف مكانه فيطلبه، والواحد منا لا يعرف سبب الرزق يتناوله من أين يحصل له، فلا يصح تكليفه. فتأمل».

وقد تأملنا كثيرًا، فلم نر هذه الحجج إلا خيالًا في خيال!

الثالثة

أراد الغزالي أن يحض على التوكل فأمر بملاحظة الجنين كيف وصلت سرته بسرة الأم لينتهي إليه الغذاء لما كان عاجزًا عن الحركة والاضطراب، فلما انفصل سلط الله على الأم الحب لترضعه وهي راغمة، وأدر له اللبن اللطيف، إذ كان مزاجه لا يحتمل الغذاء الكثيف. وانتقل الغزالي من هذا إلى بيان أن الكبير قد كثرت أسباب الرفق به، فبعد أن كان المشفق واحدًا هو الأم أو الأب، أصبح أهل البلدة كافة يشفقون عليه. ثم أخذ يبين كيف ينتفع اليتيم بشفقة المسلمين، إلى آخر ما قال.

وهذه الحجة على الغزالي لا له، فإنه إذا كان الله وصل سرة الجنين بسرة أمه لضعفه عن الحركة، وأدر عليه اللبن لعجزه عن المضغ، وسلط على أمه الحب لعجزه عن السعي، فلماذا منحه القوة إذن، إذا كان لم يشأ أن يستغني بها عن الناس؟

فأما ما قاله من أن كل واحد من أهل البلد إذا أحس بمحتاج تألم قلبه، ورق عليه، وانبعثت له داعية إلى إزالة حاجته، فهي أمنية شعرية، وليته ذكر أن العرب هموا بترك دينهم ليخلصوا من الزكاة!

١  ناقشني الأستاذ محمد بك جاد المولى يوم الامتحان فيما أخذته على الغزالي من تقبيحه الاهتمام بطلب الرزق، وهو يرى أن «الاهتمام» هو القبيح، فأما طلب الرزق فلا قبح فيه ولكن يلاحظ أن الغزالي قابل الاهتمام بالقناعة، والقناعة في طلب الرزق ليست فضيلة، بل الفضيلة هي الاهتمام بالرزق. ولا زلت أرى أنه لا معنى لأن يكون الاهتمام بالرزق قبيحًا بذوي الدين حتى يكون بالعلماء أقبح. ولكن عذر الغزالي أنه ينظر إلى هذه المسألة نظرة صوفية كما قال فضيلة الأستاذ الشيخ عبد الوهاب النجار.
٢  قامت ضجة يوم الامتحان بسبب هذا الحكم «وأنكر فضيلة الشيخ عبد المجيد اللبان أن يكون الغزالي قال شيئًا من ذلك. وهذا يدل على أن الفطرة الخالصة تستنكر السؤال.
وقد كتب فضيلة الشيخ عبد الوهاب النجار بهامش النسخة التي كانت عنده ما يأتي: كانت قدم المعري أرسخ في الزهد من قدم الغزالي. فقد كان متحققًا بالزهد عملًا واشتهر ذلك عنه اشتهارًا لا شبهة فيه. وقد قال:
الأمر لله قد أصبحت في دعة
أرضى القليل ولا أهتم للقوت
وشاهد خالقي أن الصلاة له
أعز عندي من دري وياقوتي
ومع هذا فرأيه في الزهد خير من رأي الغزالي، لأنه كان مع إعجابه بالقناعة والزهد يعيب على القانع الزاهد أن يكون عيشه من فضلات أهل اليسار. ويقول:
ويعجبني دأب الذين ترهوا
سوى أكلهم كد النفوس الشحائح
٣  ٢٨٨ ج ٤.
٤  سورة المائدة: ٢٣.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠