الفصل الرابع

رذيلة العجب

للعالم بكمال نفسه في علم، أو عمل، أو مال، ثلاث حالات:
  • الأولى: أن يكون خائفًا على زواله، ومشفقًا على تكدره، أو سلبه من أصله، وهذا ليس بمعجب.
  • الثانية: أن لا يكون خائفًا من زواله، ولكن يكون فرحًا به، من حيث هو نعمة من الله، لا من حيث إضافته إلى نفسه، وهذا أيضًا ليس بمعجب.
  • الثالثة: أن يكون غير خائف عليه، بل يكون فرحًا به، مطمئنًا إليه، ويكون فرحه من حيث إنه كمال ونعمة، وخير ورفعة، لا من حيث إنه عطية من الله ونعمة منه، وهذا هو التعجب، فهو إذن استعظام النعمة والركون إليها مع نسيان إضافتها إلى المنعم. قال الغزالي: «فإن انضاف إلى ذلك أن غلب على نفسه أن له عند الله حقًّا، وأنه منه بمكان، حتى يتوقع بعمله كرامة في الدنيا، واستبعد أن يجري عليه مكروهًا يزيد على استبعاده ما يجري على الفساق سمي هذا إدلالًا بالعمل … والإدلال وراء العجب، فلا مدل إلا وهو معجب، ورب معجب لا يدل، إذ العجب يحصل بالاستعظام ونسيان النعمة دون توقع جزاء، والإدلال لا يتم إلا مع توقع جزاء، والعجب والإدلال من مقدمات الكبر وأسبابه».١

أسبابه وعلاجه

وإليك ما يعجب به الناس مع وصف العلاج:
  • الأول: أن يعجب المرء ببدنه؛ في هيئته وصحته، وقوته، وتناسب أشكاله، وحسن صورته، وجمال صوته.

    وعلاجه أن ينظر في مصير الوجوه الجميلة، والأبدان الناعمة، وكيف يعبث بها التراب.

  • الثاني: البطش والقوة، وعلاجه أن ينظر ما حل بقوم عاد.
  • الثالث: العجب بالعقل، والكياسة، والتفطن لدقائق الأمور، من مصالح الدنيا والدين. وآفة هذا الاستبداد بالرأي وترك المشورة.

    وعلاجه أن ينظر في مصير عقله لو أصيب بمرض في دماغه.

  • الرابع: العجب بالنسب الشريف.

    وعلاجه أن يعلم أنه مهما خالف آباءه في أفعالهم وأخلاقهم، وظن أنه يلحق بهم، فقد جهل.

  • الخامس: العجب بنسب السلاطين الظلمة، وأعوانهم، دون نسب العلم والدين.

    وعلاجه أن يفكر في مخازيهم، وفي مصيرهم يوم الحساب.

  • السادس: العجب بكثرة العدد من الأولاد والخدم والغلمان والعشيرة والأقارب والأنصار والأتباع.

    وعلاجه أن يتفكر في ضعفه وضعفهم، وأنهم كلهم عبيد عجزة لا يملكون لأنفسهم ضرًّا ولا نفعًا.

  • السابع: العجب بالمال.

    وعلاجه أن يتفكر في آفات المال، وكثرة حقوقه، وغوائله.

  • الثامن: العجب بالرأي الخطأ كما قال تعالى: أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا.٢
قال الغزالي: «وعلاج هذا العجب أشد من غيره، لأن صاحب الرأي الخطأ جاهل بخطئه ولو عرفه لتركه، ولا يعالج الداء الذي لا يعرف، والجهل داء لا يعرف، فتعسرت مداواته جدًّا … وإنما علاجه على الجملة أن يكون متهمًا لرأيه أبدًا لا يغتر به إلا أن يشهد قاطع من كتاب أو سنة أو دليل عقلي صحيح جامع لشروط الأدلة».٣

وقد بين الغزالي فوق ما سلف أن العجب مع الله يدعو إلى نسيان الذنوب وإهمالها، فبعض ذنوب المرء لا يدركها ولا يتفقدها لظنه أنه مستغن عن تفقدها فينساها. وما يتذكره منها يستصغره ولا يستعظمه، فلا يجتهد في تداركه وتلافيه، بل يظن أنه يغفر له؛ ومتى أعجب المرء بأعماله عمي عن آفاتها. ومن لم يتفقد آفات أعماله كان أكثر سعيه ضائعًا، فإن الأعمال الظاهرة إذا لم تكن خالصة نقية عن الشوائب قلما تنفع. وإنما يتفقد عمله من يغلب عليه الخوف والإشفاق دون المعجب، فإنه يغتر بنفسه وبرأيه، ويأمن مكر الله وعذابه، إذ يظن أنه قد استغنى وفاز، وهذا هو الهلاك الصريح الذي لا شبهة فيه. كما قال الغزالي.

١  ٣٧٧ ج ٣.
٢  سورة فاطر: ٨.
٣  ص ٣٨٤ ج ٣.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠