الفصل السابع

رذيلة الرياء

إنك لترحم الغزالي حين تقرأ ما كتبه عن الرياء، فإنك تتصوره رجلًا كاد يجن من غلبة الجهال في عصره. ويكفي أن نلخص آراءه في هذا الباب لترى كيف كان الرجل يمقت الرياء، ويبغض من أعماق صدره أعمال المرائين.

فما يمقته الغزالي أن يظهر المسلم النحول والصفار، ليدل بالنحول على قلة الأكل وبالصفار على سهر الليالي. يقول الغزالي: «ويقرب من هذا خفض الصوت، وإغارة العينين، وذبول الشفتين ليستدل بذلك على أنه مواظب على الصوم، وأن وقار الشرع هو الذي خفض صوته، وضعف الجوع هو الذي أضعف من قوته».

ومن الرياء تشعيث الشعر، وحلق الشارب، وإطراق الرأس في المشي، والهدوء في الحركة، وإبقاء أثر السجود على الوجه، وغلظ الثياب، وتشميرها إلى قريب من الساق، وتقصير الأكمام وترك تنظيف الثوب، والتطويل في الركوع والسجود … إلخ.

ولم يغفل الغزالي عن الشؤون الاجتماعية وهو يتكلم في الرياء، فقد بين أن من الناس من يظهر التقوى والورع والامتناع عن أكل الشبهات، ليعرف بالأمانة فيولى القضاء، أو الأوقاف أو الوصايا، أو مال الأيتام فيأخذها. أو يسلم إليه تفرقة الزكاة أو الصدقات ليستأثر بما قدر عليه منها. أو يودع الودائع فيأخذها ويجحدها. أو تسلم إليه الأموال التي تنفق في طريق الحج فيختزل بعضها أو كلها … إلخ.

وللغزالي في هذا الباب نظر بعيد: فهو يعين العيوب الاجتماعية، ويشرح عيوب العلماء والزهاد. ويظهر أن الناس لعهده كانوا يتخذون دين الله سلمًا لأغراضهم الخبيثة: من الفسق والفجور، ونهب الأموال.

وأكرر ما قلته من أن الغزالي لا يغضب إلا حين يحارب رذيلة يراها بعينه فكلامه في تلك صورة لعصره، وليس أثرًا لمطالعاته في الكتب القديمة التي تصف عيوب الناس. وفي مقدور الباحث أن يستخرج من كتاب الإحياء صورة واضحة للعلماء والزهاد في عهد الغزالي. ولا أقول الحكام والأمراء، لأنه تكلم عن الحكومة لعهده بضعف وفتور، ولم يقاس السلاطين شيئًا من لسانه الحديد!!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠