الفصل الثالث

تربية الأطفال

يسميها الغزالي رياضة الصبيان، وكانت كلمة صبي في التعابير القديمة تقابل كلمة طفل في التعبير الحديث، وكذلك كلمة صبية تقابل كلمة طفلة أو فتاة، فكانوا يقولون دخلت عليه صبية حسناء كما نقول فتاة حسناء.

وقد سبقت كلمتنا في وراثة الأخلاق عن فطرة الأطفال، فلا نعود إليها الآن، وإنما نذكر المنهج الذي وضعه الغزالي لتربية الطفل، وهو تفصيل ما أجملناه في واجبات الآباء.

فيجب على الوالد فيما يرى:
  • (١)

    أن يؤدب ابنه، ويهذبه، ويعلمه محاسن الأخلاق، ويحفظه من قرناء السوء.

  • (٢)

    وأن لا يحبب إليه الزينة، وأسباب الرفاهية، لئلا يتعود التنعم، فيعسر تقويمه بعد ذلك.

  • (٣)

    وإذا رأى فيه مخايل التمييز، وبوادر الحياء، فليعلم أن عقله مشرق، وأن تنمية هذه الباكورة من عزم الأمور، وأحسن ما تنمى به أن تستعان في تأديبه وتهذيبه.

  • (٤)
    وليعلم أن أول ما يغلب على الطفل من شره الطعام، فينبغي أن يؤدب في ذلك، وأن يعود أخذ الطعام بيمينه، والبدء باسم الله، والأخذ مما يليه، وعدم السبق في الطعام، وعدم تحديق النظر إليه، وإلى من يأكل معه، والتمهل في الأكل وإجادة المضغ، وعدم الموالاة بين اللقم، والحذر من تلطخ اليد والثوب، وتعود الخبز القفار في بعض الأحيان حتى لا يرى الأدم حتمًا.١
  • (٥)

    وينبغي أن يقبح عنده كثرة الأكل، بذم الطفل الشره ومدح المتأدب القليل الأكل، وأن يحبب إليه الإيثار بالطعام وقلة المبالاة به، والقناعة بأي طعام كان.

  • (٦)

    وأن يحبب إليه الأبيض من الثياب، دون الملون، وأن يفهمه أن تلوين الثياب ليس عادة الرجال، وإنما هو عادة النساء والمخنثين، وأن يحفظه من مخالطة الأطفال الذين عودوا التنعم ولبس الثياب الفاخرة، ومن مخالطة كل من يسمع منه ما يرغب في ذلك.

  • (٧)

    وإذا ظهر من الطفل فعل محمود فينبغي أن يجازى عليه بما يفرح به، وأن يمدح أمام الناس، فإن أساء مرة فيجمل بالوالد أن يتغافل عنه, ولا يكاشفه، ولا سيما إذا تستر الطفل واجتهد في الإخفاء، فإن مكاشفته قد تزيده جسارة وعدم مبالاة. فإن عاد فليعاتب سرًّا وليحذر عواقب الافتضاح، وليكن العتب قليلًا يهون على الطفل وقع الملام، وسماع التأنيب، وركوب القبيح.

  • (٨)

    وينبغي أن يمنع من النوم نهارًا، فإن ذلك يورث الكسل ولا يمنع منه ليلًا، ولكن يمنع الفراش الوثير، لتصلب أعضاؤه ويعود خشونة الفراش.

  • (٩)

    ويجب أن يمنع من كل ما يفعله خفية، فإنه لا يخفي إلا ما يعتقد أنه قبيح.

  • (١٠)

    وليعود المشي في بعض النهار، لتحبب إليه الحركة والرياضة.

  • (١١)

    وليمنع من كشف أطرافه.

  • (١٢)

    وينبغي أن يمنع من الافتخار على أقرانه بشيء مما يملكه والده، أو بشيء من مطاعمه وملابسه، أو لوحه ودواته، بل يعود التواضع، وطيب الحديث.

  • (١٣)

    ويجب أن يعلم أن الرفعة في الإعطاء لا في الأخذ وأن الأخذ لؤم، وخسة، ودناءة، إن كان غنيًّا، وذلة، ومهانة، إن كان فقيرًا، فلا يصح أن يأخذ شيئًا من الأطفال.

  • (١٤)

    وينبغي أن يعود أن لا يبصق في مجلسه، ولا يمتخط، ولا يتثاءب بحضرة غيره، ولا يستدبر سواه، ولا يضع رجلًا على رجل، ولا يضع كفه تحت ذقنه، ولا يسند رأسه بساعده ويعلم كيفية الجلوس، ويمنع كثرة الكلام.

  • (١٥)

    ويجب أن يمنع القسم، صادقًا كان أو كاذبًا، لئلا يعتاد ذلك.

  • (١٦)

    وليعود أن لا يتكلم إلا مجيبًا، وبقدر السؤال، وأن يحسن الاستماع إذا تكلم غيره ممن هو أكبر منه سنًّا، وأن يقوم لمن فوقه، ويفسح له المكان.

  • (١٧)

    ويجب أن يمنع من لغو الكلام، ومن اللعن، والسب.

  • (١٨)

    وليعود الصبر إذا ضربه المعلم، فلا يكثر الصراخ، ولا يستشفع بأحد، وليذكر له أن الصبر دأب الشجعان والرجال وإن كثرة الصراخ دأب المماليك والنساء.

  • (١٩)

    وينبغي أن يؤذن له بعد الانصراف من المكتب باللعب الجميل يستريح به؛ فإن منع الصبي من اللعب يميت قلبه، ويخمد ذكاءه، ويحمله على الاحتيال للخلاص من الكتاب.

  • (٢٠)

    وينبغي أن يعلم طاعة والديه، ومعلمه، ومؤدبه، وكل من هو أكبر منه سنًّا من قريب وأجنبي.

  • (٢١)

    وإذا بلغ سن التمييز فينبغي أن لا يسامح في ترك الطهارة والصلاة، ويؤمر بالصوم في بعض أيام رمضان، ويعلم كل ما يحتاج إليه من أمور الشرع.

  • (٢٢)

    وليخوف من السرقة، وأكل الحرام، ومن الخيانة، والكذب، والفحش، وكل ما يغلب على الأطفال.

هذه خلاصة ما وضع الغزالي في التربية. وما أنكر أن فيها شيئًا من التكرار ويرى أنه في مثل هذه المواطن جميل.

وإنما ألاحظ أنه لا معنى لأن تحبب إلى الطفل الثياب البيض بنوع خاص. ويظهر أن هذه كانت سنة حسنة إذ ذاك.٢ وألاحظ كذلك أنه لا يصح أن يعلم الصبي أن هناك فئة مخنثة تميل إلى الملون من الثياب، فقد يحسن أن لا تطرق آذان الصبي بمثل هذا الهجر، بل يجب أن لا يعرف أن الطفل قد يتخلق بأخلاق النساء. ولا أفهم معنى لا يدعى الطفل إلى عدم إرخاء يديه، بل يضمهما إلى صدره حين يمشي! ويضحكني أن ينصح الطفل بالصبر والاحتمال حين يضربه المعلم، وكان أولى أن يُنهى عن هذه العادة الشنعاء، التي لا تجمل بالمعلمين٣.

ومن أدق ما تنبه له الغزالي تلميحه إلى أن يعلم الطفل أسرار البلوغ حين يصل إليه.

والغزالي يسمي المدرسة بالمكتب والكتاب، وليس له في هذا الباب غير برنامج ضئيل، يمثل ما كان يفهم في عصره من المدارس الأولية والابتدائية. ويتلخص هذا البرنامج (في تعلم القرآن، وأحاديث الأخبار، وحكايات الأبرار) ولم تخطر له الرياضة ببال. ولم يتعرض للغة الأدب، ولكنه نبه على أن الطفل يجب أن «يحفظ من الأشعار التي فيها ذكر العشق وأهله ويحفظ من مخالطة الأدباء الذين يزعمون أن ذلك من الظروف ورقة الطبع، فإن ذلك يغرس في نفوس الصبيان بذور الفساد».

والغزالي يعد الطفل في الواقع لأن يكون جنديًّا في الحياة إذ يحرم عليه كل مظاهر اللين. وإن كان لم يغفل عن غايته الأخلاقية حين أوصى بأن يعلم أن الموت منتظره في كل ساعة، وأن العاقل من تزود من دنياه لأخراه. وأرى هذه الوصية خطرة، إذ تضعف العزم في نفوس الأحياء، ولا تترك للإسلام نفسه جيشًا يحفظ به ثغر، أو يفتح به قطر، وما كان الإسلام إلا دين الغزاة الفاتحين.

تربية البنات

لم يتكلم الغزالي عن تربية البنات، وكان عليه أن يهبهن نصيبًا من عنايته. ولكن الرجل تأثر بعصره، وبقومه، فقد كانت تربية البنات مما لا يهتم به الأولون.

وسترى حين نتكلم عن حقوق المرأة أنه يحتم على الرجل أن يعلم زوجه، فإن لم يعرف ناب عنها في سؤال العلماء، ولكنك سترى كذلك أن هذا العلم الواجب على الرجل لامرأته لا يزيد عن معرفة الفرائض من صلاة وصيام. ومعرفة الفرائض هذه لا تفيد المرأة شيئًا في الحياة المنزلية، وهي العبء الملقى على عواتق النساء.

١  الخبز القفار هو الذي لا أدم فيه.
٢  يرى الأستاذ عبده بك خير الدين أن لبس الثياب البيض فيه دعوة ضمنية إلى النظافة لأن الثوب الأبيض يعلن عن نفسه حين يحتاج إلى التطهير.
٣  وضع فضيلة الأستاذ الشيخ النجار بهامش النسخة التي كانت بيده ما يأتي: إن أطفال أهل السودان فيهم هذه العادة على أتمها فإنهم يعودون عدم البكاء والصراخ مهما حل بالواحد منهم من الألم. ومن فعل ذلك عُير. بل كثيرًا ما تجد الطفل يأخذ جمرة النار فيضعها على ساعده ويذهب الى أمه ليريها صبره على بقاء النار تأكل في جسمه دون إظهار تألم قائلًا: أبشري يا أمي أنا أخو البنات.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠