سلطان العقل عند أبي العلاء١

يرى القارئ لتراث أبي العلاء — وخاصَّةً اللزوميات — إشادةً بالعقل، واعترافًا بقوة سلطانه، فهو أعز ما وُهب الإنسان:

والعقل أنفسُ ما حُبيتَ وإن يُضَع
يومًا يَضَع، فغوى الشراب وما حلَبْ

وهو الهادي الوحيد لمعرفة الخير والشر، والحق والباطل، فلا حاجة إلى انتظار إمام معصوم يرشد الناس إلى ما يُعمل وما يُترك — كما يقول الشيعة — فالعقل كفيل ببيان ذلك كله.

يرتجي الناس أن يقوم إمامٌ
ناطقٌ في الكتيبةِ الخرساء
كذبَ الظنُّ لا إمامَ سوى العقل
مشيرًا في صبحهِ والمساء

ولكن الناس في كل زمان ومكان ما قدَروا العقل قدره، ولا وفَّوْهُ حقه، ولا عرفوا كيف ينتفعون به:

ما كان في هذه الدنيا بنو زمن
إلا وعندي من أخبارهم طرَفُ
يُخَبِّرُ العقلُ أن القوم ما كَرُموا
ولا أفادوا ولا طابوا ولا عَرَفوا
عاشوا طويلًا وماجُوا في ضلالتهم
ولا يفوزون — إن جُوِّزوا — بما اقترفوا

بالعقل والتفكير الصحيح تنقشع الغيوم، وتنجاب الظلماء، وتهون الصعاب وتنكشف الحقائق:

إذا تفكرت فكرًا لا يمازجُهُ
فسادُ عقلٍ صحيحٍ هان ما صَعُبا

•••

خذوا في سبيل العقل تُهْدَوْا بهديهِ
ولا يَرْجُوَنْ غيرَ المهيمنِ راج
ولا تطفئوا نورَ المليكِ فإنه
ممتِّعُ كلٍّ مِن حجًى بسراج

•••

وفكِّروا في الأمور يُكشَفْ لَكُمْ
بعضُ الذي تجهلون بالتفكير

والدنيا مملوءة بالتجارب، ولكن التجارب طير اختبأ في عشِّه، إنما يستطيع أن يصيده مَن مُنح العقل والعمر:

إن التجارب طيرٌ تألف الخَمَرا
يصيدُها من أفاد اللبَّ والعُمُرا

والعقل هو المرآة الصادقة تُرى فيها الحقائق، لا كلام الناس والإخوان:

أرى اللبَّ مرآةَ اللبيبِ ومن يَكُنْ
مرائيَهُ الإخوانُ يُصدَق ويُكذَبِ

وإنما يقيِّد العقلَ ويمنعه عن إدراك الحق والعمل به ما رُكِّب فيه من طبعٍ وشهوات، فالعقل مغلولًا بالشهوات كالشمس يحجبها الغمام:

يتحارب الطبعُ الذي مُزجت به
مُهَجُ الأنامِ، وعقلُهم، فيُغلَّهْ
ويظلُّ ينظرُ، ما سَناه بنافعٍ
كالشمسِ يسترُها الغمامُ وظلُّه
حتى إذا حضر الحِمامُ تبيَّنوا
أن الذي فعلوه جهلٌ كلّه

•••

واللبُّ حارَبَ فينا
طبعًا يكابدُ حَرْبهُ

والعقل أحسن هادٍ لفعل الخير وتركِ الشر، وخيرُ الخير ما أتاه صاحبه لأنه جميل، لا رغبةً في مثوبة، ولا خوفًا من عقوبة:

عليك العقل وافعل ما رآه
جميلًا فهو مُشتَارُ الشِّوارِ
ولا تقبَل مِن التوراة حكمًا
فإن الحقَّ عنها في تَوَارِ

•••

فلتفعل النفسُ الجميلَ؛ لأنه
خيرٌ وأحسَنُ لا لأجل ثوابها

وأخيرًا فالعقل نبيٌّ صادق، ومن اتبعه رَشَدَ، ومن صدَّ عنه غوى:

أيها الغرُّ إن خُصصَتَ بعقلٍ
فاسألنه فكلُّ عقلٍ نبِيُّ

وهكذا وهكذا ملئت اللزوميات بهذه المعاني وكُررت على أشكال مختلفة نكتفي منها بهذه المثل لندل بها على قيمة العقل في نظره وسلطانه والاعتداد به، ولننظر بعد كيف استخدمه.

لقد عمل على نضج عقل أبي العلاء ذكاؤه الفطري واطلاعه على الفلسفة اليونانية وصداها في الفلسفة الإسلامية، وطول تفكيره وتأمله الذي أعانه عليه وحدته وعزلته وتجرده من شواغل الدنيا ما استطاع.

وفي الفلسفة اليونانية لونٌ زاهٍ ألوان العقلية ومِن أثر العقليين الذين يرون للعقل الحقَّ المطلق في الحكم على الأشياء والبرهنة على صحتها أو بطلانها، ولا يؤمنون بشيء ولا عقيدة ولا تقاليد ولا مواضعات إلا إذا قام البرهان العقلي على صحتها، وما لم يقم البرهان عليه لا يُسلِّمون به مهما كانت السلطة التي تجيء به، وبذلك أخضع هؤلاء اليونانيون كل شيء للعقل وسلطانه، فكما خلقوا العلوم الرياضية بعقولهم كذلك خلقوا الفضائل والرذائل بعقولهم، وقرروا النظم الاجتماعية، وأشكال الحكم السياسية بعقولهم، من غير أن تمليها عليهم أي سلطة خارجية؛ فالعالم عندهم عالم عقلي، والإنسان ضالٌّ ما لم يكتشف قوانين نفسه وقوانين الطبيعة حوله بعقل، ويَسِر على القوانين التي توائم بين نفسه والعالم الخارجي كما يرشده إليه عقله.

قرأ أبو العلاء هذا في الفلسفة اليونانية وتأثر به تأثرًا عميقًا، يدلُّ عليه ما أشرنا إليه من قبل من تمجيد العقل وسلطانه، ولكنه من ناحية أخرى نشأ في الأوساط الدينية، وقرأ تعاليمَها، وتعمق في مبادئها، وهي تقضي بأن وراء العالم المادي المنظور عالمًا روحانيًّا غير منظور، وإن كان السلطان في عالم المادة للقانون الطبيعي يدركه العقل، فالسلطان في عالم الروح لله، وإن كانت آلة العالم المنظور وإدراك قوانينه هو العقل، فآلة العالم الروحي وإدراك قوانينه هو الوحي، وفي هذا العالم الروحاني الله لا العقل هو مصدر التشريع وهو المرشد إلى الفضائل والرذائل، وهو واضع الشعائر الدينية، وهو الذي ربط بها الثواب والعقاب، وعلى الإنسان أن يطيع أوامر الدين ولو لم يهتدِ إلى بعضها بعقله؛ لأن قوة العقل في الإنسان محدودة، ووراء قوة العقل قوة الوحي.

هاتان الصورتان الصغيرتان جدًّا إذا انعكستا في النفس سبَّبتا الحيرة والاضطراب والقلق، وليس يَسْلَم من قلقها إلا مَن ألحد جدًّا فلم يخضع إلا لحكم العقل، أو من آمن جدًا فأسلم عقله لإيمانه. وهناك أصناف من المذاهب الدينية والفلسفية أرادت التوفيق بين هاتين الصورتين بأشكال مختلفة مما ليس مقصدُنا الآن.

فلننظر إلى أبي العلاء المعري كيف وقف من هاتين الصورتين، وكيف كان موقفه من سلطان العقل وسلطان الدين.

لقد أعلى شأنَ العقل كما رأينا، وأراد أن يستخدمه على طول الطريق، فبدأ ينقد به العادات والتقاليد ونظام الحياة الاجتماعية في عصره، فكان ذلك موفّقًا كل التوفيق.

لقد نقد الملوكَ والأمراء؛ لأنهم بوضعهم العقلي خدَّام الأمة:

إذا ما تبيَّنَّا الأمورَ تكشَّفتْ
لنا وأمير القوم للقوم خادمُ

فما بال هؤلاء الخدام يعْدون عليها ويظلمونها:

ملَّ المُقام فكم أعاشِرُ أمَّةً
أُمرَت بغير صلاحِها أمراؤها
ظلموا الرعيةَ واستجازوا كيدها
وعَدَوْا مصالَحها وهم أُجَراؤها

وهم يُصدرون من الأوامر ما لا يتفق والعقل والعدل، ثم ينفِّذون ما يأمرون بقوَّتهم وسلطانهم لا بإقناعهم، فإذا نفذ أمرهم قيل: ما أسوسَهم:

يسوسون الأمورَ بغير عقلٍ
فينفذ أمرُهم ويقال: ساسَهْ
فأفِّ مِن الحياة وأفٍّ منِّي
ومِن زمنٍ رياستُه خساسَهْ

وهؤلاء الولاة المسيطرون على الناس لا عقل لهم، ولا عدل عندهم، شياطين في ثياب ولاة، لا يهمهم جوع الناس إذا مُلئت بطونهم، وخَمِرت رءوسهم:

ساس الأنامَ شياطين مسلَّطة
في كل مصر مِن الوالين شيطانُ
مَن ليس يحفِلُ خَمصَ الناس كلِّهُمُ
إن بات يشرب خمرًا وهو مِبْطانُ

وحول هؤلاء الولاة بطانة قد جمدت عواطفُهم كأنها الحجارة أو أشد قسوة، لا يرحمون دمعة مظلوم ولا يجيبون صرخة مستغيث:

يجور فينفِي المِلكَ عن مستحِقِّه
فتُسكَبَ أسرابُ العيون الدوامع
ومِن حوله قومٌ كأن وجوهَهم
صَفًّا لم يُليِّن بالغيوث الهوامع

والقضاة لا عقلٌ ولا عدل:

وأي امرئٍ في الناس أُلفِيَ قاضيًا
فلم يُمضِ أحكامًا كحكم سَدُوم؟

وفقهاء صناعتهم الكلام، ولا روح ولا أحلام:

كأن نفوسَ الناس والله شاهدٌ
نفوسُ فَرَاشٍ ما لهنَّ حُلوم
وقالوا: فقيهٌ والفقيهُ مموِّهٌ
وحِلْفُ جدالٍ والكلام كُلومُ

ووعَّاظ يقولون ما لا يفعلون، ويأتون ما ينكرون:

رويدك قد غُرِرْتَ وأنت حرٌّ
بصاحب حيلةٍ يَعِظُ النساءَ
يُحرِّمُ فيكم الصهباءَ صُبحًا
ويشربها على عمدٍ مساءَ

وشعراء ليسوا إلا لصوصًا يَعْدون على من قبلهم في سرقة أقوالهم، ويَعْدون على الأغنياء بمديحهم لسلب أموالهم:

وما شعراؤكم إلا ذئاب
تَلَصَّصُ في المدائح والشباب
أَضَرُّ — لمن تَوَدُّ — مِن الأعادي
وأَسرَقُ للمقالِ من الزَّباب٢

وقوم تسودهم الخرافة فيلجئون إلى المنجمين والعرَّافين والمعزِّمين، وما لهؤلاء من علم، ولكنها شباك تُنصب لاستدرار الأموال من المغفلين والمغفلات:

مُتكهِّنٌ ومنجمٌ ومُعزِّم
وجميع ذاك تحيُّلٌ لمعاشِ

•••

لقد بكَرَت في خُفها وإزارها
لتسألَ بالأمر الضريرَ المنَجِّما
وما عنده علمٌ فيخبرُها به
ولا هُوَ مِن أهل الحِجَا فيرجِّما
ويوهم جُهَّالَ المحَلةِ أنه
يظلُّ لأسرار الغيوب مترجما
ولو سألوه بالذي فوق صدره
لجاء بِمَيْنٍ أو أرمَّ وجمجما

•••

سألَتْ مُنجِّمَها عن الطفل الذي
في المهدِ كم هو عائشٌ من دهره
فأجابها مائةٌ ليأخذ درهمًا
وأتى الحِمامُ وليدَها في شهره

وبعد أن نقدهم طبقاتٍ، من الملوك إلى القضاة إلى الوعاظ إلى التجار إلى النساء، نقدهم جملةً، فكل الناس في زمان ومكان لا يصلحون إلا للفناء:

وهكذا كان أهلُ الأرض مُذْ فُطِروا
فلا يَظُنُّ جهولٌ أنهم فسدوا

•••

لو غُربِلَ الناس كيما يُعدموا سقطًا
لما تحصَّلَ شيءٌ في الغرابيل
أو قيل للنار: خُصِّي مَن جَنَى، أكلتْ
أجسادَهم وأَبَتْ أكلَ السرابيل

•••

يحسُنُ مرأًى لبني آدم
وكلُّهم في الذوق لا يَعْذُب
ما فيهمُ بَرٌّ ولا ناسكٌ
إلا إلى نفعٍ له يَجْذب
أفضلُ مِن أفضلِهُم صخرةٌ
لا تظلمُ الناسَ ولا تكذب

وسبب فسادهم أنهم مُنحوا العقل فلم يُصغوا إليه ولم يلتفتوا له، وتَجاذبهم عقلٌ يُرشِد وطبع يُغوي، فجروا وراء طبعهم ولم يلتفتوا إلى عقلهم:

فأوسِع بني حواءَ هجرًا، فإنهم
يسيرون في نهج من الغدر لاحِبِ
وإن غيَّر الإثمُ الوجوهَ فما ترى
لدى الحشر إلا كلَّ أسودَ شاحِبِ
إذا ما أشار العقلُ بالرشدِ جرَّهُمْ
إلى الغيِّ طبعٌ أخذهُ أخذ ساحِب

•••

واللبُّ حاوَلَ أن يهذِّبَ أهلَهُ
فإذا البريَّةُ ما لها تهذيبُ
مَن رام إنقاءَ الغراب لكى يرَى
وضعَ الجناح أصابه تعذيبُ

•••

إلى الله أشكو مهجةً لا تطيعني
وعالَمَ سوءٍ ليس فيه رشيد
حِجًى مثلُ مهجورِ المنازل دائِرٌ
وجهلٌ كمسكون الديار مَشيد

•••

العقل إن يضعُف يكن مِن هذه الـ
دنيا كعاشق مومِسٍ تُغويه
أو يَقْوَ فهيَ له كحرةِ عاقلٍ
حسناء يهواها ولا تُهوِيه

•••

فطبعُك سلطانٌ لعقلك غالبٌ
تَدَاولُهُ أهواؤه بالتَّشصُّص
سُقيتَ شرابًا لم تُهنَّأ ببردهِ
فعُنِّيتَ مِن بعد الصدى بالتغصُّص

وهكذا أفاض في نقد المجتمع ومظاهره ونظمه وأخلاقه، وكان في كل ذلك موفقًا كل التوفيق، ومظهر توفيقه أنه استطاع في مهارة أن يدرك عيوب المجتمع في جملتها وتفصيلها، ويعالج ظواهرها، ويعمق في النفس الإنسانية في دقة وتحليل، فيصل إلى دخائلها. ثم هو لم يتناقض في هذا الباب ولم يضطرب ولم يمجمج، وجرى على وتيرةٍ واحدة في صراحة ووضوح وانسجام.

وسبب نجاحه في هذا أمران: الأول: أن الأمور الاجتماعية والأخلاقية التي نقدها هي في صميم اختصاص العقل؛ فالعقل أداة صالحة لربط الأسباب بالمسببات، والأمور الاجتماعية والأخلاقية تجارب تحدث فتحدث نتائجها، تظلم الملوك والحكومات فتسوء حالُ الأمة، وتعدل فيصلح حالها، وللوعاظ غاية، هي إرشاد الناس من طريق إعطائهم المثل بأنفسهم، والدعوة إلى الخير بألسنتهم؛ فإذا لم تتحقق هذه الأمور فالوعَّاظ شر، وهكذا. فكل ما نقده أبو العلاء من هذا القبيل داخلٌ في دائرة العقل والتجارب. والأخلاق العقلية التي قررتها الفلسفة اليونانية هي بعينها تقريبًا الأخلاق الدينية؛ لأنها أيضًا نتيجة تجارب لصالح المجتمع. وقد نقدت مظاهر المجتمع والأخلاق من قبل أبي العلاء، كما فعل ابن المقفع والجاحظ مثلًا، ولكن مهارة أبي العلاء كانت في إبرازها إبرازًا فنيًّا رائعًا. والسبب الثاني في نجاحه في هذا الباب: أن ناقد هذه الأمور متمتع بكثير من الحرية، فلا لومَ عليه إذا نقد المجتمعَ ونقد الأخلاق، بل إن الناس يصفقون للناقد ويُعلون شأنه؛ لأنه يدعوهم بنقده إلى الكمال المحبَّب إليهم من أعماق نفوسهم؛ لذلك صرَّح بكل ما يريد في هذا الباب وهو آمن مطمئن فنجح.

بعد هذا انتقل خطوة أخرى — في النقد — أدق، وهي تحكيم عقله في المسائل الدينية الشرعية الفرعية، مثل: اليد كيف تُودَى بخمسمائة دينار، وتُقطع في ربع دينار؟

يدٌ بخمسِ مئين عسجدٍ وُدِيَت
ما بالُها قُطعت في ربع دينار
تَحَكُّمٌ ما لنا إلا السكوت له
وأن نعوذ بمولانا من النار

ومثل أن الإسلام جاء لمحو الأوثان والأنصاب، فكيف عظمت بعض شعائر الحج كاستلام الحجر الأسود وتقبيله ونحو ذلك:

ما الركنُ في قول ناسٍ لست أذكرهُم
إلا بقيةُ أوثانٍ وأنصاب

وهذا النوع قد عرض له أناس من أول عهد الإسلام، أرادوا أن يُحكِّموا العقل في التعاليم الإسلامية فصُدوا، كالتي سألت عائشة: ما بال المرأة تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت عائشة: أحَرُوريَّة أنت؟ وكالذي رُوي أن ربيعة الرأي سأل سعيدَ بن المسيب عن عَقل أصابع المرأة: ما عقل الإصبع الواحدة؟ قال: عشرة من الإبل. قال: فإصبعان؟ قال: عشرون، قال: فثلاث؟ قال: ثلاثون. قال: فأربع؟ قال: عشرون. قال ربيعة: فعندما عظم جُرحها نقصَ عقلها؟ فقال له سعيد: أعراقي أنت؟ إنما هي السُّنة.

ومن أجل هذا روي عن علي أنه قال: «لو كان الدين بالعقل لكان المسح على باطن الخفين خيرًا من المسح على ظاهرهما»، فجاء أبو العلاء ينقد على هذا النحو فلم يُرتح لقوله، ورد عليه الشعراء المتدينون فيما قال.

ثم خطوة أخرى أجرأ وهي عرضه الحديث والأخبار الدينية على عقله، وصرخته بأن كثيرًا منها لا يرتضيه العقل، سواء في ذلك ما أتى به اليهود أو النصارى أو المسلمون:

وجاءتنا شرائع كلِّ قوم
على آثار شيءٍ رتَّبوه
وغيَّرَ بعضُهم أقوالَ بعضٍ
وأبطَلَت النُّهَى ما أوجبوه

•••

جاءت أحاديثُ إن صحَّت، فإن لها
شأنًا ولكن فيها ضعفُ إسنادِ
فشاوِرِ العقلَ واترك غيرَهُ هدرًا
فالعقلُ خير مشيرٍ ضمَّهُ النادي

•••

هل صحَّ قولٌ من الحاكي فنقبله
أم كل ذاك أباطيل وأسمارُ
أما العقول فآلت أنه كذِبٌ
والعقلُ غرسٌ له بالصدق إثمارُ

•••

ضلَّت يهودُ وإنما توراتها
كذبٌ من العلماء والأحبار
قد أسندوا عن مثلهم ثم اعتلَوا
فنمَوا بإسنادٍ إلى الجبَّار
وإذا غلبتَ مناضلًا عن دينهِ
ألقَى مقالده إلى الأخبار

•••

مسيحية مِن قبلِها مُوسَوية
حكت لك أخبارًا بعيدًا ثبوتها
وفارس قد شبَّت لها النارُ وادَّعت
لنيرانها ألَّا يجوز خبوتُها
فما هذه الأيامُ إلا نظائرُ
تساوت بها آحادها وسبوتها

•••

تفوَّه دهرُكُمْ عجبًا فأصغُوا
إلى ما ظلَّ يُخبَرُ، يا شهود
إذا افتكر الذين لهم عقولُ
رأوا نبأً يحقُّ له السُّهود
غدا أهلُ الشرائع في اختلاف
تُقَضُّ به المضاجعُ والمهود
فقد كذبت على عيسى النصارى
كما كذبت على موسى اليهود
ولم تستحدثِ الأيام خُلفًا
ولا حالت عن الزمنِ العهود

•••

دينٌ وكفرٌ وأنباءٌ تُقصُّ وفر
قانٌ يُنصُّ وتوراة وإنجيلُ
في كل جيلٍ أباطيل يُدان بها
فهل تفرَّدَ يومًا بالهدى جيلُ

•••

إذا رجع الحصيفُ إلى حِجَاه
تهاونَ بالمذاهب وازدراها
فخذ منها بما أدّاه لُبٌّ
ولا يَغمسك جهلٌ في صراها

والناس لا يُحكِّمون عقلهم في دينهم، إنما هي تقاليد يتبعونها وعادات تحرون عليها:

وينشأ ناشئ الفتيانِ منَّا
على ما كانَ عوَّدَهُ أبوه
وما دان الفتى بحجًى ولكن
يُعلمه التديُّن أقربوه
وطفل الفارسيِّ له وُلاةٌ
بأفعال التمجُّسِ درَّبوه

•••

فى كلِّ أمرك تقليدٌ رضيتَ به
حتى مقالِك: ربِّي واحدٌ أحدُ
وقد أُمرنا بفكرٍ في بدائعهِ
وإن تفكَّر فيه معشرٌ لحدوا
وأهلُ كلِّ جدالٍ يُمسكون به
إذا رأوا نورَ حقٍّ ظاهرٍ جحدوا

وقد سبقه المعتزلة إلى تحكيم العقل في الأحاديث، وأنكروا منها ما لا يتفق والعقل، وخاصة «النَّظَّام» فقد كان يُنكر الحديث في صراحة إذا كان عقله لا يُقرُّه، ولا يكتفي في الحكم على الحديث بالوضع إذا ضعفَ إسناده، بل أهم من ذلك إذا لم يصبر أمام امتحان العقل؛ ولكن أبا العلاء جرؤ على ما لم يجرؤ عليه النظَّام وأمثاله، وأراد أن يعرض الأخبارَ الدينية كلها — أحاديث أو غيرها — على محكِّ العقل، وختم هذه المرحلة بقوله الشديد الجريء:

تقدَم صاحبُ التوراة موسى
وأوقع في الخسار مَن افتراها
فقال رجاُلهُ: وحيٌ أتاه
وقال الآخرون: بل افتراها
وما حجِّي إلى أحجارِ بيتٍ
كُؤوسُ الخمر تُشرب في ذراها
إذا رجعَ الحكيم إلى حِجاهُ
تهاونَ بالشرائع وازدراها

•••

وقد كذب الذي يغدو بعقلٍ
لتصحيح الشروع٣ وقد مَرِضْنَه

وقد قوبلت أقواله في هذا الباب ببعض السخط، لكن سار فيه أيضًا بخطى ثابتة غير مضطربة؛ وإنما قلت: «ببعض السخط»؛ لأنه صاغها صياغةً غامضة يحتمل كثيرٌ منها التأويل في جانبه.

بعد ذلك نأتي إلى المرحلة الثالثة في نقده العقلي، وهي أخطر المراحل وأشدها وأوعرها، وهي التي تعرَّض فيها لصميم الدين: هل الله موجود أو لا؟ وهل هناك وحيٌ أو لا؟ وهل هناك حياة أخرى أو لا؟ وهل الإنسان في هذا العالم مجبورٌ أم مختار؟ ما الحقُّ في ذلك كله؟ وأين أجده؟ وكيف أجده؟

هنا كانت تتراءى له الصورتان السابقتان المتعارضتان: صورة الفلسفة اليونانية ومَن نحا منحاها، وهي التي تصوِّر أن العقل وحده أداةُ المعرفة، وهو وحده الذي يستطيع الوصول إلى الحقائق في ذاتها. والمعارف التي تصلنا عن طريقه هي وحدها الحق ولا حق غيرها. والصورة الدينية التي تصوِّر أن الحق يأتي من الله على لسان أنبيائه، وأن مردَّ الحق إلى الوحي لا إلى الفلسفة، وأن مركز الحق في القلب لا في الرأس. لم يستطع أبو العلاء التوفيق بين الصورتين، ولا أن يكوِّن صورة واحدة مؤلَّفة منهما، ولا أن يضع لهذه دائرة اختصاص ولتلك دائرة، إنما تركهما — كما هما — تعتركان، وكلُّ ما فعل أنه كان ينظر أحيانًا إلى هذه الصورة فتعجبه، ويستلهمها فتلهمه؛ وينظر أحيانًا إلى الأخرى فتعجبه، ويستلهمها فتلهمه. إن نظر إلى الأولى ألهمته إلحادًا، وإن نظر إلى الأخرى ألهمته إيمانًا. ينظر إلى الأولى فيتوقد ذهنه فلا يرى إلا أسبابًا ومسببات، ومنطقًا ونتائج ومقدمات لا تسلم إلى إسلام، فينكر. وينظر إلى الأخرى فيخفُق قلبه ويرهف شُعوره، فيترنح من نشوة الإيمان. وهو في كلتا الحالتين صادق معبر عن نفسه أصدق تعبير. وهذا الموقف ليس بعيدًا عن حال كثير من المثقفين في كل عصر، فكم منهم يَحار ويُصدِّق، ويلحد ويؤمن؛ كالنفس تشدو لها أنغامًا حزينة فتحزن، وأنغامًا سارة فتُسَر. والإنسان يطغى أن رآه استغنى، وإذا أدركه الغرق قال: آمنت أن لا إله إلا هو. وأكثر مؤرخي أبي العلاء يُخطئون إذ يفرضون في أبي العلاء وحدة الزمان والمكان والفكرة، بل يتصورون نفسه الإنسانية حجرًا لا تعتريه حالات؛ فمن اعتقد إيمانه تأول له آيات الكفر، ومن اعتقد كفره لم يأبه بآيات الإيمان. والحقُّ أن من أكفره صادق، ومن جعله مؤمنًا صادق؛ كلاهما يصوِّر حالة من حالات نفسه، وما أكثر حالات التغير في النفس اليقِظة المتوثبة، ثم هو في حال إيمانه صريح لا يحتاج إلى كناية أو مجاز؛ فهو يتفق وآراء الجمهور. وفى حال إلحاده مضطر إلى الكناية والمجاز خشية السوء. ومع هذا فقد تستغويه الفكرة. فلا يعبأ بالناس ولا يعبأ بموته أو حياته:

لا تقيِّد لفظي عليَّ فإني
مثلُ غيري تكلُّمي بالمجاز

•••

وليس على الحقائق كلُّ لفظي
ولكن فيه أصناف المجاز

•••

اصدُق إلى أن تظنَّ الصدق مهلكةً
وعند ذلك فاقعُد كاذبًا وقُم

•••

لا تخبرنَّ بكُنهِ دينكَ مَعشرًا
شُطرًا، وإن تفعَل فأنت مغَرَّر

لنعد إلى موقف أبي العلاء من هذه المسائل الأساسية في الدين في ضوء هذا الرأي: هل الله موجود؟ اللزوميات مليئة بالإجابة بنعم:

إذا كنتَ مِن فَرط السفاه معطِّلًا
فيا جاحدَ اشهَدْ أنني غير جاحدْ
أخاف من الله العقوبةَ آجلًا
وأزعم أن الأمر في يدِ واحِد
فإني رأيت الملحدين تَعُودُهم
ندامتُهم عند الأكفِّ اللَّواحد

•••

تعالى اللهُ كم مَلِكٍ مَهيبٍ
تبدَّلَ بعد قصرٍ ضِيق لحَدِ
أًقرُّ بأن لي رَبًّا قديرًا
ولا أَلقَى بدائعَهُ بجحدِ

•••

للمليك المذكّراتُ عبيدٌ
وكذاك المؤنثاتُ إماءُ
فالهلال المنيفُ والبدرُ والفر
قدُ والصبح والثرَى والماءُ
والثريا والشمسُ والنار والنَّثر
ةُ والأرض والضحى والسماء
هذه كلها لربك ما عا
بكَ في قولِ ذلك الحكماء
خلِّني يا أُخَيَّ أستغفر الله
فلم يبقَ فيَّ إلا الذَّماء

•••

لِيفعل الدهرَ ما يَهُمُّ به
إن ظنوني بخالقي حَسَنهْ
لا تيأسُ النفسُ من تفضلهِ
ولو أقامت في النار ألفَ سَنَهْ

•••

هو الفلك الدَّوَّار أجراه ربُّه
على ما ترى من أن تجرِي الفُلك
له العزُّ لم يشرَكه في الملكِ غيرُه
فيا جهلَ إنسانٍ يقولُ: لي المُلك

إلخ … إلخ.

وأحيانًا أخرى نجد له ما يمجمج به في الإنكار كقوله:

أمَّا الإله فلستُ مدركَهُ
فاحذر لجيلك فوق الأرض إسخاطًا

•••

متى عرضَ الحِجا لله ضاقت
مذاهبُه عليه وقد عَرُضْنَه

هل الكون قديم أزليُّ كما قال أرسطو، أو هو حادث فانٍ كما يقول الدين؟

أحيانًا هذا وأحيانًا ذاك. فمن ناحية يقول:

ليس اعتقادي خلود النجوم
ولا مذهبي قدمُ العالمَ

ومن ناحية أخرى نقول:

إذا صحَّ ما قال الحكيم فما خلا
زماني منِّي منذ كان ولا يخلو
أُفَرَّق طورًا ثم أُجْمَعُ تارةً
ومثلي في حالاته السِّدرُ والنخلُ

•••

خالقٌ لا يُشَكُّ فيه قديم
وزمانٌ على الأنام تقادَمْ
جائز أن يكون آدمُ هذا
قبلَهُ آدم على إثرِ آدَمْ

هل الإنسان في هذا العالم مجبر أم مختار؟

أما أكثر شعره فالقول بالجبر:

وما فسدتْ أخلاقنا باختيارنا
ولكن بأمرٍ سببتهُ المقادر

•••

جبِلَّة بالفساد واشجة
إن لامها المرءُ لام جابلَها

وأحيانًا يميل إلى الاختيار ومسئولية الإنسان:

لا ذنبَ للدنيا فكيف نلومُها
واللوم يلحَقني وأهلَ نِحَاسي
عنبٌ وخمرٌ في الإناء وشاربٌ
فمَن الملوم أعاصرٌ أم حاسي؟

وأحيانًا يرى التوسط بين الجبر والاختيار:

لا تعش مجبرًا ولا قَدَرِيًّا
واجتهدْ في توسُّطٍ بينَ بينا

هل هناك بعثٌ وحياة أخرى؟

أحيانًا نعم وأحيانًا لا؛ فنعم كقوله:

وما أنا يائسٌ من عفو ربي
على ما كان من عمدٍ وسهوِ

•••

أما الحياة فلا أرجو نوافلَها
لكنني لإلهي خائف راجي
أأُصبح في الدنيا كما هو عالم
وأدخل نارًا مثل قيصر أو كسرَى
وإني لأرجو منه يومَ تجاوزٍ
فيأمر بي ذاتَ اليمين إلى اليُسرى٤

•••

قال المنجم والطبيب كلاهما:
لا تُحشر الأجساد، قلتُ: إليكما
إن صحَّ قولُكما فلستُ بخاسرٍ
أو صحَّ قولي فالخسارُ عليكما

•••

خُلِق الناسُ للبقاء فضلَّت
أمَّةٌ يَحسبونهم للنفاد
إنما يُنقلون مِن دارِ أعما
لٍ إلى دار شقوةٍ أو رشاد

وأحيانًا «لا» كقوله:

خذ المرآة وأستخبر نجومًا
يُمرُّ بمطعم الأريِ المشُورِ
تدلُّ على الحِمامِ بلا ارتيابٍ
ولكن لا تدل على النشورِ

•••

ضحكنا وكان الضحكُ منا سفاهةً
وحُقَّ لسكان البسيطةِ أن يبكوا
تُحطِّمنا الأيامُ حتى كأننا
زجاجٌ ولكن لا يعاد لنا سَبْكُ

•••

ما لي بما بعدَ الردَى مَخبَرَه
قد أدمتِ الأنُوف هذي البُرَه
الليلُ والإصباح والقيظ والـ
إبراد والمنزل والمقبره
كم رام سَبرَ الأمرِ مِن قبلنا
فنادت القدرةُ لن تسبُرَه

•••

دفنَّاهم في الأرض دفنَ تيقُّنِ
ولا عِلمَ بالأرواح غير ظنون

وأخيرًا: هل هناك وحيٌ وأنبياء أو لا؟

الجواب أيضًا: نعم ولا.

فنعم في مثل قوله:

أمُّ الكتاب إذا قوَّمت مُحكَمَها
وجدتَها لأداء الفرض تكفيكا
لم يشفِ قلبك فرقانٌ ولا عظةٌ
وآيةٌ لو أطعتَ الله تشفيكا

•••

أَفَمِلَّة الإسلام يُنكرُ منكرٌ
وقضاء ربك صاغها وأتى بها

و«لا» في مثل قوله:

أفيقوا أفيقوا يا غواةَ فإنما
دياناتكم مكرٌ مِن القدماء
أرادوا بها جمعَ الحطامِ فأدركوا
وبادوا وماتت سُنة اللؤماء

•••

قالت معاشر: لم يَبْعث إلهكُمُ
إلى البرية عِيساها ولا موسى
وإنما جعلوا للقوم مأكلةً
وصيَّروا لجميع الناسِ ناموسَا
ولو قدرت لعاقبت الذين طغَوا
حتى يعود حليفُ الغيِّ مرموسا

•••

إن الشرائع ألقَتْ بيننا إِحَنًا
وأودعتنا أفانينَ العداوات
وهل أبيحت نساءُ القوم عن عُرُضٍ
للعُرب إلا بأحكام النبوَّات

•••

هفت الحنيفةُ، والنصارى ما اهتدت
ويهودُ حارت، والمجوسُ مضلَّله
اثنان أهل الأرض: ذو عقلٍ بلا
دينٍ وآخر دَيِّن لا عقل له

وهكذا. وهكذا.

•••

لقد فكر أبو العلاء طويلًا بعد هذه المرحلة الطويلة التي قطعها في إعمال العقل، واستعرض ما فكَّر وما قال. فماذا رأى؟ رأى تناقضًا في الفكرة وفي القول، يُسلمه التفكير يومًا إلى الشيء أنه أبيض فيعلنه، ثم يُسلمه يومًا آخر إلى أنه أسود فيعلنه، فإذا هو آخر الأمر يلعن أنه أسود وأبيض معًا ومحالٌ ذلك. أيهما الحق أهو أسود أم أبيض؟ لا بد أن يكون أسود فقط أو أبيض فقط، إما أسود وأبيض معًا فضلال، وما هذا العقل الذي يُسلمني إلى الشيء ونقيضه؟ عند ذلك صرخ من أعماق نفسه بأنه حائر لم يُوفق، ضالٌّ لم يهتد، وأن ليس في الناس من يستطيع هدايته، فكلُّهم إما عاقل لا دين له أو دَيِّن لا عقل له، وهو يريد أن يكون دَيِّنًا عاقلًا، والمطمئنون الذين استطاعوا أن ينجوا من الحيرة مقلِّدون لم يؤمنوا عن فكر وعقل، فهؤلاء ضالون لتقليدهم، وهؤلاء ضالون لحيرتهم. والعقل وما أدراك ما العقل؟ أسلمت له قيادي، فلم يُسلم لى قياده، وآمنت به كل الإيمان، وفضلته على كل الأديان، وجعلته نبيًّا من الأنبياء، ونورًا يلمع في الظلماء، فلم يؤدِ رسالة، ولم ينقع غلة، فلأكفر به كما كفرت بغيره، ولأنكر سلطانه كما أنكرتُ كل سلطة، ولأكسر قيثارتي التي غنيت عليها في مدحه، ولأضع أناشيد أخرى في ذمه، فهذا هو الجزاء الوفاق لمن وفيتُ له فلم يفِ لي، وأكبرت شأنه فأصغرَ شأني، وركنت إليه فحيرني. جربت النقل فلم أطمئن إليه، وجربت العقل فلم أطمئن إليه، فلأرفع عَلَمَ الشك، وأعلن أنه لا يقين.

سألت عقلي فلم يخبر وقلت له:
سل الرجال فما أفتَوا ولا عرفوا
قالوا فمانوا فلمَّا أن حدَوْتُهُم
إلى القياس أبانوا العجزَ واعترفوا

•••

أرواحُنا منَّا وليس لنا بها
علمٌ فكيف إذا حوَتها الأقبر

•••

سألتموني فأعيتني إجابتكُم
مَن ادَّعى أنه دارٍ فقد كذبًا

•••

أصبحتُ في يومي أسائل عن غدي
متحيرًا عن حاله متَنَدِّسًا
أما اليقين فلا يقينَ وإنما
أقصى اجتهادِي أن أظنَّ وأحدِسَا

•••

وقد عُدم التيقنُ في زمانِ
حصلنا مِن حِجَاه على التظنِّي

•••

نفارق العيشَ لم نظفر بمعرفةٍ
أيُّ المعاني بأهل الأرض مقصود
لم تُعطنا العلمَ أخبارٌ يجيء بها
نقلٌ ولا كوكبٌ في الأرض مرصود

•••

إنما نحن في ضلال وتعليلٍ
فإن كنتَ ذا يقين فهاتِهْ
ولحبِّ الصحيح آثرتِ الرو
مُ انتسابَ الفتى إلى أمهاتِه
جهلوا مَن أبوه إلا ظنونًا
وطلا الوحش لاحقٌّ بمهاتِه

•••

وبصير الأقوام مثلِي أعمًى
فهلمُّوا في حندسٍ نتصادَمْ

لقد تركت الدنيا للدين، والنقل للعقل، ولذة المادة للذة الروح، فلا أفدتُ هذا ولا ذاك. وأخيرًا:

رحلتُ فلا دنيا ولا دينَ نِلتُه
وما أوبتي إلا السفاهةُ والخُرقُ

عقدة أبي العلاء أتت مِن عظمته، وضعفه نبعَ من قوته. قد مُنح عقلًا قويًّا دائب النشاط يريد أن يطحن كل شيء يصل إليه ليعرف كنهه، وشعورًا قويًّا رحيمًا بالإنسان راثيًا لبؤسه، رحيمًا بالحيوان معذبًا نفسه في سبيل الرحمة به. ومثل هذا الشعور القوي يريد أن يؤمن، ومثل هذا العقل القوي يريد أن يواصل البحث حتى يصل إلى الحقيقة. ولكنه — وهنا موضع العقدة — يريد أن يؤمن بعقله كما آمن بشعوره، والعقل ليس أداةً صالحة لإدراك الغيب، إدراك الله والحياة الأخرى والوحي والملائكة وما إلى ذلك؛ إنما خُلق ليكون أداة للحياة الدنيا ووسيلةً لحفظها وبقائها ورقيها، وهو عاجز كل العجز أن يرسم بريشته عالم الغيب المجهول الذي لا يخضع لقانون سببٍ ومسببٍ، ومقدمةٍ ونتيجة، وزمان ومكان، وحيز وحدود.

لقد شُغلت الفلسفة القديمة بالبحث وراء المادة، فدارت حول نفسها ولم تصل إلى نتيجة، حتى جاءت الفلسفة الحديثة وعلى رأسها «كانت»، فتحول بعض فلاسفتها من البحث فيما وراء المادة إلى البحث في العقل نفسه ومقدرته على المعرفة وحدود ما يمكن أن يعرف وما لا يمكن أن يُعرف، إن العقل إنما يستمد معلوماته من الحواس، وكل البحوث في سائر العلوم حتى أدق العمليات الرياضية والهندسية منشؤها الحواس، أعمِل فيها العقل بالمقارنات وما إلى ذلك، والحواس لا تدرِك من العالم إلا بقدرٍ، فإذا انخفض الصوت عن قدر معين أو ارتفع عن قدر معين لم نسمع، وهكذا العينُ والشم واللمس، فكم في العالم من أشياء لم تدركها عقولنا لأنها لم تدركها حواسنا. والعقلُ لا يستطيع أن يسير إلا مستندًا على حواسه، ولا يمكن أن يدرك من العالم إلا مظهره، هل يستطيع أن يدرك ما الضوء وما الكهرباء وما الجاذبية؟ إنما يدرك آثارها ومظاهرها. هل يستطيع أن يدرك مركزَ نفسه، وحقيقة شعوره؟ كلا إنما يدرك آثار ذلك في الحياة الخارجية. من أين أتينا؟ أين كانت حياتنا قبل أن نحيا؟ ماذا تكون حياتنا بعد أن نموت؟ وما حقيقة علاقتنا بالعالم الخارجي حولنا؟ كل هذه الأسئلة ومئاتٌ نحوها لا نعرفها، ولا يستطيع العقل أن يعرفها، ولم يتقدم في إدراكها كما تقدم في العلم بقوانين المادة. كم في العالم من حُجَر مغلقة لم نعطَ مفاتيحها؟

إنما نشعر بالله وبالحياة الأخرى وبالمملكة الروحانية بقلبنا، وتطمئن نفوسنا إذا آمنت، وتقلق وتضطرب إذا ألحدت. لقد ارتفع «برجسون» (الفيلسوف الفرنسي المعاصر) إلى أوج الشهرة في أعوامٍ قلائل؛ لأنه دافع عن الطبيعة الإنسانية وآمالها، فكم اغتبط الناس واطمأنوا إذ رأوا فيلسوفًا يصون لهم ما يرجون من خلود وما يعتقدون في إله. وقال وليم جيمس: «لقد بحثتُ في نفسي ولم أعلم ما هي وما شبهها، وأين تسكن وكيف تتغير، وكيف تكون مجبورة، وكيف تكون مختارة؛ وتتغير نظرياتي في ذلك من وقت إلى وقت، ولكن مع هذا أُومن بنفسي، وأومن أنها مركزٌ لكل ما أعرف عن العالم حولي»، كذلك الشأن في إدراك المبدأ والمنتهى والله والخلود، إنها عقيدة وإيمان لا قضايا منطق.

اعتبر الأديان كلها، مبعثها ومظهرها، تجدها تختلف باختلاف الأمم ورقيها وطبيعتها، وتتغلب على كل دين صفة من الصفات تكاد تكون كالمحور؛ كالتضحية، ومعنى الأبوة، والرحمة والغفران، وإطاعة الأوامر، والفن والجمال، وإنكار الذات، والإحسان إلى الجميع، والشفقة على الحيوان، والشجاعة، والجهاد في سبيل نشر الدعوة. وكل هذه االصفات على اختلافها من قبيل العواطف والمشاعر، ولم نرَ دينًا أتى بفلسفة عقلية، ولستَ تستطيع أن تُقنع المحب بالحجج العقلية حتى يسلو، ولا أن تُقنع من جمدت عواطفه حتى يُحب. إن عقله قد يقيم البرهان على خطأ الحب، وقد يمنعه من الزواج، ولكن لا يستطيع أن يمنعه من الحب، وهكذا الشأن في كل المشاعر، وهكذا الشأن في الدين. الدين في القلب لا في العقل، وإذا بُحث الدين بالعقل المجرد لم تكن النتيجة دينًا ولا فلسفة، وإنما شيءٌ تافه اسمه «علم الكلام».

وقد أراد أبو العلاء أن يضمَّ إلى إيمانه بقلبه إيمانه بعقله فلم يستطع، وكانت العقدة. ولو نام شعوره وانتبه عقله لألحد مستريحًا، ولو نام عقله وانتبه شعوره لآمن مستريحًا، ولو صحا عقله وشعوره ورسم حدوده، وعرف لكلِّ دائرة اختصاصه لاستراح أيضًا، ولكنه أراد أن يصل إلى ما ليس يمكنه العقل فلم يفلح، وقلق واضطرب كما يقلق ويضطرب كل من خرج على قوانين الطبيعة، وحاول الخروج على طبائع الأشياء؛ لأن الدين يغذي حاجة من حاجات النفس لا غنى لها عنه إذا مرضت. هذا هو السبب في أنه نقد المجتمع فنجح، ونقد الأخلاق فنجح، ونقد الأخبار فنجح، ونقد الدين في صميمه فلم ينجح.

يعجبني وصف بعضهم لهِجل وصفًا ينطبق على أبي العلاء انطباقًا تامًّا إذ قال: «إنه رجلٌ كفرَ عقله وآمن قلبه»، كما يصدُق عليه أيضًا قول جوته عن «فاوست»: «إنه عقلٌ طغى على القلب فأشقى صاحبه».

وأيًّا ما كان، فهذه الشخصية الفذة، الشخصية المؤمنة الكافرة، الشخصية القلقة الحائرة، أخرجت كلَّ ما كان يتناوبها من نبضات قلبٍ، وخطرات عقلٍ، في صورة فنية رائعة أمتعت الناس وإن أشقت صاحبها. فرحمه الله، ورحمه الله.

١  الكلمة التي قيلت في مهرجان أبي العلاء في دمشق في سبتمبر سنة (١٩٤٤م).
٢  الزباب: الفأر العظيم.
٣  الشروع: جمع شرع.
٤  اليسرى: من اليسر ضد العسر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠