الجامعة والسياسة

رحم اللَّهُ زمانًا قضيناه في مدرسةٍ عالية لم نسمع فيه أستاذًا يتكلم في السياسة، ولم نُضرب فيه إلا يوم وفاة مصطفى كامل إذ خرجنا نشيع جنازته.

ولست أنسى يومًا أقيم في مدرستي اجتماعٌ للاحتفال بالعام الهجري، فخصني فيه إخواني بالكلام في سبب ضعف المسلمين، فكان محور حديثي أن ضعف المسلمين يرجع إلى سببين: فساد الحكومات المتتابعة في إدارة البلاد الإسلامية، ورجال الدين. فقامت الدنيا وقعدت من هذه الكلمة البريئة الهادئة، وهُددت بالفصل لولا تدخل سعد زغلول إذ كان وزيرًا للمعارف.

ولم يكن هذا بالأمر المحمود؛ فلم نكن نتتبع الأحداث التي تجري في بلادنا، ولا نطلِّع على أغراضها ومراميها، ولا تتجاوب عواطفنا مع سيرها، وأصبح شباب اليوم أوسع أفقًا وأكثر معرفة بالدنيا وشؤونها.

ثم جاء زمان تغيَّر فيه هذا الوضع وتأثر كل طالبٍ بالسياسة وسير الأمور، وكان بدء ذلك يوم قُبض على سعد زغلول ونُفي، فأضربت مدرسة الحقوق وتبعتها المدارس الأخرى، ومن ذلك الحين كثرت الإضرابات والمظاهرات.

ولكن إلى ذلك العهد كانت الإضرابات مرتبطة بالمطالب القومية، إما لتعدٍّ على حق من حقوق مصر يراد استلابه، أو لاسترداد حق ضاع من قبل، فكان يشترك في هذا الشعور طلبة المدارس العالية كلهم على اختلافٍ في مقدار شعورهم.

ثم كان الخلاف بين سعد من جانبٍ وعدلي وحسين رشدي من جانب آخر، فانقسمت صفوف الطلبة تبعًا لانقسام الزعماء، وتكونت الأحزاب وتوزع رجال السياسة عليها، وتوزع الطلبة كذلك، وكلما جدَّ حزب اعتنق مبادئه بعض الطلبة وتعصبوا له وعُرفوا به؛ هذا وفدي وهذا سعدي وهذا حر دستوري إلخ … إلخ … وكان يحدث أحيانًا أن يتفق الزعماء فيتفق الطلبة، وأحيانًا يختلف الزعماء فيختلف الطلبة، بل كان يحدث أحيانًا أن يشعر الطلبة بضرورة اتفاق الأحزاب في المواقف الحرجة، فتكون لهم يد في حمل الأحزاب على الاتحاد، هذا عرضٌ تاريخي موجزٌ جدًّا لما حدث، فهل لي أن أبدي رأيًا صريحًا لِما اعتقده، لا أرعى فيه حزبًا ولا أرعى فيه تعصبًا لأي ناحية من النواحي إلا الحق وإلا الحق وحده؟

للاشتغال بالسياسة وجهان وأسلوبان وطريقتان:

فأما الأولى فدراسة المسائل القومية وتاريخها وتطورها، وما يراد بها وما يجب أن يكون موقف الأمة منها، فإذا أريد الحديث عن السودان أو المعاهدة أو الديون أو نحو ذلك وجبت دراستها، وكيف كانت وما جدَّ عليها وإلى أي نقطة وصلت. وواجب رجال السياسة في كل بلد أن يعرفوا كل مسألة من هذه المسائل وأشباهها معرفة دقيقة بالتاريخ والأرقام والوثائق ويكونوا لهم فيها رأيًا، وواجب كل حزب أن يفعل ذلك ويوضح منهجه ويحدد ما يطلبه ويعلن ذلك، ما لم تمنع موانعُ قومية من إظهار هذا الرأي حتى يحين حينه.

أما الطلبة في الجامعة فلا أرى بأسًا — بل قد أرى واجبًا — أن يطَّلعوا على هذه الأمور ويكوِّن كلٌّ فيها رأيًا، بل ولا مانع من إقامة المناظرات والمحاضرات في هذه الشئون ويتخذ كلٌّ رأي هذا الحزب أو ذاك حسبما يتجلى له وجه الحق، ولكن بشرط أن يكون ذلك بعد أداء واجبه القومي الأول وهو الجدُّ في تحصيله لدروسه وعدم إهمال أي جانب من جوانب الدرس؛ فالطالب حرٌّ بعد أداء واجبه العلمي أن يرى هذا الرأيَ السياسي أو ذاك، ويوافق رأي هذا الحزب أو ذاك كما يدله عليه عقله ومنطقه وتفكيره.

وأما الثاني فهو تنفيذ الرأي، فهذا واجب السياسيين أولًا، فلكل حزب أو الأحزاب مجتمعة أن يرسموا خطط تنفيذ المطلب، ويتحملوا مسئولية ذلك، وما يتطلبه من شجاعة وتضحية.

أما الطلبة فليس لهم أن يُنفذوا رأي حزب ضد حزبٍ، بل ولا رأي الأحزاب مجتمعةً إلا إذا ظهر الزعماء في الميدان ورأوا جميعًا أنهم لا يستطيعون العمل إلا بمعونة الطلبة.

أما أن يختفي الزعماء وراء الستار ويوحوا إلى الطلبة بالعمل، وهم لا يعملون فضرب من الخلُق تأباه الكرامة، ووضعٌ للأمور في غير موضعها، وهرم مقلوب أو حصان وراء العربة.

إن كان هذا الرأي صحيحًا أمكننا أن نسوق بعض المسائل التطبيقية التي تتجلى في ضوء هذه النظرية:
  • أولًا: من الخطأ المحض أن ينغمس مدير جامعة أو عميد أو أستاذ في الحزبية السياسية، ويصبغ تصرفاته بهذا اللون، فيحابي بعض الطلبة لأنهم من حزبه ويضطهد آخرين؛ لأنهم من غير حزبه، أو يسلك هذا المسلك في ترقيات الأساتذة وحرمانهم، أو يمشي في ركاب الزعماء ويصفق لهم، أو يُنفذ بعض المشروعات والأغراض التي يوحي بها الحزب القائم مجاراةً له، ولو خالفت المصلحة في نظره ونحو ذلك من مظاهر عديدة.

    هذا كله هدم لاستقلال الجامعة في التفكير وإفسادٌ لأخلاق الشبان والمدرسين؛ إذ يرون الحزبية الضالة أجدى عليهم من الجد والاستقامة والشرف، ولأن هذا يجعل الجامعات مسرحًا للأحداث والانقلابات تبعًا للتقلب السياسي. وليس لهذا خُلقت الجامعة، فإنما شيدت منارًا تهتدي به الأمة كلُّها على اختلاف أحزابها ومركزًا للنظريات العلمية والأدبية والسياسية الحرة، ولو خالفت جميع الأحزاب.

  • وثانيًا: من الخطأ الفاضح كذلك أن تتلاعب الأحزاب المختلفة بالطلبة، فيجعلوهم وسيلةً لاستردادهم الحكم إذا كان الحزب مغلوبًا، وللدفاع عن الحزب إذا كان الحزب غالبًا، وحرام أن تضيع أعمار طلبة في سبيل من يتولى الحكم، وحرام أن يلعب الساسة بهم فيختفوا ليظهر الطلبة، ويستريحوا ليتعب الطلبة، وينعموا ليشقى الطلبة، ويغنموا ليضحي الطلبة.

ولو أدرك المسئولون ما يحدث للطلبة في إضراب يومٍ واحد لقلقت ضمائرهم ودميت مشاعرهم.

إن الطالب للعلم وللخلق — أولًا — وللسياسة ثانيًا. ولا يكون للسياسة إلا إذا كانت سياسةً قومية، بل لا يكون للسياسة القومية إلا إذا كانت سياسةً قومية حقة لا سياسة قومية مزيفة تحت ستار الحزبية. أما الساسة فوظيفتهم السياسة أولًا وآخرًا، فإذا احتاج الأمر إلى التضحية فليضحُّوا هم أولًا وليظهروا في الميدان أولًا، ولا يستغلُّوا طهارة قلوب الطلبة ليخدعوهم، ولا يستكثروا عددهم ليلعبوا بهم؛ فإن اللعب بهم جريمة لا تُغتفر، فالجامعة بأساتذتها وطلبتها منار الأمة كما قلت، فإذا فسدت أظلم الجو كله.

وكما نقول للطلبة والأساتذة والعمداء: كُفوا عن السياسة الحزبية واعملوا للعلم والخلق والوطن، نقول للساسة: أشفقوا على أبنائكم فلا تزجُّوا بهم في السياسة الحزبية، وقدروا ما تجنونه على الأمة من ضياع العلم بإفساد السياسة، وضياع الخلق بالمكافأة على غير الجدِّ في العمل والنبوغ فيما أُنشئت له الجامعة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠