عبد الله نديم

(١٢٦١–١٣١٤ﻫ / ١٨٤٥–١٨٩٥م)

١

إن كان يستحق الإعجاب مَن نبغ — والظروف له مواتية — من أسرة عريقة في المجد أو الغنى أو الجاه أو نحو ذلك مما ييسِّر للأبناء أن يتعلموا، ثم يشقُّوا لهم طريق الحياة وطريق المجد، فأولى بالإعجاب من ينبغ والظروف له معاكسة، لا حسب ولا نسب، ولا غِنَى ولا جاه؛ بل ولا القوت الضروري الذي يمكِّن الفتى من أن يجد له وقت فراغ يثقف فيه نفسه.

قد يدعو إلى شيء من الإعجاب منظر شجرة يانعة ضخمة مثمرة، تعهَّدها بستانيها بكل ما يصلحها، من وضع في المكان المناسب، والغذاء الكافي، والرَّي المتوافر في أوقاته، ولكن أدعى إلى الإعجاب بذرة طُرحت حيثما اتفق، فمدت جذورها بنفسها تجدُّ في حصولها على غذائها، فقد تجده وقد لا تجده؛ وتعاكسها الطبيعة فتكافحها وتتغلب عليها، ثم هي آخر الأمر تكون أينع ما كانت شجرة وأضخمها وأوفرها إثمارًا.

كذلك كان من النوع الثاني «عبد الله نديم»، كل الدلائل تدل على أنه سيكون نجَّارًا أو خبازًا، ولو تنبأ له متنبئٌ متفائل لقال: إنه سيكون نجارًا ماهرًا أو خبازًا ناجحًا، فأما أديبٌ يملأ الدنيا ويقود الرأي العام ويُحسب حسابه في كل ما يخطه قلمه أو تنطق به شفتاه، فلا يدور بخَلَد أحد حتى فاتح الرمل والضارب بالحصى.

هذا أبوه أصله من الشرقية ورحل منها إلى الإسكندرية، وعمل فيها نجارًا للسفن بدار الصناعة «الترسانة» ثم لم يعجبه هذا العمل فاتخذ مخبزًا صغيرًا يصنع فيه الخبز ويبيعه، ويحصل من ذلك على الكفاف من العيش.

فما بالك بأسرةٍ من هذا القبيل، مسكن متواضع، وخبز إن توافر فإدام غير متوافر، وملبس لا يُراعى فيها إلا أن يستر الجسم ولا يلفت النظر، وصحة تُرك البتُّ فيها للقضاء والقدر.

ولكن «عم مصباح» والد عبد الله، رجل جاد في عمله، قنوع بكسبه، مستقيم — بالضرورة — في حياته، من بيته إلى مخبزه إلى مسجده. أرسل ابنه إلى الكتَّاب على باب حارته كما يفعل الناس من مثل طبقته، يرسلون أولادهم إلى الكتَّاب زمنًا ما، فإذا اشتد متنُهم وقوي جسمهم أخذوهم إلى دكاكينهم في مثل صناعتهم التي تُتَوارث كما يتوارث المال.

ولكن عبد الله تفوق في الكتَّاب، وظهرت عليه ملامح الذكاء، فأراد أن يستمر في تعلمه، ولم يمانعه أبوه، وكانت الطريقة المعبَّدة لذلك أن يرسل الوالد ابنه إلى الأزهر، ولكن أين مال الأسرة الذي يحتمل ذلك؟!

على أنه في الإسكندرية — قريبًا من بيتهم — مسجد هو صورة مصغَّرة من الأزهر يدرِّس فيه المشايخ ما يُدرَّس في الأزهر وعلى نمطه، وذلك هو مسجد الشيخ إبراهيم باشا.

فدرَس فيه عبد الله نديم ما شاء الله أن يدرس، ولكنه كان تلميذًا خائبًا في هذه الدراسة، لا يصبر على جفافها، ولا يقدر على حل ألغازها، ولا يتحمل العناء في تفهم كتب نحوها وفقهها، فكان لا يواظب على درسه ولا يبدي به اهتمامًا.

وحُبب إليه نوع من الدراسة غير منظم، يوافق مزاجه، ويناسب استعداده، وهو أن يصاحب الناشئين في الأدب ويغشى مجالسهم ومجالس أساتذتهم، وما كان للأدب درس منظم ولا هو يُعدُّ علمًا ولا فنًّا، وإنما هو هواية كذي الصوت الجميل يهوى الغناء ويقلد فيه من سبقه، ولا درس ولا فن، ومثل هذا يُنظر إليه من أهل العلم بالنحو والفقه نظرة استخفاف وازدراء؛ وقد عهدنا هذا في أيام دراستنا بالأزهر، أيام كان الشيخ سيد المرصفي يحلِّق حلقة لدراسة الأدب، فكان هذا عجبًا من العجب، ينظر طلاب الفقه والنحو ومشايخهم إلى حلقته شزْرًا.

كان عبد الله نديم يغشى هذه المجالس الأدبية التي ليس لها منهج؛ فيسمع شعر الشاعرين وزجل الزجَّالين، ونوادر المتماجنين، وقصائد الراوين، فيصغي إلى كل ذلك في فهم كأنه كله آذان، ويدرك من غير وعي أن هذا بابه وهذا فنه، وأنه إنما خُلق لذلك لا للنحو ولا للصرف، فاشتاقت نفسه أن يسلك هذا المسلك ويسير في هذا الطريق، وقد مُنح حافظةً لاقطةً، وقدرةً على التقليد فائقة، فأخذ يحاكي بعدُ ما اختزن، ويغني بعد ما سمع، فطورًا يوفَّق فيستدعي ذلك إعجاب أمثاله، وطورًا يُخذل فيستخرج ضحك أقرانه، ومن كل ذلك كان يتعلم.

وإلى جانب ذلك تعلم درسًا في منتهى القيمة، درسًا تعلمه حافظٌ ولم يتعلمه شوقي، وتعلَّمه بيرم التونسي ولم يتعلمه توفيق الحكيم؛ درسًا قلَّ أن يفقهه الأدباء مع عظيم خطره وكبير أثره، ذلك هو أن نشأته في صميم الأحياء الشعبية مع رفاهة حسه، ويقظة نفسه، وفقره وبؤسه، علمته أن يحيط إحاطة واسعة بلغة الشعب وأدبه، مِن أمثال وحكايات ووجوه معاملات وصنوف تصرفات، فرسم ذلك كله في نفسه لوحاتٍ كان لها أكبر الأثر في حياته الأدبية المستقلة، والنفس الحساسة الفنانة تختزن حتى حفيف أوراق الأشجار، وهفهفة الأغصان، ودبيب النِّعال، وحلاوة البسمات، وأدق مجالي الجمال والقبح، ثم تعرف كيف تستخدم ذلك في فنها متى آن أوانه.

ولكن مرحى بذلك كله، تبًّا للحياة المادية، هل يكسب من ذلك «عبد الله نديم» قرشًا، وهل يستطيع «عم مصباح» أن يحتمل هذا الهذر طويلًا؟ لقد احتمل الإنفاق عليه في الكتَّاب؛ لأنه طفل، والكتَّاب خير من البيت، واحتمله يدرس في «جامع الشيخ»؛ لأنه كان يرجو في ابنه أن يكون شيخًا معممًا، وعالمًا مطمطمًا، يتقرب إلى الله بتقبيل يده والتمسح بثوبه، فأما هذا اللغو الفارغ الذي يُسمَّى شعرًا ونثرًا فهو عبادة الشيطان لا عبادة الله، ولست أتقرب إلى الله بالإنفاق على عبدة الشياطين.

لقد نفض أبوه يده منه، فأخذ عبد الله نديم يبحث عن وجهٍ للكسب، فاتجه اتجاهًا غريبًا، هو أن يتعلم فن الإشارات التلغرافية ثم يتكسب منه، وكذلك كان. فتعلَّمه واستُخدم بمكتب التلغراف ببنها.

ثم نُقل إلى مكتب القصر العالي حيث تسكن والدة الخديوي إسماعيل، وقد كان قصرًا من أفخم القصور، يقع على النيل فيما يسمى الآن «جاردن سيتي»، خدم وحشم وموسيقى وطرب، وما شئت من ألوان النعيم والترف؛ وقد تعلم منه عبد الله نديم كيف يعيش الأمراء والسادة، كما تعلم في بيته وحارته في الإسكندرية كيف يعيش الفقراء والعبيد.

وعاد إليه في القاهرة شوقه إلى الأدب ومجالس الأدباء، وكان حظ القاهرة في ذلك أوفى؛ ففيها — مثلًا — مجلس محمود سامي البارودي، وكان مجلسًا عامرًا يسمر فيه السمر اللذيذ؛ فأدب قديم يُعرض، وأدب حديث يُنشد، وعرضٌ للمعنى الواحد صِيغ صياغة مختلفة، ونقد قيِّم لهذا ولذاك، يتخلله نوادر فكهة، وأحاديث في الأدب حلوة، اتصل عبد الله نديم بهذا المجلس وأمثاله، وتوثقت الصلة بينه وبين كثير من أدباء مصر إذ ذاك، وأخصُّهم سبعة أولع بهم واستفاد من معارفهم وأدبهم: شاعر مصر محمود سامي البارودي؛ وشيخ الأدباء عبد الله باشا فكري، والسيد علي أبو النصر البليغ الشهير؛ ومحمود صفوت الساعاتي، الواسع الاطلاع، الكثير المحفوظ، المتفنِّن في الطرائف الأدبية؛ والشيخ أحمد الزرقاني الكاتب الأديب؛ ومحمد بك سعيد بن جعفر باشا مظهر الشاعر الثائر؛ وعبد العزيز بك حافظ عاشق الأدب والأدباء، الكريم الوفي.

وكان الذي أرشده إلى هؤلاء الأدباء وعرَّفه بهم، وأحكم الصلة بينه وبينهم، الشيخ أحمد وهبي أحد المولعين بالشعر، الناظمين له، والمحرر بالوقائع المصرية في بعض أيامه.

فأتم على هؤلاء وأمثالهم دراسته، وشرب من منهلهم وارتوى من ينابيعهم، فهو في النهار تلغرافي، يتقبل الإشارات ويرسلها، وبالليل أديب يتقبل نماذج الأدب ويحاكيها.

ولكنه لم يمهله الحظ، فقد غلط في عمله في القصر العالي غلطة سببت غضبَ خليل أغا عليه؛ ومَن خليل أغا؟ هو كبير أغوات الوالدة (أم إسماعيل)، وكان القصر مملوءًا بالأغوات، يقومون بشئون القصر، ويستقبلون المدعوات ويصحبونهن إلى باب الحريم؛ ونال كبيرهم خليل أغا من النفوذ ما لم ينله ناظر النظار ولا الأمراء والوجهاء، لخطوته عند الخديو إسماعيل ووالدته.

إشارته حُكم، وطاعته غُنم، يخضع له أكبر كبير، ويسعى لخدمته أعظم عظيم، رأيه نافذ في الدواوين والمصالح، يتحكم في مصر والسودان، ويأتمر بأمره كبار الموظفين والأعيان. حاز الثروة الضخمة والجاهَ العريض، كأنه كافور الإخشيدي في أيامه، حتى إنه لما عُقد عَقْد زواج الأنجال في القصر العالي حضره النظار والعلماء وكبار الأعيان، فكان يرأس الجميع «خليل أغا»؛ كان مِن خصاله أنه يذبح ويسبِّح، ويغصب ويبني مدرسة.

فمَن عبد الله نديم إذا غضب عليه خليل أغا العظيم؟! إذا غضب عليه غيرُ خليل أغا فُصل من وظيفته، ولكنه إذا غضب عليه خليل أغا ضُرب وطُرد، وضاقت عليه الأرض بما رحبت.

سُدَّت في وجهه أبواب الرزق في القاهرة كما سُدت في الإسكندرية، وانتهى به الأمر إلى أن ينزل على عمدةٍ من عمد الدقهلية يقيم عنده ويعلم أولاده؛ ثم ما لبث أن تخاصم مع العمدة. فأما العمدة فيرى أنه آكلَه وأسكنه مقابل تعليم أولاده، وأما عبد الله نديم فيرى أن هذا حقُّ الضيف ويبقى له أجر التعليم، وقد قدَّره بثلاثين جنيهًا. واختلفت وجهة نظر، وتشادَّا ثم تسابَّا، وغلى مرجل عبد الله نديم. فكان ذلك نعمةً على أدبه إذ انفجر المرجل، وتدفق عبد الله نديم يصوغ في هجاء العمدة أدبًا لاذعًا، تدفعه عاطفة حادة، فعرف نفسه أديبًا، وعرفه من حوله لَسِنًا يملك ناصية القول.

واتصل أمرُه بعين من أعيان المنصورة ذي مروءة، فاستدعاه وأكرمه، وفتح له دكانًا يبيع فيه المناديل وما إليها، فاتخذ دكانه متجرًا للمناديل ومتجرًا للأدب، يجتمع فيه بعض أصحابه يتذاكرون الأدب، ويتناشدون الأشعار، ويتبادلون النوادر، وبين هذا وذاك تأتي شارية لمنديل، أو شارٍ «لِعِصَابَة».

وكانت هذه العادة فاشية في المدن، فقد يكون التاجر ذا ثقافة فقهية أو أدبية، فيتخذ أصحابه من دكانه مكانًا للبحث في الفقه أو الحديث في الأدب، إذ لم تكن قد غزتنا المدينة الأوربية فعلمتنا التخصص، وأن مكان التجارة للتجارة فقط، وأما الحديث في العلم والأدب فله مكان آخر. وقد أدركنا في أول زماننا شيئًا من هذا، فكانت بعض الدكاكين مدارس، وخاصةً في الأدب لأن الأدب لم يكن يدرُّ رزقًا، وإنما هو فن للمتعة. وكثير من أدباء عصر عبد الله نديم كان من هذا الطراز، فحسن أفندي عبد الباسط الأديب الشاعر الهجَّاء، كان في بعض أيامه يفتح دكان عطارة في الزقازيق، ويجتمع به في دكانه أدباء الزقازيق وظرفاؤها، والشيخ أحمد وهبي الشاعر الأديب كان له دكان طرابيش بالغورية، وكانت مجتمع الأدباء والشعراء. ولكن أكثر هؤلاء لم ينجحوا في تجارتهم؛ فالأديب فنان، والفنان — في الغالب — سمح، يقدِّر الذوق الفني أكثر مما يقدر الدرهم والدينار، والتجارة تحتاج إلى الضبط والدقة، والعناية بالإيراد والصرف؛ والفنان — عادة — محلول لا تطيق نفسه القيود والحدود. على كل حال وجدَ عبد الله نديم بعد برهة دكانه وليس فيها مناديل ولا جوارب، ولكن جماعة يتناشدون الأشعار، ويستهلكون ولا يُغلُّون، فأغلق دكانه وطوَّف بالبلاد ينزل ضيفًا على هواة الأدب؛ إلى أن نزل بطنطا، وصادف مولد السيد، فكانت له حادثة ظريفة لفتت إليه الأنظار وشَهَرته بين الناس.

وكانت البيوت أعظم شأنًا من الدكاكين في أنها مجتمعُ الأصدقاء مِن ذوي العلم والفن، يسمرون فيها السمر اللذيذ ويتحادثون الحديث الظريف، هذا بيته منتدى الأدباء، وهذا بيته مجمَع الفقهاء، وهكذا، فيكاد كل رجل يعرف مكانه من هذه البيوت حسب ذوقه وميله، ويكثر ذلك في طبقة الأوساط والأغنياء من ذوي الميل العلمي والفني، وأدركتُ في حارتنا المتواضعة ثلاثة بيوت من هذا القبيل، كان صاحب أحدها قاضيًا شرعيًّا كبيرًا، فكان بيته منتدى الفقهاء والعلماء يتسامرون عنده في الدين والفقه؛ والثاني: موظفًا ظريفًا يسمر عنده أصحابه في الأخبار والفكاهات، ليلة يدعون مقرئًا جميل الصوت، وأحيانًا فكِهًا حسن الحديث؛ والثالث: دفافًا يضرب على الدف في الأفراح، فكان عنده كثير من هواة الآلات الموسيقية، يُحيون عنده الليالي الملاح حتى الصباح. فما بالك بالموسرين إذا شغفوا بأدب أو علم أو فن، وكانوا كرامًا يفتحون بيوتهم للهواة من أمثالهم، يجدون فيها الطعام الشهي والفن الشهي؟!

كان بيت شاهين باشا كنج بطنطا — وهو مفتش الوجه البحري إذ ذاك — من هذا القبيل، كرمٌ حاتمي، وذوقٌ أدبي، وظرف نواسي، فتعرَّف به عبد الله نديم، فوجد فيه شاهين باشا قبح منظر، ولكن طلاقة لسان، وخفة روح، وسرعة بديهة، فغطَّى ذلك على قبح منظره، واتخذه له نديمًا.

٢

كان مرة يجلس في قهوة أيام المولد الأحمدي سنة (١٢٩٤ﻫ) ومعه طائفة من أصحابه، منهم السيد علي أبو النصر الشاعر، والشيخ أحمد أبو الفرج الدمنهوري الأديب الماجن، فطلع عليهم اثنان من «الأُدَبَاتية».

والأدباتية طائفة من المتسولين يستَجْدُون بأدبهم العامي، وطلاقة لسانهم في الشعر، وحضور بديهتهم؛ عُرفوا بالإلحاح في الطلب، فإذا رددتَهم أيَّ ردٍّ أخذوا كلمتك على البديهة، وصاغوا منها شعرًا يدل على استمرارهم في طلبهم، واستغواء ممدوحهم، وقد جمعوا إلى طلاقة لسانهم وحضور بديهتهم منظرهم المضحك في ملبسهم وحركاتهم، فزرٌّ خارج العمامة، وطبلة تحت الإبط، وحركات يدور معها زر العمامة كأنه نحلة، وتحريكٌ لعضلات وجوههم كأنهم قِردَة، وهكذا. وسُموا«أدباتية» جمعَ سخريةٍ لأديب. فمرَّا على الحاضرين حتى وصلا إلى عبد الله نديم، فقال أحدهما:

أنعم بقرشك يا جندي
وإلا اكسنا امَّالْ يا أفندي
لَحْسن أنا وحياتك عندي
بقَى لي شهرين طول جَعَان

فأجابه عبد الله نديم على البديهة:

أما الفلوس أنا مَدِّيشي
وانت تقول: ما مَشِّيشي
يطلع عليَّ حشيشي
أقوم أَمَلَّص لك لِودَان

فردَّ «الأدباتي»، ورد عبد الله نديم، وظلا كذلك نحو ساعة، ثم غُلب الأدباتي فانصرف مهزومًا.

ونقل السيد علي أبو النصر القصة إلى شاهين باشا كنج، فاستطرفها جدًّا، وخطرت له فكرة طريفة أيضًا، أن يقيم حفلًا عامًّا، يدعو فيه كبار الأدباتية والزجَّالين ويدخلون في مساجلة مع عبد الله نديم، فيكون منظرًا لطيفًا، ومحفلًا ظريفًا. ففعل، ونصب سرادقًا أمام بيته، وأحضر رؤساء هذا الفن، وشرط عليهم أنهم إن غَلبوا كافأهم، وإن غُلبوا ضربهم، فرضوا. واستمرت المساجلة نحو ثلاث ساعات، غَلَب النديم، فكانت الحادثة سبب شهرته بين الأدباء والظرفاء.

لقد أخذ بعضهم عليه — فيما بعد — هذا الحادث، وعيَّره به، وقالوا: إنه رضي أن يقف موقفًا يساجل فيه المتسوِّلين، وأن يكون «أدباتيًّا» مثلهم، ينازلهم ويغالبهم على ملأ من الناس، فمثله مثل المصارعين أمام «الزَّفَّة»، ولا يرضى لنفسه هذا الموقف إلَّا وضيع النفس ساقط الهمَّة.

والحق أن وضع المسألة هذا الوضع فيه كثير من التزمت والتعنت، كالذي تُعرض على مسامعه الفكاهة الحلوة فينتقد فيها خطأ نحويًّا أو لفظًا لغويًّا، وكمن ينتقد الشيخَ الوقور على ما كان منه أيام الصبا، والغنيَّ الواسع الثراء على ما كان منه أيام البؤس والشقاء؛ فالمسألة لم تَعْدُ أن تكون طرفة لطيفة، وفكاهة ظريفة، وقوانين الظرف تبيح من البحبحة في مجالسه ما لا تبيحه في مجالس الجد والوقار.

أخيرًا عاد إلى مسقط رأسه بالإسكندرية سنة (١٨٧٩م) في نحو الخامسة والثلاثين، وهو أكثر خبرةً بالدنيا فيما لقي من عظماء ووجهاء وأدباء، وفيما رأى وسمع وعمل في القصر العالي أيام كان موظفًا في تلغرافه، وفي التجارة أيام تاجرَ وأفلس، وبأخلاق الفلاحين أيام كان يعلِّم أولاد أحد «عُمَدِهِم»؛ ولكنه دخلها كما خرج منها صِفر اليدين.

عاد فرأى في الإسكندرية منظرًا جديدًا لم يكن أيام كان بها، كانت المجالس الأدبية يوم فارقها تتحدث في غزل أبي نواس، ووصف البحتري، وهجاء ابن الرومي، ومديح الشعراء في إسماعيل، وفكاهات الشيخ علي الليثي؛ فإذا انتقلوا من ذلك فإلى مَن عارض شعر هؤلاء من المحدَثين، وما أنشأه الناشئون من سمَّار المجلس في مثل هذه الأغراض؛ ولما عاد إليها وجد المجالس تتحدث في نقد إسماعيل لإسرافه وتصرفه، وفي الدول وتدخُّلها، ورأى جمعية سرية تسمى «مصر الفتاة» يجتمع أعضاؤها فينقدون هذا كله في صراحة حماسة؛ والأدب يتحوَّل فيأخذ شكل الكلام في الأمة ومصالحها، وآلامها وآمالها، ويحتل ذلك مكان غزل أبي نواس، وشعر صريع الغواني؛ والنفوس بفضل تعاليم «جمال الدين الأفغاني» وصحبه ثائرة تتطلع إلى نوع من الأدب غير الذي كان، وتجد غذاءها في الصحف السياسية والمقالات النقدية؛ فيشتغل في الصحافة من هذا النوع «أديب إسحاق»، و«سليم نقاش» في جريدتيهما «مصر» و«التجارة»، ويمدُّهما جمال الدين وتلاميذه بمقالاتهم وإرشاداتهم.

فأعد عبد الله نديم نفسه للأدب الجديد والمطلب الجديد وانغمس في هذا التيار، وحوَّل قلمه في هذا الاتجاه، يمد هذه الصحف بمقالاته في مثل هذه الموضوعات، فلقي من النجاح ما لفت إليه الأنظار. وكان له فضل كبير في إدراك أن الكتابة في الموضوعات السياسية إنما يناسبها أسلوب متدفق سريع مرسَلٌ لا يقيده السجع إلا قليلًا، لينسجم وحركات النفس المتحمسة الثائرة.

وفكَّر مع بعض أصحابه من أعضاء جمعية «مصر الفتاة» أن يحوِّلوها من جمعية سرية إلى جمعية علنية، تعمل جهارًا في الأعمال المشروعة، وجدَّ هو وصحبه يجمعون المال لها من أعيان الإسكندرية، وسمَّوها «الجمعية الخيرية الإسلامية» (وهي غير الجمعية القائمة الآن بهذا الاسم). وكان من أهم أغراضها إنشاء مدرسة تعلم الناشئة على نمطٍ غير النمط الجاف الذي تسير عليه مدارس الحكومة إذ ذاك، فيضيفون إلى تعليم مبادئ العلوم بثَّ روح الوطنية والشعور القومي في الأمة، وقد كان هذا غرضًا جديدًا دعا إليه الشعور القومي الذي كان في طور التكون.

وتمَّ ذلك كله، فجُمع المال، وأُنشئت المدرسة، وجُعل عبد الله نديم مديرها، وافتتحها بخطبة رنَّ صداها في الثغر، وكان ذلك في آخر أيام إسماعيل، وأقبل عليها كثير من أبناء الفقراء والأيتام، ووُضع لها برنامج يحقق الغرض، وتكفَّل هو بتعليم الإنشاء فيها والأدب، وأخذ يمرن الطلبة على الخطابة والتمثيل، وعلى الجملة نفخ فيها من روحه، ولعلها أول جمعية مصرية إسلامية في مصر أُسست لمثل هذا الغرض.

ثم وثَّق الصلة بين المدرسة والقصر، وكان الخديوي إسماعيل قد عُزل وحلَّ محله الخديوي توفيق، فتقرَّب النديم إليه، واستزاره المدرسة، فزارها، ورجاه أن تنسب الرياسة لولي عهده «عباس» فقبل. وأُغرم بتعليم التلاميذ الخطابة، فكان ينتهز كل فرصة لإقامة الحفلات يخطب فيها، ويحضِّر الخطب لتلاميذه ليخطبوها، ثم يمرنهم أن يُنشئوا الخطب بأنفسهم، ويصلح خطأها ويرشدهم، فأسس بذلك نخبة يحسنون التحرير، ويحسنون القول، ولم يكتفِ بذلك بل خرج بالمدرسة إلى ميدان الحياة العامة، فكان يُحضر بعض الروايات التمثيلية في نقد بعض العيوب الاجتماعية، ويمثلها هو وتلاميذه في بعض الملاهي العامة، من ذلك أنه أنشأ روايتين اسمهما «الوطن وطالع التوفيق»، و«العرب»، ومثَّلهما في «تياترو زيزينيا»، حضرهما الخديوي توفيق، ونجح فيهما نجاحًا أعلى ذكره.

ولكن ظهر فسادٌ في الجمعية نسبوه إليه، ففُصل من المدرسة ومن الجمعية.

عند ذاك اتجه إلى إنشاء صحيفةٍ، وحبَّب إليه ذلك سابقة اتصاله بصحيفتي أديب إسحاق وسليم نقاش، ومرانه على الكتابة فيهما، وشعوره بأن الناس أعجبوا بما كتب، وأنه كان يكتب فيستغل أصحاب الصحف مقالاته مادة ومعنى، فلا يؤجرونه على ما كتب. وكثيرًا ما يضنون عليه حتى بذكر اسمه في ذيل مقالاته، بل يتركون القارئ يفهم أنها لهم ومن إنشائهم.

فأخرج صحيفة سماها «التنكيت والتبكيت»، وفي هذا الاسم دلالة على غرضه وأسلوبه، فهو يرمي إلي تأنيب المصريين على ما وصلوا إليه، في أسلوبٍ قد يكون لاذعًا وقد يكون ضاحكًا.

وظهر العدد الأول منها في (٦ يونيه سنة ١٨٨١)، ودعا فيه الكتَّاب أن يوافوه بمقالاتهم ونتاج قرائحهم على النهج الذي رسمه: «كونوا معي في المشرب الذي التزمته والمذهب الذي انتحلته، أفكار تخيلية، وفوائد تاريخية، وأمثال أدبية، وتبكيت ينادي بقبح الجهالة، وذم الخرافات؛ لنتعاون بهذه الخدمة على محو ما صرنا به مُثْلةً في الوجود، من ركوب متن الغواية، واتباع الهوى اللذين أضلَّانا سواء السبيل».

وفي الحق أن هذه الصحيفة كانت عجبًا في موضوعاتها وأسلوبها.

انظر العدد الأول، تجد تنكيتًا وتبكيتًا لأكبر المصائب التي كان يحسها ذلك العصر: مقال عنوانه «مجلسٌ طبي لمصاب بالأفرنجي»، وهي قصة شاب صحيح البنية، قوي الأعصاب، جميل الصورة، لطيف الشكل، في رقة ألفاظٍ وعذوبة كلام، وفي عزةٍ ومنعةٍ لا يشاركه فيهما مشارك، يلتفُّ حوله أهله يعزِّزونه ويؤازرونه حتى لا تمتد إليه يد عدو، ولا حِيَل محتال. وبينا هو في ذلك تسلل إليه أحد الماكرين يتظاهر بالصلاح والتقوى، ويُضمر الختل والغدر، فأسلمه أهله إليه انخداعًا به. فعرضه هذا الماكر على الأسواق يريه من الغواني من تعارض الشمس بحسنها، وتكسف البدر بنورها، فمانع حينًا، ولكنه رأى أهل بيته قد وقعوا في مثل هذه الغواية، وانغمسوا في مثل هذه الضلالة، فسار سيرهم، وترك النِّفار والإباء وسار في الطريق الذي رسمه المنافق الخادع، فما سار فيه حتى أصيب بالداء الإفرنجي «الزهري» فاصفر وجهه، وارتخت أعضاؤه، وذهبت بهجته، وغارت عيناه، وتشوه وجهه، وتبدلت محاسنه بقبائح تنفر منها الطباع، وتمكن الداء منه وسرى في دمه وعروقه، فصار يقلِّب طرفه لعله يجد من قومه من ينقذه من مرضه.

واجتمع الأطباء من قومه يفحصون الجسم، ويشخصون مرضه، ويقفون على أصله، ويُركِّبون الدواء ليقف سريان الداء، وتعلق بهم أهل المريض يسألونهم الإسراع في معالجته والاجتهاد فى دفع مصابه، فطمأنهم الأطباء ونصحوهم بالهدوء والتحرز ممن كانوا السبب في الداء، حتى لا يفسدوا العلاج؛ وابتدءوا يعملون بمشورة الأطباء ويبذلون الجهد في معالجته.

وواضح أن هذه قصة رمزية، أراد أن يصور فيها شعور الناس في هذه الفترة بعد ما كان من الإسراف في عهد إسماعيل، ووقوع مصر في الديون الباهظة، وتدخِّل الدول الأجنبية، مِن مراقبة ثنائية وإنشاء صندوق الدين، وما إلى ذلك، كما يصور بها ألم الناس من هذا المرض الإفرنجي، وأملهم في النجاة منه بسعي عقلائهم، وتفكير أولي الرأي فيهم. كل ذلك في أسلوب روائي مفهوم.

قد كانت هذه المسألة هي صميم المسألة المصرية، ومشكلتها الكبرى، فبدأ بها على هذا النحو، وعالجها هذا العلاج؛ وكان بارعًا في التورية بكلمة «الداء الإفرنجي».

ويلي ذلك مقالٌ في «عربيِّ تفرنج»، يصف فيه شابًّا من صميم الفلاحين، تعلم في مصر، ثم في أوروبا، وعاد إلى بلاده يُسفِّه أباه لما قابله على المحطة وقبَّله، كيف يقبله، ويطالبه أن يُسلم عليه بيديه فقط، ويكتفي بأن يقول له: «بُن آريفيه»، وينسى لغته، حتى اسم البصل فهو لا يعرف إلا أن اسمه «أونيون»، ويختم هذا بالمغزى من القصة، وهو أن لا أمل في مثل هؤلاء إلا إذا حافظوا على لغة قومهم وعاداتهم، وصرفوا علومهم في تقدم بلادهم.

ثم يقص قصة موسرين اجتمعوا في بيت أحدهم، دخل عليهم فوجدهم ساهمين لا يتكلمون ولا يتحركون، فظنَّهم يفكرون في أمر خطير شغل أذهانهم، وعقد لسانهم، كتفكيرهم في تقدم الصنائع في أوروبا، وكيف يُفعل ذلك في مصر، أو يفكرون فيما يزيد ثروتهم، ويضمن التقدم في عملهم؛ ثم يتبين بعد ذلك أنهم إنما اجتمعوا لتعاطي الكيف، وأخذ «المنزول» ليكون الواحد «مبسوطًا» لا يسأل عن الدنيا وما فيها، فإذا «ونن» قام إلى مكان نومه، وقضى ليلة سعيدة — وقال: ما لنا وللدنيا وما جرى فيها، وما لنا وللصحف والتلغرافات ونحن كلنا بحمد الله في غنى عظيم، عندنا الخدم الذين يقومون بأعمالنا، وقد خلف لنا آباؤنا من المال ما لا تفنيه الأيام — فلا نخرج من بيوتنا إلا للمسامرات بالمضحكات والنكات اللطيفات.

ثم قصة ترمي إلى نقد ما كان يجري بين العامة من اجتماعهم في القهوة، وسماعهم للقصَّاص «الشاعر»، وانقسامهم إلى معسكرين: متعصب لعنترة، ومتعصب لزغبة، وما كان من أحدهم — وقد ختم القصاص الليلة بوقوع عنترة أسيرًا — إذ ذهب إلى ابنه وأيقظه من نومه وأمره أن يقرأ في الكتاب حتى يُخلِّص عنترة من الأسر، وإلا مات كمدًا، فلما لم يطعه ابنه، وأفهمه أن هذا تخريف في تخريف، نزل عليه بعصاه حتى أدماه. والجنون فنون.

ويلي هذه قصة تمثل الفلاح الجاهل، والمرابي الماكر، إذ أراد الفلاح أن يقترض منه مائة جنيه، فأعطاه سبعين، وكتب عليه «كمبيالة بمائة وعشرين». وحسبها كما يأتي: المائة فائدتها عشرون، وتُخصم من المائة فيكون الباقي سبعين، وتضم الفائدة فيكون عليه مائة وعشرون؛ ويقتنع الفلاح بذلك لجهله بأبسط مسائل الحساب، ثم يقدِّم الفلاح للمرابي قطنًا وقمحًا ثمنهما الحقيقي ١٢٥ جنيهًا، يحسبهما المرابي بأربعين، ويغالطه أغلاطًا مضاعفة حتى يجعله مدينًا بمائتي جنيه وعشرة، كل ذلك والفلاح في غفلة لا يدري ما يُصنع به — فإذا عوتب المرابي على ذلك قال: ماذا أصنع! إن الفلاح حمار. وأنا أريد أن أكون غنيًّا كبيرًا في خمس سنين!

ثم قصة غني كبير بنى بيتًا فخمًا، وأثثه أثاثًا بديعًا، وكان مِن أثاثه مكتبة كبيرة، فلما أتم ذلك كله عرضه على الزائرين، فسأله أحدهم عن المكتبة وما تحوي؛ ليعرف أي نوع من العلوم والفنون يهوَى، فقال الغني صاحب البيت: لقد دخلت بيت فلان وفلان فرأيت في مَضْيَفَة كل منهم خزانة كتب، عليها ستارة خضراء وبجانبها منفضة من الريش، والخادم كل يوم ينفضها ويمسح الزجاج والخزانة، فعلمت أن هذا طراز جديد في بناء البيوت وتأثيثها، فقلدتهم في ذلك، ولا علم لي بعلم أو فن. «وهكذا أصبح الكل نائمًا في غفلة التقليد».

•••

نعم هذا كله في العدد الأول من صحيفة «التنكيت والتبكيت»، نقد للسياسة العامة للبلد، ونقد للعيوب الاجتماعية الخاصة. كل ذلك في أسلوب يسترعي الانتباه. فقد التزم اللغة البسيطة السهلة عن تفكير وروية، فقال في فاتحتها: إنه لا يريد منها أن تكون منمقة بمجازات واستعارات، ولا مزخرفة بتورية واستخدام، ولا مفتخرة بفخامة لفظ وبلاغة عبارة، ولا معرِبة عن غزارة علم وتوقَّد ذكاء؛ ولكن أحاديث تعودناها، ولغة ألفنا المسامرة بها، ولا تُلجئ إلى قاموس الفيروز آبادي، ولا تلزم مراجعة التاريخ، ولا نظر الجغرافيا، ولا تضطر لترجمان يعبِّر عن موضوعها، ولا شيخ يفسر معانيها؛ وإنما هي في مجلسك كصاحبٍ يكلمك بما تعلم، وفي بيتك كخادم يطلب منك ما تقدر عليه، و«نديم» يسامرك بما تحب وتهوى.

ثم هو يدرك أن في الناس خاصةً وعامةً، وكلٌّ يحب أن يُقصد إلى تغذيته بالأدب، وإشعاره بوجوه النقد؛ لذلك يختار موضوعات الخاصة فيكتبها باللغة الفصحى كموضوع «الداء الإفرنجي»، فهو موضوع دقيق لا يقدِّر قدرَه إلا الخاصة، أما الفلاح والمرابي وسمَّاعو القصَّاص فمكتوبة للعامة، فيجب أن تُكتب بلغتهم العامية. وهو في اللغة العامية ماهر كل المهارة، يعرف أمثالهم وأنواع كلامهم، ويضع على لسان الخادم والسيد، والمرأة والرجل، والفقير والغني، والماكر والمغفل، ما يليق به في دقة وإحكام وظرف.

ثم هو قد فطن لشيءٍ جليل القدر، وهو أن التعليم والنقد من طريق القصص أجذب للنفس وأفعل في النقد، فأكثرَ منه بل كاد يلتزمه.

لذلك كله نجح في صحيفته، ووصل نداؤها إلى أكبر عدد ممكن، فمَن كان قارئًا قرأ، ومن لم يكن قارئًا سمع ففهم.

ولم يكتفِ بذلك، بل نراه في عددٍ تال يلتفت التفاتة لها خطرها في الإصلاح السياسي والاجتماعي، وهي أن من أهم أسباب غفلة الشرق ضعف الخطابة، وانحصارها — تقريبًا — في خطب المساجد، وهي خطب لا تمس الحياة الواقعة بحال من الأحوال، وإنما هي عبارات دينية محفوظة، ومعانٍ متكررة مألوفة، لا تحرِّك قلبًا ولا تضيء حياة.

فكتب مقالًا قويًّا في قيمة الخطابة وأثرها في تاريخ الإسلام، ودعا إلى أن يُحَضِّر خطب المساجد أعرف الناس بشؤون الحياة وأقدرهم على التأثير، وأن تشرح هذه الخطب الموقف الحاضر في وضوح، وتبيِّن الأخطار المحيطة بالأمة في جلاء، وأن يتبرع القادرون بقدر من المال يخصَص لهذا الغرض، ويتفقوا مع ديوان الأوقاف ليسمح بإلقاء هذه الخطب في المساجد ثم تُطبع وتُنشر في أنحاء البلاد؛ ليصل صداها إلى كل قرية وبلدة؛ وأعلن استعداده للاشتراك في إعدادها، ووضع خطبة نموذجية توضح غرضه. تتضمن المحافظة على حقوق البلاد، والنهي عن الظلم والبغي، والدعوة إلى الائتلاف لمواجهة الأخطار التي تظهر دلائلها في الأفق، والاتحاد مع المواطنين من غير نظر إلى اختلاف الدين، والتذكير بمجد مصر السابق، والالتفاف حول الخليفة والخديوي، والتحذير من تمكن الأجنبي من وضع يده على سياسة البلاد، والتحرز من إتيان عمل يتخذه وسيلة لتدخله، ومعاملة النزلاء الأجانب بالحسنى، من حفظ حقوق تجارتهم، وعدم الإساءة إليهم.

هذه هي المعاني التي رأى أن الحاجة ماسة إليها في ذلك الوقت (في أول حكم الخديوي توفيق قبيل الثورة العرابية)، صاغها صياغة دينية تناسب صلاة الجمعة، فبدأها بالحمد لله، والثناء على رسوله وختمها بالحديث الشريف: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا». — وقد حقق «الراديو» أخيرًا فكرة عبد الله نديم في إذاعة الخطبة شكلًا، ولكن لما تتحقق فكرته موضوعًا. وانتهت هذه الصحيفة على هذا الوضع.

٣

لم يكن في مصر إلى أواخر عهد إسماعيل رأي عام يشعر بظلم، وإن شعر فلا ينطق؛ لأن عنف الاستبداد أمات الشعور وأخرس الألسن؛ حتى تدخلت الدولُ الأجنبية في شؤون مصر المالية، فبدأ الشعور يتنبَّه، وغذَّاه الخديوي إسماعيل نفسه وجرَّأه؛ لإحساسه بثقل التدخل وخشيته من عاقبته؛ فأول معارضة من مجلس شورى النواب للحكومة كانت بإيعاز منه، ولولا ذلك لم يجرؤ، ومظاهرة الضباط ومهاجمتهم لنظارة المالية لتأخير رواتبهم كانت بتدبيره؛ ليتخلص من وزارة نوبار التي تمالئ الأجانب في هذا التدخل؛ واجتماع أعيان البلاد في دار السيد البكري، ووضعهم اللائحة الوطنية التي تعهدوا فيها بوفاء ديون أوروبا وضمانها وعدم تدخل ممثليها في شؤون البلاد كانت فكرة بثها الخديوي في أذهانهم؛ وكان هذا أول ما أشعر الناس بقوتهم، وحاجة الحاكم إليهم، ونبه الرأي العام إلى أنه يستطيع أن يقف الظلم ويطالب بالحقوق، وأن من حقه مراقبة الولاة والحكام ورفع صوته بنقدهم؛ وهذا الشعور إذا وُجد في أمة لا بد له من قادة يشعرون شعور الناس، ويصوغونه صياغة قوية يُلهبون بها شعور من شعر، ويُنهبون بها من لم يشعر، فكان ذلك في السيد جمال الدين ومدرسته، وجاء الخديوي توفيق ونواةُ الرأي العام قد غُرست، وتتابع الأحداث الخطيرة يغذيها وينميها، والنفوس مستبشرة خيرًا بتوليته، فلم يكن مسرفًا ولا مستبدًّا، وكان سمحًا رحيمًا؛ وكان قبل عزل إسماعيل يتصل بالسيد جمال الدين ويحبذ آراءه في الإصلاح، فلما تولى قرَّبه إليه، وقال له: أنت موضع أملي في مصر، ودعا شريف باشا لتشكيل الوزارة، «وصرح برغبته في تحقيق آمال الأمة، وإخراجها من الحالة السيئة التي هي فيها بالاقتصاد في نفقات الحكومة، والاستقامة في الوظائف العامة، وإصلاح القضاء والإدارة، وتوسيع نظام شورى القوانين، وإصلاح المحاكم والمجالس، والسعي لتعميم التربية والتعليم، وتوسيع دائرة الزراعة والتجارة، ومنح الحرية للعاملين في أعمالهم».

ففرح الناس وهلَّلوا لهذه الوعود القيمة، وتفتحت آمالهم، ولكن الحكم الشوري لم يُرضِ طوائف كثيرة. لم يُرضِ الحاشية، وكان السيد جمال الدين أشار على الخديوي توفيق بتغيير حاشية إسماعيل، فأغضبهم عليه؛ قال الشيخ محمد عبده: «ووكيل دولة فرنسا أخذ يسعى في إقامة الموانع دون إعطاء حق النظر في تصحيح «الميزانية»، وتقرير الأمور المالية، ودعا وكيل إنجلترا إلى مساعدته في إقناع الخديوي بضرر هذه الأوضاع الجديدة». فغيَّر رأي الخديوي توفيق من ذلك كله، فاستقال شريف باشا، ونُفي السيد جمال الدين، وأخذت الأمور مجرًى آخر كان سببًا من أسباب الثورة.

ثم جاءت وزارة رياض باشا بعد وزارة شريف. وفي تاريخ مصر الحديث كان شريف باشا دائمًا رمز الحكم الشوريِّ، ورياض باشا رمز الحكم الاستبدادي، وكلاهما كان يلتفُّ حوله كثير من الخاصة؛ فحول شريف جماعة ترى أن الحكم الشوري هو الوسيلة الوحيدة لإنقاذ البلاد من الفوضى، والأمل الوحيد في وقف كل سلطة عند حدِّها، والحماية الوحيدة من استبداد الخديوي أو الأجانب، والباعث الوحيد للأمن والحرية في نفوس الأفراد، وحول رياض جماعة ترى أن الحكم الشوري لا يصلح إلا إذا نضجت الأمة وعرفت شؤونها ومجاري السياسة حق معرفتها، ورُزقت من الشجاعة في القول والجد في العمل قدرًا صالحًا، وإلا كان الحكم الشوري نقمةً، والأمة لم تبلغ هذا الحد. وكان الجدال والنزاعُ يدوران على الفكرتين في الصحف والمجالس. وعلى كل حال فقد كان هذا درسًا لتنوير الرأي العام في السياسة وتفتيح الأذهان للنظر في المسائل العامة.

وكانت شخصية رياض شخصيةً معقَّدة، ذكي، خبير بالإدارة، قوي العزيمة، صبور على العمل لا يَمَلُّ، معتدُّ بنفسه، لا يرى بجانب رأيه رأيًا، إذا وثق بشخص لم يسمع فيه قول قائل، وإذا أساء الظن بإنسان فإلى النهاية، نزيه، يحب الخير لمصر، ولكن حسبما يرى هو وبالطريقة التي يراها، قليل الثقة بالمصريين — على العموم — ممتلئ عقيدةً بأنهم مملوءون عيوبًا، كبير التعظيم للأجانب، معتقد في قوتهم، يرى أنه لا يستطيع الحكم إلا بالاعتماد عليهم أو على أقواهم، لا يرى بأسًا من إغضاب الخديو وإغضاب الأمة في سبيل إرضائهم، ومع ذلك يبذل أقصى جهده في أن ينال منهم أقصى ما يستطيع — برضاهم — لخير أمته — شديد الحب للحكم لا يعتزله إلا مكرَهًا. فكانت أخلاقه هذه من عوامل التمهيد للثورة العرابية.

ألغى السخرة العامة، كإقامة الجسور على النيل، وحفر الترع من غير أجر؛ والسخرة الخاصة، كعمل الفلاحين في أرض سيدهم من غير مقابل، ونفذ ذلك في غير هوادة، فأغضب بذلك الأعيان؛ وأعطى السلطة العامة للمديرين، فأساءوا السيرة، وضيَّق على الصحف، وعطَّل بعضها، فعملوا سرًّا بعد أن كانوا يعملون جهرًا، وسافر بعضهم إلى أوروبا يصدر الجرائد في الطعن عليه؛ وعارض الخديو في منحه الرتب والنياشين لمن يراهم أهلًا، كما عارضه في كثير من رغباته، فغضب عليه، وعاقب المدير الذي سخَّر الأهالي في حفر ترعةٍ خاصة بالخديو. وتصرف ناظر الحربية فى وزارته تصرفات أغضبت رجال الجيش المصريين، فطلب عرابي وأصحابه تشكيلَ مجلس عسكري لتحقيق الشكايات، فمال رياض إلى إجابة مطلبهم؛ ولكن أشيع عنه أنه هو الذي يمانع في ذلك، فغضبوا عليه — كل ذلك وهو لا يريد أن يتخلى عن الحكم.

تبلبلت الأفكار واضطربت، وكلها تتفق في وجوب تغيير الحال، وإن اختلفت أسباب كل طائفة، فالأعيان يحبُّون رجوع سلطتهم في تسخير الناس، والضباط يريدون العدل بينهم وبين الشراكسة؛ وبعض ذوي الرأي يرون أن هذا كله تأييد لوجهة نظرهم في أنه لا يصلح الأمورَ إلا نظام الشورى، والخديو ناقم على رياض، وبعض الأجانب لا يسرهم ما قام به رياض من ضبط الأمور المالية؛ كل هذا هيَّأ للثورة العرابية.

وتطورت مطالب العرابيين من عدلٍ بين الضباط إلى تغيير الحكومة من نظامٍ استبدادي إلى نظامٍ شوري، إلى التهييج على الخديو توفيق، إلى المناداة بعزله لالتجائه إلى الدول لحمايته، إلى الدعوة للجهاد في سبيل صد المغيرين، واتسعت الحركة، من حركة بين الجند والضباط إلى حركة وطنية واسعة تشمل العلماء والأعيان والتجار والزراع وغيرهم، واندس وسط الحركة مَن يعمل لصالح أمير ليحل محل الخديو توفيق؛ فجامعة تعمل لصالح البرنس حليم بن محمد علي، ومن هؤلاء صاحب جريدة «أبو نضارة»، ومنهم من يعمل لحساب الخديو إسماعيل لإعادته، ومن هؤلاء راتب باشا السردار، وهكذا.

في هذا الجو الذي صورناه صورةً صغيرة جدًّا عمل عبد الله نديم، واختصه العرابيون فكان خطيب الثورة وكاتبها ومشعلها. اتخذ جريدة «الطائف» بدل «التنكيت والتبكيت»، ونقل مكانها من الإسكندرية إلى القاهرة، وبدأها عنيفة قوية، تنقد تصرفات الخديو إسماعيل في جرأة بالغة، كيف أسرف، وكيف استولى على الأراضي، وتشرح بؤس الفلاحين في السخرة — في أيامه — والعذاب المهين الذي يلقونه من الرؤساء، وما شاهده بنفسه من أحداث، وكيف يخرُّ الناس قتلى من الجوع والبؤس، والإعياء والضرب، وكل رئيٍس يريد أن ينال حظوة رئيسه الأعلى بالمغالاة في التعذيب.١

وكان عبد الله نديم في هذه الصحيفة يُعبِّر عن آراء النواب في ضرورة الإصلاح عن طريق الحكم النيابي. وكتب سلطان باشا رئيس النواب إلى إدارة المطبوعات، أن تعتبر جريدة «الطائف» لسان النواب المعبِّر عن أفكارهم، فاعترفت الإدارة بذلك، ونُشر هذا رسميًّا بأمر نظارة الداخلية؛ ولكن لما رأت إدارة المطبوعات عنفه وتهييجه عطلته شهرًا.

أصبح «الطائف» في الثورة العرابية لسان الدعاية لها، يذمُّ مَن عاداها، ويشجع من والاها، ويلقب «عرابي» بحامي حمى الديار المصرية؛ ويتطور بتطورها، فينقد الأوربيين وتصرفاتهم، وينقد الخديو توفيق لارتمائه في أحضانهم، في أسلوب لاذع، وتهكم ساخر. فإذا كانت الحرب نقل جريدة «الطائف» إلى المعسكر يحرض الجنود على القتال، ويحرض الشعب على تقديم المؤونة، وينشر خبر التبرعات، وكلما اشتد الأمر اشتد في تهييجه. وقلَّت صفحاته لاشتداد الظروف من أربع إلى اثنتين إلى واحدة؛ وهو يهرِّج في أخبار الحرب فيقلب أخبار هزيمة المصريين إلى أخبار انتصار، وانتصار الإنجليز إلى أخبار هزيمة؛ وظل كذلك حتى تمت الهزيمة، وتم التسليم. هذا عمله في الصحافة، وإلى جانب ذلك كان عمله في الخطابة.

فقد طاف في كل مجتمعٍ يخطب؛ وأعطى من ذلاقة اللسان ما يستدعي العجب، فما هو إلا أن يحرك لسانه حتى يتدفق وتنهال عليه المعاني والألفاظ انهيالًا. وقد نشر في البلاد فن الخطابة، وعلَّم كثيرًا من الناشئة أن يخطبوا في المحافل؛ وأعطى لهم المثل بمقدرته وكفايته. بدأ ذلك أيام كان يُعلم الإنشاء والأدب في مدرسة الجمعية الخيرية في الإسكندرية.

فلما أُعلن الدستور في أول عهد توفيق (٧ فبراير سنة ١٨٨٢)، سرت في النفوس هزة فرح لا تُقدَّر؛ وأمَّل الناس أن الحكم النيابي سيُصلح كل مفاسد الماضي، ويرسم كل وسائل السعادة للحاضر والمستقبل — واشتاق الناس أن يسمعوا الكلام الكثير في هذا الموضوع؛ فكان عبد الله نديم وجوقته هم الذين يغنون للناس بآمالهم؛ فأقيمت الحفلة تلو الحفلة يدعى إليها النديم هو وصحبه ليخطبوا، والنديم هو قطب الرحَى؛ يخطب أولًا، وكلما خطب خطيبٌ وتناول موضوعًا قام النديم بعده يُعقب عليه، ويتخذ من كلامه موضوعًا يُطنب فيه؛ وفي هذه الحفلات يحضر النظار وكبار الضباط والعلماء والنواب والأعيان؛ فتطرب نفوسهم لهذا طربهم من عبده الحمولي ومحمد عثمان.

هذه حفلةٌ تقيمها جمعية المقاصد يفتتحها «النديم» بقصيدة، ثم يشكر الجمعية على احتفالها بالدستور، ويتلوه إبراهيم اللقاني فيبين الفرق بين عهد الاستبداد وعهد الشورى، فيعقبه النديم يكمل موضوع الفروق بين العهدين، ثم يقوم الشاب مصطفى ماهر — باشا فيما بعد — فيتكلم في الحث على الاجتهاد في العلوم والفنون، ويستحث الأغنياء على إنشاء بنك أهلي يحمي الأهالي من استغلال المرابين، ويختم ذلك بالدعوة إلى الألفة والاتحاد، فيقوم بعده النديم يتكلم في هذا الموضوع، ثم يقوم الشيخ محمد عبده فيبين مزايا الحكومة النيابية؛ ويطالب بوجوب أن يكون النواب من المتعلمين؛ ويحث على تعميم التعليم، وعلى احترام حرية القول والكتابة، وسن القوانين المبيِّنة لحقوق الأفراد وواجباتهم، ويقوم «النديم» بعده معقبًا على قوله، ثم يقوم أديب إسحاق فيتكلم في شعور النواب وتضامنهم مع النظار في كل ما يجلب الخير للبلاد، ويتلوه النديم؛ ثم يقوم فتح الله أفندي صبري (فتحي باشا زغلول)، فيخطب في الحث على الاتحاد والثبات، وينتهي هذا الاجتماع.

وتتكرر أمثال هذه الاجتماعات، وتقال فيها مثل هذه الخطب، ويقوم بالدعوة إليها كبراء البلد كأحمد محمود، وإبراهيم الوكيل، وأحمد أباظة، وأحمد يكن، ومحمد طاهر، وكلها على غرار الحفلات السابقة، عمادُها عبد الله نديم وإن اختلفت بعض الموضوعات، كدعوة إبراهيم اللقاني إلى التمسك بأسباب القوة والاتحاد، والحث على مجانبة الخوف والجبن؛ وخطبة فتحي زغلول في الأخذ بالمبادئ التي تمدِّن البلاد، والدعوة إلى إنشاء جمعية تفتح مدارس ليلية يتعلم فيها من لم يسمح له عمله بالتعليم.

ويُدعى عبد الله نديم إلى حفلة في الإسكندرية على هذا الطراز. وكلُّ هذه الحفلات توصف في جريدة الوقائع المصرية، ويُذكر فيها خلاصة ما دار فيها من خطب فتنتشر في البلاد.

فلما عُطل الدستور، وتطورت الأمور، وكانت الثورة العرابية، تحوَّلت خطب عبد الله نديم إلى موضوع الثورة، وكان يخطب في كل مجتمع: في الأزهر وطلبته، والجيش وجنوده، وفي حفلات «الأفراح»، فما يكون مجتمعٌ لغرض من الأغراض إلا ويطلع عليهم عبد الله نديم وجماعةٌ من ناشئته يعتلون المكان العالي ويخطبون في موضوعات الثورة، حتى كان إذا سُئل محمد عثمان «المغنِّي» أين تغنِّي الليلة؟ يقول: «في الفرح الفلاني مع عبد الله نديم»، وهو في هذا الموقف لا يتحرج من التهريج فيقول مثلًا في بعض خطبه: إن طوابي الإسكندرية إذا أطلقت مدافعها يبلغ مرماها جزيرة قبرص مِن هذا الجانب، ومدافع الأستانة إذا أطلقت تبلغ هذه الجزيرة من الجانب الآخر، فكيفما جالت الأساطيل الإنكليزية فهي تحت رحمة مدافعنا، فيصفق الناس. ويخطب «فتحي زغلول» فيقول النديم: ألا تعجبون لما أبدى هذا التلميذ في خطبه من العلم والبيان والتفنن في المواضيع، مع أن جلادستون خطيب إنجلترا لا يتناول إلا موضوعًا واحدًا؟! ويخطب مصطفى ماهر فيقول النديم: «أُشهدكم أيها الناس أن أمةً يكون هذا مقدار استعداد التلميذ فيها لا يغلبها أحد في أمرها».

على كل حال كان عبد الله نديم لسان الأمة في عهده بخطبه، وقلمها بصحفه، ينتقل في الأقاليم ولا يكلُّ ولا يملُّ، نشر آراءه ومشاعره في أكبر عدد ممكن من الأمة، وساعد على نمو رأيٍ عام مصري يؤمن بالحكم الشوري، ويتطلع إلى الإصلاح في الأمور الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. فإن كان السيد جمال الدين رسول الخاصة في هذه المعاني، فعبد الله نديم كان رسول العامة، قطَّر المعاني التي يدعو إليها جمال الدين إلى الشعب، وأوصلها إلى التاجر في متجره، والفلاح في كوخه، والتلميذ في مدرسته. كان السيد جمال الدين بحكم أرستقراطيته في نشأته وثقافته، والوسط الذي يحيط به، ولغته في كلامه وكتابته، معلِّم الخاصة، وكان عبد الله نديم بحكم ديمقراطيته في النشأة والعلم والوسط واللغة معلم العامة.

لسنا الآن بصدد الحكم على الثورة العرابية وما نفعت وما أضرت، والمسئولين عنها، والمآخذ عليها، وكل ما يعنينا الآن أن نقول: إنه إذا تبخرت أقواله التي دعت إليها فورة الثورة وتبخرت أنواع تهريجه وتهويشه، بقي لنا جانبٌ كبير من جوانب نفع عبد الله نديم في هذه الحركة، وهو إيقاظ الشعور في الشعب وبحقهم في الشكوى من الظلم، والمطالبة بالعدل، وإفهامهم أن الحاكم يجب أن يكون مسئولًا أمامهم، وأن هناك نوعًا جديدًا من الحكم غير الذي ألفوه: من رجوع الأمور كلها إلى إرادة الحاكم يفعل ما يشاء، ولا يُسأل عما يفعل، وهذا النوع الجديد هو حكم البلاد نفسها بنفسها ممثَّلًا في نوابها، وأن مصر للمصريين لا للدولة العلية، ولا لأية دولة أجنبية، وهذه معانٍ قد كانت عند خاصة الخاصة ، فنشرتها الثورة وعبد الله نديم في العامة.

ولئن أخفقت الثورة فيقظة الرأي العام — إلى حد ما — وشعوره بنفسه، وتنبهه إلى حالته الاجتماعية والسياسية لم يخفق، ويتجلى ذلك على الأخص إذا قورن بينه وبين حالته من قبل.

٤

انتهت الثورة العرابية بالفشل والهزيمة المنكَرة، وكانت الهزيمة الخُلقية أقسى من الهزيمة الحربية؛ فقد ذُلَّ أكثر قواد الحركة، وتحول عنهم أكثرُ من يناصرهم، وبدأت السعايات تدبُّ، وكل مَن كانت له خصومة مالية أو عائلية سعى في الإيقاع بخصمه، باتهامه بعملٍ من أعمال الثورة، وامتلأت المجالس المشكَّلة للنظر في الدعاوى والتهم، وأخذ كثير ممن اشتركوا في الحركة يتبرءون مما قالوا وما فعلوا. ولئن استطاع كثير منهم أو حاول تبرئة نفسه، فعبد الله نديم ليس بمستطيع شيئًا من ذلك، فخُطَبه لا ينساها أحد، وأقواله مسجَّلة عليه في جريدة «الطائف»، فلا بد إذا حوكم أن يُحكم عليه بأشد العقوبات التي ستوقَّع على الزعماء، وكان أغلب الظن أنها الإعدام.

لقد فكر عرابي هو ومن معه أن يطلبوا العفو من الخديو، وكتبوا رسالة وبعثوها مع وفد إلى الإسكندرية لتقديمها إليه، ثم بدا لهم أن يغيِّروا بعض نصوصها، فبعثوا بصيغة أخرى مع عبد الله نديم؛ فلما وصل إلى كفر الدوَّار علم أن الخديو رفض العريضةَ الأولى، وأمر بالقبض على بعض رجالها، فعاد «النديم» إلى القاهرة وأيقن بالهلاك، فأعد العدة للهرب والاختفاء، وإذا به «فصُّ ملح وذاب». تجدُّ الحكومة وتضع له الأرصاد، وتوجه كل قوة للبحث عنه؛ ويبعث كل من سلطان باشا ورياض باشا منشورًا لرجال الإدارة بالجد والنشاط للعثور عليه، وتعلن مكافأة ألف جنيه لمن يرشد عنه، والعقوبة القصوى لمن يخفيه، فيذهب كل ذلك سُدى نحو عشرة أعوام، وهو في كل أموره يحتال حيلًا أين منها حيل أبي زيد السروجي في مقامات الحريري، ويمثِّل رواياتٍ أين منها الروايات البوليسية المعروفة.

لقد أعيا الحكومة أمره، فأصدرت عليه حكمًا غيابيًّا بالنفي المؤبد من القطر المصري. ها هو أول أمره يذهب إلى بولاق ويختفي عند صديق له وفيٍّ أيامًا، حتى يخفَّ عنه الطلب، فيخرج وقد لبس «زعبوطًا» أحمر، واعتمَّ بعمامة حمراء، وربط عينيه بمنديل وأطال لحيته، وأمسك بيده عكازًا طويلًا، وتصنع أنه من مشايخ الطرق ونزل في سفينة مع خادمه إلى بنها، فلم يفطن له أحد.

وجزع خادمه وكان أميًّا، وأراد أن يرجع إلى أهله، فأيقن «النديم» أنه إذا عاد انكشف أمره، فأخذ يقرأ الجريدة يومًا، ثم فزع قائلًا: «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم»، فسأله الخادم عما أفزعه، فقال «النديم»: إن الحكومة قد جعلت لمن يرشد عني ألف جنيه، ولمن يأتيها برأسك خمسة آلاف. فخاف الخادم، وأخذ يبالغ في التنكر أكثر من سيده، واستراح من هذا الباب، وظل معه طول مدة الاختفاء، وقال هو عن نفسه في هذه الفترة: «خرجتُ من مصر مختفيًا فدرت في البلاد متنكرًا، أدخل كلَّ بلد بلباس مخصوص، وأتكلم في كل قرية بلسانٍ يوافق دعواي التي أدَّعيها، من قولي: إني مغربي أو يمني أو مدني أو فيومي أو شرقاوي أو نجدي؛ وأُصلح لحيتي إصلاحًا يوافق الدعوى أيضًا؛ فأطيلها في مكانٍ عند دعوى المشيخة، وأقصرها في آخر عند دعوى السياحة — مثلًا — وأبيضها في بلد، وأحمِّرها في قرية، وأسوِّدها في عزبة». فأحيانًا كان اسمه الشيخ يوسف المدني، وأحيانًا الشيخ محمد الفيومي، وأحيانًا سي الحاج علي المغربي، وهكذا، وأحيانًا كان يجتمع بمن يعرفهم فكانوا يعجبون لأن المقدرة مقدرة النديم، ولكن يختلف في الشكل والصوت واللهجة، فيقولون: «سبحان الله جلَّ من لا شبيه له».

وساعد على نجاحه في هذا الاختفاء أمورٌ، منها: مهارته في حِيله، وإتقانه لما يدَّعي؛ فإذا ادَّعى أنه مغربي تكلم بلسان مغربي محكم، أو مدني فكذلك. ادَّعى مرة — وهو في القرشية — أنه عالم يمني، وذاعت شهرته في العلم والأدب حتى بلغت القاهرة، فأرسل إليه رياض باشا «سعد زغلول»؛ ليسأله عن معنى مَثَل ورد ذكره في بعض الجرائد ولم يفهم معناه، فقابله على أنه عالم يمني وفسَّره له.٢

وكان من مهارته في اختفائه أنه رأى جدَّ الحكومة في طلبه، فاستعان برجل من الفرنسيين يعرفه ويثق به فأشاع عنه أن النديم هرب إلى «ليفورنو» في إيطاليا، ونقلت هذا الخبر جريدة الأهرام، وصدَّق الناس ذلك، وعنَّفت الحكومةُ رجال الضبط على إهمالهم حتى تمكن من الخروج، فخفَّ عنه الطلب، ولم يكن كل ذلك إلا خدعة. وكتب صاحب جريدة المحروسة مرة بعد اختفائه بسنتين: «إنه قد تعددت الأقوال في مقر عبد الله نديم، فمِن قائل: إنه التجأ إلى البلاد الإيطالية، ومِن قائل: إنه فرَّ إلى طرابلس الغرب، ومن زاعمٍ أنه أتى السودان واتصل بالمهدي وصار له نديمًا، وقال قوم: إنه سارع في السفر إلى «سيلان» للاجتماع بعرابي. والحقيقة فيما نعلم أنه أتى باريس في الأيام الأخيرة، ونشر فيها مقالة أتى فيها على ذكر الحرب العرابية، وندد بالمصريين، ونسب إليهم الضعف والجبن» … إلخ.

ومنها عطف بعض الناس عليه، وإيمانهم بأن المروءة تقضي عليهم — وقد نزل بساحتهم — أن يُخفوا أمره إذا علموا، وأن يساعدوه على الاختفاء مهما أُغروا بالمال، كالذي كان من عمدة «العَتَوة» بمديرية الغربية، وهو الشيخ محمد الهمشري، فقد نزل عنده وعرَّفه بنفسه، فأكرم مثواه، وأقامه في داره ثلاث سنوات ونيفًا، في مكان منعزل له بابٌ خاص، وزوَّجه، وزوَّج خادمه، فلما توفي دعت زوجتُه أكبر أولادها، وقالت له: هل تطمع في المكافأة أم تكون كأبيك شهمًا تحفظ الجار وتحمي اللاجئ؟ فوعدها بأن يكون كأبيه في حفظه، ووفَّى بذلك، حتى أحس «النديم» بوشاية واشٍ، فخرج من عندهم حامدًا مروءتهم.

وصادفه مرةً مأمور مركزٍ شركسيٍّ، والنديم في تنقله بين البلاد، فعرفه، فصرف جنده ثم اختلى به، وقال: لا ضرورة لتنكرك فقد عرفتك، وأعطاه ما معه من نقود ورسمَ له خطة السير في طريقه حتى لا يُضبط.

وكان في أول أمره شديد الحنين لأبيه وأمه وأخيه، لا يعرف ما صاروا إليه، شديد الشوق لمعرفة كتبه وتآليفه وأوراقه التي تركها في بيته بالإسكندرية، ماذا آل إليه أمرها، ثم وسَّط الصديق الفرنسي أن يتعرف كل ذلك ويأتيه بالأخبار، فعرف الفرنسي أن أسرته تشتتت والناس تنكروا لهم، والأرصاد وُضعت حولهم، وأن أباه يقيم عند قريبة له في الريف وأن كتبه وتآليفه التي أنفق فيها تسعة عشر عامًا، عندما ضُربت الإسكندرية وهاجر منها أهلها وضعها أبوه في ثلاث صناديق كبار، وشحنها في عربة من عربات السكك الحديدية، فلما وصلت إلى كفر الزيات ازدحم على القطار المسافرون من المهاجرين ازدحامًا هائلًا، فلم يسع رجال المحطة إلا أن يرموا جميع ما بالعربة في النيل، ومنها هذه الصناديق الثلاثة وفيها كل ثروته العقلية.

ثم لما هدأت الأحوال وخفَّ عنه الطلب كان يتصل بأبيه وأخيه اتصالًا منتظمًا. وتأتي عليه أزماتٌ ثم تنفرج، فهذا عيد الأضحى وهو في «برية المندرة» يسكن وسط الغيطان، لا يساكنه أحدٌ إلا زوجته، ولا يجد القوت الضروري، ويأتيه خادمه الذي يسكن بعيدًا عنه يشكو له البؤس والفقر وعدم القوت في يوم العيد، فما هو إلا أن يبعث له رجلٌ من أهل البر والمروءة بما يملأ بيته قمحًا وعسلًا وسمنًا وشيتًا وبفتة حتى القصب واليوسف أفندي، والأطلس والحرير للبس زوجته، ويبعث شيئًا من ذلك للخادم وزوجته … وأتيح له من الفراغ ما مكَّنه من إكمال نفسه بالدراسة والتأليف، فكان إذا اطمأن في قرية قرأ ما تصل إليه يده من الكتب، وكانت مكتبته في هذه الأيام مكتبةً خفيفة يسهل حملُها إذا دعا داعي الرحيل السريع: فكانت تفسير القرآن لأبي السعود، وقاموس الفيروز أبادي، و«الوافي» في المسألة الشرقية لأمين شميل، وجغرافية ملطبرون الذي ترجمه الشيخ رفاعة. وألف فيما يعِنُّ له في الدين والأدب والتاريخ، فكان هذا نعمةً عليه لم يستطعها في أيامه الأولى. كتب لصديق له في هذه الفترة يقول: «إن سألت عني فأنا بخير وعافية، وحالة رائقة صافية، لا أشغل فكري بما يأتي به الليل إذا كنت بالنهار، ولا أتعب ذهني بتوالي الخطوب والأكدار، ولا أتألم من طول المدة ووقع الشدة؛ لاعتقادي أن لكل شدة مدة متى انتهت جفَّت الأوحال، وحسنت الحال؛ فتراني فكري كليمي، وقلمي نديمي — تارة أشتغل بكتابة فصول في علم الأصول، وأجمع عقائد أهل السنة، بما تعظم بها لله المنة، وحينًا أشتغل بنظم فرائد في صورة قصائد، ووقتًا أكتب رسائل مؤتلفة في فنون مختلفة، وآونةً أكتب في التصوف والسلوك، وسير الأخبار والملوك، وزمنًا أكتب في العادات والأخلاق وجغرافية الآفاق، ومرة أطوف الأكوان على سفينة تاريخ الزمان، ويومًا أشتغل بشرح أنواع البديع في مدح الشفيع — وقد تم لي الآن عشرون مؤلفًا بين صغير وكبير؛ فانظر إلى آثار رحمة الله اللطيف الخبير، كيف جعل أيام المحنة وسيلةً للمنحة والمنة، أتراني كنت أكتب هذه العلوم في ذلك الوقت المعلوم، وقد كنتُ أشغل من مرضعة اثنين، وفي حِجرها ثالث على كتفها رابع، وأتعب من مربي عشرة وليس له تابع، أشتغل بعض النهار بتحرير الجورنال، وأقضى ليلي في دراسة الأحوال، مشتغلًا بمجالس الجمعيات الخيرية ومدارسها التعليمية، وزيارة الإخوان ومراقبة أبناء الزمان، وقد نسيت الأهل والعَيلة، وربما نسيتُ الطعام يومًا وليلة، فكنت كآلة يحركها البخار، لا سكون له ما دام الماء والنار، فمتى كنت أنظر للمخلَّفات وأكتب هذه المؤلفات؟

ولو أن نار مصيبتي
في الغير أصلاه الزفير
لكنها في ساحة
من فوقها جوٌّ مطير
هو صدْقُ إيماني وصـ
ـبري للقضاء بلا نكير
ووقوفُ جيشِ عزيمتي
في باب مولاي البصير

وكان في رحلته بَرًّا بخادمه «حسين» الذي غيَّر اسمه فسماه «صالحًا»، وزوَّجه، وعلَّمه القراءة والكتابة، وحفَّظه جملة سورٍ من القرآن، وعلَّمه مبادئ الفقه والتوحيد، واتخذه صاحبًا.

وتواردت عليه أيام بؤس ومحن يشيب منها الوليد، تغضب عليه زوجته وتلطمه على فمه حتى تكاد تسقط ثناياه، وربما رأى — مع هذه الحال — أن إظهار نفسه للحكومة أهون عليه، ثم يترضَّاها ويصالحها، وأحيانًا تتخاصم زوجته مع زوجة خادمه وتشتد الشحناء، وتهدده كلتاهما بأن تفضح أمره، فيتدارك كل ذلك بحيلة، وأحيانًا يشعر بالخطر يهدده فيشتد في الحذر والاختفاء، حتى لقد اختفى مرة في قاعة مظلمة لا يُتوصل إليها إلا من سرداب طويل مظلم، يرشح الماء من أرضها لقربها من ترعة، ولا يتمكن من القراءة والكتابة إلا على مصباح صغير يُضاء بالجاز يملأ الحجرة دخانًا، ويستمر فيها نحو تسعة أشهر، وأحيانًا يبلغ به سوء الحال مع الرغبة الشديدة في الكتابة أن يصنع الحبر من هباب الفرن، ويضيف إليه بعض قرظ السنط، ويتخذ أقلامه من الحجناء. وهو على كل ذلك صبور، يعزِّيه أن يجد من أهل المروءة ما يخفف كربه، ويضمد جرحه، «فمحمد معبْد» الحلاق «بشباس الشهداء» يؤويه في بيته، ويغمره بفضله، وينفق عليه ما يحرم منه أسرته، و«أحمد جودة» الفلاح بالبكاتوش يصاحبه في انتقالاته في الظلام الحالك، ويعرض نفسه من أجله للمخاطر.

لشد ما أتعب نفسه في اختفائه، وأتعب الناسَ معه، ولكن ما أكثر ما أمتعهم أيضًا بأحاديثه وفكاهاته ووعظه وسمره.

وأخيرًا نزل «بالجميزة»، فعرفه عمدتها وكتم أمره، ولكن رجلًا كان اسمه حسن الفرارجي — كان جنديًّا ثم استخدم جاسوسًا — عرفه، فكتب إلى السراي وإلى الداخلية، فأمرت بالقبض عليه، وذهب وكيلُ حكمدار الغربية ومعه قوة من الجند فالتفُّوا حول البلدة، وأراد «النديم» الهرب بحيله القديمة فلم يستطع، فاستسلم. وكان من حُسن حظه أنهم لم ينتهوا إلى أوراقه، وكان في بعضها هجاء شديد في الخديو توفيق لو اطلعوا عليها لتغيَّر مجرى حياته. وكان القبض عليه في صفر سنة (١٣٠٩ﻫ)، واختفاؤه في ذي القعدة سنة (١٢٩٩ﻫ). وأُرسل إلى طنطا للتحقيق معه، وكان وكيل النيابة إذ ذاك قاسم بك أمين، فأحسن معاملته، وأمر بأن يُنظف مكانه في السجن، ويضاء كما يريد، وأن يُمكَّن من شرب القهوة والدخان كما يشاء، وأمده بالمال من عنده، وكان همُّ التحقيق متجهًا إلى معرفة مَن آواه، وهل كانوا يعرفونه أو لا يعرفونه، وعلى الأخص المنشاوي باشا — وقد نزل عنده أيامًا — فقد ضيَّقوا على النديم كثيرًا ليقر بأنه كان يعرفه، حرصًا منهم على وجود منفذ لمعاقبة المنشاوي، ولكنه أنكر كل الإنكار أن يكون أحدٌ ممن آواه يعرف حقيقته. ثم صدر أمر الخديو توفيق بالعفو عنه وإبعاده عن مصر إلى أي جهة شاء. فاختار يافا ونزل بها، فأكرمه أهلها واتخذ بها دارًا جعلها منتدًى للأدباء والعلماء، وطوَّف في فلسطين يشاهد آثارها ويحج إلى مزاراتها، ويجتلي حسن طبيعتها.

ثم مات توفيق وتولى عباس، فعفا عنه، وسمح له بالعودة إلى مصر سنة (١٨٩٢)، فعاد وفكر طويلًا فيما يفعل وأين يتجه، وتردد بين مصر والإسكندرية، وأخيرًا عيَّن اتجاهه، وقرر أن ينشئ بالقاهرة مجلة «الأستاذ»، فكانت صفحةً جديدة في باب جهاده.

٥

كانت الظروف التي تولى فيها الخديوي عباس ظروفًا دقيقة، شابٌّ ناشئ في الثامنة عشرة من عمره، دُعي من (فينا) حيث يتعلم ليتولى الحكم في مصر، ومصر قد انتهت ثورتها العرابية واطمأن الإنجليز إلى احتلالها، ووضعوا أسس نظامها، وتمكنوا من وضع أيديهم على كل شأن من شؤونها، وعباس الشاب قد بُث في نفسه آراء الاستقلال والشعور بالوطنية والعزم على العمل لاسترداد مصر ما فقدت؛ وهو يعيب على جده إسماعيل إسرافه، ويعيب على أبيه توفيق استسلامه، وعلى رجال المعية ضعفهم، وشباب الأمة يبلغه هذا الشعور فيجاوبه، فيتوجه الخديوي لصلاة الجمعة في المسجد الحسيني فيقابله الشعب في حماسة، و«يتقدم الطلبة وغيرهم من المحتشدين — بالسكة الجديدة — نحو العربة الخديوية، ويُقصون جيادها ويجرُّونها بأنفسهم»، ويغير الخديوي رجال المعية بغيرهم ممن هم أقرب إلى نفسه ومبادئه.

وفي ذلك الوقت كانت فرنسا تشعر بخطئها في سياستها الماضية التي آلت إلى ضعف نفوذها في مصر، وأخذت تبحث عن طريقةٍ لاسترداد بعض ما فقدت، فرأت أن يكون من هذه السبيل الالتفاف حول «عباس».

وتركيا كذلك تأسف هذا الأسف، وتتجه هذا الاتجاه — وكل هؤلاء وهؤلاء يعتمدون على وعد إنجلترا بالجلاء عند صلاح الأمور.

والحكومة الإنجليزية تلوِّح في البرلمان الإنجليزي مِن طرفٍ خفيٍّ بالنصح لعباس أن يتتبع سياسة والده في مسالمة الإنجليز والتحالف معهم.

وأخذ الخديو عباس يتصل بالشعب ويوسع نفوذه من طريق الرحلات في المديريات، ومقابلة الأعيان والعلماء، وزيارة المعاهد والمدارس، كما أخذ يميل إلى مباشرة الأعمال بنفسه بالاتصال بالمديرين، وتكليفه الأخصائيين بكتابة التقارير عن نظم التعليم والجيش وغير ذلك؛ فبدا بعد ذلك ومن أجل ذلك شيء من الجفاء بينه وبين اللورد كرومر، وتسرَّب بعد ذلك إلى الشعب.

عند ذلك بدأت تظهر في البلد تيارات مختلفة، وبدأت توضع بذور الأحزاب المختلفة، وبدأت تتجلى بوضوح اتجاهات الصحف المختلفة.

هذه تؤيد الحركَة الوطنية وتناصر الميول الخديوية، إما عن إخلاص، وإما رغبةً في الاستفادةٍ، وإما خدمة للسياسة الفرنسية، وهذه تؤيد السياسة الإنجليزية، إما رغبة في الاستفادة وإما عن عقيدة أيضًا.

وظهر أثر ذلك في الجدل في المجالس والمناظرة في الصحف.

في هذا الأفق المملوء بالسحب، ظهر «عبد الله نديم» ثانيةً، وقد سمح له الخديوي عباس بدخول مصر، فمكث قليلًا يتعرف الأحوال، ويدرس ما فاته من شؤون مصر مدة غيابه، ثم صح عزمه على تحديد الغرض وإنشاء جريدة «الأستاذ»، قال عنها: «إنها جريدة علمية تهذيبية فكاهية»، تصدر يوم الثلاثاء من كل أسبوع، وظهر العدد الأول منها في (أول صفر سنة ١٣١٠ﻫ–٢٣ أغسطس سنة ١٨٩٢)، يتولى هو تحريرها، ويتولى أخوه إدارتها؛ وقد كُتب في أول عدد منها: إنها لا تتعرض للسياسة العملية الإدارية، أما السياسة من حيث هي فن فإنها تدخل في موضوعها العلمي.

وكانت في أول أمرها تُعدُّ امتدادًا لجريدته «التبكيت والتنكيت» من حيث موضوعها وأسلوبها، فهي تُعنى أكثر ما تعنى بنقد العيوب الاجتماعية في المجتمع المصري، وفيها مقال أو نحو ذلك في شؤون الإصلاح السياسي من وجهة عامة، ثم هي تُحرَّر باللغة العربية الفصحى في المقالات السياسية الإصلاحية، وباللغة العامية في الموضوعات الاجتماعية.

والمطَّلع على ما كتبه في هذا العهد يرى أنه بعد رجوعه من مخبئه قد فوجئ بموجة من الانحلال الخلقي في البلاد: فإفراطٌ لم يكن معهودًا من قبل في شرب الخمور، وعدم اكتراث الشاربين بنقد الناقدين وعيب العيَّابين، وانتشار الخمَّارات في المدن والبلاد والقرى، وابتزاز الأروام للأموال عن طريقها — وشعور النساء بالحرية، فهنَّ يُكثرنَ من الخروج في الشوارع متبرجات بزينتهن، ثم الحشيش والمعاجين والإفراط فيها والاحتفاء بمجالسها؛ ثم استعمال كلمة الحرية وسيلًة للانهماك في اللذات والشهوات، وأعجب من ذلك السقوط في تقليد المصري للأوربي تقليدًا أعمى في ليِّ لسانه بالقول، والتشدق باستخدامه كلمات أجنبية في أثناء حديثه بالعربية، ولبس الضيِّق المحبوك من الثياب الإفرنجية؛ فنقدَ كل ذلك في أسلوبٍ قوي جريء واتهم الأوربيين بتشجيعهم هذه الأمور حتى يسقط الشرق وتنحلَّ أخلاقه، ونقد كذلك مناهج التعليم في البلاد، وخلوَّها من بث الروح القومية والعصبية المصرية، وحثَّ أبناء البلاد على إنشاء الجمعيات الخيرية التي تَسُدُّ هذا النقص، ونحو ذلك.

وعجبَ مما رأى من أن كثيرًا من أولي الرأي في الأمة أصابتهم الدهشة والرعب من الاحتلال، فانطووا على أنفسهم، ولزموا دورهم، فإن تكلموا في الشؤون العامَّة فمن وراء حجاب، وتركوا الناس مبلبلةً أفكارهم، مضطربةً نفوسهم، لا يعرفون أين يتجهون، فدعا إلى خروج ذوي الرأي من عزلتهم، واختلاطهم بالرأي العام في المجامع العامة يخطبون فيهم، ويشرحون ما حدث وما يحدث، حتى يكونوا على بصيرة من أمرهم.

في كل ذلك كتب «عبد الله نديم» في الأعداد الأولى من «الأستاذ» — ووجد النفوس مستعدة لهذه الدعوات كأنها حائرة تنتظر الدليل، ضالة تلتمس الهادي؛ فانتشر «الأستاذ» انتشارًا فاق ما كان يتوقع، فقد كان يُطبع منه حول ثلاثة آلاف، كأكبر جريدة يومية إذ ذاك، وأعيد طبع الأعداد الأولى منه.

وقد حاول مرةً أن يحرر الجريدة كلها باللغة العربية الفصحى، فأتته رسائل الاحتجاج الكثيرة تذكر له خطأه؛ لأن المرأة تسمع مقالاته في بيتها، والعامي يسمعها وهو في مصنعه ومتجره، والفلاح في حقله، وكلهم يستفيد من نقده، وكثير يتعظ بنصحه؛ فنزل على رأيهم، وأعادها كما كانت عربية فصيحة في بعضها، عاميةً في بعضها.

ثم نرى نغمته تعلو شيئًا فشيئًا في الميدان السياسي، ومناصرة الحركة الوطنية، ومؤازرة الخديو عباس، ومناهضة الاحتلال، حتى نراه في العدد الصادر في ١٧ يناير سنة ١٨٩٣ يظهر قويًّا واضحًا في هذا الاتجاه الوطني، ويفتتح العدد بمقال جريء عنوانه: «لو كنتم مثلنا لفعلتم فعلنا»، وهي كلمة كانت تتردد في بعض الصحف الأوربية يخاطبون بها الشرقيين، ويقع المقال في ست وعشرين صفحة من أقوى ما يُكتب، يصف فيها حالة الغرب وحالة الشرق ووسائل الاستعمار، وما إلى ذلك، ويندِّد بالغربيين في أساليبهم، وبالشرقيين في غفلتهم، ويشرح ما تفعل الأمم الغربية لرقيها، وما تنشره في أمم الشرق لانحلالها، وما يفعله المصريون في تخاذلهم وتواكلهم، ويدعو إلى الالتفاف حول الخديوي ومطالبته بالمحافظة على حقوقه الشرقية، ويختم المقال بقوله: «وبالجملة فقد بلغ السيل الزبى — فإن رفأنا هذا الخرق، وشددنا أزر بعضنا، وجمعنا الكلمة الشرقية، مصريةً وشامية وعربية وتركية، أمكننا أن نقول لأوربا: نحن نحن، وأنتم أنتم، وإن بقينا على هذا التضاد والتخاذل واللياذ بالأجنبي فريقًا بعد فريق، حق لأوربا أن تطردنا من بلادنا، وتصدق في قولها: «لو كنتم مِثلَنا لفعلتم فعلنا».

واستمر على هذه النغمة كذلك في الأعداد التالية. والمطَّلع على الحوادث التي كانت تجري في تلك الأيام، يرى أن علو هذه النغمة كانت صدًى لما يحدث من أزمات. ففي هذه الأيام بعينها اشتد الجفاء بين الخديو عباس واللورد كرومر؛ ففي ١٥ يناير سنة ١٨٩٣ أقال الخديو مصطفى باشا فهمي، منتهزًا فرصة مرضه، وعهد إلى حسين فخري باشا بتشكيل الوزارة، فعارض اللورد كرومر في أن تعين الوزارة من غير أخذ رأيه، واشتدَّ الأخذ والرد، وأنذرت إنجلترا الخديوي إنذارًا شديدًا، وانتهت المسألة باستقالة حسين فخري وتعيين رياض باشا حسبما أشار اللورد كرومر. وانتشر الخبر في الشعب، فأقبلت الوفود على الخديوي في ١٨ يناير تلقي الخُطَبَ في تأييده في موقفه، وظهر أثر ذلك واضحًا في الجرائد التي تناصر الحركة الوطنية، فكان هذا هو السبب فيما نرى من حرارة مقالات النديم في تلك الأيام وما بعدها، ومناصرته للخديو، ومنازلته للجرائد المخالفة في قوة ووضوح.

وهو — مع هذا — يتوسع في اقتراحات الإصلاحات الاجتماعية، فينقد علماء الأزهر في انزوائهم وعدم معرفتهم بالدنيا وما يجري فيها، ويضع برنامجًا واسعًا لإصلاح الأزهر، والزراعة في مصر وتأخرها، ووجوب إصلاحها على أساسٍ علمي صحيح، وفوضى اللغة العربية، ووجوب إنشاء مجمع يحفظ كيانها ويُكمل نقصها، والخرافات والأوهام، والطرق الصوفية وما يجري فيها من مخازٍ وعيوب … إلخ.

ثم علت نغمته طبقةً أخرى، فأخذ ينقد الإنجليز صراحةً في سياستهم في الهند ومصر، ويسبُّ من يلوذ بهم، ويهيِّج الناس على المبشرين وطرق التبشير، ويقول: إن السياسة تؤيدهم وتلعب ألاعيبها مِن ورائهم، فتألَّبت عليه الجرائد المخالفة له في مذهبه من إنجليزية وعربية وحذرت منه، وقالت: إنه يُعدُّ البلاد لفتنةٍ بين المسلمين وغيرهم، وبين المصريين بعضهم وبعض، ويحرِّك الضغائن بين المصريين والأجانب، ويهيئ لثورة كالثورة العرابية، ونصحت أولي الأمر من الإنجليز أن يأخذوا حذرهم منه، وإلا ساءت العاقبة. وشهَّرت به بعض الجرائد الإنجليزية كالتيمس، والديلي نيوز، وقالت: إنه متعصب للدين، مقبح لجميع أعمال الأوربيين، وإنه ثوري مهيِّج، وأيدتها المقطم، ودافع عنه المؤيد والأهرام والوطن وبعض الجرائد الفرنسية؛ ولم يألُ هو جهدًا في منازلة خصومه والتشهير بهم، وإعلان عدم المبالاة بما يجري له، فقد لاقى في العذاب ألوانًا أيام اختفائه، فكل ما سيناله هيِّن بالقياس إلى ما لقي، وأعاد نشر قصيدة له في ذلك كان قد أنشأها في مخبئه منها:

إذا ما الدهر صافانا مرضْنا
فإن عُدنا إلى خطبٍ شُفينا
لنا جِلدٌ على جلدٍ يَقينا
فإن زاد البلاد زدنا يقينا
إذا ما المجد نادانا أجبنا
فيُظهر حين يَنظرنا حنينا
يغنِّينا فيُلهينا التغنَّي
عن الباكي ويُنسينا الحزينا
ولسنا الساخطين إذا رُزئنا
نعم يلقى القضا قلبًا رزينا
إذا طاش الزمان بنا حلمْنا
ولكنَّا نُهينا أن نَهِينا

وأخيرًا طلب اللورد كرومر من الخديو عباس نفيَه فأطاع، ولم يستطع أن يحمي من كان يحميه، وودَّع «الأستاذ» قرَّاءه في آخر عدد منه صدر في ١٣ يونيه سنة ١٨٩٣. فكان عمره أقل من عام؛ ولم يذكر في وداعه السبب الحقيقي الذي من أجله أُغلق «الأستاذ» ونُفي صاحبه، بل قال: إن سبب ذلك المرض وحاجته إلى الاستشفاء؛ وقال في آخر وداعه: وما خُلِقَتِ الرجال إلا لمصابرة الأهوال، والعاقل يتلذذ بما يراه في فصول تاريخه من العظم والجلالة، وإن كان المبدأ صعوبةً وكدرًا في أعين الواقفين عند الظواهر، وعلى هذا فإني أودع إخواني قائلًا:

أودِّعكم واللهُ يعلمُ أنني
أُحب لقاكم والخلودُ إليكمُ
وما عن قلًى كان الرحيل وإنما
دواعٍ تعدَّت فالسلام عليكمُ

وكان ينشر ملحقًا «للأستاذ» صفحاتٍ من كتابٍ ألفه وهو في المخبأ اسمه «كان ويكون»، جُمع فيما بعدُ ولم يتم — مع الأسف — نشره. كان يريد من تدوينه عرض خلاصة أفكاره الدينية واللغوية والسياسية والأدبية والتاريخية والإنسانية، ملتزمًا فيه حرية الفكر، وعدم التعصب لدين أو جنس، ذاكرًا فيه ما شاهده في مصر من أحداث، مبينًا ما وراءها من علل.

ووضعه على نمط قصصي، إذ كان له صديق فرنسي أتى من باريس قُبيل الثورة العرابية، وتعلم العربية والتركية، وأقام في مصر متتبعًا حوادثها، وعرف عبد الله نديم في الإسكندرية سنة ١٢٩٢ هجرية وتوثقت بينهما الصلة، وكان له عزبة قريبة من البلدة التي اختبأ فيها «النديم»، فاتصل به في مخبئه. وكان الفرنسيُّ يزوره ويخدمه في قضاء أغراضه، وكثيرًا ما يدور الحديث بينهما في الدين والسياسة، فبنى كتابه «كان ويكون» على هذا، ودوَّن فيه ما كان يدور بينهما من حديث وجدل، وأكثر ما نُشر كان في أصول الأديان، وتاريخ اليهودية والمسيحية والإسلام، يتخلل ذلك بعض أخبار عن أحواله في مخبئه، وبعض نظراتٍ سياسية. ومما يؤسف له أن إقفال جريدة «الأستاذ» حال بينه وبين نشر القسم السياسي والتاريخ المصري من الكتاب؛ وما نشر عنه يدل على نظر عميق واطِّلَاع واسع، وسماحة دينية لطيفة، وعاطفة جيَّاشة بحب الخير لمصر والشرقيين.

٦

خرج «النديم» إلى يافا، حيث كان قبل العفو عنه، ورتَّبت له الحكومة المصرية خمسةً وعشرين جنيهًا شهريًّا يعيش بها، على شرط ألًّا يكتب شيئًا في الجرائد يتصل بسياسية مصر.

وما لبث أربعة أشهر في يافا حتى وشى به الوشاة بأنه يطعن في سياسة الدولة العَليَّة ويلمز السلطان، فصدر الأمر بإبعاده أيضًا.

فها هو يذرع الأرض لا يعرف أين يستقر، فلا مصر تقبله ولا أي أرض من أراضي الدولة العثمانية تُحِلُّه، ونزل بالإسكندرية أيامًا حتى تُحل مشكلته.

وقد كان كثير من أحرار العثمانيين إذ ذاك قد سافروا إلى أوروبا ومصر، وأنشئوا الجرائد يُطالبون بالدستور وبإصلاح الدولة، وينقدون السلطان نقدًا مرًّا، فكان من سياسة عبد الحميد في بعض الأوقات أن يسترضي هؤلاء الناقمين، ويحبب إليهم الإقامة في الأستانة تحت سمعه وبصره، ويُجري عليهم الرزق الواسع، ويسند إليهم بعض المناصب فيتقي أذاهم ويستجلب رضاهم، فاحتشد في الأستانة من أرباب العلم واللسان عدد كبير، منهم السيد جمال الدين الأفغاني وغيره من أدباء الترك وشعرائها وساستها، فكان أن الغازي مختار باشا أشار على الدولة العلية أن تعامل عبد الله نديم هذه المعاملة فقبلت. وسافر إلى الأستانة، وصدرت الإرادة السلطانية بتعيينه مفتشًا للمطبوعات بالباب العالي بمرتب ٤٥ جنيهًا مجيديًا، مضافة إلى الخمسة والعشرين التي يتقاضاها من مصر — ينفق كل ذلك على نفسه وإخوانه، ومن يبره من أهله وأقاربه، ومن أيام المنصورة عُرف بأنه صناع القلم واللسان، أخرق اليد.

دخل الأستانة، فدخل القفص الذي دخل في مثله جمال الدين الأفغاني، وغايةُ الأمر أن قفص جمال الدين ضيِّق من ذهب، وقفص النديم واسع من حديد، يختلفان بمقدار الخطر مِن كل منهما ومكانته وحسبه ونسبه، فالسيد جمال الدين يُخصَّص له بيت فخم، ويُجعل تحت أمره عربة وخدم وحشم، ويجرى عليه ٧٥ ليرة في الشهر، وتُعرض عليه مشيخة الإسلام فيأبى، وعبد الله نديم يُعيَّن مفتشًا للمطبوعات بخمسة وأربعين ليرة، ولا بيت ولا خدم — ولا غَرْوَ؛ فالسيد جمال الدين سيد في طبعه وحسبه ونسبه، كان يَعُدُّ نفسه قرينًا للشاه والسطان، لا يقلُّ عنهما إلا بما شاء القدَر من تحليتهما بالملك وعطله منه، وعبد الله نديم يرى أنه من الشعب وابن الشعب وخادمه، لا يمتاز إلا بما منحه الله من ذكاء ولَسَن. إذا دعا السيد جمال الدين إلى الإصلاح شعر بأنه يخطب الناس من أعلى مكان يُشرف عليهم، وهو غضوب وقور؛ وإذا دعا «النديم» شعر بأنه واقف في وسطهم يضحك لهم ويضحك منهم ويصلحهم. ولهذا كان جمال الدين جليلًا يُسمع لقوله في رهبة وخشية، وينصح الناس وكأنه يضربهم بالسياط، وكان النديم محبوبًا يقابَل بالابتسام، ويُقبل قولُه في فرح ومرح؛ ولذلك كان أسفُ الناس في مصر على فراق النديم أكثر من أسفهم على فراق جمال الدين؛ لأن سؤدد جمال الدين في الخاصة وسؤدد النديم في العامة.

وعجيب أن يقبل «النديم» «وظيفة» مفتش للمطبوعات وهو الذي كان يُتعب دائمًا إدارة المطبوعات؛ وأن يرضَى أن يتحكم في الصف، وهو الذي كان يأبى أن يتحكم فيه أحد؛ وأن يرضى أن يكون أداةً لتقييد الحرية، بعد أن كان داعيةً لتأييد الحريه!! ولكن يخفف من هذا أن «الوظيفة» كانت صورة محضة، وكان الغرض منها أن يُمنح الخمس والأربعين ليرة في مظهرٍ غير وضيع.

ها هو في الأستانة قد عُطِّلت كل مواهبه؛ فلا خطابة ولا كتابة، ولا تهييج ولا تحميس، وهو في وسط يكاد يختنق منه، لا يُفرِّج عنه إلا مجلس السيد جمال الدين، يحادثه ويسامره، وكلٌّ يشكو إلى صاحبه قفصه.

ولكن أنَّى لصاحب هذا اللسان أن يهدأ؟!

لقد وقع في الخصومة مع أبي الهدى الصيَّادي، كما وقع فيها معه السيد جمال الدين؛ ولكن السيد عفُّ اللسان في الخصومة الشخصية، أما «النديم» فويل لمن عاداه.

كان أبو الهدى عجبًا من العجب، إذا أُرِّخت الدولة العثمانية في عهد عبد الحميد احتل كثيرًا من صفحات تاريخها، وكان مستترًا وراء الصفحات الباقية، يرون اسمه في كل أنحاء المملكة من مصر وسوريا والعراق وتونس والجزائر، ويتقرب إليه الولاة في حل كل عظيمة — أثبت به القدر أنه على كل شيء قدير.

سوريٌّ من حلب، فقير المال والحسب، دفعته المقادير إلى الأستانة، وكان ماهرًا ذكيًّا وسيم المحيَّا، ماضي العزيمة، قادرًا على معرفة نفوس الناس ومن أين تُؤتَى، فتغلَّب على عقل السلطان عبد الحميد بأحلامه وتفسيراته، والطرق ومشيختها، فربط نسبه بأعلى نسب، فهو قرشي هاشمي علوي، وهو في الطريقة رفاعي له الأتباع الكثيرون، لا يعبأ بالمال يأتيه على كثرة فينفقه ويستدين؛ لأن عز الجاه والسلطة عنده أقوى من عز المال.

له أعينٌ تأتي له بكل الأخبار، فيستغلها أمهر استغلال. لم يقف عند الدين والولاية والصوفية، بل مدَّ نفوذه إلى الشؤون السياسية والإدارية والعسكرية. يحلم فلا حد لحلمه، ويبطش فلا حدَّ لبطشه. سُمِّي «مستشار الملك»، «وحامي العثمانيين» و«سيد العرب» استمال كثيرًا من الأمراء والوجهاء والأعيان والعلماء والأدباء. فكانوا عونًا له على كل ما أراد. يبطش بهم حين يريد البطش، ويؤلف بهم الكتبَ حين يريد شهرة العلم. ويَنظم بهم القصائد حين يريد الأدب والشعر، إلى كرمٍ وسماحة وحسن حديث.

الدنيا كلها يجب أن تُسخَّر لشخصه، وأن تخضع لأمره. والحق ما أتى من طريقه، والباطل ما أتى من طريق غيره — عدو كل إصلاح، وخصيم كل حر.

كم له من ضحايا في السجون، وفي أعماق البحار، وفي ذل الفقر، وفي بؤس المنفى. تتملقه الأمراء، وتهابه العظماء، وكم أنفذ أمَره وأبطل أمر السلطان.

وكم تدلل على عبد الحميد فاسترضاه، وبالغ في المطالب فأوفاه!!

هذا أبو الهدى الصيادي الذي لم يتحرز عبد الله نديم أن يخاصمه وينازله، ويُطلق فيه لسانه. ووضع فيه كتابًا سمَّاه «المسامير». لم ينشر في حياته، وهو كتاب لا يشرِّف الصيادي ولا عبد الله نديم؛ لأنه استعمل فيه أسلوبًا أشبه بأسلوب المرأة «الغجرية» في أحط الحارات، هو أسلوب أقذر من أسلوب جريدة «حمارة منيتي»، و«السيف»، و«الصاعقة». وما إلى ذلك من الجرائد المقذعة في الهجاء، والتي حمدنا الله على الخلاص منها برقي ذوقنا. فسامحه الله فيما فعل.

وبلغ أبا الهدى أمر هذا الكتاب، فأبلغ السلطان عبد الحميد أن فيه أيضًا هجاءً له، فبُحث عنه طويلًا من غير جدوى، واستطاع «جورج كرتشي»، الذي كان متصلًا بالسيد جمال الدين و«النديم»، أن يحتفظ به ويخفيه ويفر به إلى مصر، ثم يطبعه.

لم تطل حياة «النديم» في الأستانة طويلًا، فقد أصيب بالسل، واشتدت عليه العلة، فمات في العاشر من أكتوبر سنة (١٨٩٦م)، واحتُفل بجنازته احتفالًا كبيرًا مشى فيه السيد جمال الدين — الذي لحقه إلى ربه بعد أشهر — ودُفن في مدفن يحيى أفندي في «باشكطاش»، وكانت أمه وأخوه قد علما بشدة مرضه، فسافرا إليه، ولكن لم يدركاه إلا ميتًا، ووجدوا متاعه وأثاثه وكل شيء له قد نُهب؛ فعادا وليس في يدهما إلا الحزن والأسى.

مات في نحو الرابعة والخمسين من عمره، فلم يكن بالعمر الطويل، ولكنه عمر عريض، فطالما غذَّى الناس بقلمه، وهيَّجهم بأفكاره، وأضحكهم وأبكاهم، وخير رجال الشرطة، وأقلق بال رجال السياسة، ونازل خصومه من رجال الصحافة، فنال منهم أكثر مما نالوا منه، ولم يهدأ له لسان ولا قلم حيث حلَّ، ولا على أي حال كان؛ حتى هدأه الموت الذي يهدِّئ كل ثائر.

مهما أُخذ عليه فقد كان عظيمًا!!!

فتح للناس في جريدته «التبكيت والتنكيت» و«الأستاذ» أبوابًا من الإصلاح الاجتماعي كانت مغلقة في التعليم والزراعة، واللغة والصناعة، والانحلال الخلقي، وما إلى ذلك، فسار المصلحون على أثره.

وكانت الجرائد المعروفة في عهده «المقطم»، و«الأهرام»، و«المؤيد»، و«النيل»، وكان لها ثلاثة اتجاهات: منها ما يسالم الاحتلال ويؤيده، ومنها ما يؤيد الحركة الوطنية ومن ورائها السياسة الفرنسية؛ ومنها ما يؤيد الحركة الوطنية والنزعة الإسلامية والارتباط بالدولة العثمانية، وكل منها يعرض وجهة نظره في شيء من الهدوء والرزانة والوقار. فلما طلع «الأستاذ» دعا إلى أن مصر للمصريين، لا لتركيا ولا للأوروبيين، وناصر الحركة الوطنية والالتفاف حول الخديو أمير البلاد، ودعا الذين غلبهم الخوف بعد الاحتلال أن يبرزوا من مكامنهم ويمسحوا الخوف عنهم، ويتصلوا بالجمهور ليوقظوه، ودعا إلى تأليف الأحزاب حتى يكون لكل جريدة حزبها، ولكل حزب برنامجه. ولم يسلك سبيل الهدوء كما سلكه معاصروه، بل زاد في الطنبور نغمةً، وزادت النغمة حدة، والحدة منه استتبعت الحدة من الجرائد الأخرى، والغضب يبعث الغضب؛ والصوت العالي ينبه الأفكار، ويوقظ النائم، فكان في الجرائد لون جديد شديد قوي، يميز بعضها عن بعض في وضوح وجلاء. وكانت هذه الحدة وهذا الجدل المتتابع في المسائل العامة أكبر موقظ للرأي العام النائم يُفهمه موقفه وما يضره وما ينفعه، وأي غاية يريد منه هؤلاء وهؤلاء، ومواطن ضعفه، وكيف السبيل إلى قوته، وللنديم الفضل الكبير في ذلك.

وكانت جريدة «الأستاذ» هي الأستاذ لمصطفى كامل، تعلَّم منها الاتجاه والنغمة، وإن اختلفا من حيث الثقافة والأسلوب بحكم الزمن والأحداث والظروف.

نعم كان في «النديم» شيء من التهريج كالذي رأينا قبل. وكان من تهريجه أنه كان في أول أمره يرتدي الثياب الإفرنجية، فلما ظهر بعد الاختفاء لبس الجبة والقفطان، واعتم بعمامة خضراء، وادَّعى أنه شريف إدريسي ينتسب إلى الحسن بن علي، وكثيرٌ من الواقفين على الحقيقة ينكر ذلك،وربما دعاه إلى هذا شعوره بمركَّب النقص، من حيث نشأته الفقيرة المتواضعة، وما مرن عليه من التصنع أيام الاستخفاء، وحالة الوسط الذي عاش فيه من أنه لا يمجِّد إلا ذا الثراء أو ذا الحسب — ومع هذا فالعظيم يقدَّر بكله لا ببعضه.

كانت عظمته في ذكائه وقوة لَسَنه. قال فيه المرحوم أحمد باشا تيمور: «كان شهِيَّ الحديث، حلو الفكاهة، إذا أوجز ودَّ المحدَّث أنه لم يوجز. لقيته مرة في آخر إقاماته بمصر فرأيت رجلًا في ذكاء إياس، وفصاحة سحبان، وقبح الجاحظ. أما شعره فأقل من نثره، ونثره أقل من لسانه، ولسانه الغاية القصوى في عصرنا هذا».

وكان السيد جمال الدين يُعجب بقوة حجته في المناظرة والجدل، وسرعة بديهته، وشدة عارضته، ووضوح دليله، ووضعه الألفاظ وضعًا محكمًا بإزاء معانيها إن خطب أو كتب.

ثم هو شجاع لا يخاف؛ يلذُّه مواجهة العظماء ومنازلة الكبراء في غير خوف ولا وَجل، إلى تواضع مع العامة ومضاحكتهم ومؤانستهم وملاطفتهم، لا يعبأ بالقوة ولا يخاف البطش، فإذا نازلَ أحدًا وسلَّط عليه لسانه كانت الكارثة.

نازل الخديو توفيق والاحتلال، وأبا الهدى الصيادي، ولكلٍّ جاهه وسلطانه الذي أذل أعناق الكثيرين، كل ذلك وهو فقير يعيش من يده إلى فمه، ما أتاه أتلفه، وما وصل إلى يده بدَّده، معتمدًا على ربه الذي يرزقه كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا.

ضعيف الجسم كثير العلل، وربما كان ذلك هو السبب في موت أولاده جميعًا في طفولتهم، فقد رُزق قبل الاختفاء بمحمد، وعثمان، وإلياس، وفاطمة وعائشة، وسكينة وخديجة. كما رُزق أيام الاختفاء بحفصة، وريًّا. وكلهم لم يعِش طويلًا. ومع هذا فهو — على مرضه — دائب العمل دائم الحركة.

لا يعتريه كلل ولا ملل. يود أن يُخلد اسمه بالعمل، بعد أن حُرم تخليد اسمه بالولد.

أعد نفسه بالخبرة والتجربة في كل شيء حوله. فكان كما حدث عن نفسه: «أخذتُ عن العلماء، وجالستُ الأدباء، وخالطتُ الأمراء، وداخلتُ الحكام، وعاشرتُ أعيان البلاد، وامتزجتُ برجال الصناعة والفلاحة والمهن الصغيرة، وأدركتُ ما هم فيه من جهالة، ومم يتألمون، وماذا يرجون. وخالطتُ كثيرًا من متفرنجة الشرقيين، وألممت بما انطبع في صدروهم من أشعة الغربيين. وصاحبتُ جمًّا من أفاضل الشرقيين المتعلمين في الغرب، ممن ثبتت أقدامهم في وظيفتهم. وعرفتُ كثيرًا من الغربيين ورأيتُ أفكارهم عالية أو سافلة فيما يختص بالشرقيين، والغاية المقصودة لهم، واختلطتُ بأكابر التجار، وسبرتُ ما هم عليه من السير في المعاملة أو السياسة. وامتزجتُ بلفيف من الأجناس المتباينة جنسًا ووطنًا ودينًا، واشتغلتُ بقراءة كتب الأديان على اختلافها، والحكمة والتاريخ والأدب، وتعلَّقتُ بمطالعة الجرائد مدةً، واستُخدمتُ في الحكومة المصرية زمنًا. واتجرتُ برهةً. وفلحتُ حينًا. وخدمتُ الأفكار بالتدريس وقتًا، وبالخطابة والجرائد آونة — واتخذتُ هذه المتاعب وسائل لهذا المقصد الذي وصلت إليه بعناءٍ كساني نحول الشيخوخة في زمن بضاضة الصبا، وتوَجني بتاج الهرم الأبيض بدل صبغة الشباب السوداء، فصورتي تُريك هيئة أبناء السبعين، وحقيقتي لم تشهد من الأعوام إلا تسعة وثلاثين».

وربما كان أعظم شيءٍ فيه ثباته على مبدئه، باع نفسه لأمته حسبما يعتقد الخير لها، ولم يتحول عن ذلك على كثرة من تحول في مثل مواقفه. هؤلاء زعماء الثورة العرابية حاولوا أول أمرهم أن ينكروا ما فعلوا. فلما لم ينفعهم إنكارهم وعوقبوا عادوا وخضعوا، وعاشوا في مسالمة ومهاودة. أما هو فلم ينكر ما قال، ولقي في مخبئه الأهوال. وكان جديرًا بمن لقي ذلك كله أن يهدأ، وإذا هدأ فلا لوم عليه. ولكنه ظل يجاهد، ويُنفى فيجاهد، ويعفى عنه فيجاهد، ويُحذَّر فلا يَحذر، ويُطمَّع فلا يَطمع، حتى لقي مولاه. رحمه الله.

١  ومن الناس من يروي أنه اعتمد في فصوله عن إسماعيل، على كتابٍ في هذا الموضوع كان ألفه الشيخ محمد عبده.
٢  هذا المثل هو «بعِلَّة الوَرَشان يأكل رُطَب المُشَان» والورشان: طائر يشبه الحمام، والمشان: نوع من أجود التمر، وأصله أن جماعة عهدوا إلى خادم لهم أن يحفظ تمرهم، فكان يأكل رطبه ويزعم أن الورشان أكله، فقيل المثل، وهو يضرب لمن يُظهر شيئًا والمراد منه شيء آخر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠