زعماء الإصلاح الإسلامي في العصر الحديث: خير الدين باشا التونسي

(حوالي سنة ١٢٢٥ إلى سنة ١٣٠٧ﻫ) نحو (١٨١٠–١٨٧٩م)

١

عَقَلَ فرأى نفسه في الأستانة في أسرة غير أسرته، في بيت تحسين بك نقيب الأشراف، ليست سيدةُ البيت له أمًّا ولا تحسين بك أبًا ولا أبناء البيت إخوة، وإنما يسمع همسًا أنه عبد مملوك على معنًى غامض لم يفهمه أولًا — أين وُلد؟ وأين أسرته؟ وكيف أتى إلى هذا البيت؟ سؤال محيِّر كسؤال ابن الشبل البغدادي:

فماذا الامتنانُ على وجودٍ
لِغير الموجَدين به الخيار
وكانت أنعُمًا لو أن كونًا
نُخيَّرُ قبله أو نُستشار

وقول أبي العلاء:

ما باختياريَ ميلادي ولا هَرَمِي
ولا حياتي، فهل لي بعدُ تخييرُ؟

ونظر فرأى تحسين بك يومًا يعرضه على رجل يفحصه كما تُفحص السلعة، ويصعد فيه نظره ويصوِّب، ويختبره من فَرقه إلى قدمه، ثم يدفع مالًا في يد تحسين، وينتقل هو إلى يده، وهذا يُركِبه مركبًا يبحر به إلى تونس، وإذا به في بيتٍ جديد هو بيت أحمد باي، باي تونس!! ما هذا الغموض كله؟

تكشف له البحثُ بعد ذلك عن مأساة؛ فهو شركسي الأصل، من أسرة أباظة، خُطف وهو طفل على أثر غارة أو فتنة أو هجرة، وبيع رقيقًا في سوق الأستانة، فاشتراه تحسين بك، وهذا باعه إلى أحد وكلاء باي تونس الذي أنفذه لشراء السراري والعبيد.

مأساة تبعث الأسى والحزن العميق، قد حرمته أن يتذوق عطف أبيه وأمه وينعم بحريته وهي لا يعوضها شيء في الوجود، حتى لو نُعِّم في قصر تحسين بك أو قصر باي تونس فما هذا النعيم؟

وبيتٍ تخفقُ الأرواح فيه
أحبُّ إليَّ من قصرٍ منيف

وكل أكلٍ فاخر وملبسٍ باهر ونعيم باذخ لا يساوي شيئًا بجانب نظرة ينظرها تحسين وأهله وباي تونس وبلاطه إلى هذا الفتى على أنه عبدٌ رقيق اشتُري بدنانير معدودة.

كان هذا كل ما وصل إلى علمه عن طريق اليقين، ورجح عنده فيما بعد أن له أخًا في مصر يشغل منصبًا كبيرًا في الدولة المصرية، ويمتلك ثروة طائلة، فأبت على خير الدين كرامته وإباؤه وظنونه — وما قد يعقب ذلك من تفسيرات تؤلمه — أن يُكاتبه ويخبره، وفضَّل أن يحتفظ بذلك السر لنفسه وأقرب الناس إليه.

•••

ومن قديم عُرف الشراكسة في العالم الإسلامي، وهم قبائل بدوية تسكن البقعة الشمالية الغربية من بحر قزوين وجزءًا من ساحل البحر الأسود، وكان عددهم كبيرًا، فلما احتلت روسيا أخيرًا بلادَهم تفرق كثير منهم في تركيا وآسيا الصغرى، وقد انتشر الإسلام بينهم وكاد يعمهم من نحو ثلاثة قرون.

وفي الشراكسة فضائل البداوة من الشجاعة والكرم، ويمتازون بالنظافة والجمال، عُرف عنهم ذلك، فكان الصغار والفتيان والفتيات يُخطفون أو يباعون، ويُصدرون إلى المملكة الإسلامية في عهد العصر العباسي الأول.

ولا تنسى مصر أنها حُكمت بدولة المماليك الشراكسة من (سنة ٧٢٤ﻫ إلى سنة ٩٢٣ﻫ)، فاقتنى منهم سلاطين مصر عددًا وافرًا واستخدموهم في أعلى مناصب الدولة، وعهدوا إليهم بالشؤون الحربية، فأمسكوا بزمام الحصون والقلاع وعُرفوا بالإخاء ومعاونة بعضهم بعضًا، فلما أتيحت لهم الفرصة تغلبوا على الدولة ومُلكوا على البلاد أوَّلهم السلطان برقوق، وظل الحكم فيهم إلى أن انهزم طومان باي أمام السلطان سليم، وكان مع طومان باي هذا أربعون ألف شركسي ذابوا كلهم وذووهم ومن أتى بعدهم في الأمة المصرية، فكانوا عنصرًا من عناصر دمها. كما لا ننسى أن مِن أهم أسباب الثورة العرابية أولَ أمرها اعتقاد الضباط المصريين أنهم مغبونون إذا قيسوا بالضباط الشراكسة لترقيتهم دونهم.

•••

كانت تونس حين حُمل إليها خير الدين كسائر بلاد الشرق، مقرًّا لحضارة قد هرمت، وذهبت روحها ولم يبقَ إلا رسمُها.

الحياة العلمية فيها أشبه بما كان في مصر قبيل عهد محمد علي، كتاتيب بدائية منتشرة في القرى والمدن، غايتها تحفيظ القرآن، وقلَّما يبلغون هذه الغاية، ويستطيع التلميذ بفضل مناهج الدراسة فيها أن يقضي عشر سنين وأكثر من غير أن يُحسن القراءة والكتابة، وكل ما يبلغه النجيب منهم أن يحفظ القرآن أو بعضه.

وعلى رأس هذه الكتاتيب جامع الزيتونة، وهو صورة مصغرة من الأزهر في ذلك العهد، تُقرأ فيه علوم الدين من تفسير وحديث وفقه وعقائد، وعلوم اللغة من نحو وصرف ومعانٍ وبيان، في كتب مقررة لها متون وشروح وحواش، ويقضى الوقت في تفهم تعبيراتها وإيراد الاعتراضات عليها والإجابة عنها؛ فالعلم شكل علمٍ ولا علم، والنتاج جدلٌ لا حقائق، والناجح في الامتحان الذي يستحق أن يسمى «عالمًا» أقدرهم على الجدل وحفظ المصطلحات الشكلية. أما الجميع فسواءٌ في عدم التحصيل؛ إذا مسُّوا الحياة الخارجية فالمناقشة العنيفة في أن شرب الدخان حلال أو حرام، والغيبة أشد حرمةً أم سماع الآلات الموسيقية، و«خيال الظل» تجوز رؤيته أو لا تجوز؟ وجزءٌ كبير من السكان بدو لا يعرفون من الإسلام إلا الشهادتين، ولا يصل إليهم شيء من علم إلا في بعض أماكن أنشأ فيها الصوفية زوايا تعلِّم الناس شيئًا من الدين، وللجاليات الأجنبية من فرنسية وإيطالية وإنجليزية مدارس تعلِّم أبناءها وقليلًا من أبناء البلاد اللغات والجغرافيا والتاريخ والحساب والجبر والهندسة، فتخرِج من هم أقدر على فهم الحياة، فإذا انغمسوا فيها تحولت ماليةُ البلاد إلى أيديهم.

عماد أهلها الفلاحة، وآلاتها وأساليبها هي بعينها ما كانت عليه في القرون الأولى قبل الإسلام وقبل الرومان، وساهم بعض الأوروبيين في الزراعة، فطعَّموا الأشجار، وبخَّروها ولقَّحوها، فدرَّت عليهم من الأرباح ما لم ينله سكان البلاد. ثم قبض هؤلاء الأجانب على الأسواق الخارجية، وخاصة في أكبر غلة للبلاد، وهي زيت الزيتون، فمن ناحية أنشأوا المعاصر تُدار بالبخار، ومن ناحية وضعوا أيديهم على ما ينتجونه وما ينتجه الأهالي، واحتكروا التجارة إلى الخارج إلا القليل النادر من أهل البلاد. وكان التونسيون يصنعون نوعًا من النسيج اسمه «الشاشية»، وكانت مصانعها كثيرة، وكانت مصدر رزق الكثير منهم، ولكنها كانت تُصنع بالآلات القديمة، فلما تقدمت الصناعة في أوربا، وكانت الآلات تدار بالبخار وتنتج نتاجًا كثيرًا حتى من الشاش هذا، رخصَ سعره، وأصيبت الصناعة في تونس بضربةٍ قاضية حتى لم يبقَ من مصانعها التي تبلغ الألف غيرُ ثلاثين؛ وناهيك بما يجرُّه ذلك من الفقر والخراب، كما زاحمت «الجَزْمَة» «البَلْغةَ» وقضت عليها، واختل الميزان التجاري فكثر الوارد وقل الصادر، وتغلب الفرنساويون والإيطاليون على السوق وأمسكوا بزمامه.

وكان مما أضعف التجارة سوء أدوات النقل وفساد الطرق، فهم ينقلون غلَّاتهم على الإبل والخيل والبغال ونوع من العربات البدائية، وتنقل القبائل البدوية غلاتها في قوافل، فإذا كان الشتاء وأمطرت السماء تشعثت الطرق فتعطلت الحركة.

وأما إدارة البلاد ففوضى أي فوضى؛ والحاكم حاكمٌ بأمره، وأحب الناس إليه من يجمع له المال من حلِّه وحرامه، ولا ضبط في دخلٍ ولا خرج، والعدل والظلم متروكان للمصادفات، فإن تولى بعض الأمور عادل عدل، وكان العدل موقوتًا بحياته — وقلَّما يكون — ونظام القضاء والجيش والإدارة والضرائب وجباية المال وإنفاقه على النمط العتيق البالي، وكثيرٌ من الأمور تنفذ بالأوامر الشفوية، لا مرجع ولا يمكن الحساب عليها.

وكانت تونس إذ ذاك تحت حكم البايات، والباي في تونس لقب كالخديوي في مصر، وكان الباي يتبع الدولة العثمانية تبعيةً ضعيفة، فيساعدها في حروبها ويحمل إليها مقدارًا من المال وكثيرًا من الهدايا. وإذا حدث مشكل دولي في تونس تدخلت الدولة العثمانية لفض النزاع وأرسلت مندوبًا من قِبلها؛ ليشرف على الحل ونحو ذلك. أما فيما عدا هذا فولاية تونس شبه مستقلة والباي حر التصرف.

ولكن فرنسا كانت قد استولت على جارتها «الجزائر»، ووضعت نُصب عينيها إضعاف علاقة تونس بالدولة العثمانية شيئًا فشيئًا، وتوثيق علاقاتها هي بها شيئًا فشيئًا، وانتهاز الفرص للتغلب عليه نهائيًّا.

وكان باي تونس الذي ملك خيرَ الدين هو الباي أحمد باشا الذي كان واليًا من (١٢٥٣ إلى ١٢٧١ﻫ)، وقد أنعم عليه السلطان محمود بالخلعة السنية ورتبة المشيرية. ونحن نعلم أنه في عهد السلطان محمود هذا ألجأته الظروف القاسية، وضغط أوربا ومطالبها وضعف حال دولته الداخلية، إلى أن يجتهد في تنظيم الدولة على أسس جديدة يقتبس فيها من نظم أوربا وقوانينها وإداراتها. وكان مما فعل أن أرسل إلى الباي أحمد هذا يطلب إليه أن يُدخل الأنظمة الحديثة في تونس وخاصة في الجيش، فطلب الباي الإمهال قليلًا والتدرج في التغيير بسبب عادات البلاد وتقاليدها وعقليتها، ثم أخذ فعلًا في تنظيم الجيش.

•••

في هذه البيئة كلها التي وصفناها وصفًا موجزًا جدًّا وضع الشاب خير الدين قدمه في تونس.

٢

تربى في قصر الباي أحمد — وكان من حسنات الباي أن اهتم بتعليمه ليعدَّه رجلًا من رجاله، والتعليم كله في تونس كان مصبوغًا بالصبغة الدينية، فكان البرنامج الذي أعد له أن يتعلم القراءة والكتابة، ويحفظ ما استطاع من القرآن ويجوِّده، وشيئًا من الفقه والتوحيد، فتقدَّم في كل ما تعلَّمه، وأخذ هو بعد ذلك يتوسع في العلوم الشرعية بمخالطة العلماء والاستفادة منهم، وعلماء اللغة والمران على الكتابة ومطالعة كتب التاريخ.

وعُرف في أوساطه بالتدين ومحافظته على أداء الشعائر وتوقير الشريعة ورجالها، وإلى ذلك نزعَ إلى تعلم الفرنسية فأحسن تعلمها، فكان يجيد العربية والفرنسية والتركية.

وحدث أن الدولة العثمانية كانت قد اتجهت إلى تنظيم شؤونها وخاصةً جيوشها — كما أشرنا قبل — وكتبت إلى ولاياتها بذلك، ومنها تونس، فأخذ الباي يُنظم جيشه؛ وكتب إلى فرنسا يسألها المعونة في ذلك، فأرسلت إليه بعثة من الضباط الفرنسيين وعلى رأسها القومندان كامبنون الذي صار فيما بعد وزيرًا للحربية الفرنسية في حكومة جامبتا.

فالتحق خير الدين بالجيش التونسي يتعلم من هذه البعثة، ومن ذلك الحين دخل في السلك العسكري، وكان هذا يوافق مزاجه الشركسي، فكان رئيسًا لفرقة من الفرسان، وما زال يرقى حتى كان أميرًا للواء الخيَّالة سنة (١٢٦٦).

أفادته التربية الأولى أن يكون متدينًا مثقفًا مطلعًا على أحداث الماضي قريبًا من نفوس العلماء وخاصة الشعب، وأفادته التربية الثانية حب النظام وقوة الحزم وسرعة البت والصلابة في الرأي.

ثم اضطرته الظروف بعدُ إلى مزاولة الأمور السياسية والانغماس فيها. قد كان في أيامه هذه ثلاث شخصيات مشهورة، هي التي تدير دفة الحكم وتظهر على المسرح: الباي أحمد باشا، ومصطفى خَزْنة دار، ومحمود بن عياد. فالباي أحمد — مولى خير الدين — والٍ طموح يحب رقيَّ بلاده، فيأخذ في تنظيم الجيش ويشجع نشر العلم، ويخصص المرتبات للعلماء، ويؤسس مكتبة فخمة في جامع الزيتونة، ويعيد تنظيم الإدارة الحكومية على أسس حديثة بتحديد الاختصاص، ولكن فيه إسرافٌ وإفراطٌ في الترف وقلة نظر للعواقب وخضوع لبعض الظالمين الماليين من رجال دولته؛ لحاجته إليهم فيما يسرف من مال، ونقطة الضعف هذه جعلته يتغاضى عما يأتون من مفاسد خطيرة.

ومصطفى خزنه دار وزير العمالة «المالية والداخلية» رجلٌ مغربي الأصل جاء تونس وسنُّه دون العشر، فرباه أحمد باشا كما ربَّى خير الدين، وارتقى في الوظائف حتى صار وزيرًا، وهو شخصية غريبة، ليِّن بشوش، لا يقول لا لمن طلب منه شيئًا ولو مستحيلًا، يرضى بالوعد ظاهرًا ويضمر عدم الوفاء باطنًا، عف اللسان، «مُتَدَروِش» يحافظ على الصلوات ويقرأ الأوراد ويقوم الثلث الأخير من الليل، وهو مع ذلك شرٍهٌ في جمع المال، لا يتورع عن السرقة والغضب ومشاركة السارقين والغاصبين. تولى الوزارة نحو خمسة وثلاثين عامًا أثقل فيها كاهل الشعب بالضرائب والمغانم والمظالم، يفعل ذلك كله نهارًا ويتهجد ليلًا، يختلس المال ويعمر المساجد.

بدأ حياته سمحًا كريمًا وختمها بخيلًا شحيحًا، زوَّج بنته من خير الدين لما تنبأ له بمستقبل باهر، وبسط سلطانه على الباي أحمد بحيله وأساليبه، غشَّى بصره فلم يعد يرى ظلمه وفساده، وحارب بكل قوته مَن تقرب إلى الباي أو من مال إليه الباي، حتى يضمن دوام نفوذه؛ يحبذ للوالي كثرة الإنفاق في الإصلاح وغير الإصلاح، ويشجعه على الإمعان في الترف والإفاضة في البذل، حتى يأسره بحاجته إليه وحتى يتخذ من كل ذلك وسائل لاستنزاف مال الشعب، بعضه له وبعضه للوالي.

ومحمود بن عياد يدُ مصطفى خزنه دار التي يقبض بها ويسرق بها ويستغل بها، وشريكه في المغانم والمظالم، وظيفته جمع الضرائب على اختلاف أنواعها، وشراء جميع ما تحتاجه الحكومة وما يحتاجه الوالي، وظل على هذا عشرين عامًا؛ ذكيٌّ خبيثٌ ماهر، يغالي في الضرائب ويتخذ كل الحيل حتى لاتصل مظالمه إلى سمع الوالي، فإذا وصلت احتال حتى تُرفض، استطاع أن يجمع من الثروة من هذه الأبواب ثمانين مليونًا.

رأى من بعيد أن الشعب بدأ يعلو أنينه وأنه يوشك أن يفتضح هو وشريكه، فهرَّبا أموالهما إلى فرنسا، وادعى ابن عياد المرض وزعم أنه مسافر إلى باريس للتداوي، فلما وصل إليها أعلن عدم العودة، وطلب أن يتجنس بالجنسية الفرنسية، فأجيب إلى طلبه.

ومع هذا كله فقد بلغ من «فُجره» أن ادعى على الحكومة التونسية أن له مبالغ طائلة قِبَلها (٦٠ مليون قرش تونسي = ٤٠ مليون فرنك) نظير مشتريات اشتراها لها لم تدفع ثمنها، وأخذت المسألة دورًا خطيرًا، إذ أصبح المدعي فرنسيَّ الجنسية تحميه حكومة فرنسا وتطالب بحقوقه. هنا اتجه الباي أحمد إلى خير الدين ليذهب إلى باريس ويخاصم ابنَ عياد، ويبين فساد زعمه ويثبت أن عليه — لا له — ديونًا يطالبه بها، وكانت قضية هامة لو حُكم فيها لابن عياد لوقعت تونس في الإفلاس، وزاد من خطرها ما كان تحت يده من مكاتيب ومستندات رسمية دبرها هذا الماكر تدبيرًا محكمًا.

وظلت هذه القضية في باريس أكثر من ثلاث سنوات من سن (١٢٦٩–١٢٧٣)، وخير الدين فيها يرافع ويدافع، وابن عياد يملأ فرنسا دويًّا، ويساعده على ذلك ما ينفقه عن سعة ويشتري الدور والأملاك في فرنسا، وعلى خير الدين أن يقاوم كل هذا.

وأخيرًا كُلِّفت لجنة القضايا بوزارة الخارجية الفرنسية دراسة هذا الخلاف ورفع تقرير عنه، وشُكلت لجنة تحكيم يرأسها الإمبراطور نابليون الثالث، وأصدرت حكمها وهو يقضي بتخفيض مطالب ابن عياد من ستين مليون قرش إلى خمسة ملايين، كما ألزمته بأن يدفع للحكومة التونسية ١٤ مليون قرش في ذمته لها، ودفع مبالغ أخرى، فكان مكسب تونس من هذه القضية نحو ٢٤ مليون فرنك. وفوق ذلك قام خير الدين في هذه السفرة بأعمال أخرى، أهمها أنه لما حدثت حرب القرم (١٢٧٠ﻫ / ١٨٥٣م) أرسل الباي أحمد لمساعدة الدولة العثمانية ١٤ ألف جندي بأدواتهم الحربية وأسطولًا من سبع قطع، وهذا أثقل كاهل تونس، فأرسل الباي إلى خير الدين بباريس مجوهرات لبيعها وفوَّضه في أمر ثمنها، فلم يقبل خير الدين هذا التفويض، وظل يراجع الباي فيما يعرض من ثمن حتى أنكر عليه كثرة الاستشارة وأمرَه بالبيع فورًا فباع.

ولم يكفِ ثمن هذه المجوهرات، فكلَّفه الباي أن يعقد قرضًا من فرنسا، وكانت هذه مسألة خطيرة لم يستطع ضمير خير الدين أن يحتملها؛ لا سيما وأن الباي قد أصيب بالشلل وقربت منيته، فماطل وماطل، وأخذ يبعث بالاستفهام تلو الاستفهام حتى مات الباي ولم يتم عقد القرض، فكانت محمَدةً من محامده حمدها له أهل تونس والباي الجديد المشير محمد باشا، وأنعم عليه برتبة فريق سنة (١٢٧٢).

أفاده بقاؤه في باريس هذه المدة اطلاعًا على الدنيا الجديدة ومعرفةً بنظمها واحتكاكًا برجال السياسة وفهمًا لأغراضهم، ووضع عينَه على أسباب رقيِّ الأمم وقارن بينها وبين تونس، لِم تأخرت وكيف ترتقي، مما كان له أثر كبير في حياته المستقبلة، كما أفادته علوَّ شأنه في أمته وثقتها به وأملها فيه.

ومما يُؤسَف له أنه بعد هذه الفضائح كلها بقي مصطفى خزنه دار، المغتصِب الكبير وصهر خير الدين في منصبه في الوزارة.

عاد خير الدين إلى تونس فعيَّنه الباي محمد باشا وزيرًا للحربية سنة (١٢٧٣)، وظل في هذا المنصب إلى سنة (١٢٧٩)، وفي هذه الفترة قام بإصلاحات كثيرة، فأصلح ميناء «حلق الوادي» وهو أعظم ميناء لتونس، وأمر بأن يُقيد كل شيء في وزارته، وكان هذا النظام أول ما أُدخل في تونس.

وأنشأ مصنعًا بخاريًّا لبناء السفن وإصلاحها، ووسع الطرق ونظَّمها. ولكن أهم من ذلك كله أن الدولة العثمانية وولاياتها التابعة لها والمرتبطة بها — ومنها تونس — مالت إلى اقتباس النظام النيابي تحت تأثير الضغط الأوربي وظهور فساد الحكم الاستبدادي، وميل خواص الشعوب الشرقية إلى إصلاح الحال وإدخال النظم الحديثة — فكان خير الدين العقل المنظم لهذه الحركة، ومن له النصيب الأكبر في وضع القوانين لمجلس شورى منتخب.

وصدر الأمر به سنة (١٢٧٧)، وانتخب أعضاء المجلس، وكان خير الدين الرئيس الفعلي له بجانب وزارته للحربية.

ولكن هذا المجلس اصطدم بطائفتين لهما خطرهما: فرجالُ الدين لم يرضوا عنه؛ لأن بعض أحكام القانون سياسيةٌ لا شرعية؛ ولأن القانون يقضي بالحكم بالأغلبية، وقد ترى الأغلبية ما لا يرتضي الدين. وأصحاب السلطان من الوالي ومصطفى خزنَة دار لم يرضيا عنه في باطن نفوسهما؛ لأنه يسلبهما سلطانهما، فأراد خير الدين أن يكون السلطان الحقُّ للمجلس، وأرادا أن يكون المجلس ستارًا شرعيًّا لتسلطهما وأداةً طيِّعة لتنفيذ أغراضهما، أراده حقيقة وأراده لعبة. أراد مِن كل عضو أن يقول ما يعتقد في صدق وإخلاص وجرأة، وأراداه من كل عضو أن يتحسس رأيهما فيعبر عنه، فكان النزاع وكان الخصام. عُرض على المجلس رغبةُ شركةٍ فرنسية بأن تقوم بمد ماء زغوان إلى قرطاجنة، ثم يوصَّل إلى المرسى والحاضرة، وفي هذا المشروع فوائد ومضار. وتجادَل الأعضاء فيه، منهم من يُحبذه لفوائده، وبعضهم يرفضه خوفًا من تغلغل النفوذ الفرنسي ورغبةً منهم أن يدبروا الأمر لتقوم بالمشروع الحكومة التونسية نفسها، واشتد الجدل ومالت الأغلبية إلى الرفض، وهنا قال الوالي: لقد وعدتُ قنصل فرنسا وعدًا قاطعًا بالموافقة على المشروع. فكان خير الدين جريئًا إذ قال: فلِم جمعتنا إذًا لتأخذ رأينا، وكان يكفي سماع هذا الخبر من سيادتكم؟!

وأرادوا أن يُصرف فاضلُ الأوقاف على الإصلاحات العسكرية، واستندوا إلى فتوى من أحد العلماء المالكية، فعارض خير الدين في هذا وأوضح وجهة نظره بأن الشؤون العسكرية لها مخصصات في مالية الدولة، ولا يصح أن تمتد الأيدي إلى فاضل الأوقاف إلا إذا عجزت مالية الدولة واستُنفدت في وجوهها العادلة، أما إذا كانت تُبعثر هنا وهناك ويُصرَف منها على الترف والشهوات فلا يصحُّ أن تمتد الأيدي إلى فاضل الأوقاف.

وناحية ثالثة لم يكن يُرضيها النظام الشوري وإقامة العدل، وهي الحكومة الفرنسية إذ ذاك؛ لأن شمول العدل والنظام الشوري واستقرار الأمور يُضيع على فرنسا مطمحها في الاستيلاء على البلاد، فكان ممثلو فرنسا يحرِّضون الباي على التلاعب بالمجلس الشوري. ولما حضر نابليون الثالث إلى الجزائر وتوجه إليه باي تونس، وقدم له نسخة من قانون الشورى الذي وضعه، قبلها منه بالشكر ظاهرًا، ونقدها أمام رجاله سرًّا، وقال: «إن العرب إذا استأنسوا بالعدالة والحرية لم نسترح معهم في الجزائر». وهكذا اتجهت سياسة فرنسا في هذه البلاد إلى التظاهر بتشجيع حركات الإصلاح والعمل سرًّا على إحباطها.

وهكذا كل يوم مشكلة وكل يوم نزاع، والإصلاح مستحيل مع هؤلاء، فاستقال وقال: «لقد حاولت أن أسير بالأمور في طريق العدالة والنزاهة والإخلاص فذهب كل مسعاي سُدى، ولم أشأ أن أخدع وطني الذي تبناني بتمسكي بالمناصب، ورأيت أن الباي — وعلى الأخص وزيره الرهيب العظيم الجاه مصطفى خزنه دار — لا يلجآن إلى التشريعات الإصلاحية إلا لتبرير سيئاتهما تبريرًا قانونيًّا، فقدمت استقالتي سنة (١٢٧٩) من رياسة المجلس ومن وزارة الحربية، وعدت إلى حياتي الخاصة».

لم يشأ أن يثور بعد اعتزاله ولا أن يكون حزبًا يناضل في سبيل تحقيق العدالة، فذلك ما لم يتفق ومزاجه ولم تتهيأ له البلاد، ثم هو تربطه بركنَيْ الاستبداد روابط تقيد حريته؛ فالباي مولاه، ومصطفى خزنه دار صهره، وموقف البلاد إزاء المطامع الأجنبية دقيق؛ لهذا كله اعتزل وسالم، ونفض يده من العمل الرسمي مع الإلحاح عليه في العودة، ولكنه لم يقطع علاقاته الشخصية بالباي والوزير، واستمر على هذه الحال تسع سنوات امتلأت بأمرين جديرين بالذكر: الأول: سفره سفيرًا من الباي إلى ألمانيا وفرنسا وإنجلترا وإيطاليا والنمسا والسويد وهولندا والدانيمارك وبلجيكا في مهمة خاصة، فمكنته هذه ورحلته السابقة — كما يقول — من دراسة الأسس التي قامت عليها المدنية الغربية، وبنت عليها الأمم الكبرى قوتها ونفوذها. والثاني: تأليفه كتاب «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك».

٣

عكف خير الدين في أثناء اعتزاله الوزارة على وضع كتاب سماه «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك»، وسُميت ترجمته الفرنسية «الإصلاحات الضرورية للدول الإسلامية». وكان في ذهنه عند تأليفه أن يحذو حذو تاريخ ابن خلدون، يؤلفه بروح العصر، ومطالب العصر، فاشتمل أيضًا على مقدمة وتاريخ. فأما المقدمة — فقد أراد منها البحث في حالة البلاد الإسلامية وأسباب انحطاطها بعد ازدهارها وكيفية إصلاحها.

وأما التاريخ فقد استعرض فيه حال الممالك الأوربية، لا من ناحية تعاقب ملوكها وتسلسل حروبها، ولكن من ناحية وصف كل دولة في إدارتها وجيوشها، ونظام الحكم فيها، وماليتها وكيفية ضبطها، وقوتها البرية والبحرية. وقد وصف — على هذا المنوال — الدولة العثمانية وفرنسا وإنجلترا وروسيا وألمانيا وإيطاليا وأسبانيا والبرتغال وهولندا والدانيمرك وبلجيكا وسويسرة واليونان، ثم وصف جغرافية أوربا الطبيعية … إلخ، وكان أهم ما يقصد من ذلك أن يضع أمام القارئ العربي صورة لنهضة أوربا وأسبابها، وطريقة الحكم فيها حتى يقتبس المسلمون منها ما يَصلح لهم وحتى يثير عندهم الرغبة في الاقتداء بهم والعمل على منوالهم، وقد أودع فيه خلاصة ما رأى في سياحاته وما قرأ وما فكر.

وأهمُّ ما يعنينا الآن مقدمته التي تشرح حال المسلمين وحاجتهم إلى الإصلاح وطريقته؛ وهو فيها ينعي على المسلمين كراهيتهم الأخذ بأساليب المدنية الغربية في الإصلاح، واعتقادهم أن كل ما صدر عن أوروبا حرام، يعللون ذلك بعلل مختلفة كأن يقولوا: إنها مخالفة للشريعة الإسلامية، أو يقولوا: إنها إذا ناسبت الأمم الغربية فلا تناسب الأمم الشرقية؛ لأن كل أمة لها موقفها الاجتماعي وعقليتها وتاريخها، أو يقولوا: إن المدنية الغربية بطيئة الإجراءات وخاصة في طريقة القضاء، أو أن يقولوا: إن النظم الغربية تستلزم التوسع في الإدارة وتقسيم الأعمال وهذا يستلزم كثرة الوظائف والموظفين، وليس هناك مال يكفي لكل هذا، فلا بد إذا من فرض ضرائب جديدة، والبلاد فقيرة وأهلها لا يحتملون زيادة الضرائب. وقد وقف نفسَه للرد على هذه المزاعم:

فأما الزعم الأول: فالتمسك بالدين لا يمنع من النظر فيما عند الأمم الأخرى، والأخذ بأحسنه فيما يتعلق بالمصالح الدنيوية؛ فليس بالناس يُعرف الحق، ولكن بالحق يُعرف الناس، والحكمة ضالة المؤمن يأخذها حيث يجدها، وسلمان الفارسي لما اقترح على النبي حفرَ خندقٍ في غزوة الأحزاب أخذ برأيه ولم يكن ذلك معروفًا عند العرب، والمسلمون الأوَّلون أخذوا علوم اليونان ومنها المنطق واستفادوا منها، وقال الغزالي: مَن لا معرفة له بالمنطق لم يوثق بعلمه، وأبو بكر الصديق قال لخالد عند إرساله لقتال أهل الردة في اليمامة: «إذا لا قيت القوم فقاتلهم بالسلاح الذي يقاتلونك به، السهم للسهم والرمح للرمح والسيف للسيف»، ولو أدرك هذا الزمان لقال: المدفع للمدفع والبارجة للبارجة والمدرعة للمدرعة. ولا يمكن الاستعداد لمنازلتهم بمثل سلاحهم إلا بالعلم وأسباب العمران. ثم نقول لهؤلاء الذين لا يستحسنون ما تأتي به المدنية الغربية: لماذا تنكرونها فقط في التنظيم ونتائجه والإدارة وضبطها والعدل وإقامته، ولا تنكرونها فيما يتنافسون فيه من الملابس والأثاث والمخترَعات وأسباب الترف؟! فالذين صنعوا أدوات الزينة والنعيم هم الذين صنعوا الأسلحة واخترعوا العلوم والمعارف. أنفتح الباب للأخذ منهم فيما لا ينفع ونغلقه أمام ما ينفع؟! أنصد عن الأخذ عنهم ونتركهم يستغلون زراعتنا ومواردنا وينعمون بها ثم نكتفي منها بفتات موائدهم؟ إنهم ما وصلوا إلى استغلالنا إلا بمعارفهم، ولم ترتقِ معارفهم إلا بالعدل والحرية، فكيف يسوغ لعاقل أن يصد عن ذلك ويغمض عينيه ولا يسمح به، استنادًا على خرافات وأوهام؟ وقد قال بعض المؤلفين في السياسة الحربية: «إن الأمة التي لا تجاري جاراتها في معداتها الحربية ونظمها العسكرية، توشك أن تقع غنيمة في أيديهم»، وإنما خص النظم الحربية بالذكر؛ لأنها موضوع كتابه، وإلا فالحكم عام في كل مرافق الحياة.

«ومن داوعي الأسف أن هذه النظرة إلى المدنية الغربية لا تزال تؤثر في بعض الأوساط في الأمم الإسلامية، وإن اختلفت درجتها في الإصغاء إلى هذه الدعوة؛ كالتخويف من تعليم المرأة، ومن الاستمداد من التشريع الحديث. ولعل هذا من الأسباب التي جعلت النصارى والمسلمين إذا اجتمعوا في قُطر واحد كان النصارى أسبق إلى تشرب المدنية الغربية والاستفادة منها، ثم يأتي بعض الناس فينسبون ذلك إلى طبيعة الإسلام، والإسلام لا يمنع أن يقتبس الصالح من الأمر حيث كان وممن كان.

أما هؤلاء الذين يقولون: إن المدنية الغربية لا تُناسب الأمم الإسلامية لموقفها الاجتماعي فنقول لهم: إن أوربا عندما بدأت نهضتها كانت أسوأ حالًا منا، والأمة الإسلامية — كما يشهد المنصفون — لها نم عقليتها واستعدادها وسابق مدنيتها ما يمكنها من السير في المجال إذا أُذكيت حريتها الكامنة؛ فالحرية والطموح غريزتان في المسلمين تأصلتا فيهم بتعاليم دينهم، غاية الأمر أنه من الواجب على القادة الذين يضعون أسس حريتهم، ونظم إدارتهم أن يراعوا ظروفهم وأن يقدموا لهم من ذلك ما يستطيعون هضمة، ثم يوسع هذا شيئًا فشيئًا بنمو أسباب التمدن.

أما القول ببطء الإجراءات، فإن كان سببه إعطاء الحوادث حقها من التأمل حتى يتضح عند الحاكم وجه الحق بالإفساح للمتخاصمين أن يدلوا بحججهم، فلا يصح أن يشكو منه جاهل أو متجاهل، وهذا خير ألف مرة مما يجري الآن من الإسراع في الحكم من غير تمحيص ومن غير إبداء أسباب، وإن كان سببه تقصير الموظفين أو قصورهم، فما على الحكومة إلا أن تختار الأكفاء وتدربهم، وكذلك الشأن في الأمور السياسية الكلية لا بأس من البطء فيها إذا كان البطء لتحري الصواب ومعرفة وجه الحق. ومع هذا فقد يحدث البطء والتحفظ أول الأمر، فإذا مرنت الأمة عليه أسرعت في شؤونها.

وأما الخوف من زيادة الضرائب فالأمر بالعكس؛ لأن الحكم الشوري يجعل الضرائب لا تُفرض إلا حيث المصلحة وبرضا أهل الحل والعقد، على حين أن الحكم الاستبدادي يجعل فرض الضرائب شهوة من شهوات الحاكم المستبد. ثم إن تنظيم الدولة وشؤونها بضبط دخلها وخرجها يزيد في مصادرها فتنعم الأمة بماليتها، وإذا فُرضت ضريبة؛ فلأنها تفيد أكثرَ مما تضر، لا كما هو حاصل الآن من وضع إيراد الدولة تحت تصرف الحكام يصرفون منه على شهواتهم من غير حساب، فإذا أسرفوا وأتلفوا لم يجدوا إلا باب فرض ضرائب جديدة.

الحق أن الأمم الإسلامية لا تصلح إلا بالنظام الشوري الذي يقيد الحاكم، وبأن نستمدَّ من النظم الغربية والمدنية الحديثة ما يُصلحنا. والحق — أيضًا — أن الذين يقفون أمام هذه الدعوة إلى الإصلاح إما جهلة لا يعرفون كيف تقدَّم العالم وكيف أصلح عيوبه وأسس نظمه، ثم يدعوهم الجهل إلى الاستنامة لنظمهم المعيبة وطرقهم المعوجة، ويرون أن الإصلاح بدعة من بدع آخر الزمان، وإما قومٌ يعلمون وجوه الإصلاح ومزاياه، ولكنهم يرون أنها تسلبهم منافعهم الشخصية التي تتوافر لهم بالاستبداد والفوضى ولا تتوافر بالنظام، فيحاربونها تحت ستار ما يزعمون من أضرار وما يختلقون من أسباب، وهم في باطن أنفسهم يعرفون أنهم كاذبون.

إن العدل والحرية هما ركنا الدولة، وهما اللذان كانا في المملكة الإسلامية فأزهرت، ثم فُقدا فذبلت، ولم يكونا في الدول الأوربية فانتابها الضعف والفساد، ثم كانا فصلح حالها، وليس جو أوربا أحسن الأجواء، ولا أرضها أصلح الأراضي، وإنما بلغ أهلها ما بلغوا بالتقدم في العلوم والصناعات واستخراج كنوز الأرض بعلوم الزراعة، وكسب المال بعلوم التجارة، وهذا كله لم يكن إلا وليدًا للعدل والحرية، وهذه قوانين طبيعية لا تتخلف؛ عدلٌ وحرية يتبعهما عمران، وظلمٌ واستبداد يتبعهما خراب.

ثم إن العدل والحرية يجب أن يوضع لهما من النظم ما يضمن وجودهما ودوامهما. وليس هناك ضمانٌ إلا بالمجالس النيابية، فقد يكون في الملوك من يحسن تصرفه بدون مشورة، ولكن يكون ذلك موقوتًا بوقته، يزول بزواله؛ فوجب أن يحاط بأهل الحلِّ والعقد، يشاركونه في كلِّيات السياسة، ويكون الوزراء مسئولين أمامهم. وكل ما أصاب الأمم الإسلامية إنما أصابها مِن ترك الأمر فيها إلى مشيئة حاكمها وخضوع الوزراء لإشاراته. وقد قال ابن العربي في الضرائب التي تؤخذ من الناس عند فراغ بيت المال: إنها يجب أن تؤخذ جهرًا لا سرًّا، وتُنفق بالعدل لا بالاستئثار، وبرأي الجماعة لا بالاستبداد.

وقد كنت أتحدث مع كبير من أعيان أوربا، فأسهب في مدح مَلكه وتضلعه في أصول السياسة وصواب منهجه، فقلت: فلمَ إذًا تخاصمونه في الحرية السياسية؟ فقال: مَن يضمن لنا بقاء استقامته واستقامة ذريته من بعده؟ وقد اقتبس بعد ذلك من أحد مؤرخي نابليون قوله: «إن نابليون أخطأ — مع عظمته — لاستبداده، ويجب على الأمة الفرنسية أن تتعلم من غلطاته. وإن ما ينبغي أن يُستخلص من كل تاريخه أنه لا يليق بأي فرنسي أن يبذل حريته لأي أحد، كما لا ينبغي له الإفراط في حريته حتى تُنتهك حرمتها».

وقد أيد خير الدين نظرته هذه بالرجوع إلى التاريخ، فاستشهد بالمملكة الإسلامية، بم تقدمت، وبم تراجعت، وبأوربا بم تأخرت وبم نهضت وبم نمت.

وحمَّل المسلمين تبعة تأخرهم، ولكنه لم يهمل نقد أوربا بإزاء الدول الإسلامية في تصرفاتها وخاصة في مسألة «الامتيازات الأجنبية» استنادًا إلى عهودٍ قديمة مضى وقتها، ولم تكتفِ بالعهود، بل توسعت في تفسيرها ما شاءت لها قوتها. وهذا كله مخالف للقانون الأساسي البديهي، وهو أن من دخل مملكة فلا بد أن يخضع لأحكامها. فإذا ادعى أن المملكة الإسلامية متأخرة في نظمها، فهناك مَن هم أكثر تأخرًا منها، وأوربا لا تطلب امتيازات فيها. وإذا ادَّعى كراهيةَ بعض عوام المسلمين للنصارى وحيفهم عليهم، أمكننا الادعاء بحق كراهية بعض النصارى للمسلمين وحيفهم عليهم، فلا مبرر إذًا لهذه الامتيازات. يضاف إلى ذلك ما تقوم به بعض ممالك أوربا من وضع العراقيل في سبيل تنظيم الممالك الإسلامية لشؤونها، وإدخال وسائل الإصلاح التي تراها، وإيقاع الدول الإسلامية في حيرة بين مطالبةٍ بالإصلاح وإعاقة للإصلاح.

ثم من أهم العوائق في تقدم المسلمين وجود طائفتين متعاندتين: رجال الدين يَعلمون الشريعة ولا يعلمون الدنيا، ويريدون أن يطبقوا أحكام الدين بحذافيره بقطع النظر عمَّا جدَّ واستُحدث، ورجال سياسة يعرفون الدنيا ولا يعرفون الدين، ويريدون أن يطبقوا النظم الأوربية بحذافيرها من غير رجوع إلى الدين، فنقول للأولين: اعرفوا الدنيا، ونقول للآخرين: اعرفوا الدين. فاعتزال العلماء شؤون الدنيا ثم تحكمهم ضرر أي ضرر، وجهل رجال السياسة بأصول الدين ضرر مثله. والواجب امتزاج الطائفتين وتعاونهما. فهناك أصول الدين يجب أن تراعى، وهناك أمور لم يُنص عليها تقتضيها مصالح الأمة يجب أن تقاس بمقياس المنفعة والمضرة ويُعمل فيها العقل.

ثم أبان الأسس التي بُنيت عليها المدنية الحديثة التي يمكن اقتباسها ونشرها في المملكة الإسلامية كالحرية بنوعيها، وهما الحرية الشخصية وهي «إطلاق التصرف للإنسان في نفسه وكسبه مع أمنه على نفسه وعرضه وماله ومساواته لأبناء جنسه في الحقوق والواجبات»، والحرية السياسة وهي المشاركة في نظام الحكم والمداخلة في اختيار الأصلح — ثم تأسيس القوانين بنوعيها، وهي قوانين الحقوق المرعية بين الدولة والرعية، وقوانين حقوق الأهالي فيما بينهم — ثم مسئولية الوزراء أمام الأمة في مجلسها الشوري … إلخ.

وختم ذلك بإبداء رأيه في أن إيجاد هذه النظم من لوازم وقتنا، وكل من وقف في سبيلها عديم الأمانة والنصيحة لدولته ووطنه.

هذه زبدة ما في المقدمة التي تبلغ نحو مائة صفحة، ومنها نعرف وجهته في الإصلاح، ونعود بعد ذلك إلى متابعة حياته.

٤

بعد أن ترك خير الدين الوزارة وتخلى عن الكفاح وانصرف إلى التأليف، خلا الجو لمصطفى خزنه دار، يثقل كاهل الشعب بمظالمه ومغانمه. والباي محمد الصادق باشا الذي تولى سنة (١٢٧٦) رجلٌ لين سهل ناعم، لا يحب أن يواجه صعوبة ولا يسمع بمشكلة، يُسلم الأمور لوزيره ولا يسأله عما يفعل، ولا يُهمه منه إلا أن يواليه بالمال الكثير الذي يصرفه في ترفه.

والمجلس النيابي الذي أنشئ وجد فيه مصطفى خزنه دار عائقًا لتصرفاته واستبداده، فألغاه وألغى كل ما تبعه من نظم، وعادت الأمور إلى مجراها الأول، واسترد الوزير حريته في فرض الضرائب وطرق تحصيلها.

وما زال مصطفى خزنه دار يستنزف مواردَ البلاد حتى نضب مَعينُها، فاتجه إلى أوربا يستدين منها، وفي أقل من سبع سنوات بلغ الدين (١٥٠ مليون فرنك).

ووقعت البلاد في شر محنة؛ فمن ناحية ثار الشعب من ضرائب تضاعفت، بل بلغت في بعض الأحيان ثلاثة أمثالها، إلى جور وفساد في التحصيل والتوزيع أسلمَ إلى الإفلاس، حتى بلغ الحال آخر الأمر أن لم يكن في خزانة الدولة مرتبات أسرة الباي ولا مرتبات الموظفين ورجال الجيش ولا فوائد الديون، وحتى اضطر أوساط الناس إلى إخراج نسائهم لجمع العشب وعروق الأشجار للاقتيات بها، ومَن كان عنده قليل من المال أخفاه حتى لا يصادَر، وتظاهَرَ بالفقر، وكان يغلي القمح في الماء ليلًا من غير طحن حتى لا يُتهم بالرخاء، وفشا المرض والموت إلى أفظع حد. ومن ناحية أخرى تدخلت الدول الأوربية تريد المحافظة على ديونها. واقترحت فرنسا تشكيل لجنة مالية، ووافقتها إنجلترا وإيطاليا، وصدر مرسوم من الباي سنة (١٢٨٦) بتشكيلها من فرنسيين وإنجليز وإيطاليين يرأسها موظف تونسي، وجعلت مهمتها توحيد الدَّين وتحديد الفوائد وإدارة المرافق التي خُصصت لهذا الدين. وهكذا كانت رواية واحدة مُثلت مرة في مصر ومرة في تونس، لم يختلف فيها إلا أشخاص الممثلين.

عند ذاك اتجه الباي إلى خير الدين يطلب منه أن يرأس اللجنة، فاعتذر،فألح عليه حتى قبل، وحمل مهمة شاقة في الداخل والخارج، ومُنح لقب وزير، ومن الغريب أن الباي احتفظ بمنصب الوزير الأول لمصطفى خزنه دار، الذي أسلم البلاد للدمار! وليس لهذا سبب إلا ضعف الباي وشلله أمامه كما يُشل العصفور أمام الثعبان.

واجه خير الدين مشاكل من أعسر الأمور، فاللجنة المالية المختلطة تريد أن تضع يدها على كل شيء في الدولة؛ لأن كل شيء متصل بالمال، حتى المعلم في المدرسة والقاضي في المحكمة، ولو فعلت لأضاعت استقلال البلاد بتاتًا.

ومشكلة ثانية: وهي كيف ينقذ هذا الشعب بعدما احترق بالجوع والفقر والمرض وفقدان الثقة بالحكومة.

ومشكلة ثالثة: وهي بقاء مصطفى خزنه دار رئيسًا للوزارة، وهو الشره في المال كشرهه في حب السلطة والجاه. ومن ذاق لذة ذلك لم يتنحَّ عنه اختيارًا، وهو بطبيعته وتاريخه عدو كل إصلاح، غيور ممن يشاركه جاهه. فأما المشكلة الأولى فاستطاع خير الدين — بالمفاوضات الطويلة مع اللجنة، ومع الدول — أن يحصر دائرة نفوذها في موارد محدودة وأن ينظم ميزانية الدولة، ويضمن للدائنين دفع الفوائد في حينها، إلى غير ذلك من وسائل تعهَّد بها ونفذها في ضبطٍ وأمانة.

وأما المشكلة الثانية فقد رأى كثرة الضرائب قد أضاعت الزراعة وجعلت البلاد خرابًا. ولم يزرع الناس، إذ كان نتاج زرعهم ليس لهم، وكان زارعهم وغير زارعهم يستويان في الفقر؟ فخفف من الضرائب، ونظَّم طرق تحصيلها، وأخذ بالشدة مَن تلاعب فيها، وشجع غرس الزيتون والنخيل، فأعفى كلَّ من غرس منهما جديدًا من الضرائب عليها مدة عشرين عامًا، وأرجع مَن فرَّ من الأهالي لكثرة مطالب الحكومة، وأسقط ما عليهم، وأمر بالنظر في شكايات من نُكب من الناس على يد الحكومة السابقة ورد ظلامتهم، ووضع صندوقًا كبيرًا في ميدان تونس يضع فيه كل متظلم ظلامته وأعفاه من التصريح باسمه، وجعل مفتاح الصندوق معه، هو الذي يفتحه بنفسه، وهو الذي يقرأ الظلامات، ويوقِّع عليها بما يراه من تحقيق العدل.

وأما المشكلة الثالثة فقد ظل في نزال مع مصطفى خزنه دار حتى زادت فظائعه وانكشفت، وألح الناس بوجوب عزله، وسقط سقطه ضبطتها اللجنة المالية، فعُزل من منصبه سنة (١٢٩٠)، وأقام الناس لذلك من الزينات والأفراح في جميع بلدان القطر ما لم يُسمع بمثله، وأصدر خير الدين قرارًا بمحاكمته على ما اتهم به، فحوكم. والتزم بدفع خمسة وعشرين مليون فرنك.

وبذلك خُتمت حياة مصطفى خزنه دار السياسية، وهي حياةٌ تُعد مأساة الأمة، من ناحية موت الضمير لرجلٍ وُكلت إليه شؤون البلاد في أوقات حرجة مليئة بالمطامع الدولية، ومن ناحية خنوع الشعب لهذا الرجل ومظالمه مدةً تزيد على ثلاثين عامًا، من غير أن يكون هناك رأي عام يزلزله وينحيه، وقوة الاحتمال في مثل هذه الأحوال رذيلة من أكبر ما تُمنى به الشعوب.

مِن ذلك الحين كان خير الدين هو الوزير الأول، أُطلقت يده فيما يرى من إصلاح، ولا يغل يده إلا مطامع الدول.

تولى إصلاح القطر من جميع نواحيه، السياسية والزراعية والتعليمية والاقتصادية والمالية والإدارية والقضائية.

فسلك مع قناصل الدول مسلكًا حازمًا صريحًا، يُصغي إلى طلباتهم المعقولة ويرفض غير المعقولة، مع ذكر الأسباب المفصَّلة للرفض، فلا يداهن ولا يرائي؛ ولذلك احترموه ولو خالفوه، وقد يضعون العقبات في سبيله باطنًا، ولكنهم يجاملونه ظاهرًا.

وقسم الأراضي الزراعية إلى مناطق، وتحرَّى اختيار الأمناء لجلب الضرائب. ومَن سَهُلَ عليه دفع الضريبة نقدًا فعل، أو محصولًا فعل، ونكَّل بمن ثبتت عليه الخيانة من الجباة، ونظم العلاقات بين الملاك والمزارعين وبين الملاك والحكومة، وألغى الضرائب غير المعقولة وغير المستطاعة، وأبطل الحملات العسكرية لتحصيل الضرائب بالقوة؛ لأنها كثيرًا ما كانت تؤول إلى أعمال السلب والنهب، فعادت للناس طمأنينتهم، وعاد للحكومة هيبتها واحترامها، وانصرف الناس إلى الزراعة بعد أن كانوا ينصرفون عنها. ولما ترك الحكمَ كانت مساحة الأرض المستغلة مليون هكتار، وكانت حين تَسلَّم زمام الحكم ستين ألفًا.

وفى التعليم أنشأ مدرسة عصرية تعلَّم فيها العلوم العربية والشرعية، وبجانبها الثقافة العصرية، مع تعليم اللغات التركية والفرنسية والإيطالية، وأصلح التعليم بجامع الزيتونة. وجمع الكتب المبعثرة في المساجد، وكوَّن بها مكتبة كبيرة، ووهب له من عنده ألفًا ومائة كتاب مخطوط، ونظَّمها تنظيمًا حديثًا، وحسَّن مطبعة الدولة ووكل إليها نشر الكتب العلمية والأدبية، وأصلح إدارة «الرائد التونسي» وهي الصحيفة الرسمية للحكومة، وشجع على نشر المقالات فيها، وكان ينشر فيها أفكاره السياسية، وألزم الموظفين بقراءتها، والتفت إلى الناحية الاقتصادية، فنظم الجمرك ورفع ضريبة الاستيراد ٥٪ وخفض ضريبة الإصدار، وأنشأ المخافر الجمركية لمنع التهريب، ونظم الوظائف الحكومية وعيَّن مرتباتها، كما حدد مرتبات القصر، ووضع ميزانية الدولة على أساس صحيح، وضبط المكاتبات في الدواوين، وأنشأ السجلات للصادر والوارد ورتَّبها حتى يسهل الرجوع إليها.

وجدَّ في إحياء الصناعات المغربية كالنقش على الجص والقباب، وكان يأتي بمهرة الصناع من البلاد، ويعهد إليهم بتعليم طائفة من الشبان.

ونظَّم الأوقاف وكانت فوضى في البيع والشراء وصرْفِ الريع، وآلت أعيانها إلى الخراب، فجمعها في إدارة واحدة، وجعل عليها السيد محمد بيرم ومعه مجلس يُعينه في تنظيمها.

ونظر فرأى الناحية التشريعية والقضائية في البلاد مضطربة، والأجانب لا يخضعون لقانون البلاد، وليس من السهل إقناعهم بالخضوع؛ إذ ليس في البلاد قانون، فكان لكل من المذهب الحنفي والمالكي قاضٍ مطلَق الحكم في الحوادث، وقد يحدث أن الحادثين المتشابهين يُقضى فيهما قضاءان مختلفان. ومن المبادئ التي يدين بها الأجانب أن تكون القوانين معروفة قبل الأحداث، ليست مجالًا للاجتهاد ولا التلاعب، فعهد خير الدين إلى إخصائيين بدراسة القوانين المعمول بها في الدولة العثمانية وفى مصر وفي أوربا، وأن يستخرجوا منها قانونًا يناسب القطر التونسي، واستمرت اللجنة في عملها، ولكن خرج الوزير من الوزارة قبل أن يتم.

وهكذا نقل البلاد من حالة كرب وضيق وظلم وفوضى إلى حالة أمن ورخاء وضبط ونظام، ورقي في كل مرفق من مرافق الحياة، وكأنه بذلك كان يستملي نهضة مصر فيدخلها معدَّلة في بلاده.

أما المشاكل الدولية التي كانت أمامه فمعقدة مشتبكة ملتوية: فرنسا تنظر إلى تونس نظرة الصائد نشرَ شبكته، تحاول أن تجد من كل حادثة منفذًا لتدخلها، فإذا لم تجد الحادثة خلقتها خلقًا، وتدَّعي أن لها الحق فيما لها فيه حقٌّ وما ليس لها فيه حق، وتصطنع الرجال وتمنيهم المناصب الكبيرة حتى منصب الباي، إذا هم أعانوها وأفسحوا الطريق أمامها لبسط حمايتها. وإيطاليا ليست أقل مِن فرنسا مطمعًا. ولما حدثت الحرب بين فرنسا وألمانيا سنة (١٢٨٨ﻫ/١٨٧١م)، وخرجت منها فرنسا منهزمة، اشتدت مطامع إيطاليا، وجدَّت في سعيها لتوسيع نفوذها، فكانت تونس مسرحًا لتسابق الدولتين، كلٌّ تدبر دسائسها، وكلٌّ تشتري ذمم أنصارها، وكلٌّ توعز إلى جرائدها بما يتفق ومصلحتها.

وسط هذه المطامع والنذر بالخطر رأى خير الدين أن يضرب الدولتين بعضهما ببعض، وأن يقوِّي الصلة بين تونس والدولة العثمانية؛ لأن تونس لا تستطيع القيام بنفسها، فرسم خطة توثيق الصلات وتحديد العلاقات بينهما، وكانت علاقات غامضة غير محدودة، فسعى سعيًا متواصلًا، وخاطب الباب العالي في هذا الشأن وشرح له وجهة نظره، فأجيب إلى طلبه. وطلب الباب العالي إرسال مندوب إلى إستانبول للمفاوضة في هذا الأمر، فوقع الاختيار على خير الدين نفسه، فسافر وفاوض ونجح في استصدار فرمان يحدد هذه العلاقة، ويقرر أن تونس إيالة عثمانية ولواليها الحق في تولية المناصب الشرعية والعسكرية والملكية والمالية لمن يكون أهلًا لها، وفي العزل عنها بمقتضى قوانين العدل، وفي إجراء المعاملات المعتادة مع الدول الأجنبية، ما عدا الأمور السياسية التي تمس حقوق الدولة العثمانية؛ كأصول السياسة والحرب وتغيير الحدود، كما تتضمن إقرار الوراثة في العائلة المالكة، مع المحافظة على الخطبة للسلطان وضرب السَّكَّة باسمه، وإجراء الأمور الداخلية في البلاد على قوانين الشرع ومراعاة قواعد العدل التي يقتضيها الوقت والحال، والتي تُؤَمِّن الناس في النفس والعرض والمال. وقد صدر هذا الفرمان سنة (١٢٨٨)، واستقبله الأهالي بالسرور.

وأخذ الباب العالي على عاتقه السعي في موافقة الدول عليه، ولكن مشاكله واضطراب أموره الداخلية والخارجية حالًا دون إتمامه، وأبت فرنسا الموافقة عليه؛ لأنه يعوقها عما تنويه لتونس.

هذه خطة خير الدين: إصلاحٌ في الداخل في كل ناحية من نواحي الحياة الاجتماعية، وإصلاح في الخارج بربط البلاد بالدولة العثمانية ربطًا وثيقًا يناهض به أطماع فرنسا وإيطاليا. ولكن عوَّدنا التاريخ ألا يأتي مصلحٌ بمثل ما أتى به خير الدين إلا أوذي.

٥

بعد أن سار شوطًا بعيدًا في طرق الإصلاح كانت تتجمع عناصر مختلفة تعاديه وتضع العراقيل في سبيله، وتشيع الأخبار عن خيانته وسوء قصده، وتفسر بالشر بعض ما يأتى من الخير، وتجسم بعض ما يرتكب من أخطاء، ولا بد لكل مصلح من أخطاء.

فالباي (محمد الصادق) كان مصطفى خزنه دار الناهبُ السارق الخائن أحبَّ إليه من خير الدين النزيه العادل الحازم، فهذا لم يكن يعطيه من المال إلا ما تقرر له في الميزانية، وذاك يعطيه ما يشتهي ليأخذ لنفسه ما يشتهي، وهذا حازم لا يجيز من الأمر إلا ما وافق العدالة ومصلحة الشعب، وذاك يقبل الشفاعة والرجاء ولو على حساب العدالة ومصلحة الشعب؛ وهذا جادٌّ خشن الملمس، وذاك ناعم هين لين، والأمراء المترَفون يرضيهم المظهر ومن يجيب رغباتهم، أكثر مما يرضيهم المخبر ومن يقدِّر التبعات.

لذلك كرهه الباي وعاداه، ولكنه رأى تعلق الناس به فجاراه وداراه، وخالفه سرًّا ووافقه جهرًا.

ثم هناك أعوان مصطفى خزنه دار الذين كانوا يأكلون من فتات مائدته، ويسرقون درهمًا إذا سرق ألفًا، ويكسبون بالوساطة والشفاعة، وينهبون من الضرائب غير المضبوطة، قد رأوا خير الدين يسد في وجوههم الباب ويُحصنه بالعدالة، ويضع من النظم ما يُفقرهم ليُغني الشعب — هؤلاء الذين لا يعجبهم النور وإنما يعجبهم الظلام قد كرهوه أيضًا، وأخذوا يدسُّون له الدسائس وينصبون له الشباك.

وهؤلاء أيضًا فئة اشترت ذممهم إيطاليا وفرنسا ومَنَّتهم الأماني بالمناصب والمغانم إذا هم أعانوها في خطتها، ودبروا لها الاضطراب الذي يمكِّن من سلطانهما، وخلقوا الأحداث التي ترتكن عليها في تدخلهما.

وهذه فرنسا كرهت أشد الكره من خير الدين ما يقوم به من حركات لربط تونس بالدولة العلية ربطًا محكمًا، فهي تريد عزلتها كما يرقب الذئب انفراد الشاة عن القطيع ليفترسها، حتى إنه في إحدى سفرات خير الدين إلى استانبول ركب السفينة من ميناء تونس، وقبل أن تقلع أُعلن أن قادمًا أتى لزيارته، وإذا هذا القادم هو القومندان المساعد لبارجة فرنسية كانت راسية في الميناء، فسأله: هل يعتزم السفر؟ أجاب: نعم، فقال: إن قائده يرجو منه أن يؤخر سفره يومين أو ثلاثة حتى يتلقى القنصل التعليمات من باريس.

خير الدين : أنت رجل عسكري مثلي تعلم أني لا أستطيع مخالفة أمر حكومتي إلا إذا خالفتُ واجبي، ولست أملك حرية الاختيار بين طاعتي للواجب، ومجاملتي لقائدك، وإذًا فأنا راحل في الساعة التي حددتها.
الضابط : في هذه الحالة أحذرك وأنذرك بأن قائدي — مع الأسف — سيمنعك بالقوة.
خير الدين : كان الأولى أن تبدأ مهمتك بهذا الكلام، ولستُ في منزلة تجعلني أتلقى الأوامر من قائدك، ولست مغيِّرًا قراري، والحكومة التونسية مطلَقة الحرية في تصرفها. وسأمنحك الوقت الكافي للعودة إلى بارجتك وتبليغ قائدك ما قلت، وستقوم الباخرة في موعدها، وإذا كان قائدك سينفذ تهديده فإني أعرف كيف أقابله بالمثل وبالوسائل التى أملكها وأحمِّله تبعة ما يحدث.

وتحركت السفينةُ في المساء وطاردتها البارجة الفرنسية ترسل الإشارات بالوعيد، وتأمر بالوقوف من غير جدوى حتى الصباح، واستمر في طريقه، وعادت البارجة الفرنسية. كل هذه القوى تجمعت لمعاكسته في وزارته، وانتهزت الفرصة لاتهامه بما يُسقط منزلته. وربما كان أهم ما وُجه إليه من تهم أمران: اتهمه خصومه السياسيون بأنه منح امتيازًا لشركة فرنسية بمد خطٍّ حديدي بين تونس والجزائر، وهو يعلم مطامع فرنسا ويعلم امتلاكها للجزائر، فمدُّ هذا الخط يُمكنها عند إرادتها احتلال تونس أن تغزوها من الجزائر. وفي ذلك خطر أي خطر، وقد أطنبوا في هذه التهمة، وأحكموا خطتهم وأرادوا أن يضربوا عصفورين بحجر؛ فمن ناحية يسيئون سمعته عند المواطنين والوطنيين، ومن ناحية يشوهون منزلته عند الدولة العثمانية التي تعتقد أنه رجلها يعمل لصالحها وصالح تونس بربط العلاقة الوثيقة بينهما.

وكان دفاع خير الدين وحزبه عن هذه التهمة أن لهذه المسألة تاريخًا، وهو أنه في عهد وزارة مصطفى خزنه دار طلبت شركة إنجليزية مدَّ خط حديدي بين تونس ومينائها «حلق الوادي»، فأجيبت إلى طلبها، وأنشأته فعلًا ثم باعته إلى شركة إيطالية، وبعد مدة وجيزة طلبت شركة إنجليزية أخرى مد خط يسير من تونس إلى داخل البلاد حتى سوق العرب، ثم يمتد إلى «كيف» مركز الصناعة الزراعية في البلاد، وينتهي في منتصف الطريق بين ولاية تونس وحدود الجزائر، فمُنحت الشركة الامتياز لأن الباي ومجلسه كانا متفقين على أن من مصلحة البلاد الإكثار من مد خطوط لتسهيل المواصلات، ولكن هذه الشركة لم تنجح في جمع رأس المال لهذا الخط، فطلبت مساهمة الحكومة بنسبة الربع في النفقات، فلم تُجب إلى ذلك وطلبت مهلةً بعد مهلة دون أن تبدأ في العمل، فسقط الامتياز من نفسه.

وفي وزارة خير الدين طلبت شركة فرنسية الإذن لها بمد خط بين تونس والجزائر، فرفض خير الدين بحجة أن المسألة تتصل بالحدود، والباب العالي وحده هو صاحب الحق — بمقتضى الفرمان — في التصرف في هذا الشأن، فلا يمكنه أن يتفق مع الشركة بدون استشارته، ورأت الشركة أن هذا يورطها، وأقل ما فيه أن طلبها من الباب العالي ذلك اعتراف منها بسيادته على تونس، فعدَّلت مطالبها وطلبت أن تحلَّ محل الشركة الإنجليزية في مشروعها بنفس الشروط، وهذا يجعل الأمر في يد الحكومة التونسية؛ لأنه لا يصل إلى الحدود، وعرض خير الدين الأمر على مجلس الوزراء، فأجاب طلب الشركة.

وبعد ثمانية أشهر من اعتزاله الحكم عرضت الشركة تكملةَ الخط إلى حدود الجزائر فأجيبت إلى طلبها.

قال خير الدين: إنه لم يسمح بمد الخط إلى الحدود، وبأنه لو لم يسمح لفرنسا بما سمح به لإنجلترا لنشأ عن ذلك مشكلة دولية لم يكن فيها موقفه قويًّا، ثم إن مد الخطوط الحديدية من مصالح الدول، ومن الخير أن تنشئها الدولة أو الأهالي، وليس ذلك في الإمكان، فالحكومة فقيرة تبتلع أكثر ميزانيتها فوائد الديون، والأهالي فقراء جهلاء أو أغنياء لا علم لهم بالشركات ولا قدرة لهم على إدارتها، فلم يبقَ إلا منحها للشركات الأجنبية أو عدم إنشائها بتاتًا.

والحق أن مركز خير الدين فيه بعض الضعف. فتعديل الشركة مطلبها، واقتصارها على جزء من الطريق يُفهم منه بالبداهة أنها تريد وضعَ رِجلها في مركز تثب منه إلى الحدود كما حدث فعلًا. فالحزم كان يقتضى المنع بتاتًا؛ إذ من الواضح أنها جزَّأت مطلبها على دفعتين بعد أن طلبته دفعةً واحدة، والنتيجة واحدة.

وكأنه أحس بضعف حجته هذه، فحاول أن يريح ضميره بعد سقوط تونس إذا قال: «على أن الفرنسيين عند غزوهم تونس أنزلوا قواتهم في طبرق وبنزرت، واجتازوا منهما الحدود إلى تونس دون أن يعتمدوا على السكة الحديدية المذكورة التي كانت في بداية إنشائها».

كما قال: إن إنشاء هذا الخط ليس هو الذي أضاع تونس، ولا عدم إنشائه كان يحميها؛ لأن مركز تونس لم يكن يحميه إلا الضمير الأوربي الذي كان يوجب المحافظة على وحدة الدولة العثمانية. وما دامت أوربا سمحت لفرنسا بالانقضاض على فريسة هيِّنة كتونس فخط الحديد لا يقدِّم ولا يؤخر. وهذا ضربٌ من اليأس لا يصح أن يتسرب إلى نفس المصلح.

ونقده بعضهم بأنه أيام وزارته الثانية جاء فرأى قوانين الشورى ملغاة، فلم يعمل على إعادتها وإصلاح ما كان قد ظهر من عيوبها، بل حكم البلاد حكمًا استبداديًّا وإن كان عادلًا، وهو هو الذي طالما مجَّد الشورى في كتاباته وفي مقدمة كتابه، وطالما قال: إن الحاكم الذي يحكم بأمره — وإن كان عادلًا — ليس لعدله ضمان؛ إذ هو موقوت بوقته، فكان واجبًا عليه وقد ملك زمام الأمر أن يعيد الحكم النيابي ويقوِّيه في البلاد حتى يذيق الناسَ لذته ويفهموا فائدته.

وكانت حجته في الرد عليهم أن الحكم النيابي في المملكة الإسلامية لا يتيسر إلا بأحد أمرين: رغبة الملك أو الأمير في ذلك، أو قوة الرأي العام وثورته للمطالبة بهذا الحق رغم رغبة الملك أو الأمير، والأمران مفقودان في تونس؛ فالباي يكره الحكم النيابي ولا يطيقه، والرأي العام جاهل خاضع. وليس يفهم مزايا الحكم النيابي إلا أفراد معدودون ليس لرأيهم قوة التنفيذ. وهب أن الباي قبل النظام النيابي، أليس في إمكانه إلغاؤه كما حدث عند سنوح الفرصة، ما دامت الأمة ليس فيها من يحميه ويحرص عليه. والعالمون بالأمور يرون أن حجَّته في ذلك واهية، فعندما أُسندت إليه الوزارة كان قويًّا، وكان الباي والناس يرون فيه المنقذ الوحيد لما آلت إليه الحال، فلو تشدد في عدم قبوله الحكم إلا بالنظام النيابي لاضطرَّ الباي أن يجيبه إلى مطلبه، وفي مدته كان في إمكانه تدعيمه حتى يألفه الناس ويطمئنوا إليه ويشعروا أنه حاجةٌ ضرورية من حاجاتهم.

وعلى الجملة فهذا خير الدين بما له وما عليه. حكم البلاد حكمًا استبداديًّا ولكنه عادل، وتولى أمر البلاد وهي فوضى في كل ناحية من نواحيها فعالجها بحزم وضبط وقوة، وقبض بيد من حديد على المفسدين والمتلاعبين، ودفع البلاد إلى الأمام بأقصى ما يستطيع من قوة، وعالج في كياسة التيارات السياسية في أحرج أوقاتها، ولكن كان شأنه في ذلك شأن كل مستبد عادل يزول فيزول بزواله كل إصلاح، وترجع الأمور إلى ما كانت عليه من اضطراب وفساد.

لقد سمع الباي إلى الوشاة فصد عنه، وأوسع الطريق أمام الدساسين يدسون له ويشعيون الأراجيف حوله حتى بالمتناقضات، ففريق يقول: إنه يريد تسليم البلاد لفرنسا بدليل مسألة السكة الحديدية، وآخرون يقولون: إنه يريد تسليم البلاد للدولة العلية وسلبها استقلالها بدليل مساعيه المختلفة في هذا الطريق. وقد نصحه بعضهم في هذا الموقف بأن يُشرك معه الوزراء في تصرفاته وتحمُّل المسئوليات معه، وأن يقسِّم الإدارة إلى أقسام ويجعل على كل قسم رئيسًا يلقب بوزير يتحمل المسئولية في اختصاصه، ولا يُرجع إليه هو إلا في الأمور الهامة، وبذلك توزع الأعباء والمسئوليات، ولكنه كان من الأشخاص الذين ضعفت ثقتهم بكل من حولهم وشك في كل الرجال الذين ناصروا العهد الماضي، ولم يؤمن إلا بالله ونفسه، فخشي إن هو فعل ذلك أن يتلاعب مَن يسند إليهم العمل فيما يتولونه، ويسبِّبوا له من المشاكل أكثر مما يحلُّون، فرفض هذا وظل قابضًا على زمام كل الأمور.

نجحت دسائس الدساسين فباعدوا بينه وبين الوالي، وزاد الأمر سوءًا أن الدولة العثمانية كانت قد دخلت في حرب مع روسيا، وطلب الباب العالي المعونة من الولايات ومنها تونس، فتراخى الباي عن إجابة هذا الطلب، وتحمَّس خير الدين، ودعا الأهالي إلى التطوع، فتطوعوا، وأرسل ما تطوَّعوا به إلى الباب العالي، فازداد الباي نفورًا منه لأنه لم يكن يسره الارتباط الوثيق بين تونس والدولة العثمانية.

وكان أخشى ما يخشاه الباي هياج الأهالي لعزله؛ لتعلقهم به وإظهار شعورهم نحوه في المناسبات المختلفة اعترافًا منهم بجميله. فلما كثرت الإشاعات حوله انتهز الباي الفرصة وأشعره بعدم رضاه عنه، فقدم خير الدين استقالته، فقبلها الباي. وكان ذلك في سنة (١٢٩٤)، وأمر الباي الموظفين بتجنبه حتى خاصة أصدقائه، وقد استأذن الوزراء الباي في زيارة خير الدين عقب استقالته فلم يأذن لهم، وأُرصدت حول داره العيون، فكان في حقيقة الأمر معتقلًا. ولما سئم هذا العيش استأذن في السفر إلى أوربا لمداواة أعصابه، فامتنع الباي أولا، ورضي أخيرًا، ثم طلب العودة، على أن يؤمَن على حريته الشخصية من غير أن يتدخل في الأمور السياسية، فلم يُرَد على طلبه بقبول ولا رفض، فحضر بنفسه من غير أمان، وضُيق عليه أكثر مما كان.

٦

قضى خير الدين — بعد اعتزاله الوزارة — أعوامًا سودًا، فقد كان أشبه بسجين لا يزور ولا يُزار، ولم يتجه إلى التأليف يتسلَّى به كما فعل في العهد الماضي، إذا كان في المرة الماضية شابًّا آملًا، فأمسى في هذه المرة شيخًا يائسًا، يرى كل ما بناه من إصلاح وما وضعه من خطط يتهدم على يد الباي وأعوانه حجرًا فحجرًا، وفرنسا تتقدم للقضاء استقلال البلاد خطوة فخطوة، ثم إذا هو ضاق صدره مما يرى وتهدمت أعصابه مما يفكر سافر إلى أوربا يظن أن فيها سعة من ضيق، فإذا هي ضيق فوق ضيق، لا يلبث حتى يشعر بالحنين إلى بلاده. فعل هذا مرتين فكان يستشفي مِن داءٍ بداء.

وأخيرًا وصل إليه تلغراف من كبير الأمناء يأمره فيه بالحضور إلى الأستانة، فاطلع عليه الباي، فتردد في الإذن له، وشاور قناصل الدول، فأشاروا عليه بأن يسمح له، فسافر في رمضان سنة (١٢٩٥)، وكان سفرًا حزينًا، تعطف عليه قلوب الناس ولا يتيسر لهم وداعه؛ لأن الباي أمر أن لا وداع، وترك أسرته وماله في حماية مَن لا يوثق بهم في الحماية، وقد كان له أملاك كثيرة، ثلاثة قصور أهداها إليه البايات المتعاقبة جزاءً له على خدمته أيام رضاهم عنه، وغابة من شجر الزيتون أهداها إليه الباي أحمد، ومنزل كبير به مياه معدنية أهداه إليه الباي محمد، وضيعة كبيرة منحها له الباي محمد الصادق، وقد أراد أن يبيع كل هذه الأملاك لعزمه على الاستقرار في الأستانة، فعرضها على الحكومة التونسية فأبت شراءها، فأمر وكيله أن يلعن الأهالي التونسيين بخصم ١٠٪ من ثمنها، فلم يتقدم أحد خوفًا من الباي ورجال حكومته، فلما اضطر إلى بيعها للفرنسيين بعد سنة من إعلانه نقدوه نقدًا مرًّا، وفي هذا يخطر لي قول أبي العلاء:

عنب وخمر في الإناء وشاربٌ
فمَن الملومُ: أعاصرٌ أم حاسي؟

وصل إلى الأستانة، فوجد في انتظاره سليمان باشا مندوب السلطان عبد الحميد، وحمدي باشا كبير الأمناء، وعلي فؤاد بك السكرتير الأولى للسلطان، وتوجه إلى قصر يلدز وقيَّد اسمه، فدُعي للمقابلة في نفس المساء، وتحدث معه السلطان طويلًا، واستبقاه للعشاء معه ليكتنه كنهه ويزنه بموازينه.

وأمر السلطان فأُعد له جناح في قصر من قصوره الكبيرة، وأرسل سليمان باشا إلى تونس ليعود بأسرة خير الدين.

وسرعان ما عين وزير دولة؛ فكان يُدعى لحضور مجلس الوزراء عندما يجتمع لبحث المسائل الخطيرة، ولم يمضِ شهر حتى سمع من كبير الوزراء أن السلطان يرشحه لوزارة العدل، فرجا منه ورجا من كل من توسم فيه الجاه أن يسعى لعدم إتمام ذلك، فلم يفد شيئًا، فذهب لمقابلة السلطان نفسه وتوسل إليه أن يعفيه من ذلك، فقبل رجاءه وأعفاه.

وكانت أكبر حجة له في الاعتذار أنه لا يستطيع خدمة البلاد — وخاصة عن طريق الوزارة — إلا إذا عاش فيها زمنًا طويلًا عرف أهلها ودرس شؤونها، وتعرف كنه أمورها ووجوه الإصلاح فيها.

هذا ما كان يقوله. وأما ما يبطنه فهو أنه يرى أيضًا أن الدولة العثمانية أصبحت من المرض، بحيث لا يُرجى لها علاج في وضعها الحاضر؛ ثم هو دائم الحنين لتونس، إذ صارت وطنه يأنس بها ويستوحش من فراقها، ويفضِّل أن يكون فردًا آمنًا فيها على وزير في غيرها.

هذا الذي كان يعتذر في إلحاح عن الوزارة يُدعى إلى يلدز في الصباح المبكر يوم ٤ ديسمبر سنة (١٨٧٨م / ١٢٩٥ﻫ) ويقابل السلطان فيخبره أنه عُين رئيسًا للوزارة، ولما أراد أن يعتذر أبلغه أنه أمضى المرسوم ولم يعد في الإمكان إلغاؤه بحال. هذا خير الدين يُنصَّب في أيامٍ تواجه فيها الدولة العثمانية شدائد من أخطر الأمور وأشدها تعقيدًا وارتباكًا.

فتركيا في حرب مع الروس ومنهزمة أمامهم، وجيوش الروس تتقدم وتهدد العاصمة نفسها. والأسطول البريطاني في مياه البسفور، وحالة البلاد الداخلية من مالية واقتصادية ونفسية من أسوأ الحالات، حتى كان أصحاب المخابز يفضلون إغلاق مخابزهم على التعامل بنقود متدهورة تكاد تكون عديمة القيمة، و٣٨٠٠٠٠ مهاجرٍ لا مورد لهم ولا معين، يزحفون على العاصمة، ومعاهدة سان ستيفانو التي عقدت في برلين سنة (١٨٧٨) كانت طويلة الذيول تتطلب عقد معاهدة بين تركيا وروسيا في الأمور الخاصة بهما. وأبى الروسُ الجلاءَ عن أراضي الدولة العثمانية حتى تتم المعاهدة. وأبى الإنجليز سحب أسطولهم حتى تجلو الجيوش الروسية، ومشكلة قبرص معلقة، والحالة مرتبكة مع النمسا لاحتلالها البوسنة، ومشكلة الأرمن قائمة. في هذا الأتون المستعر وُضع خير الدين ليطفئ النار، وأيُّ قدرة تستطيع إطفاءها من غير حرائق؟! لقد كانت سياسته «إنقاذ ما يمكن إنقاذه».

فبذل كل ما يستطيع من رأي وجهد حتى كان الاتفاق مع روسيا، ووُضعت ضمانات تكفل مصالح المسلمين في بلغاريا ورومللي الشرقي، وخفضت التعويضات الحربية تخفيضًا كبيرًا وانسحبت الجيوش الروسية إلى بلغاريا ورومللي، كما انسحب الأسطول البريطاني من بحر مرمرة، وسُوِّي الخلاف بين تركيا النمسا بما حفظ لتركيا كثيرًا من حقوقها. وحُلت المشكلة التي استعصت على الحل نحو عشر سنوات … إلخ إلخ، وبسياسته حقًّا أنقذه ما يمكن إنقاذه.

وفي أيام وزارته هذه كانت مشكلة مصر الكبرى في آخر عهد الخديو إسماعيل، فإنه لما اضطربت الحالة المالية والسياسية في مصر عزمت إنجلترا وفرنسا على التدخل في شؤونها تدخلًا آخر جديدًا، فأرسلتا إلى قنصليهما في مصر؛ ليطلبا من الخديو إسماعيل تنازله على العرش لأكبر أبنائه «توفيق»، فأبى إسماعيل محتجًّا بأن ذلك من حق الباب العالي وحده، ومؤملًا أن يرفض هذا الباب العالي مطلب الدول. وزاد الأمر سوءًا أن قنصلي ألمانيا والنمسا انضما في الرأي إلى قنصلي إنجلترا وفرنسا، فكانت هذه مشكلة جديدة أمام خير الدين في الأستانة؛ إن هو أجاب فقد سمح للدول الأوربية بالتدخل فيما ليس من حقها، وإن هو رفض خشي أن تتجمع هذه الدول وتصمم، وتفعل بالقوة أكثر مما تصل إليها بالمفاوضة، وتقطع العلاقة الباقية بين مصر والدول العثمانية، وتنتهز الفرصة السانحة، فتلتهم إحداها مصر والأخرى تونس … إلخ.

حار خير الدين طويلًا بين الرأيين هو ووزراؤه وسلطانه، أخيرًا كان من رأيه أن يطأطئ الرأس قليلًا أمام العاصفة، ويشير على السلطان بخلع إسماعيل، ولكن يجب أن يعمل شيئًا آخر مع هذا، وهو أن يتلافى الأسباب التي جرَّت إلى هذا التدخل الأجنبي، فيسلب بعض الحقوق التي أعطيت لخديو مصر، كالاستدانة وعقد المعاهدات مع الدول الأجنبية، فينتهز فرصة عزل إسماعيل لتعديل فرمان مصر. ولكن أبت إنجلترا وفرنسا ذلك؛ لأن هذا يزيد في تبعية مصر للدولة العثمانية، ومن مصلحتهما أن تكون حقوق مصر أوسع وسلطتها أكبر للأيلولة المنتظرة.

وصدر الأمر بعزل إسماعيل، وكثر الأخذ والرد في مسألة تعديل الفرمان حتى خرج خير الدين من الوزارة، فأجابت الوزارة التي وليتها مطالب الدول في إصدار الفرمان المعتاد مع بعض التعديلات.

•••

ثمانية أشهر قضاها رئيس وزارةٍ كانت أعباؤها تساوي ثمانين عامًا. ولولا ما عُهد إليه من حل المشاكل ما بقي هذه الأشهر الثمانية، ففيه من الصفات ما لا يتفق ومزاج السلطان عبد الحميد؛ فهو حرُّ الفكر، واسع النظر، متحمس في تحقيق الإصلاح، مرهف الحس في العدالة وما يتعلق بها، يرى أنه وقد عُيِّن رئيسًا للوزراء يجب أن يتحمل المسئولية، فيصرِّف الأمور كما يرى هو وزملاؤه ليتحمل نتائج رأيه؛ فأما أن يأمره السلطان ويتحمل هو المسئولية فليس حقًّا ولا عدلًا. السلطان يريده عبدًا مأمورًا، وهو يريد نفسه حرًّا مسئولًا؛ لهذا نفر منه السلطان كما نفر منه الباي من قبل.

وتألَّب عليه أيضًا رجال الدين؛ إذ كره منهم ضيق عقلهم وتعرُّضهم لما ليس من شأنهم، وتدخلهم في أمور من السياسة لا يحسنونها، وكرهوا هم منه الوقوف أمامهم وضغطه عليهم.

لكل هذه عُزل خير الدين بعد ثمانية أشهر في قسوة، وما كان أقرب المأتم من العرس، وأدرك عبد الحميد أن قد خابت فراسته فيه، وظل بعد ذلك نحو عشر سنين في مقاعد النَّظَّارة لا يمثل على المسرح شيئًا. وكل ما يرى مآسٍ لا ملهاة فيها.

ومات وهو في الأستانة في سنة (١٨٨٩م / ١٣٠٧ﻫ) عنٍ نحو سبعين عامًا ودُفن في جامع أيوب، وخلَّف تاريخًا في الإصلاح حافلًا، وكفاحًا للفساد طويلًا، وذنبه أنه لم يجد مواتيًا من الشعب ولا مؤازرًا من السلطان.

لقد كان مصلحًا اجتماعيًّا وسياسيًّا من جنس مدحت باشا، غير أن الفرق بينهما كالفرق بين السيد جمال الدين والشيخ محمد عبده؛ فمدحت يُصلح، فإن عجز عن الإصلاح ثار ودبر الانقلاب، وخير الدين يُصلح فإن عجز عن الإصلاح رفع يديه إلى السماء وقال: «اللهم إني قد بلَّغت».

وكانت فضائله التي تكوِّن شخصيته: الجرأة في قول الحق وعمله من غير خوف، وصلابته فيما يعتقده من غير انحناء، وحريته في تفكيره من غير جمود، وقوة كاهله على حمل الأعباء من غير تبرم. فرحمه الله.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠