العالَم الجديد

ظللنا طول أيام الحرب ننعم بالأحلام اللذيذة لعالَمٍ جديد تسود فيه العدالة الاجتماعية في كل أمة مهما صغرت، وكان يؤيد هذه الأحلام تقرير ميثاق الأطلنطي، والنداء بالحريات الأربع، والقول: بوجوب تأسيس نظام العالم على أساسٍ خير من عصبة الأمم … إلخ.

وكان من الناس في الشرق المتشائمُ الذي يرى أن مصير هذه النداءات كمصير عصبة الأمم في الحرب الماضية، والمتفائل الذي يرى أن العالم لقي من الكوارث ما لم يره من قبل، وتعلَّم درسًا لم يتعلمه من قبل، فيستنفع به حتمًا في بناء عالم جديد أساسه العدالة والحرية والحق.

وها هو السلم قد أُعلن وأخذ المتشائمون يفخرون بصدق رأيهم وبُعد نظرهم؛ فها هي الأمم الصغيرة لا تسمع صوت العدالة يتردد كما كانت تسمعه من قبل، والدول الكبيرة تريد الاستئثار قي الحاضر والمستقبل كما استأثرت في الماضي.

وصح ما كان يقوله العارفون من أن مشاكل السلم أعقد من مشاكل الحرب، وبدأنا نسمع من جديد كلماتٍ جديدة ذات معانٍ قديمة من «وصاية» و«حضانة»، ونسمع أن هناك أممًا لا تستطيع السير بنفسها وحمل عبئها والاشتراك في بناء المدنية، فيجب أن يأخذ بيدها من يرشدها إلى الطريق … إلخ إلخ.

•••

الحق أن المشاكل لا تُحل، والعالم لا يهدأ، حتى تتغير عقلية الشعوب الكبيرة وعلى الأخص قادتها؛ فالفرد لم يرقَ إلا يوم تعلم أن الأنانية مفسدة له وأن سعادته مرتبطة بالإيثار، وعلى هذا الإيثار تأسست الأسرة السعيدة والأمة السعيدة. وما يُفسد العالَم والأمة هو الأنانية في ثوب الوطنية، ونظرة الأمم الكبيرة بعضها إلى بعض، ونظرة الأمم الكبيرة إلى الأمم الصغيرة نظرة ملؤها الأنانية، فهي تريد أن تسود وأن تتحكم وأن تعلو.

وهذا هو أساس الفساد، ولا يُصلح هذا الفساد إلا أن يسود القادة شعور بالجمعية البشرية كلها لا بأمتهم وحدها، وأن العدالة حقٌّ لغيرهم كما هي حق لهم، وأن العالم وحدة أجزاؤه أفراد أسرة، وأن كل خلاف يُحل على هذا الأساس لا على أساس المصلحة الذاتية للأمم، وأن الأمم الكبيرة والصغيرة مسألة عدد وقوة ومساحات. أما في الحقوق والواجبات فلا صغير ولا كبير ولا شرق ولا غرب ولا أسود ولا أبيض، وبدون هذا تبقى الحرب، وتبقى المشاكل، ويبقى اضطراب العالم.

ليس لفشل عصبة الأمم من سبب إلا هذه الأنانية، ونظر بعض الأمم الكبيرة لنفسها فقط دون غيرها، ومحاولة قادتها الفوز باسم الوطنية.

وليس للحروب المتتابعة من علَّةٍ إلا التسابق في سبيل السيادة والملكية، والغنمِ في الأسواق الاقتصادية، والنظر إلى الأمور نظرة الأسود الكواسر إلى فريسة تُقتنص، وغنيمة تُنتهب، مع الأنانية الجشعة، والطمع في الخير العاجل.

خذ — مثلًا — حوادث سوريا الدامية: ما أساسها؟ أساسها أن الجنرال ديجول ورجاله يريدون أن يحتفظوا بمركزهم القديم في سوريا ولبنان، ويقدِّموا لقومهم عملًا عظيمًا هو أنهم استطاعوا رغم هزيمتهم في الحرب العالمية أن يستعيدوا مجدهم في هذه البلاد. وهي نعرة صحيحة إذا قيست بمقياس الوطنية الضيقة الأفق، وهي مثل النظرات الضيقة التي سببت الحروب بين الأمم. ولكن انظر إلى الأمر في أفق واسع: لماذا لا يكون للسوريين واللبنانيين حرية كالحرية التي لفرنسا؟ لماذا لا ينعمون أو يشقون في بلادهم وأرضهمٍ وعلى يد رجالهم كما يودُّ الفرنسيون ذلك في بلادهم؟ وإذا كانت الوطنية فضيلة للفرنسي فلم لا تكون فضيلة للسوري واللبناني؟ لا فرق إلا أن الفرنسي عنده مدافع ليست للسوري. أفهذا مبرر صحيح لعالم يريد أن يؤسس أموره على العدالة؟ أليس هذا رجوعًا إلى تحكيم القوة، ومعنى ذلك الحرب المستمرة؟ إن كان ذلك فلِمَ يخدعوننا في أيام الحرب بما لا يُنفذون في أيام السلم؟ أليس مآل هذا أن الشعوب في الأزمات المستقبَلة لا تصدق ما يقال، ولا تُخدع بما يقال، وتكون حرة بعدُ في تصرفاتها؟

وفي نظير ماذا هذا الذي حدث؟

الإجابة عن هذا السؤال كالسؤال الذي يسأل: لم كانت هذه الحرب العالمية؟ وأي شيء كسبناه منها؟ وهل شيء كائنًا ما كان يساوي الأرواح التي أزهقت والخراب الذي حدث؟ أمن أجل حفنة من الموظفين الفرنسيين في سوريا وسلع فرنسية تُباع فيها، ومظهر نفوذ كاذبة تضاع حريةُ أمة وتُسفك الدماء ويخرب البناء، وتنطوي النفوس على الحزازات؟

كل هذه المظاهر وأمثالها مظاهر عقلية قديمة لا تصلح لبناء العالم الجديد. والمصيبة العظمى أن الغرائز البدائية تتكلم ويسمع لها، والعقل لا يتكلم ولا يُسمع له!

إن العالم الجديد يريد عقليةً على غير هذا الطراز البالي. إن عقلية الفرد ارتقت ولكن عقلية الأمم لا تزال بدائية. كانت عقلية الفرد أنانية فما زالت ترقى حتى رأيناها في أسمى صورها عند بذلها النفس في الخدمة الاجتماعية، والتضحية العامة للأمة والإنسانية، فرأينا الفرد يضحِّي بنفسه لأسرته ولأمته، ورأينا الفرد يضحي بنفسه للإصلاح الاجتماعي، وللحقيقة يتعشَّقها، وللبحث عما يخفف آلام الإنسانية ونحو ذلك. هذا كله في عقلية الفرد، أما عقلية الأمم فلم ترتقِ هذا الارتقاء، بل لا تزال في طور الأنانية كما كان الفرد قديمًا، فالأمم تحارب دفاعًا عن نفسها أو للاستيلاء على غيرها، وتنظر إلى أحداث العالم من حيث نتيجتها في نفسها لا من حيث الحق ولا من حيث العدل ولا من حيث المصلحة الإنسانية العامة، وكل هذه المعاني الأنانية تبلورت فيما يُسمى الوطنية، ومصداق ذلك الحروب كلها. فأسبابها إما دفاع الأمة عن كيانها أو رغبتها في توسيع ملكها، وهذه أنانية كأنانية الفرد البدائي في دفاعه عن نفسه وهجومه لجرِّ مغنمٍ لشخصه. أما حرب تقوم انتصارًا لضعيفٍ اعتُدي عليه أو لحق أهين أو لتحقيق عدالة إنسانية فهذا ما لم نره من الأمم بعد، وهذه هي العقلية الجديدة التي ننشدها في العالم الجديد.

نريد في العالم الجديد عقليةً للأمم تُشبه عقلية الفرد الراقي، والفرد المضحي، والفرد الذي يعشق الحق ويبذل نفسه دفاعًا عنه.

هذه العقلية الجديدة يكون أساسُها عند الأمم الخدمة الاجتماعية والتضحية والنظرة الواسعة، هي عقلية تقيس الأمور بالحق العام والعدل الواسع، إذا نظرَت إلى الشئون الاقتصادية نظرت إليها نظرة عالمية؛ فالتجارة حرة، والأسواق حرة، والصناعة حرة، وليس يحكمها إلا قانون تنازع البقاء وبقاء الأصلح. أما أن تنظر الأمة إلى نفسها تريد أن تربح هي ويخسر كل الناس فعقليةٌ قديمة كعقلية الفرد يريد أن يغتني الغنى المفرط ولو كان غيره في فقر مدقع. كذلك الشأن في الشؤون السياسية، فالعقلية الجديدة تقول: إذا ظُلمت سوريا أو ظُلمت مصر أو ظُلمت العراق، تحركت الأمم القوية تطالب بالعدالة وتنصر الضعيف المظلوم، وتقتص من القوي الظالم، فلا عبرة عندها بقوة ولا ضعف، إنما العبرة عندها بالحق والحق وحده، شأنها في ذلك شأن القاضي العادل لا يعبأ بفقر الخصم وغناه وجاهه وعدم جاهه، إنما يعبأ بالحق يقضي به. في العقلية القديمة يكون نظر كل أمة إلى نفسها فقط؛ ولذلك ترى العالَم قلقًا مضطربًا مملوءًا بالنشاز، والعقلية الجديدة التي نريدها عقليةٌ يكون النظر فيها إلى العالم ككل، ونتيجة ذلك الانسجام بين أجزاء العالم ونغماته، فلا نسمع فيه نشازًا، وإن كان قُضي عليه في الحال؛ فالانسجام في الأسواق وفي العمل وفي الزراعة والصناعة والسياسة وكل مرفق من مرافق الحياة. العقلية القديمة صيد في الماء العكر، والعقلية المنشودة تعاون في الإنتاج المشروع واستخدام العلم في تحصيل الخير للناس جميعًا.

إن شرور هذه الحرب وويلاتها التي لا حصر لها نتيجة هذه العقلية البالية، وستبقى تنتج هذه الشرور وأضعاف أضعاف ما لم تتغير. إنها عقليةٌ لا روح لها ولا قلب، تستبعد الضعيف وتعبد القوة والمال.

إن العالم لا يرقى إلا برقي الأمم، والأمم لا ترقى إلا بسلوك نفس الطريق الذي سلكه الفرد. لقد كان الفرد منحطًّا يوم كان طماعًا منافقًا أنانيًّا ماديًّا، ولم يرتق من الأفراد إلا من استطاع محاربة الطمع والنفاق والأنانية، فصار سمحًا صريحًا مؤثرًا مضحيًا واسع النظر واسع القلب. فكذلك الأمم لا ترقى إلا عن هذا الطريق وعندئذ فقط يولد العالم الجديد.

إن الذي يعوق ولادة هذا العالم الجديد الزعماء الذين بيدهم زمام الأمور، وقد يبست عقولهم من طول إلفها للأنماط القديمة. ولكن العالم لا تقف أمامه الحواجز، فهو يسير رغمًا عنهم، بل ويكتسحهم، والمستقبل للعقول المرنة التي تدرك سير الزمن فتؤقلم نفسها وفقًا لمقتضياته.

ليست هذه الحرب إلا إنذارًا بأن العالم القديم لم يعد صالحًا، فإن أدرك الزعماء سر إشارته، وإلا فسيكرر الإنذار تلو الإنذار، وكل إنذار يكون أشد مما قبله حتى يعمل الناس بإشارة الزمان، ويعتنقوا العقلية الجديدة التي غايتها وحدة العالم في كل مرافقه والنظرة العالمية لا النظرة القومية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠