الرقي العقلي

١

مر على الإنسان دور كان يعتقد فيه أن الأشجار والبحار والأنهار والسماء والأرض مشخصات، لها إرادة ترضى وتغضب وتعطي وتحرم ونحو ذلك — ولا يزال إلى الآن بعض المتوحشين إذا رأوا شجرة كانت تثمر ثم لم تثمر اعتقدوا أنها غاضبة، فاجتهدوا أن يسترضوها، فعلَّقوا عليها أنواعًا من الزينة، وقدَّموا إليه نوعًا من الطعام والشراب حتى ترضى وتثمر.

ويحكون أن أحد الملوك الأقدمين أمر أن يُقدَّم إلى البحر شيء من النبيذ ليسترضيه حتى إذا ركب البحر ركبه في أمان، ولما اعتدى البحر مرة على مراكبه أمر جنوده فجلدوه ثلثمائة جلدة.

وهكذا نجد بقايا هذه العقيدة عند الأمم المتحضرة اليوم، فنجد شجرة من الأشجار يُتبرك بها لاعتقادهم قدرتها على النفع والضرر، ونجد «بوابة المتولي» في القاهرة تُعلق عليها الخرق والشعور لتمنح البركة لأصحابها، وكذلك نرى عقائد الناس في الخرز و«طاسة الخضة» ونحو ذلك — كل هذا بقايا من عقائد الإنسان الهمجي يوم كان يُشخص الأشياء وينسب لها قدرة وإرادة.

كذلك كانوا يعتقدون أن السماء إله من الآلهة؛ تغضب وترضى، وتصادق الإنسان أحيانًا وتعاديه أحيانًا، فالعواصف الشديدة والمطر الغزير عند عدم الحاجة إليه والرعد والبرق علامةٌ من علامات غضب السماء، وكذلك خسوف الشمس وكسوف القمر، ولذلك يلجئون إلى المعابد يستغفرون مما فعلوا، ويهللون للشمس والقمر حتى يزول الخسوف والكسوف، ويبتهلون إلى السماء أن ترفع عنهم غضبها. وكان عند اليونان والرومان «جوبيتر» «وزيوس» هو إله السماء الذي يغضب ويرضى، ويثيب بالجو الجميل والصحو والهواء العليل، ويعاقب بالرعد والبرق والعواصف.

ومن هذا القبيل الخرافة المصرية المشهورة، وهي أن قدماء المصريين كانوا يقدِّمون للنيل عروسًا كل عام حتى يرضى ويفيض، وإلا غضب ومنع فيضانه.

والناس في الغرب والشرق كانوا يعتقدون في السحر وفي السحرة، وأن لهم قدرة فائقة على إيقاع الشر بالناس وإغراق المراكب في البحار، وتحويل الإنسان إلى كلب أو قرد. وفي سنة ١٥١٠ قُبض على خمسمائة شخص في جنيف في سويسرا وقُتلوا بدعوى أنهم سحرة. ولا يُحصى عدد من قُتل بأسبانيا في أثناء محاكم التفتيش لاتهامهم بأنهم يسحرون، وكثيرًا ما رموهم في البحر ليغرقوهم، فإذا أبدوا مهارة في العوم استدلُّوا بذلك على أنهم سحرة، وأحيانًا كانوا يَسَيِّرونَهم على حديدٍ محمي، فإذا مهروا في السير عليه قُتلوا لأن هذا دليل السحر، وإذا خابوا ماتوا بالنار. وهكذا كانوا يعتقدون أن أكثر أمراض الناس وفساد الزراعة وحوادث الطبيعة من زلازل وبراكين وعواصف كلها من علم السحر أو من غضب الآلهة.

وأخيرًا جدًّا في القرن السادس عشر والسابع عشر أخذ العقل يرتقي، وبدأ يقضي على هذه الخرافات.

فبدأ العلماء — مثلًا يؤلفون الكتب الزراعية يُبينون فيها أن فساد الزراعة إذا حدث، فإنما يحدث لأسباب طبيعية تتعلق بطبيعة الأرض أو الجو أو الحشرات أو نحو ذلك، وبدءوا لا يخشون البحار ولا يرون فيها جنًّا ولا عفاريت، وأن حدوث ما يحدث لعوامل طبيعية ينبغي تحديدها والاجتهاد في التغلب عليها، وأن الأمراض لها أسباب معقولة تعالَج بالأطباء والعقاقير والعمليات الجراحية. وعلى العموم بدأ الناس يعتقدون أن العالم مسيَّر بقوانين طبيعية سنَّها خالق الكون، وأن الإنسان يستطيع أن يفهمها، وأن يُسخرها لمصلحته إذا هو فهمها وأطاعها بعد أن يكتشفها.

وبدأ الناس يتحررون من الآراء الخرافية، ويبنون حياتهم على العلم وربط السبب بالمسبب. فمعرفة الأرض وطبيعتها والحشرات والأغذية يتصل لا محالة بالمحصول. ومن يوم أن تقدم العلم الزراعي زاد محصول الأرض وتضاعف، والبلاد المتأخرة في العلم لا زالت أرضها لا تنتج ما ينبغي؛ لأنها لا تزال على عقائدها الأولى في التخريف والجهل.

وقد قرأتُ أن عالمًا زراعيًّا عُين مديرًا لمقاطعةٍ، فوجد أهلها فقراء بؤساء لا يجدون من الغذاء ما يكفيهم؛ لأنهم اعتادوا أن يزرعوا الأرض سنةٍ ويتركوها سنة، فأبان لهم أن ليس من المصلحة ولا من الضروري تركها بورًا سنة، وإنما يمكنهم أن يزرعوها كل سنة ويحسِّنوا الأرض بتغيير نوع ما يُزرع، وبهذا تحسن الأرض ويزيد المحصول، ففعلوا، وقد تركهم بعد إقامته بينهم سنين وقد تضاعفت ثروتهم وحسُنَ حالهم، ووجدوا ما يأكلون ووجد بينهم أغنياء يزيد المال عن حاجتهم.

وهكذا يمكن العلم أن يُحسن المحصول، وأن يزيد الثروة وأن يزيل الفقر والبؤس. خذ مثلًا آخر: كان عند عامة الناس طبٌّ يسمى طب «الرُّكَّة»، وكان مبنيًّا على الخرافات والأوهام، فكان من يصاب بالرمد يصفون له أن يعلق على عينه قطعة لحم حمراء تتعفن بعد قليل فتكون سببًا لجراثيم ضارة. وكثير من الأمراض في الأرياف كانوا يعللونها بأنها من الحسد حتى الحميات! ويأتون بامرأة عجوز تشعل نارًا وترمي فيها قطعةً من الشب و«الفسوخ»، فإذا تبخرت مائيتها تأخذ قطعة الشب أشكالًا مختلفة، فتقول العجوز: إنها صورة المرأة أو الرجل الذي حسد، وهكذا … وهكذا. وكم ضاع بسبب طب الركة هذا من نفوس ومِن عيون؛ لأن النتيجة لا تعالَج بسببها، وإنما تعالَج بالخرافات والأوهام. فلما تقدم العلم بحث في كل شيء عن سببه، وعولج السبب كما يدل عليه العلم، فإذا كانت حمَّى حُلِّل الدم ليعرف نوع الحمى، ثم وُصف ما اكتشفه العلم في العلاج، ولا يزال العلم يتقدم لأنه ليس إلا في مفتتح حياته.

خُذ مثلًا ثالثًا — كان البحر مرعبًا مفزعًا وكم ذهبت فيه من ضحايا، وكان الإنسان أمامه جاهلًا لا يعرف قوانينه ولا التوقي من أضراره، وكان أكثر ما يُصاب به قوارب صيادي السمك؛ إذ يخرجون إلى عُرض البحر فتهب العواصف الشديدة فتغرقهم بمراكبهم، وأخيرًا تقدم العلم واكتُشف علم اسمه «المِترولوجي» يمكن به أن تُعرف حالة الجو وتُعرف العاصفة قبل حدوثها بساعات، فتصدر الإنذارات للقوارب بأن تلجأ إلى أماكن تقيها العاصفة، كما اكتشفت قوانين أخرى تقي المراكب شر الأضرار الجوية، وتؤمنها قدر الإمكان مما كان ينزل بها من أحداث.

وهكذا كلما رَقي في ناحيةٍ من النواحي استخدم العلم مكان الخرافات والأوهام، وحبس الأرواح الشريرة التي كان يخلقها بنفسه من نفسه في قمقم وقضى عليها، ونظر إلى الطبيعة نظرة حب وهدوء واسترشاد.

كم من الأضرار أصابت الناس من الاعتقاد بالجن والعفاريت، ومن الحسد والسحر ومن الزار والأحجبة وساعات النحس وساعات الوفق والطوالع والتنجيم. إن العقل إذا ضعف اعتقد في هذه الأمور، وأسند إليها كل ما يحدث من شفاء ومرض وغنى وفقر ومنافع ومصائب. ولكنه إذا قوي ورقي أنكر كل هذه الأمور، وأسندها إلى أسبابها الصحيحة، والشأن في ذلك شأن الطفل يؤمن بالعفاريت والسحر والقصص المبينة على الخيالات، فإذا كبرَ عقله أدرك أن هذه كلها أوهام وأن الأمور بأسبابها. إن أردت النجاح فذاكر دروسك، وإن أردت النجاح في التجارة فاستعد لها بوسائلها من اقتصاد وضبطٍ للدخل والخرج، وإن أردتَ الشفاء فاعرف المرض وحلل الدم وامح أسبابه، وإن أردت أي شيء فأْتِ له من بابه بتعرُّف أسبابه.

٢

إن العقل في الأمم وفي العصور المختلفة ينمو كما ينمو الطفل، ويمر بمراحل كما يمر عقل الطفل، فالإنسان في عهده الأول — كما قلنا — كانت حياته كلها خاضعة للخرافات والأوهام، فكان يعتقد في أعمال الجن والعفاريت، ويشكل حياته كلها على مقتضاها، ويفسر الرعد والبرق والخسوف والكسوف تفسيرًا يناسب عقلَه من أنها من غضب الآلهة أو نحو ذلك، ويعتقد أن حياة الإنسان في الأرض خاضعة لأحكام النجوم. فالشخص سعيد لأنه وُلد في طالع سعيد؛ وشقي لأنه وُلد في طالع شقي، والحرب والسلم والغنى والفقر والموت والحياة وسعادة الزوجية وشقاؤها كلها كانوا يعتقدون أنها من أعمال الكواكب، وكانوا يعتقدون أن نجاح الزرع وعدم نجاحه راجع إلى غضب الأولياء والقديسين أو نحو ذلك.

والأمم المتأخرة في العقل تبني أعمالها على هذا التخريف، فتنذِرُ النذور للأولياء لشفاء الأمراض ونجاح الزرع، وتُعلق الأحجبة للحماية من العين، وتتمسح بالأضرحة لقضاء الحاجات، ونحو ذلك.

فإذا ارتقى العقل في الأمة بنت أعمالها على قانون السبب والمسبب، وفهمت أن خلق هذا الكون وجعله يسير على قوانين محكمة منظمة. مَن أراد المسبَّبَ يجب أن يقوم بالأسباب، فيصبح علم الطب مكان طب الركة، وقوانين الزراعة مكان الزراعة بالبركة، وتؤسس التجارة على قوانين الاقتصاد مكان التجارة اعتمادًا على الخط والبخت.

وكلما قوي العلم والمعرفة في أمة قُتلت الخرافات والأوهام.

الأمم الضعيفة العقل تبني كل حياتها على الخرافات والأوهام، فإذا ساءت العلاقة بين الزوج وزوجته — مثلًا — عملت له «الشبشبة» حتى يحبها ولا يحب غيرها، وإذا مرض الطفل أُرسل إلى الشيخ أو الشيخة ليعزِّم له، وإذا حدث ما يُهمُّهم ذهبوا إلى قارئ الكف أو ضارب الودع أو ضارب الرمل، وإذا حدث أي شيء سيئ علَّلوه بالحسد، واعتمدوا في الغنى على «فتح الكنز» وهكذا.

والأمة الراقية العقل تربي أطفالَها على ما عرفه العلم من العناية بالشؤون الصحية والتربية النفسية، وتسير في تربيته جسميًّا وعقليًّا وخلقيًّا على ما اكتشفه العلم من القوانين، والأمة الراقية العقل تسير في زراعتها حسبما اكتشفه العلم من دراسة نوع الأرض وما يصلح لها وما لا يصلح، ونوع الزراعة التي تناسبها، والآلات والأدوات الحديثة التي اكتشفها العلم، ونظام الري الذي اهتدى إليه العلم، وهكذا.

والأمم الراقية العقل تسير في تجارتها على ما عرفه العلم من نظريات اقتصادية، ومعرفةٍ بحاصلات البلاد، وكيفية التصدير والتوريد، ونظام الدفاتر في الدخل والخرج، وضبط المعاملات وكيفية استجلاب الزبائن ومعاملتهم.

والأمم الراقية العقل تسير في السياسة على حسب العلم، سواء في ذلك أمورها الداخلية أو الخارجية. فقبل أن تُقْدِم على مشروع تدرسه درسًا دقيقًا وتعرف نتائجه وكيف تتقي عيوبه وتنتفع بمزاياه. وإذا عرض عليها أمر خارجي درسته وتبينت الغرض منه، وهل نفعه لها أكبر من ضرره أم ضرره أكبر من نفعه، وتسلَّح الدارسون له بالعلم الواسع بشؤون الدول والاتجاهات السياسية وهكذا. في الأمم الضعيفة العقل يُربِّي الطفل حيثما اتفق، ويزرع حيثما اتفق، ويتاجر حيثما اتفق، وهي تسوس الناس حيثما اتفق. وفي الأمم الراقية كل شيء بالعلم وبالدرس وبالعقل، من أصغر شيء إلى أكبر شيء. وليس فرق بين الأمم الراقية والأمم المنحطة إلا العلم، واستخدامه والخضوع له في الحياة أو عدم ذلك.

ونتائج ذلك واضحة جلية لا تحتاج إلى برهان، فلو أخذتَ مائة طفل وربيتهم على الأسس العلمية في مأكلهم وملبسهم والعناية بصحتهم وعقلهم وخلُقهم، وأخذتَ مائة طفل أخرى وربيتهم حسبما اتفق في بدنهم وعقلهم وخلقهم، لرأيت النتيجة واضحة كل الوضوح. فنسبة الوفيات في الأولين أقل منها في الآخرين حتمًا، وصحة الأولين أحسن حتمًا، وعقلهم أنظف وأرقى، وخلُقهم أسمى حتمًا.

ولو أخذت مائة فدان وأجريت عليها كل ما وصل إليه العلم الحديث من رِيٍّ وصرفٍ وتغذية وآلات ومواعيد ووقاية، وأخذت مائة فدان أخرى زرعتها حيثما اتفق على النمط القديم، كانت غلة الأولى أضعاف غلة الثانية وأجود.

وهكذا الشأن في تجارةٍ على أساس العلم وتجارة على البركة — وسياسةٍ مبنية على العلم الواسع والعقل المجرب، وسياسة مبنية على الهوى والشهوات وحيثما اتفق — وأسرةٍ تبني حياتها على العلم والعقل، وأسرة تبني حياتها على الأوهام.

تأسيس الحياة على العلم يزيد في صحتها وفي إنتاجها وفي إسعادها، وتأسيس الحياة على الخرافات والأوهام يُضعف صحتها ويزيد أمراضها، ويكثر شقاءها ويشل حركتها. ولا شيء أنفع للأمة من العمل على ترقية عقلها حتى يقتل العلم خرافتها وأوهامها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠