ما الذي ألهمني الأدب؟

سؤال سُئِلته فكان الجواب عنه عسيرًا؛ لأنه يحتاج إلى تحليل الإنسان نفسه، وعندي أن النفس كالعين ترى غيرها ولا ترى نفسها، وتستطيع أن ترى الأشياء الخارجية مباشرة، ولكن إذا أحبَّت أن ترى نفسها فلا بد من الاستعانة بغيرها كالمرآة، وكل ما في الأمر من فرق أن العين لا تنخدع فلا تزعم القدرة على رؤية نفسها مباشرة، والنفس تنخدع فتزعم أنها ترى نفسها وتقدِّرها وتزنها، وآية ذلك الانخداع أن الثقيل لا يدرك ثقل نفسه، بل ويحكم بخفتها وظرفها، والكذوب الخدَّاع المرائي لا يشعر من نفسه بذلك، بل يرى أنه المخلص الصادق الأمين، وأغلب الناس يرى أنه الأحق بكل خير وكل نعيم وكل مسرات الحياة، ولذلك كانت معرفة الإنسان نفسَه درجةً ممتازة لم يَرْق إليها إلا الفلاسفة وأمثالهم، على شكٍّ مني في مقدرتهم.

وسبب ذلك على ما أرى أن طبيعة هذا الكون أن الشيء لا يُدرك تمام الإدراك إلا عن بُعدٍ مناسب، فإذا زاد القرب منع صحة الإدراك، فالبناء الضخم لا تَعرف قيمته ولا تحسن إدراك أجزائه ومجموعه إلا عن بعدٍ مناسب، فإذا التصقتَ به لم تدركه، والعين قربت جدًّا من نفسَها فلم تدرك نفسها، والنفس قربت جدًّا من نفسها فلم تدرك أيضًا نفسها.

بل أرى أن النفس وقعت في سلسلة أخرى من الأغلاط لهذا السبب، فزعمتْ أنها تعرف نفسها، ثم لم تقف عند هذا الحد فجعلت إدراكها لنفسها مقياسًا لإدراكها غيرَها، فحكمت على أخلاق الناس ومعاملاتهم وتصرفاتهم متخذة إدراك النفس أساسًا، وإذا كان الأساسُ واهيًا فما بُني عليه واهٍ من غير شك.

ولكن كلام الإنسان عن نفسه مقبول ومستساغ إذا لم يتحدث عن طبيعة نفسه، واكتفى بذكر جزيئاتٍ وحوادث عَرضتْ له، وذكر ما يشعر به نحوها من نفسه؛ إذ ذاك يتحدث عن أشياء هو أعرف الناس بها، وهي في الواقع أشياء خارجية لا داخلية، وهذه الأمور التي يذكرها تضيء للناس نفسَه، ثم يتركهم يحكمون لها أو عليها، لا أن يتولى هو الحكم على نفسه ويشرحها.

في هذه الدائرة أستطيع إن أجيب بعض الإجابة عن هذا السؤال:

أعتقد أن من أهم ما كوّنني في الأدب أنني من صباي قد مُنحت عاطفة حادة، وهذه العاطفة أهم ركن من أركان الفن، فلا يتسنى لفنان مطلقًا أن يكون فنانًا حقًّا إلا إذا مُنح هذه العاطفة، وهي هبةٌ إلهية من العسير الإجابة عن مَنشئها، ولِمَ مُنحها هذا الشخص قوية وهذا ضعيفة، فإن نحن أرجعناها إلى الوراثة لم نحل هذا الإشكال؛ لأن قوانين الوراثة ليست أقل تعقيدًا من قانون القدَر. وكانت هذه العاطفة عندي حادةً من ناحية الحزن لا من ناحية السرور، فأقلَّ المحزنات يؤثر فيَّ أثرًا كبيرًا، وأكبر المفرِحات لا يؤثر فيَّ أثرًا بالغًا، وهذه العاطفة على هذا الوضع صعبٌ تعليلها، فلم أُصَب في صغري بموت عزيز عليَّ ولم أفارق أهلي، وكنت في عيشة من عيشة الأوساط، لا يعوزنا الضروري من العيش، ولا ما نترفَّه به بعض الشيء، وكل ما يصحُّ أن أعلل به هذا الحزن أن حياتنا البيتية كانت حياةً جادة لا لهو فيها ولا لعب، وكانت حياة الطفولة عندي حياةً متزمتة فيها كثير من الشدة، وقليل من اللين.

وكانت هذه العاطفة الحزينة القوية تبدو عندي في أشكال مختلفة، ومظاهر متعددة، فمِن صغري كان يشجيني الغناء الحزين؛ فقد أسمع بائعًا يغني على سلعته بنغمةٍ محزنة، فأنقلب حزينًا مهما كانت بواعث السرور حولي — ولا زلت أذكر وأنا في سن الثامنة أو التاسعة أني سمعت مدَّاحًا يتغنى بقصائد وأناشيد على الدف في نغمة محزنة، وكان ذلك بعد العشاء، فتبعته مضطرًّا ناسيًا نفسي مِن حارة إلى حارة حتى انقطع الرجل وانصرف، ورجعت إلى بيتي متأخرًا متقبلًا التأنيب والتهديد عن رضا وسرور.

وربما عدَدت من مظاهر هذه العاطفة الحادة في هذه السن التدينَ الحاد، من انهماك في الصلوات والأدعية والتهجد ونحو ذلك.

•••

غذَّى هذه العاطفة من بعض نواحيها أبي — رحمة الله عليه —، فقد كان مغرَمًا بحب المناظر الطبيعية وخاصة نهر النيل والأشجار والمزارع.

حُرِمَ أبي الريف، ولكن طبيعته كانت تحن إليه، فكان يخلق لنفسه ريفًا، يخرج كل يوم خميس إلى المزارع في ضواحي القاهرة ويأخذني معه لنجلس تحت شجرة بين النيل والغيط، فنُمضي فيه طول نهارنا، وكان هذا المنظر يسحر أبي دينيًّا فيقرأ القرآن ويبتهل ويصلي، ويدخل قلبي من ذلك كله شعور بجمال الطبيعة وعظمتها ممزوج بالدين ورهبته.

وأحيانًا ينزل على بعض أصدقائه في الريف، فيُمضي وأمضي معه أكثر الوقت في المزارع متأملًا مبتهجًا مبتهلًا.

•••

هذه ناحية. وهناك ناحية أخرى غذَّاها أبي — رحمة الله عليه— ، فقد كان من علماء الأزهر، وكان نادرًا بين العلماء في حبه للأدب واقتنائه ما استطاع من كتبه، فكان في مكتبته أهم الكتب الأدبية واللغوية والتاريخية بجانب الكتب الأزهرية، وتكاد كل حجرة في بيتنا يكون فيها دولاب من كتب، وأحيانًا دولاب قد صُنع داخل الحائط، ثم يُكثر المطالعة في هذه الكتب ويشركني معه بما أستطيع.

كانت هاتان الناحيتان نعمةً عليَّ من ناحية الأدب. فلمَّا أخذ يعلِّمني كان يُحفظني متون الأزهر كمتن الكنز في الفقه، والألفية في النحو، والتلخيص في البلاغة … إلخ. ولكن بجانب ذلك أقرأني «فقه اللغة» مرتين، أحفظني بضع مقاماتٍ من مقامات الحريري، وبعض رسائل بديع الزمان الهمذاني، وقطعًا من نهج البلاغة، فتأثرت بأسلوب هؤلاء كثيرًا، فكنت أميل إلى السجع المتكلَّف، وكان هو يقرض الشعر أحيانًا، وحاول أن يقرضنيه ففشل، فتركني، ورأيت مكتبة أبي عامرة بجانبي، فأخذت أقلب الكتب أتصفحها وتعشقت منها — على ما أذكر — كتاب «فاكهة الخلفاء»، وهو كتاب على نمط «كليلة ودمنة» مسجوع، وكتاب «سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون»، وكتاب «وفيات الأعيان» لابن خلكان، وبعض كتب التاريخ كالجبرتي وبدائع الزهور.

ولكنه لم يعوِّدني الكتابة إلا في مناسبات قليلة.

حتى دخلت مدرسة القضاء، فكان من أهم ما نُعنَى به الكتابة، وأكبر شخصية أثرت فيَّ من هذه الناحية المرحوم عاطف باشا بركات ناظر المدرسة، لم يكن — رحمه الله — كاتبًا ولا أديبًا، ولكن كان فيه ميزات ثلاث تفيد الأدب، كان دقيقًا بالغًا في الدقة، فكان لا يرضى عن كتابة إلا أن يعبر صاحبها تعبيرًا دقيقًا، ويؤاخذ على كل صغيرة وكبيرة فيها، فإذا كان اللفظُ أوسعَ من المعنى أو أضيق منه لم يعجبه وآخذ عليه، والميزة الثانية أنه كان يقدِّر المعنى أكثر مما يقدِّر اللفظ، فكان لا تعجبه العبارات الجوفاء ولا الاستعارات المتكلَّفة، وكثيرًا ما اختلف مع أساتذة الأدب في هذا الشأن، فكان يقدِّر الدرجة بصفر على موضوع قدروا له درجةَ عالية، والعكس؛ لاختلاف جهة التقدير، والميزة الثالثة إعجابه الذي لا حد له بالمجيد في نظره، واشمئزازه الذي لا حد له من المسيء في نظره، فأعلن الإعجاب بطائفةٍ وشجعهم على الكتابة. واذكر أن من حسن حظي مرة أن طلب إلى فرقتنا الكتابة في موضوع «أثر القرآن في العلوم العربية»، فكتبتُ موضوعي ولم يَرُقْ كثيرًا أستاذ الأدب، ولكنه وقع في يد عاطف بك فسُرَّ منه، واقترح إعطائي نهاية الدرجة وناداني وأعلن سروره منه، وظل كلما أتت طائفة من العظماء لزيارة المدرسة كقاسم أمين وسعد زغلول والشيخ عبد الكريم سلمان طلب الورقة، وقرأها عليهم وحملهم على الإعجاب بها، ومِن ذلك اليوم اعتقدتُ استعدادي للأدب، وكان ذلك في السنة الأولى من المدرسة. ومن ذلك الحين ظل أستاذ الأدب يغمرني بتشجيعه.

وتطلعت نفسي للكتابة في الصحف، فاخترت جريدة «المؤيد» لأكتب فيها، وكنت في السنة الثانية من مدرسة القضاء، وأول مقالة كتبتها كانت أثر انتقال سعد باشا من وزارة المعارف إلى وزارة الحقانية، فكتبت مقالة عنوانها «خطأُ العقلاء» أبين فيها خطأ سعد باشا لتحوله من المعارف إلى الحقانية، فقرأها الشيخ علي يوسف ولم ينشرها؛ إما لأنه استسخفها؛ أو لأنه لم يشأ أن ينشر شيئًا في هذا الباب، أو لأن كاتبها طالبٌ غابت عنه كل الظروف المتعلقة بالموضوع فتعرض لما يجهله — على كل حال لم تنشر المقالة، وكانت هذه صدمةً قوية في نفسي لم أحاول بعدها أن أكتب في الجرائد والمجلات، وأعتقد أنها لو نُشرت لغيَّرت تاريخ حياتي الأدبية.

وكانت المرحلة الثانية في تاريخ حياتي الأدبية اتصالي بالأدب الإنجليزي، وكان سببه أني رأيت كثيرًا ممن أُجلُّهم من أساتذتي في مدرسة القضاء يعتمدون في تحضير دروسهم على اللغة الأجنبية، ويعرضون علينا معلومات خلابة لا نراها في الكتب العربية. فالمرحوم عاطف بك يدرِّس لنا الأخلاق من كتاب «مكنزي» ورسالة المنفعة لجون ستورت مل، والمرحوم علي بك فوزي يدرِّس لنا التاريخ ويعتمد في مصادره على الكتب الإنجليزية — وكان معنا طالبٌ يعرف قليلًا من اللغة الإنجليزية، فكان يقرأ في كتاب إنجليزي نظريات الهندسة قبل أن يلقيها الأستاذ، ويدَّعي تفوقه علينا ويُدلُّ بذلك. كل هذا شوقني إلى دراسة اللغة، ولكن لم أتمكن من البدء أيام الدراسة؛ لأن المدرسة كانت شاقة متعبة تستغرق دراستها كل أوقاتنا.

وأخيرًا بعد أن تخرجت اتفقت مع صديقي المرحوم أحمد بك أمين المستشار في محكمة النقض على أن نعمل رحلة إلى مساجد القاهرة وبيوتها الأثرية، وكان إذ ذاك مدرسًا بمدرسة القضاء، واتفقنا على أن نتلاقى في الصباح نقرأ ما كتبه علي باشا مبارك عن حي من الأحياء، وما فيه من مساجد وآثار، ونلتقي بعد العصر لنحقق ما قرأنا، وقضينا في هذا العمل ثلاثة أشهر الصيف، ففي يوم كنا نزور بيتًا أثريًّا في «حوش قدم» وقد قصَّر في وصفه علي باشا مبارك، واستعان أحمد أمين بك على إكمال وصفه بكتاب ألماني مترجم إلى الإنجليزية وهو كتاب «بدكر»، فما كان مني إلا أن طلبتُ منه أن يدلني على خير طريق لتعلم الإنجليزية، فأشار عليَّ بمدرسة «برليتز» فوافقته. وقبل أن نرجع إلى بيوتنا من هذه الجولة عرجنا على مدرسة «برليتز» في شارع عماد الدين، واتفقنا على عدد الدروس، ودفعت أجرة الشهر، وبذلت مجهودًا شاقًّا في تعلمها، واستمررتُ على ذلك نحو سنتين، ثم رأيت أن المدرسة لم تعد بعدُ كافية في تعليمي.

فدلَّني صديق لي على مدرِّسة إنجليزية في ميدان الأزهار اسمها «مِسْ بَوَرْ»، رأيت هذه السيدة ذات شخصية عجيبة، فهي قوية حازمة راقية مثقفة ثقافة عالمية، تجيد الإنجليزية والفرنسية والألمانية، وأقامت في لندن وباريس وبرلين وأمريكا أزمانًا طويلة، وعرفت أحوال هذه البلاد الاجتماعية عن قرب، وتقرأ أمهات الكتب وتنشر في التيمس مقالات جيدة، وهي بعد ذلك فنانة تجيد الرسم والتصوير، وتعلِّم ذلك لبعض أولاد الأسر المصرية الراقية كأولاد المرحوم عبد الخالق باشا ثروت.

وكانت تعيش عيشةً فخمة من كسب يدها في مصر، فقد استأجرت بيتًا خاليًا في ميدان الأزهار وفرشته وأجرته غُرفًا، فكان يأتيها من ذلك ربحٌ نحو الثلاثين جنيهًا، ثم ترسم صورًا زيتية وتبيعها وتدرِّس لبعض أفراد قلائل وتكاتب التيمس بأجر، فكان لها من ذلك دخلٌ وافٍ لا تدِّخر منه شيئًا، وإنما تعيش عن سعة، وتتصدق بالباقي عن سعة.

عطفت عليَّ هذه السيدة عطفًا شديدًا، لا عطف معلمة أجنبية لشاب أجنبي، ولكن عطف أم على ولدها. لمستْ مني جوانب ضعف منشؤها تربيتي الخاصة، رأت شابًّا في لباس شيخ منكمشًا خاملًا، فكانت تقول لي: «تذكَّر دائمًا أنك شاب» تُكررها عليَّ مرارًا كلما رأت مناسبةً.

وكانت مفتونة بالأزهار أشكالًا وألوانًا، ففي كل ركن من أركان الحجرة أزهار، وفي وسط الحجرة أزهار، وكلُّ يوم نوع جديد، وكان يؤلمها إذا دخلتُ عليها ألَّا أبدي إعجابي بالأزهار الجديدة وألَّا يكون أول حديثي عنها، ووصف شعوري نحوها، فكانت تكرر في شدة: «يجب أن يكون لك عينٌ فنانة»، فأخذت أرضيها أولً بكلمات إعجاب بالأزهار، ثم تحوَّل ذلك إلى شعور حقيقي في القلب، وكذلك كان شأنها معي فيما تعرض علي من صورٍ ترسمها، وكان لها من الناحية الأدبية ميلٌ إلى الأدب الاجتماعي، وكان يظهر ذلك معي في اختيارها الكتب التي أقرؤها معها، فبدأت بإقرائي كتب اللورد «آفبري». وما زالت تترقى معي إلى أن قرأنا في السنة الرابعة، وهي في السنة الأخيرة معها كتاب «جمهورية أفلاطون»، فكنت أقرأ الفصل من الكتاب أمامها، ثم تأخذ هي في شرح نظريته، وتُتبع ذلك بما طرأ على هذه النظرية من تغير، وكيف يُعمل بهذه النظرية في فرنسا وإنجلترا وألمانيا وأمريكا إذا دعت الحال. ولعل هذا هو الذي خلق فيَّ الميل إلى الأدب الاجتماعي، فأكثرُ مكتبتي وكتاباتي من هذا القبيل.

أشعر أن قراءة الأدب الإنجليزي كان لها أثرٌ كبير في نفسي من عدة نواحٍ، فقد قوَّى فيَّ الميلَ إلى العناية بالمعنى أكثر من العناية باللفظ، حتى بالغتُ في ذلك، فكثيرًا ما أستعمل ضمائر لا مرجع لها إلا في ذهني، ونحو ذلك مما سببه توافر قوتي على المعاني وتسلسلها دون إعطاء جانب اللفظ ما يستحقه من العناية.

كما استفدتُ من الأدب الإنجليزي الميلَ إلى البساطة في التعبير، والدخول على الموضوع من غير مقدمات طويلة، وكراهية التصنع، حتى لَيُعجبني أحيانًا اللفظ العاميّ أو التعبير العامِيّ، لا أجد مقابلة في اللغة الفصحى يُغني غناءه، فأستعمله راضِيَ النفس وإن كره اللغويون والمتشددون، وربما عددتُ مما أثَّرَ فيَّ من الأدب الإنجليزي مطالعاتٍ في بعض كتب Ruskin، فقد أثر فيّ من ناحية مبدئه، وهو أن الفن ليس للفن، وإنما يجب أن يخضع للخُلُق وللصالح العام، ونظرته إلى الفن الراقي — ومنه الأدب — يجب أن يقوَّم بما يبعث من سموٍّ وما يقوِّي من روحنا وإرادتنا.
كما أثرت فيَّ رسائل الكاتب الأمريكي Emerson من ناحية تفكيره المبتكَر، وأسلوبه الذي يبعث الثورة، لكن بهدوء لا بعنف، وطريقته التي توعز أكثر مما تستقصي، وكتابته التي تنُمُّ عن خلق صاف طاهر.

هذه أهم العوامل العربية والأوربية التي رأيتُ أنها أثرت فيَّ وفي أدبي إن كان لي أدب. على أن من الحق أن يقال: إن وراء العوامل الظاهرة في تكوين كل أديب عواملَ أخرى خفية قد تكون أبعد أثرًا، وهو لا يلقي لها بالًا، فقد تكون كلمةٌ أُلقيت لم يلتفت لقيمتها أي إنسان، ومع ذلك اختُزنت في العقل الباطن للأديب وفعلت فعلَها في خفاء، وكان لها نتائج قيمة جدًّا، وقد يكون منظرٌ طبيعي أو منظرٌ في سينما أو منظر في الحياة اليومية، أو كلمة في جريدة أو مجلة مرَّت على عين الأديب أو أذنه، وكانت في الظاهر ككل شيء غير ذي خطر يمر، ولكنها لظروفٍ خاصة واستعدادٍ خاص كانت كالبذرة الطيبة دُفنت في خفاء وفي الظلماء، فلما آنَ أوانها خرجت شجرةً يانعة مثمرة. وهذه هي الناحية التي يصعب على الأديب تحليلها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠