تصدير

بقلم  ريموند واكس

نادرًا ما يمر يوم دون أن ترد فيه أخبار عن هجوم جديد على خصوصيتنا، ومنذ ما يقرب من ثلاثين عامًا على وجه التحديد، نشرت كتابًا صغيرًا آخر عن هذا الموضوع المثير للجدل، وعندما أقرأ كتابي «حماية الخصوصية» الآن، أصاب بالذهول الشديد من التغيرات الهائلة التي وقعت نتيجة للتطورات التي شهدتها التكنولوجيا، وأكثر هذه التغيرات وضوحًا بالطبع هو مدى تعرض المعلومات الشخصية للخطر على شبكة الإنترنت، وتكثر التهديدات الأخرى التي تولدت من رحم العالم الرقمي؛ فالابتكارات في علم المقاييس الحيوية، والمراقبة باستخدام الدوائر التليفزيونية المغلقة، وأنظمة تحديد الهوية باستخدام موجات الراديو، والبطاقات الذكية لتحديد الهوية، وتدابير مكافحة الإرهاب المتعددة تشكل جميعها تهديدات لهذه القيمة الأساسية، حتى في المجتمعات الديمقراطية، ولكن في الوقت ذاته، فإن الانتشار المزعج للبيانات الشخصية من خلال تنامي عدد المدونات، ومواقع شبكات التواصل الاجتماعي — مثل ماي سبيس وفيسبوك ويوتيوب وتويتر — وبقية ابتكارات عصر المعلومات يجعل من التعميمات البسيطة بشأن أهمية الخصوصية أمرًا معقدًا، وقد تسبب ظهور تطبيقات «ويب ٢٫٠» في توسيع نطاق الإنترنت من مزوِّد للمعلومات إلى مكوِّن للمجتمعات، ويستمر النَّهَم الذي لا يشبع لنشر الشائعات في تغذية وسائل الإعلام المروجة للإثارة والفضائح التي كثيرًا ما تحط من مفهوم النطاق الخاص الذي نطالب به كحق مشروع، فالشهرة صارت، على نحو غير مبرر، تعطي الناس رخصة للتدخل في حياة صاحبها.

وقد تغيرت الطريقة التي يجرى بها جمع المعلومات وحفظها وتبادلها واستخدامها إلى الأبد، وتغيرت معها طبيعة التهديدات التي تتعرض لها الخصوصية الفردية، ولكن في حين تكاد الثورة التكنولوجية تمس كل جانب من جوانب حياتنا، فإن التكنولوجيا نفسها ليست بالطبع هي مصدر الشر، وإنما التطبيقات التي تستخدم فيها تلك التكنولوجيا، وقد علمت خلال هذا الأسبوع فقط أن هناك اقتراحًا في الفلبين باستخدام رقاقات «تحديد الهوية باستخدام موجات الراديو» — التي تستخدم على نحو واسع في تتبع البضائع والبيانات الطبية للمرضى — من أجل حماية تلاميذ المدارس من الخطف، فزرع رقاقة تحت الجلد (كتلك التي زُرعت لكلبي) سيكون له — بلا شك — ميزات إيجابية متعددة في تتبع الأفراد المفقودين، بما فيهم أولئك الذين يعانون الخرف، ولكن هل الثمن الذي سندفعه مرتفع للغاية؟ هل سنظل مجتمعًا حرًّا عندما نتخلى عن حقنا في أن نكون غير مراقبين، حتى إذا كانت الغايات نافعة؟

على الرغم من تلك التطورات التقنية المذهلة، فإن كثيرًا من المشكلات التي درستها عام ١٩٨٠ لم تتغير تغيُّرًا جوهريًّا، وفي الحقيقة، إنه لأمر مطمئن نوعًا ما أن أكتشف أنني لا أستطيع أن أعثر إلا على القليل مما يمكنني الاختلاف معه في تحليلي للقضايا الرئيسية للخصوصية التي وردت بذلك الكتاب والمؤلفات الأخرى التي عالجت الموضوع خلال العقود الثلاثة المنصرمة! ربما أكون مخطئًا بالطبع، ولكن بالرغم من مضي أكثر من ثلاثين عامًا، فإنني لا أزال أعتقد أن التوسع السخي للخصوصية بحيث تشمل الأمور «القراراتية» (الإجهاض، منع الحمل، التفضيل الجنسي)، والخلط (المفهوم) بين الخصوصية وبين الحرية والاستقلال الذي ينتج عنها، هو أمر خاطئ، وإنني لأستخلص بعض التعزية من حقيقة أنه خلال التقديرات التشاؤمية المتزايدة التي تشير إلى تدهور مستوى الخصوصية، نادرًا ما تذكر هذه أو تلك من الأمور «القراراتية» التي تتسرب غالبًا إلى منطقة الخصوصية، ومناصرو قضية الخصوصية نادرًا ما يتجشمون عناء التعرض لتلك القضايا — على الرغم من أهميتها — عندما يحذِّرون من المخاطر المتعددة التي يجسدها مجتمعنا المعلوماتي، هل هذا إقرار ضمني بأن المعنى الحقيقي للخصوصية يتوافق مع فهمنا الفطري واستخدامنا لهذا المفهوم؟ أليست الخصوصية في الأساس اهتمامًا بحماية المعلومات الحساسة؟ وعندما نتألم لضياعها، ألسنا نحزن لفقدان السيطرة على حقائق شخصية بشأن أنفسنا؟ وجوهر هذه السيطرة هو الممارسة الصريحة للاستقلال فيما يتعلق بتفاصيل حياتنا شديدة الشخصية، سواء تلك التي يتطفل عليها الآخرون أو التي تنشر على الملأ دون مبرر.

ولكن ربما تكون هذه المقاربة قد جانبها الصواب؟ وإلا فلماذا لا يمكن لحقوق الخصوصية المتباينة أن توجد معًا كأبعاد مختلفة — ولكن متصلة — لنفس الفكرة الجوهرية؟ لماذا لا نسمح ﻟ «الخصوصية المعلوماتية» أن تعيش في سلام مع «الخصوصية القراراتية»؟ المفارقة هي أنني أعتقد أن التجاهل السافر للأولى، والتسارع الدستوري نحو الثانية من قبل المحكمة العليا للولايات المتحدة الأمريكية، ربما يكونان قد دارا دورة كاملة وعادا إلى نقطة البداية، وأن هناك إشارات بسيطة توحي بوجود إدراك متأخر للحاجة الملحة لتوفير الحماية القانونية للمعلومات الشخصية على الخطوط الأوروبية، كما هو مبين بالصفحات التالية، ومن الأهمية بمكان أن أوضح أن مقاومتي لمعادلة الخصوصية والاستقلالية لا تنبع من إنكار لأهمية الحقوق أو حتى صياغتها في عبارات عامة تيسر الإقرار القانوني بها، وبدلًا من ذلك فإن اعتراضي ينصب على الاعتقاد بأنه من خلال معالجة المشكلة على أنها حماية للمعلومات الشخصية، فإن الصعوبات المتغلغلة التي عادة ما توضع عنوة داخل نطاق الخصوصية ربما تصبح أكثر قابلية للحل، لقد صار مفهوم الخصوصية أكثر غموضًا وصعوبة بحيث لم يعد يصلح كمفهوم يؤدي عملًا تحليليًّا مفيدًا. وقد أضعف هذا الغموض من أهمية تلك القيمة وجعل من الصعب حمايتها بشكل فعال.

كان ارتباطي بالخصوصية وحماية البيانات ارتباطًا من منظور قانوني إلى حد بعيد، ولكن على الرغم من كون القانون أداة لا يمكن الاستغناء عنها في حماية الخصوصية، فمن الواضح أن الموضوع تتشارك فيه عدة أبعاد أخرى؛ اجتماعية، وثقافية، وسياسية، ونفسية، وفلسفية، وإنني أحاول في هذا الكتاب أن أتناول هذه القوى — وغيرها من القوى — التي تشكل فهمنا لهذا المفهوم صعب الإدراك.

لقد بدأت رحلتي مع الخصوصية منذ عدة شهور طالبَ أبحاثٍ في جامعة أكسفورد، كانت كل من المواد الدراسية (وأغلبها أمريكي) والتشريعات (اسكندينافية في الأساس) نادرة على أرض الواقع، وكان الجيل الأول من قوانين حماية البيانات ما يزال في مراحله الأولية، ومنذ تلك الأيام البريئة، تغير الوضع بالطبع تغيرات مذهلة، ووصف هذه الظاهرة بالانفجار لا يعد من قبيل المبالغة، وقد بدأت انطلاقتي في هذا المجال كمحاولة أكاديمية لتوضيح فكرة الخصوصية المحيرة للغاية، ولكن الأبعاد التطبيقية لهذا الحق المتزايد في الضعف لم تكن يومًا بعيدة للغاية عن تفكيري، وما كان لها أن تكون كذلك؛ ففجر عصر المعلومات كان يلوح في الأفق، وقد تسبب ميلاد الكون الثنائي بكل تجسيداته الرقمية المتنوعة، إلى جانب أجهزة المراقبة الإلكترونية الجديدة والمتطورة، وظهور الصحافة العدوانية المتهورة في جعل أي رضا ذاتي عن أمن المعلومات الشخصية مجرد سذاجة، علاوة على ذلك، أسعدني الحظ بأن أكون عضوًا بعدد من لجان الإصلاح القانوني واللجان الأخرى المخصصة لتسليط الضوء على الطبيعة المتغيرة للخصوصية، وصياغة معايير وإجراءات يمكن من خلالها حماية تلك الخصوصية، وقد كان للخبرة التي اكتسبتُها من هذه الفرص تأثير شديد على فهمي للخصوصية وحماية البيانات وحكمي عليهما، وإنني ممتن للغاية لأعضاء اللجنة الفرعية لقوانين الخصوصية المنبثقة عن لجنة الإصلاح القانوني بهونج كونج الذين تعلمت منهم الكثير.

حملة الدفاع عن خصوصيتنا والمحافظة عليها تشنها دون كلل مجموعات بحثية مهتمة بالمصلحة العامة ومجموعات مناصرة لقضية الخصوصية في جميع أنحاء العالم، ويحرس الخطوط الأمامية لهذه الجبهة المضطربة مجموعة متنوعة من الأفراد الرائعين الذين ندين لهم بفضل كبير، وهذه المنظمات — وفي طليعتها مركز معلومات الخصوصية الإلكترونية في الولايات المتحدة الأمريكية، ومنظمة الخصوصية الدولية في بريطانيا — لا تناصر فقط قضية الخصوصية، وإنما تجري أيضًا أبحاثًا دقيقة وتقدم معلومات دورية عن أغلب الجوانب المحتملة لموضوع الخصوصية، بما فيها حالة الخصوصية في العديد من السلطات القضائية، وهو جانب عادة ما يكون محفوفًا بالمخاطر. إنني أحيي — على وجه الخصوص — ديفيد بانيزار، وروجر كلارك، وسايمون ديفيز، وجاس هوسين، ومارك روتينبرج، ومن بين الثمار المتعددة للجهد الذي بذله هؤلاء وغيرهم من الأفراد والمجموعات هو إعلان مهم وحديث عن مستقبل الخصوصية وقَّع عليه في مدريد في نوفمبر من عام ٢٠٠٩ أكثر من مائة منظمة غير حكومية وخبير في الخصوصية من أكثر من ٤٠ دولة، ومع أن المسودة النهائية للإعلان قد صدرت بعد طباعة هذا الكتاب، فقد تمكنَّا من إدراج نص الإعلان كملحق بنهاية هذا الكتاب.

وعلى مر السنوات، قدمت مجموعة مميزة من الزملاء، ومفوضي الخصوصية، وعلماء وخبراء آخرون، التشجيع، والنصح، والمساعدة بطرق لا تحصى، وتقديم الشكر أمر مستحق لكل من جون باكون-شون، وإريك بارنديت، وكولين بينيت، ومارك بيرتهولد، وجون بينج، والراحل بيتر بيركس، ومايكل براين، وآن كافوكيان، وديفيد فلاهيرتي، وجراهام جرينليف، وجودفري كان، ومايكل كيربي، وستيفن لاو، وتشارلز راب، وميجان ريتشاردسون، وستيفانو رودوتا، وجامي سميث، ونايجل واتررز، ومع ذلك لا يجب أن يعد أي من هؤلاء شريكًا في التجاوزات والأخطاء التي ارتكبتها في هذا الكتاب أو أي موضع آخر.

وكما هو الحال دائمًا، فقد كان أعضاء مطابع جامعة أكسفورد معاونين رائعين في هذا المشروع، وإنني ممتن بشكل خاص لأندريا كيجان، وإيما مارشانت، وكيرا ديكينسون، وكيرستن ديماتا، وديبورا بروتهيرو، وأود أيضًا أن أشكر كارتيجا راملينجام وفريق عملها بمؤسسة (إس بي آي) على العمل الرائع الذي قاموا به — وهذه ليست المرة الأولى — في تحويل الملفات النصية والصور الخاصة بي إلى هذا الكتاب الأنيق.

ومنذ وضع اللمسات النهائية لمسودة الكتاب — وحتى أثناء قراءة النسخ التجريبية — تزايدت التقارير الخاصة بحالات انتهاك الخصوصية بشكل حاد، أيها القارئ، كن على حذر: فموضوع الكتاب الذي بين يديك شديد التقلب، فهناك تحديات جديدة للخصوصية الشخصية تنتظرنا جميعًا، والسعي نحو حماية هذه القيمة الديمقراطية التي لا غنى عنها يتطلب الحيطة والتصميم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢