الفصل الأول

العلم بين فلسفته وتاريخه

(١) مدخل

أولًا: علاقة متوترة بين فلسفة العلم وتاريخ العلم

يقول هيدجر: إن العلم لا يفكر في ذاته. ويمكن أن نضيف إلى هذا أنه لا يُعنَى كثيرًا بذاكرته، ولا يلتفت إلى ماضيه، فديدن العلم في أن يصحح ذاته ويجدد نفسه ويتجاوز الوضع القائم، ناهيك عن الماضي، إنه يشحذ فعالياته المنطلقة بصميم الخصائص المنطقية صوب الاختبارية والتكذيب والتصويب، صوب مزيد من التقدم والكشف، أي صوب المستقبل دومًا.

لذلك لم تكن علاقة العلم بتاريخه مماثلة لعلاقة الكيانات الحضارية الأخرى بتاريخها، فقد تعتبره بمثابة سجلها المدون الذي يحمل معالم تشكل هويتها، فلا تنفصل عن تاريخها إلا إذا كان للشخص أن ينفصل عن بطاقة هويته، ولعل المنطلق الفلسفي يطرح علاقة الفلسفة — قبل أي شيء آخر — بتاريخها، ولما كان تاريخ الفلسفة هو ذاته الفلسفة، فإن هذا يبرز كيف تنفرج الهوة بين العلم وتاريخه.

ولكن بقدر ما نجد العلم في القرن العشرين قد أصبح الفعالية العظمى التي تشكل وتعيد تشكيل العقل المعاصر والواقع المعاصر، يومًا بعد يوم وإلى غير نهاية، نجد تاريخ العلم هو تاريخ العقل الإنساني والتفاعل بينه وبين الخبرات التجريبية أو معطيات الحواس، هو تاريخ المناهج وأساليب الاستدلال وطرق حل المشكلات التي تتميز بأنها واقعية عملية ونظرية على السواء، إنه تاريخ تنامي البنية المعرفية وحدودها ومسلماتها وآفاقها، تاريخ تطور موقف الإنسان بإمكاناته العقلية من الطبيعة والعالم الذي يحيا فيه، تاريخ تقدم المدينة المدنية والأشكال الحضارية والأساليب الفنية التي يصطنعها الإنسان للتعامل مع بيئته؛ لكل ذلك يحق لنا القول: إن تاريخ العلم وليس تاريخ العروش والتيجان والحروب والمؤامرات هو التاريخ الحقيقي للإنسان وصلب قصة الحضارة في تطورها الصاعد.

وعلى أية حال، إذا كان العلم لا يفكر في ذاته، فإن فلسفة العلم هي التي تتكفل بذلك العبء وتضطلع بالتفكير في ذات العلم … في منهجه ومنطقه وخصائص المعرفة العلمية وشروطها وطبائع تقدمها وكيفياته وعوامله … على الإجمال التفكير في الإبستمولوجيا — أي نظرية المعرفة العلمية — ثم العلاقة بينها وبين المتغيرات المعرفية الأخرى والعوامل الحضارية المختلفة.

وإذا كان العلم لا يلتفت كثيرًا إلى ماضيه، فإن فلسفة العلم أصبحت لا تنفصل عن الأبعاد التاريخية لظاهرة العلم فغدت شديدة العناية بتاريخ العلم، بحيث إن المتابع لتطورات فلسفة العلم في القرن العشرين يلاحظ أن أبرز ما أسفرت عنه هذه التطورات هو حلول الوعي التاريخي في صلبها، فتستقبل فلسفة العلم القرن الحادي والعشرين، وقد انتقلت من وضع مبتسر استمر طويلًا يولي ظهره لتاريخ العلم ولدوره في تمكيننا من فهم ظاهرة العلم فهمًا أعمق، فضلًا عن دفع معدلات التقدم العلمي، ويكتفي بالنسق العلمي المنجز الراهن، ويفلسفه بما هو كذلك على أساس النظرة إليه من الداخل، أو النظرة إلى النسق العلمي في حد ذاته … انتقلت فلسفة العلم من هذا إلى وضع مستجد يرتكز على الوعي بتاريخ العلم، فيفلسف العلم في ضوء تطوره التاريخي، وعبر تفاعله مع البنيات الحضارية والاجتماعية، مما يعني تطورًا ذا اعتبار في منطلقات وحيثيات وعوامل النظرة الفلسفية إلى العلم، وهذا التطور في الواقع هو تكامل النظرة إلى العلم من الداخل مع النظرة إليه من الخارج، أي باختصار نظرة فلسفية أشمل لظاهرة العلم.

ولا شك أن فلسفة العلم هي المُعبِّر الرسمي والشرعي عن أصول التفكير العلمي، وهي مسئولة عن وضعية ودور تاريخ العلم، وسوف تكشف صفحات مقبلة عن عوامل عديدة أفضت فيما سبق إلى إغفالها البعد التاريخي طويلًا.

ولكن نلاحظ مبدئيًّا أن فلسفة العلم كمبحث أكاديمي متخصص ومستقل عن نظرية المعرفة بصفة عامة، قد نشأت في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وهذه حقبة شهدت ذروة من ذرى المجد العلمي؛ إذ كان العلم الكلاسيكي الذي تؤطره فيزياء نيوتن معتدًّا بذاته إلى أقصى الحدود، فلم ينشغل رجالاته كثيرًا بتاريخ العلم، ولم يُعن فلاسفته بالإجابة على السؤال: كيف بدأ العلم؟ كيف اتجه وسار؟ كيف نما وتطور حتى وصل إلى تلك المرحلة التي بلغت ذروتها في القرن التاسع عشر حين شوهد ما بدا للعيان من شبه اكتمال للعلوم الفيزيوكيماوية المسلحة باللغة الرياضية، وقد آتت مصداقيتها العينية والواقعية بانفجار الثورة الصناعية التي غيَّرت تمامًا من شكل التكوينات والعلاقات الاجتماعية والتقسيمات الطبقية والصراعات الدولية.

وإزاء هذا الواقع المستحدث والحي المتوقد، انصرف اهتمامهم عن تاريخ العلم، وكأن حسبهم الافتتان بالعلم ذاته في تلك المرحلة النابضة، والتأمل في رونق جلالها وجبروت شموخها، الذي نجح آنذاك — القرن التاسع عشر — في أن يضوي تحت لوائه فروعًا كانت عصيِّة للعلوم الحيوية، فضلًا عن العلوم الإنسانية، وهذه الأخيرة — أي العلوم الإنسانية — تُعد نشأتها الواعدة من المنجزات اليانعة التي يفخر بها القرن التاسع عشر وعلمه الكلاسيكي.

هكذا بدأ العلم الحديث عملاقًا يزداد تعملقًا بصورة مطردة، فانبهر به أهلوه ورجالات عصره، حتى بدا تاريخ العلم مسألة ثانوية، وليس من شأنها أن تلقي الضوء على الظاهرة العلمية التي غدت باهرة مبهرة، فجرى التفكير العلمي آنذاك على منوال إغفال قيمة أو دور تاريخ العلم في تفهم الظاهرة العلمية وتعميق موقفها، فضلًا عن استشراف مستقبلها ودفع معدلات تقدمها. على الإجمال عدم الالتفات إلى تاريخ العلم … إلا قليلًا.

بل منذ البدايات، كان النجاح الصاعد الواعد الذي صاحب نشأة العلم الحديث في العصر الحديث منذ القرن السابع عشر، وقد خلق ثقة زائدة في العقل وقدراته، ساهمت بدورها في الغض من قيمة تاريخ العلم! فكيف كان ذلك؟

إنها العقلانية التي ترى الحقيقة واضحة فيمكن أن يكتشفها الإنسان، ويميزها عن الباطل، إن العقلانية اتجاه تنويري مستنير يثق في الإنسان ويرفع الوصاية من عليه؛ لأنه يملك العقل وأيضًا الحواس، يملك الوسائل التي تمكنه من إدراك الحقيقة واكتساب المعرفة، ولا حاجة إلى سلطة تُفرض عليه لكي تدله على الحقيقة، كما كان الوضع في أوروبا طوال العصور الوسطى، فإذا كانت العقلانية مطروحة دائمًا بشكل أو بآخر عبر مراحل ومواضع شتى على مدى تاريخ الفلسفة، فإنها سادت القرن السابع عشر في أوروبا كثورة على خضوع العصور الوسطى الطويل للسلطة الدينية ولأرسطو، وأرست الأسس المكينة لظاهرة العلم الحديث، وهي في هذا تدين لاثنين من كبار الأئمة، أولهما رينيه ديكارت R. Descartes (١٥٩٦–١٦٥٠م) أبو الفلسفة الحديثة الذي أكد أن العقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس يدرك البديهيات بالحدس — أي بالإدراك الفوري المباشر — ويصل إلى الحقائق اليقينية. الله لا يخدع أبدًا، فلنثق في الله وفي العقل، ونرفع الوصاية عن الإنسان لينطلق باحثًا عن الحقيقة ومُشيدًا للعلوم. فقدم ديكارت واحدة من أمضى صور العقلانية. أما الإمام الثاني لعقلانية القرن السابع عشر، فيرتبط اسمه مباشرة بحركة العلم الحديث، إنه فرنسيس بيكُون F. Bacon (١٥٦١–١٦٢٦م) الذي رفع الوصاية عن الإنسان عن طريق الثقة في الحواس وفي الطبيعة، فكان أبا التجريبية الحادة التي اقترن بها العلم الحديث في مراحله الأولى.

ومع تباشير النجاح الصاعد للعلم الحديث، بدت هذه الثقة بالإنسان وقدراته في محلها تمامًا، فنتج عنها ثقة زائدة في العقل، تمخضت في القرن الثامن عشر عما يُعرف باسم عصر التنوير، عصر الإيمان بقدرة العقل على فض كل مغاليق هذا الوجود، كانت فلسفة التنوير الوريثة الأمينة للعقلانية وللتجريبية العلمية في القرن السابع عشر، صهرتهما معًا في إطار إيمانها الطاغي بالتقدم غير المحدود الذي تنجزه البشرية باطراد في طريق واحد لا سواه، طريق العقل والعلم.

وفي إقرار هذا استعان التنويريون بمقولة هيمنت هيمنة طاغية على التفكير الحديث، إنها مقولة الحتمية Determinism الميكانيكية الشاملة التي فرضتها فيزياء نيوتن على العلم الكلاسيكي الحديث من رأسه حتى أخمص قدميه، وحكمته بقضبان حديدية. والحتمية تعني عمومية قوانين الطبيعية وثبوتها واطرادها، فلا تخلف ولا مصادفة ولا جواز ولا إمكان؛ لأن كل شيء في الكون ضروري ذو علاقات ثابتة، وكل حدث مشروط بما يتقدمه أو يصحبه، فترتبت أحداث الكون في اتجاه واحد من مطلق الماضي إلى مطلق المستقبل، مما يجعل نظام الكون ثابتًا شاملًا مطردًا، وكل ظاهرة من ظواهره مُقيدة بشروط تلزم حدوثها اضطرارًا، أي خاضعة لقانون يجعلها نتيجة ضرورية لما قبلها ومقدمة شرطية لما بعدها، مما يعني أن كل ما يحدث لا بد أن يحدث ويستحيل حدوث سواه.

لقد أصبحت الحتمية العلمية شاملة، ومن هذه الحتمية الفيزيائية خرجت الحتمية الاجتماعية التي تزعم قوانين ضرورية للحركة الاجتماعية، وتعضدت الحتمية التاريخية التي تزعم طريقًا واحدًا محتومًا لمسار التاريخ، وقد استعان التنويريون في القرن الثامن عشر بهذه الحتمية العلمية في إقرار وتعيين وترسيم ما رأوه من طريق واحد لا سواه للتقدم غير المحدود الذي تنجزه البشرية باطراد، طريق العقل والعلم.

وإذ عُني التنويريون بترسيم المراحل المنقضية من هذا الطريق، مثلًا مراحل التاريخ عند فيكو G. B. Vico (١٦٦٨–١٧٤٤م)، وعند تورجو A. R. Turgot (١٧٢٧–١٧٨١م) ومخطط «كوندرسيه» J. A. Condorcet (١٧٤٣–١٧٩٤م) التاريخي لتقدم العقل البشري … فقد بدت المراحل المنقضية عقبات كئود ظفر العقل البشري بالتحرر من ربقتها، وإذا كان ثمة تاريخ منقضٍ لماضي العلم فلن يعدو أن يكون سجلًّا لإزاحة الجهل، فهل نوليه اهتمامًا؟! وهل تناط به أدوار أبستمولوجية؟! بالطبع كلا! هكذا تراجعت أهمية تاريخ العلم.

وهذا الميراث العقلاني التنويري في القرن الثامن عشر حملته باقتدار وامتياز فلسفة العلم حين نشأت في القرن التاسع عشر، ومن ثم سيطر على فلسفة العلم آنذاك، وحتى أواسط القرن العشرين، الاقتصار على النسق العلمي كمنجز راهن تطرد كشوفه ويتوالى تقدمه؛ ليغدو تاريخه مسألة شاحبة غير ذات صلة بالموضوع.

على العموم، تم تجاوز هذه المرحلة الآن، وحدث اندماج واقتران حقيقي وحميم بين فلسفة العلم وتاريخه، وسوف نرى أن هذا حدث أساسًا كتطور ونماء لفلسفة العلم ذاتها، وبفضل جمع من كبار فلاسفتها لا سيما في الثلث الأخير من القرن العشرين، فيما يحق اعتباره ظفرًا للعقل الفلسفي، ولكن لا يمكن أن نفصل هذا تمامًا عن إنجاز آخر تميز به القرن العشرون، ألا وهو أنه قد شهد أخيرًا نضج مبحث تاريخ العلم «إذ لم يكتمل الاعتراف به كمبحث أكاديمي يتفرغ له دارسون متخصصون إلا في عام ١٩٥٠م فقط، حين بدأ ذلك في بعض الجامعات الأمريكية»،١ التي أنشأت لأول مرة أقسامًا مستقلة لتاريخ العلم، وليس فقط كراسي لأساتذته.

وما دام العلم ظاهرة إنسانية تنمو وتتدفق في سياق الحضارة الإنسانية وبفعل الإنسان، فلا بد وأن نسلم بقيمة تاريخ العلم في النظرة الفلسفية للعلم، وأنه فرع مهم من فروع المعرفة؛ لذلك يجمل بنا أن نلقي نظرة على تشكل مبحث تاريخ العلم ونمائه ونضجه الذي يحسب للقرن العشرين، بعبارة موجزة، نلقي نظرة على تاريخ «تاريخ العلم».

ثانيًا: تاريخ العلم يتقدم في القرن العشرين

أجل! يقال: إن التاريخ هو الأب الشرعي للعلوم الإنسانية جميعًا، وواحد من أقدم المجالات التي انشغل بها العقل تعبيرًا عن اهتمام إنساني خالص هو اهتمام بالماضي البشري، إلا أن التاريخ كان دائمًا — ولعله لا يزال إلى حد ما — متمحورًا حول ما يمكن أن نسميه بالتاريخ السياسي، قيام الإمبراطوريات وسقوطها، الحروب ونواتجها، صراعات الدول والعائلات والأفراد على السلطة، والسيطرة على الحكم … ولم تَحظَ بقية جوانب الحضارة الإنسانية بنفس القدر من الاهتمام، ولم يكن تاريخ العلم أفضل حالًا، بل لعله الأسوأ حظًّا؛ نظرًا لما صدَّرنا به الحديث من تضارب علاقة العلم بماضيه واتجاهه دومًا نحو المستقبل.

وبالتالي كانت مباحث تاريخ العلم متروكة كنشاط هامشي للهواة من العلماء المحترفين الذين رأوا فيه ما يستهويهم ويجذبهم بصفة شخصية ويعينهم على اجتذاب طلبتهم بأحاديث شيقة، أو على توضيح أصول لمفاهيمهم. ولا يختلف الحال إذا كان هؤلاء العلماء ذوي إسهامات فلسفية، أي فلاسفة للعلم واهتموا بتاريخه، كما فعل إرنست ماخ E. Mach (١٨٢٨–١٩١٦م) وبيير دوهيم P. M Duhem (١٨٦١–١٩١٦م) مثلًا؛ لأن فلسفة العلم — كما أشرنا — سادها آنذاك إهمال للبعد التاريخي، فكانت مباحثهم التاريخية أيضًا نشاطًا فرديًّا جانبيًّا على هامش نظرياتهم الفلسفية، مثلما كانت على هامش البحوث العلمية.

وهذه المحاولات الفردية كانت تقتصر على فرع واحد محدد من التخصصات، كتاريخ الرياضيات وتاريخ الكيمياء وتاريخ البصريات. وقد اهتم ماخ بتاريخ الميكانيكا، بينما اهتم دوهيم بتاريخ الإستاتيكا وتاريخ الفلك، ولم يكن هناك اهتمام بتاريخ العلم أو تاريخ المعرفة الوضعية ككل إلا من بعيد في إطار الاهتمام الفلسفي العام الذي تنامى منذ عصر التنوير بمراحل تطور العقل البشري.

وفي هذه المرحلة الكلاسيكية التي استمرت حتى نهايات القرن التاسع عشر، إذا بحثنا عن وعي بأهمية تاريخ العلم خارج إطار بحوث العلم وفلسفته — أو بالأحرى خارج هوامشها — فسوف يستوقفنا عالم الرياضيات النابغة وليم كنجدون كليفورد W. k. Clifford (١٨٤٥–١٨٧٩م) الذي أصبح إبان حياته القصيرة أستاذ الرياضيات التطبيقية في جامعة كمبردج العريقة ذات القدح المعلى في الرياضيات، وهو أول من تكفل بعرض هندسة ريمان — هندسة السطح المحدب — في بريطانيا وبحث طوبولوجيا المساحات فيها، وله أيضًا أبحاث متميزة في الجبر. وفي كتابه الصادر عام ١٨٧٨م قبيل رحيله، أوضح كليفورد خطورة الاقتصار على تدريس العلوم الحديثة واعتبارها الثقافة الشاملة، مع الجهل بماضي العلم، ورأى كليفورد أن مباحث تاريخ العلم من شأنها أن تردم الهوة التي انشقت وتعمقت بين الدراسات العلمية الحديثة وبين الدراسات الإنسانية، كما تعبر عنها الفنون الحرة والآداب.٢
ويمكن اعتبار دعوى كليفورد هذه إرهاصًا ومقدمة للقضية الهامة التي فجرها فيما بعد لورد سنو C. P. Snow في محاضرته الشهيرة «ثقافتان» التي ألقاها في الجامعة التي شهدت كليفورد، جامعة كمبردج، وذلك عام ١٩٥٩م، فقد كان لورد سنو عالمًا طبيعيًّا محترفًا يقضي نهاره مع العلماء، وأديبًا هاويًا يقضي أمسياته مع الأدباء، وأفزعته الشُّقة الواسعة بين الثقافة العلمية والثقافة الأدبية، حتى أصبحا فريقين متقابلين لكل خصائصه ومنطلقاته، ويجعل أو يتجاهل الآخر وعالمه ومنجزاته،٣ لقد بدا واضحًا خطورة فصل العلم كمضامين وأجهزة ورموز عن علاقته بالحياة والثقافة بمعناها الشامل، ولعل هذا ما تمخض عما يسود الآن من ضرورة أن يدرس طلبة العلوم مادة إنسانية ويدرس طلبة الإنسانيات مادة علمية، كما كان يحلم كليفورد.

لقد أدرك كليفورد في وقت مبكر قدرة تاريخ العلم على الإسهام في رأب الصدع بين الثقافتين وضرورة أنْسنة الظاهرة العلمية — أي الوعي بها كظاهرة إنسانية في عالم الإنسان ومن صنع الإنسان — عن طريق العناية بتاريخ العلم، لكن نظرًا لرحيل كليفورد المبكر وفي قلب أجواء القرن التاسع عشر التي همَّشت تاريخ العلم، فإن هذه القضية لم تلقَ الاستجابة إلا في القرن العشرين.

إذن نخلص من كل ما سبق إلى أن العلم — وهو الابن النجيب والأثير للتاريخ الإنساني — ظل تاريخه لا يلقى ما يستحقه من الاهتمام حتى نهايات القرن التاسع عشر.

أما في القرن العشرين فقد لفتت وقائع الحرب العالمية الانتباه إلى خطورة العلم وتأثيراته الحاسمة في المنظومة الحضارية، وبدأ الاهتمام بتاريخه يتكثف ويتعين أكثر وأكثر، ولأسباب كثيرة معظمها يتعلق بطبيعة موضوع البحث وأساليب دراسته ومناهجه المشتبكة بتطور العقل وتفاعل الأفكار والمقولات وعلاقة الإنسان بالطبيعة … لأسباب كثيرة ارتبط تاريخ العلم ارتباطًا وشائجيًّا خاصًّا بالفلسفة، وتعلم المعنيون به من أهل الفلسفة هذا التعاطف الحميم مع مفكري الماضي، ومحاولة تفهم موقفهم المعرفي، فتشكلت معالم مبحث تاريخ العلم كتيار متميز ومتخصص في السياق المعرفي.

وكان هذا بفضل الجهود الجبارة لرواد عظام، على رأسهم جورج سارتون G. Sarton مؤسس تاريخ العلم في أمريكا، والأب الروحي لجعله مبحثًا نظاميًّا أكاديميًّا في القرن العشرين، ومجالًا لنشاط جمعي تعاوني.
فقد آمن جورج سارتون بأهمية تاريخ العلم كما لم يؤمن أحد من قبل، ورآه ضرورة علمية وضرورة تربوية وضرورة ثقافية في آن واحد، فأكد أن الطريق إلى تأسيس الجهد العلمي بأن نلقحه بشيء من الروح التاريخية، فكيف يجهل العالم أصول أفكاره وكيفية تخلقها وجهد السابقين العظام الذين يقف على أكتافهم؟! أما بالنسبة للطلبة فلا جدال طبعًا في أهمية تدريس العلوم وقيمتها العملية، ولكنها تفقد كل قيمة تربوية لها، بل تصبح مُضِّرة إن قُدمت للدارسين كمعرفة بلا تاريخ، وفضلًا عن هذا وذاك، كان تاريخ العلم عند سارتون أيضًا ضرورة ثقافية؛ لأنه القادر على رأب الصدع بين العلوم الطبيعية وبين النزعة الإنسانية «وهذه أشأم معركة عرفتها البشرية»،٤ كما لاح لوليم كليفورد من قبل، وكما أكد لورد سنو من بعد، وشرع جورج سارتون في ترسيم معالم النزعة الإنسانية الجديدة، حيث يتضافر العلم عن طريق تاريخه مع الدين والفلسفة والفنون والآداب …
كان سارتون بلجيكيًّا، درس الفلسفة في جامعة غنت Ghent، ثم تحوَّل إلى العلم وحصل على الدكتوراه في الرياضيات عام ١٩١١م، وله بحوث في الكيمياء، وأيضًا قصائد شعر منشورة، وفي هذا الأفق العقلي الواسع، يبرز إعجاب سارتون بأوجست كونت A. Comet (١٧٩٨–١٨٥٧م) وتنميطه الثلاثي لمراحل تطور العقل البشري من المرحلة الغيبية الدينية إلى المرحلة الفلسفية الميتافيزيقية إلى المرحلة العلمية الوضعية التي تأتي في إثرهما لتتوجهما وتمثل التقدم المنشود، وقد قطع طريقًا طويلًا، فاقتنع سارتون بأن تاريخ العلم هو أساس كل تفكير علمي، وانكب على بحوثه الجادة في هذا المجال، وأصدر أول مجلة متخصصة في تاريخ العلم هي «إيزيس» Isis التي يصفها بأنها بالنسبة له «بمثابة الروح والمطمح والأمل»، صدر عددها الأول في مارس عام ١٩١٣م.

ثم هاجر سارتون إلى هولندا، ومنها إلى إنجلترا، وتزوج من فنانة تشكيلية إنجليزية، واستقر أخيرًا في الولايات المتحدة الأمريكية. ومنذ عام ١٩١٦م راح يلقي محاضراته في جامعة هارفارد في الفلسفة، ثم في تاريخ العلم. ومنذ ذلك الحين فصاعدًا وحتى الآن، وجامعة هارفارد العريقة أصبحت مشهورة ومتميزة بالاهتمام بتاريخ العلم وعُمق وجديَّة أبحاثها فيه، حتى باتت قبلة المعنيين به.

وقد صدر العدد الثاني من «إيزيس» في سبتمبر عام ١٩١٩م، ثم أصبحت المجلة منذ عام ١٩٢٤م لسان حال «جمعية تاريخ العلم» التي ساهم سارتون في تأسيسها. وفيما بعد أصدر مجلة أخرى تنشر بحوثًا مطولة أكثر أسماها «أوزوريس»، ونلاحظ ولعه بالعناوين الشرقية، فعمق انشغاله الحقيقي الأصيل بتاريخ العلم جعله شديد التقدير لدور الحضارات الشرقية القديمة وتاريخ العلوم عند العرب إبان العصور الوسطى في رسم فصول قصة العلم العالمية، التي يؤكد دائمًا أنها معامل الوحدة بين البشر. واضطلع سارتون بالتأريخ النظامي الممنهج للعلم منذ هوميروس إلى عمر الخيام حتى روجرز بيكون، ولكي يزداد تمكنًا من التأريخ للعلم انتقل إلى المشرق في عامي ١٩٣١-١٩٣٢م لدراسة الإسلام واللغة العربية، مما يبرز أهمية تاريخ العلوم عند العرب في ملحمة العلم المجيدة.

أصبح سارتون أستاذًا لتاريخ العلم في جامعة هارفارد منذ عام ١٩٤٠م وحتى تقاعده ورحيله. ولا شك أن جهوده وجهود زملائه من أعضاء «جمعية تاريخ العلوم» أمثال «بول تانري» P. Tannery من العوامل التي تمخضت عن تأسيس أقسام متخصصة في تاريخ العلوم بالجامعات الأمريكية منذ عام ١٩٥٠م — كما ذكرنا.

وخلال النصف الثاني من القرن العشرين انتشرت هذه الأقسام الجامعية المتخصصة في أنحاء شتى من العالم — للأسف الشديد ليس من بينها مصر والبلاد العربية — معظمها يحذو حذو أكسفورد وكمبردج في إنشاء قسم لفلسفة العلم وتاريخه معًا، يعطي شهادة جامعية في هذا التخصص الذي يضم المبحثين. وتجدر الإشارة أيضًا إلى التجربة الإيطالية في دراسة تاريخ العلوم التي ازدهرت منذ الستينيات، تمت هي الأخرى تحت رعاية الفلسفة وأنجزت حصادًا طيبًا.

في هذا الإطار التنظيمي ظل المبحثان — فلسفة العلم وتاريخ العلم — مختلفين متمايزين ومستقلين إلى حد ما، يجتمعان فقط على عنايتهما بنفس الموضوع، أي ظاهرة العلم. قد يكون هذا في حد ذاته علاقة، لكنها صورية شكلية تنظيمية واهية، حتى بدت هذه العلاقة على مستوى الأبحاث والأطروحات وكأنها مشكلة غير قابلة للحل،٥ ولم يدخل الوعي التاريخي في صلب فلسفة العلم كصيرورة ونماء لها، إلا بفضل تطوراتها الداخلية على يد الرواد المتأخرين من فلاسفتها المحترفين، هذا صحيح، لكن لا شك أن تنامي الاهتمام الأكاديمي بتاريخ العلم، وتدفق البحوث العلمية والمجلات المتخصصة والندوات والمؤتمرات الدولية … كانت من العوامل القوية التي ساهمت في أن يحل الوعي بتاريخ العلم في صلب فلسفة العلم.
لقد بدا واضحًا أن كلا الطرفين — تاريخ العلم وفلسفة العلم — في حاجة إلى التفاعل العميق مع الآخر، وهؤلاء المحترفون المتخصصون في تاريخ العلم الذين برزوا في العقود الأخيرة ورثوا عن الرواد العظام تركة زاخرة، لكنها رؤى متنافرة خلقت توترًا في الميدان يستدعي تضافرًا منشودًا بين فلسفة العلم وتاريخه؛ لأن الإبستمولوجيا — كما يقول جان دومبريه J. Dhombres — تقدِّم العون الأساسي في التعريف الحقيقي لنشاط تاريخ العلم، وتاريخ العلم بدوره ليس مجرد ذاكرة العلم، بل هو مختبره الإبستمولوجي Epistemological Laboratory،٦ أو كما قال إمري لاكاتوش I. Lakatos (١٩٢٢–١٩٧٤م) فيلسوف العلم البارز بعبارته النافذة التي كانت قوية التأثير حقًّا: «فلسفة العلم بدون تاريخه خواء، وتاريخ العلم بدون فلسفته عماء.» وسوف نتوقف عندها تفصيلًا في الفصل الأخير.

لقد كان إغفال أهمية تاريخ العلم قصورًا كبيرًا في بنية التفكير العلمي وفلسفته، وكان لا بد من تجاوزه، كما فعلت فلسفة العلم في واحد من اتجاهات تطورها اللاحقة والمحمودة حقًّا، التي شهدتها المراحل الأخيرة من القرن العشرين.

وإذا سلمنا بهذا، وبأن المعالجة المتكاملة للظاهرة تقتضي الإحاطة بأبعادها التاريخية، وجب علينا أن نمهد لمقبل الحديث بصورة عامة لتاريخ العلم أو لصيرورته عبر مسار الحضارة الإنسانية.

حقًّا إن موضوعنا هو فلسفة العلم في القرن العشرين، أي إنه منصب على هذه الحقبة الأخيرة، والتي كانت الحضارة الغربية مسرحها، إلا أن الطرح المنهجي المتكامل يقتضي أن نعطي كل مرحلة حقها؛ لأن العلم أنبل مشروع ينجزه الإنسان طُرًّا، إنه أعظم شأنًا وأجل خطرًا من أن تستأثر بإنجازه من ألِفِه إلى يائه حضارة معينة، أو مرحلة واحدة من مراحل التاريخ، وإذا كان مبدأ «أرنولد توينبي» A. Toynbee (١٨٨٩–١٩٧٥م) في دراسة التاريخ هو أنه لا توجد أمة في العالم يتأتى دراسة تاريخها بمعزل عن تواريخ بقية الأمم، فإنه لا يمكن دراسة مرحلة من تاريخ العلم وفلسفة التفكير العلمي بمعزل تام عن المراحل الأخرى المفضية إليها. وأول تساؤل يفرض ذاته: متى يبدأ تاريخ العلم؟

ثالثًا: متى يبدأ تاريخ العلم: الأصول الأنثروبولوجية

إن العلم أنبل فعاليات الإنسان وأكثر أشكال الحضارة البشرية حضورًا وتعينًا وتمثلًا وأشدها إيجابية، ويمكن القول: إن العلم كموقف إنساني هو في جوهره أقدم عهدًا من التاريخ، بدأ قبل أن يبدأ التاريخ، ببداية وجود الإنسان في العالم، إنسان نياندرتال، أو على أقل الفروض منذ العصر الحجري قبل بداية الحضارة الإنسانية وتاريخها المكتوب بزمان سحيق. وهذه الحِقَب السحيقة من تاريخ وجود الإنسان في الكون، ما كان يمكن اقتحامها ومحاولة دراستها إلا بواسطة مناهج للبحث وأساليب وأدوات ووسائل، تطورت فقط في القرن العشرين.

ويأتي ج. ج. كراوثر J. J Crowther الذي يُعد من أهم مؤرخي العلم في القرن العشرين؛ ليذهب ببدايات العلم إلى ما هو أبعد من ذلك، طارحًا الاحتمال بأن يكون العلم أقدم عهدًا وأسبق في الوجود من الإنسان ذاته! فيقول كراوثر في كتابه الممتع حقًّا «موجز لتاريخ العلم ١٩٦٩م» والذي تُرجم إلى العربية تحت عنوان «قصة العلم» يقول:
المضادات الحيوية والحاسبات الإلكترونية والطاقة النووية والسفر عبر الفضاء … هذه المكتشفات بالغة التطور التي تثير الدهشة والإعجاب قد تبدو للوهلة الأولى وكأنها تنتمي لجنس آخر أو نظام مختلف من الوجود لا صلة له بإنسان ما قبل التاريخ، وهي على العكس من ذلك تمتد بجذورها للجهد الإنساني البدائي فيما قبل التاريخ المكتوب، ومحاولات أسلافنا الساذجة في استخدام الحجارة لصنع أدواتهم هي التي قادت عبر مئات الآلاف من السنين، ومثلها من محاولات لتصحيح الأخطاء، قادت إلى ما يتصف به علمنا التجريبي اليوم من كمال، فالجهد الذي بذله أسلافنا الأوائل للتنسيق بين أفعالهم البصرية وحركات أيديهم، والذي هو نوع من النشاط العلمي التجريبي، وإن كان في صورة بدائية، كان أحد أسباب نمو المخ، والذي عن طريقه تحول الإنسان تدريجيًّا من الحيوانية إلى الإنسانية؛ إذن العلم — بمعنى ما — أقدم من الإنسان.٧

هكذا يطرح كراوثر بواكير محاولات التحاور بين المخ وبين المعطيات الحسية والخبرات التجريبية أو بين الدماغ واليد، وتصويبها وتعديلها عبر آلية المحاولة والخطأ، وأثر ذلك على تطور المخ ليبلغ المرحلة الإنسانية، ومن هذا المنظور تكون المحاولات البدائية للعلم أقدم عهدًا من إنسانية الإنسان، بل ومؤدية إليها، ويبقى أن نلاحظ كيف أن التحاور بين اليد والدماغ عبر آلية المحاولة والخطأ هو جوهر نظرية المنهج العلمي التجريبي!

ربما انطوى هذا التأويل على قليل من العسف وشيء من المبالغة، وكراوثر نفسه يطرحه كاحتمال، لكن بدايات العلم منذ العصر الحجري هو ما يأخذ به غالبية مؤرخي العلم من الراغبين في الطرح المتكامل.

وهذا هو ما يسلم به كراوثر نفسه، وعلى أساسه يؤرخ للعلم من حيث هو سجل موثق لتطور العقل الإنساني في استجابته للظروف المحيطة به؛ لذلك تتمركز تأريخات كراوثر حول صلة العلم بالمجتمع، والعلاقة التبادلية بينهما، وضرورة أن يهيئ المجتمع الظروف المواتية للتقدم العلمي، والتأثير الشديد للعلم على مناحي الحياة الاجتماعية، بدءًا من الحرب والعلاقات الدولية وانتهاءً بأشكال التقسيم الطبقي ووقائع الحياة اليومية.

تمامًا كما أكد جون ديزموند برنال J. D. Bernal على الوظيفة الاجتماعية للعلم، في تأريخاته المسهبة وكتابه الشهير «العلم في التاريخ» الذي صدرت طبعته الأولى عام ١٩٥٤م، وصدرت طبعته الثانية المزيدة والمنقحة والذائعة الصيت عام ١٩٥٧م.

ولم تكن مقابلة كراوثر ببرنال من بين جمهرة مؤرخي العلم جزافًا، فكلاهما إنجليزي من أبناء القرن العشرين، من أبرز مؤرخي العلم فيه، ومن المهم أن نلاحظ دلالة تناقض المشارب بينهما؛ ذلك أن برنال ماركسي متحمس فيحمل عرضه لتاريخ العلم تمجيدًا للقيم الاشتراكية وقدحًا في الرأسمالية والطبقات المهيمنة التي جعلت العلم أمدًا طويلًا — طوال العصور القديمة والوسطى — مهنة أرستقراطية محجوبة عن العقول الموهوبة من جموع الشعب، فضلًا عن تجهيل العلماء بمشاكل الجماهير واحتياجاتها، هذا بخلاف استغلال الرأسمالية الحديثة والمعاصرة لإمكانيات العلم وتقاناته «التكنولوجيا» استغلالًا بشعًا في قهر الطبقات والشعوب الأقل حظًّا، بينما نجد كراوثر أكثر اعتدالًا، بلا تحزب أو تعصب، لكن يقدم الرد على هذا بكتابه المذكور؛ إذ يركز على أن العلم الحديث صنيعة الطبقة البرجوازية التي تشكلت في العصر الحديث، وشكلت بدورها معالمه.

وفي كلتا الحالتين المتقابلتين (دفاع برنال الصريح عن البروليتاريا ودفاع كراوثر الضمني عن البرجوازية) يكون الانطلاق من الفعالية الاجتماعية للعلم عبر التاريخ، وأن تاريخ العلم يبدأ منذ العصر الحجري، وكأن هذه مسلمات تلزم الباحثين في هذا الميدان مهما تناقضت المشارب والرؤية الأيديولوجية للعملية الاجتماعية.

والحق أن كتاب كراوثر المذكور، وإن كان يقف في مواجهة تطرف برنال اليساري، إلا أنه — أي «موجز تاريخ العلم» أو «قصة العلم» لكراوثر — يخلو من التحزب ويصعب دمغه ببطاقة سياسية أو أيديولوجية، ويمكن اعتباره أنموذجًا للعرض المنهجي الشامل والسلس لتاريخ العلم كفعالية إنسانية، تنبع من استجابة الإنسان للتحديات البيئية ثم العوامل الاجتماعية التي ينبثق عنها العلم، في مثل هذا العرض لا بد وأن تبدأ قصة العلم المثيرة — تمامًا كما بدأت مع جون برنال — منذ ما قبل التاريخ، أي بإنسان العصر الحجري ليصل كراوثر في النهاية إلى اختراع الحاسب الآلي وغزو الفضاء واقتحام سر الحياة، فضلًا عن أن يختتم الكتاب بنظرة مستقبلية هي بعض أحلام الإنسان التي يرجوها من العلم، وهي نظرة ما زالت تحتفظ بنضارتها رغم تسارع التطورات العلمية الراهنة.

وها هنا أكد كراوثر أن العلم أقدم عهدًا من التاريخ؛ لأن معطياته الأساسية كانت أول ما تأمله الإنسان في العصر الحجري، والواقع أن رموز الأعداد — كما يؤكد كراوثر — اخترعت قبل اختراع حروف الكتابة مما يدل على أن التوجه العلمي متأصل في صلب أقدم مناحي الإنجاز الإنساني وفي بنية توجهه العقلي.

وإذا صح هذا فلا غرو أن أصبحت التقانة «التكنولوجيا» البدائية والعلم البدائي مواضيع دراسية متخصصة، يتكرس لها باحثون جادون ليخرجوا بنواتج جيدة، تفيد مباحث الأنثروبولوجيا، بقدر ما تفيد مباحث تاريخ العلم الراغبة في تأصيل موضوعها، بمعنى الوقوف على أصوله البعيدة؛ نشدانًا لرؤية شاملة.

نذكر في هذا — على سبيل المثال — دراسة ممتازة اتخذت موضوعها قبائل الأزتك التي نزحت من الشمال واستقرت في هضبة المكسيك منذ عام ١٢٦٧م، وحين اكتشاف الأمريكتين عام ١٤٩٢م كانت قبائل الأزتك من أكثر الثقافات البدائية تكاملًا في أمريكا الوسطى، على أنهم افتقدوا كثيرًا من أوليات التقانة «التكنولوجيا» فكانوا لا يعرفون العجلة أو المحراث أو التقطير، ولا صهر المعادن والزجاج؛ لذلك اعتبرهم الباحث مرحلة بدائية جدًّا لم تصل حتى إلى العصر البرونزي، ومع هذا سيطروا على مشاكل تكنولوجية في بيئتهم بطريقة مدهشة، انطوت على كثير من أوليات الأفكار العلمية القابلة للتطوير، من قبيل التصورات العامة للتعاقب الزماني والأوزان والمقاييس وأوليات الحساب والهندسة والطب والجراحة والهيدروليكا وطبقات الأرض وأنواع الحجارة — أي الجيولوجيا — وقد عرفوا مجموعة محددة من المعادن منها النحاس، وأيضًا الذهب الذي أطلقوا عليه اسم «المقدس» وظنوه الشمس مقابل الفضة التي هي القمر، ولكن نظرًا لثراء بيئتهم بالنبات مقابل فقرها في أنواع الحيوانات، فقد اهتموا كثيرًا بتصنيف النبات بالذات حتى امتلكوا في هذا قاموسًا رائعًا، وقد بذل الباحث جهدًا مضنيًا معتمدًا على توصيفات الرحالة عبر التاريخ، وفحص الوثائق، بجانب الدراسة الميدانية، حتى إنه أتقن لغتهم «النيوتل» Nahutl ليعطي بلورة واضحة لأصول هذه البذور العلمية وتطورها،٨ وعن مثل هذه البذور، وعبر تاريخ الحضارة الإنسانية الطويل، كانت شجرة العلم التي تبدو الآن ريانة الغصون وارفة الظلال.
ولئن كانت التقانة «التكنولوجيا» البدائية ألحت كثيرًا على الدراسات الأنثروبولوجية؛ لأن البيئة الإنسانية — بما هي إنسانية — تتأثر دائمًا بالأساليب الفنية التي يصطنعها الإنسان لتيسير التعامل معها،٩ فإن اهتمام الأنثروبولوجيا الأحدث نسبيًّا بأصول العلم النظري هو تطور جوهري حقًّا للأنثروبولوجيا، بقدر ما هو تطور جوهري لقضية التأريخ للعلم؛ ليفيد هذا التطور بكلا وجهيه في استكشاف قصة الحضارة ومسارها، لا سيما وأن العلم شريان تاجي من شرايين الحضارة الإنسانية، ونبضه مؤشر شديد الدلالة على درجة تدفق الحياة وإمكانيات النماء في الحضارة المعنية.

ويجمل بنا أن نتوقف مليًّا بإزاء هذا التطور في الأنثروبولوجيا الذي حدث إبان القرن العشرين فأتاح للمعنيين بتاريخ العلم أن يبدءوه ببداية الحضور الإنساني منذ العصر الحجري وما قبل التاريخ؛ لأن التحاور بين أطراف المنظومة المعرفية ورجع الصدى بين جنباتها يجعلنا نلمح توازيًا دالًّا جدًّا بين هذا التطور في الأنثروبولوجيا وذاك التطور في وضع تاريخ العلم كمبحث نضج الاهتمام به فقط في القرن العشرين.

بادئ ذي بدء يمكن الاتفاق مع عَلَم الأنثروبولوجيا البارز إدوارد إيفانز بريتشارد E. E. Evans-Pritchard (١٩٠٢–١٩٧٣م) على أن النشأة الحقيقية المهيأة للنماء للمباحث الأنثروبولوجية كانت مع انشغال فلاسفة القرن الثامن عشر بالسؤال حول الحالة الطبيعية للإنسان، أو ما كان عليه قبل نشوء الحكومات المدنية،١٠ لذا يمكن اعتبار علم الأنثروبولوجيا وليد عصر التنوير الذي حكمته عقيدة العقل والعلم والتقدم اللامحدود الذي تنجزه البشرية باطراد. طريق التقدم واحد هو خطى كُتب على البشر أجمعين أن يقطعوها، وإن كان بعضهم أبطأ أو أسرع من الآخر. ثم توطدت هذه العقيدة بفعل نظرية التطور الداروينية ونجاحها اللافت في تفسير الارتقاء الحيوي، فساد الميدان ما عُرف بالأنثروبولوجيا التطورية، والتطورية الجديدة، نازعتها في بعض الأبعاد النظرية الانتشارية التي أسسها في إنجلترا إيليوث سميث E. Smith، وتزعم أن العنصر الحضاري ينتشر من مواطن ظهوره إلى المواطن الأخرى، وأن حضارة العصر تبدأ في مركز ثم تنتشر منه لتتنامى؛ إذ لا يوجد قوم قادرون على صنع الحضارة بأسرها بمفردهم، ولكن كما أوضح جوردون تشايلد G. Ghilde، فإن النزاع بين التطورية والانتشارية زائف ووهمي؛ لأن الأولى تستفيد من الثانية،١١ ويكاد يتفق الأنثروبولوجيون على أن الأنثروبولوجيا كعلم بدأت بالنظرة التطورية١٢ التي حكمت إطار الأنثروبولوجيا ومنطلقاتها، بل واستأثرت بها في تلك المرحلة الأسبق والتي استمرت حتى الحرب العالمية الثانية.
وما دمنا معنيين الآن بأصول تاريخ العلم، فيمكن اعتبار «لوسيان ليفي بريل» L. Levy-Bruhl (١٨٥٧–١٩٣٩م) أبرز ممثلي تلك النظرة الأنثروبولوجية التطورية، إنه الوريث الأمين ﻟ «سان سيمون وأوجست كونت»،١٣ و«إميل دوركايم» ليكون من أهم الشخصيات الأنثروبولوجية في الربع الأول من القرن العشرين، يعطينا كتابه الشهير «العقلية البدائية» صورة مُثلى لمنطلقات هذه المرحلة الأسبق من علم الأنثروبولوجيا التي تقطع كل صلة بين الأصول البدائية للإنسان وبين أشكال التحضر الحديثة وعلى رأسها العلم، مما يساهم في تبرير النظرة التي تغفل أهمية تاريخ العلم. فقد ذهب بريل إلى أن العقلية البدائية مختلفة اختلافًا جذريًّا عن العقلية المتحضرة، ويستعين برأي ثورنفالد Thurnwald بغياب قانون العلية تمامًا عن العقلية البدائية؛ ليؤكد أنها لا علاقة لها البتة بالمنطق والتفكير الاستدلالي، بل هي محض خليط من الخرافات والسحر والغيبيات والاعتقاد بقوى خفيَّة تحكم العالم، وبسطوة الأحلام وأرواح الموتى وعلامات التطير، ولا تميز بين الإنسان والطبيعة، بل تعتبره مشاركًا فيها وجزءًا منها. الإنسان البدائي — فيما يزعم بريل — يعجز تمامًا عن النظر إلى الطبيعة باعتبارها واقعًا موضوعيًّا على نحو ما يفعل الإنسان الأوروبي المتحضر صانع العلم. وينتهي ليفي بريل إلى أن العقلية البدائية لا تتقدم ولا تكتسب القوى المنطقية إلا عن طريق احتكاكها بالإنسان الغربي الأبيض بالكشوف أو التبشير أو الاستعمار!

تتضح إذن بمزيد من الجلاء تلك النزعة العنصرية والاستعلاء الغربي، أو بمصطلحات فلسفة العلم «التشويه الأيديولوجي» للعلوم الأنثروبولوجية ومدى طغيانه على الروح العلمية الحديثة في موطنها الأوروبي، مما يعني أن هذا التشويه الأيديولوجي بدوره من العوامل التي دفعت التفكير العلمي — ولو من بعيد — إلى الاقتصار على المعطى الراهن وإهمال تاريخ العلم.

وها هو ذا واحد من أقطاب الروح العلمية المبرزين، كارل بيرسون K. Pearson) ١٨٥٧–١٩٣٦م) وكتابه الشهير «أركان العلم»١٤ — والذي صدرت طبعته الأولى عام ١٨٩٢م (الثانية عام ١٩٠٠م، والثالثة عام ١٩١١م) — ليجسد الروح العلمية التجريبية المتطرفة تطرفًا حادًّا، فيرفض الميتافيزيقا، بل وحتى الشعر ما لم يكن قائمًا على أساس علمي هو الحسية المتطرفة. فكل ما لا يرتد إلى انطباعات حسية — كما أكدت الوضعية المنطقية فيما بعد — هو لا علمي، هو لغو وهراء، ولغة العلم «ليست إلا رموزًا مختزلة لتتيح أبسط تعبير ممكن عن تعاقب الانطباعات الحسية»،١٥ وقد كان بيرسون نصيرًا متحمسًا وداعية مفوهًا للفكر الاشتراكي، ومن أهم أعماله «الاشتراكية نظريًّا وعمليًّا ١٨٨٧م»، وعلى الرغم من هذا يدافع جهارًا نهارًا في كتابه المذكور «أركان العلم» عن مشروعية إحلال الجنس الأبيض عنوة محل القبائل البدائية من السكان الأصليين في أمريكا وأستراليا، (ويمكن أن نضيف إليهما فيما بعد فلسطين) ما داموا يعجزون عن استغلال الأرض وإثراء الحضارة والإسهام في المعرفة الإنسانية والعلم التجريبي.
إنه إذن الهدف الأيديولوجي العنصري المشبوه: إضفاء المشروعية والتبرير لسؤدد الغرب والاستعمار الإمبريالي والاستيطان في أراضي الغير. ولما كان التشويه الأيديولوجي يستأثر بالعلوم الإنسانية دونًا عن العلوم الطبيعية — كما سنرى في الجزء الأخير من الفصل السادس — فلا غرو أن يجعل الدراسات الأنثروبولوجية نهبًا مستباحًا له، فضلًا عن طبيعة موضوعها، كانت العلاقة بينها وبين الاستعمار علاقة تبادلية وطيدة. الاستعمار احتاج إليها لترسيخ سيطرته على الشعوب المقهورة بأن يزداد علمًا بأوضاعها وأحوالها ومعارفها، ففتح المجال للأنثروبولوجيين وأتاح لهم مِنَحًا وتسهيلات لم تُتح سابقًا للباحثين، فكان لا بد وأن ترد الأنثروبولوجيا الدين للاستعمار،١٦ وتسير نحو العمل على تبريره عن طريق الحط من شأن الحضارات المستعمرة وتهوين قيمة معارفها وإنكار دورها في قصة الحضارة، وأنبل فصولها قصة العلم. وسوف يواجهنا هذا التشويه الأيديولوجي مرة أخرى حين نتعرض لفصول قصة العلم عبر الحضارات.
ولما كان ليفي بريل من أهم الأنثروبولوجيين في عصره — كما ذكرنا — كان أكثرهم تعبيرًا عن هذا، حتى إن تطرفه بمعية قيم الصدق التي لا بد وأن تبرز في الميدان العلمي … هذا جعل نظريته التي تقطع كل صلة بين الإنسان البدائي وبين أصول الحضارة والعلم تتعرض لنقد حاد من الأنثروبولوجيين أنفسهم، رآها كثيرون منهم على حقيقتها، عنصرية قاسية، وفي سبيل إثبات تفرد وسيادة الإنسان الأبيض تتحامل بضراوة ولا موضوعية على الإنسان البدائي الذي لا يصح أبدًا أن ننفي عنه أية قدرة منطقية، ولئن اختلطت رؤاه بالتصورات الساذجة واللامبررة عقلانيًّا، فلا شك أنه له موقفه الأولي وتفكيره المنطقي البسيط. لقد بلغت ضراوة النقد الموجه إلى ليفي بريل حدًّا دفع بريتشارد إلى الزعم بأن بريل أُسيء فهمه، على الرغم من أنه هو نفسه رفض نظرية بريل «الذي يدرس العقول البدائية بمعايير عقل تشكل في ظروف مغايرة».١٧
وضراوة هذا الاحتجاج ليست إلا أصداء ثورة عارمة هبت في ساحات الأنثروبولوجيا على مصطلح «البدائية» ذاته، فاستخداماته المثقلة بالانحياز العنصري والتشويه الأيديولوجي تكاد تفرغه من المضمون العلمي، فهي «تحشر معًا كل شعوب العالم ماضيها وحاضرها، فيما عدا تلك التي تشكل جزءًا من المدنية الغربية وأسلافها القدماء!»١٨ وظهر الانشغال بمصطلح البدائية وتحديده وإعادة تعريفه، حتى اقترح البعض — عام ١٩٤٨م — نبذه وإحلال مصطلح اللاكتابية Non-Literal محل البدائية.

إن هذه الثورة هي الطريق الذي شقته الأنثروبولوجيا نحو مرحلتها الأحدث الأكثر تحررًا من التشويه الأيديولوجي، أي الأكثر موضوعية وعلمية. فتبعًا لمنطق العلم تحرر العلم من التشويه الأيديولوجي يسير طرديًّا مع تنامي ونضج المنهج فيه، وأيضًا سوف يواجهنا هذا النضج المتحرر من التشويه الأيديولوجي مرة أخرى حين نتعرض للعلم عبر الحضارات.

لقد كان بريل وزملاؤه التطوريون فلاسفة نظريين أكثر منهم علماء متخصصين، فلم يقوموا بأي بحث حقلي ميداني، واعتمد بريل على مادة سبق أن جمعها من قبلُ الرحالةُ والمبشرون. ومع نمو العلم وإلحاح المنهج العلمي التجريبي بات واضحًا أنه إذا كان للأنثروبولوجيا أن تصبح علمًا متقدمًا فلا بد أن يجمع الأنثروبولوجيون الملاحظات بأنفسهم، وأصبحت مناهج الأنثروبولوجيا تفرق بين أساليب دارسي الحضارات الراهنة المعتمدة على الأثنوجرافيا والأثنولوجي «أي دراسة الأنماط والأنساق الثقافية»، وبين أساليب دارسي الحضارات الماضية والبائدة التي تعتمد على الأركيولوجيا «علم الآثار». والبحث عن الأصول الأنثروبولوجية لظاهرة العلم إنما هو — إلى حد كبير — مع هؤلاء «الذين تطورت مناهجهم لجمع المعطيات الأركيولوجية تطورًا كبيرًا»،١٩ واستطاعت الكشوف الأركيولوجية أن تملأ كثيرًا من الفجوات التي كانت تعيب معرفة الأنثروبولوجيين، فأسهمت بشكل فعَّال في القضاء على الفكرة التي سادت في القرن التاسع عشر عن تطور الحضارة خلال مراحل متمايزة ومستقلة، وبذلك «ظهرت الحضارة على أنها عملية مستمرة ومتصلة، وإذا كانت هناك فترات انتقالية للمظاهر الحضارية الكبرى، فإن هذه الفترات ليست حدودًا فاصلة بين مراحل متمايزة كل التمايز بقدر ما هي حالات من التغير المتسارع التي تمهد لظهور حلقات حضارية جديدة ضمن تلك العملية الواحدة المتصلة، وأن الحلقات الجديدة إنما تقوم وتنبعث عن الأوضاع والأحوال التي سبقتها في الوجود»،٢٠ وعلى هذا يمكن النظر إلى تاريخ العلم كعملية متصلة بدأت ببداية الحضارة وتنتهي بقيام الساعة، تتباطأ حينًا وتتسارع حينًا.
ومن الناحية الأخرى تطور علم الأنثروبولوجيا بالبحوث الميدانية الحقلية التي تعتمد على الاتصال المباشر بالثقافات البدائية وإدراك أنها ببساطة ثقافات إنسانية، فانزاحت النظرة إليها بوصفها رواسب أو بقايا مراحل مُنحطة وأدنى، ملغاة تمامًا بفضل التقدم الحضاري، ولم يعد متآلفًا مع النظرة العلمية إلغاء الماضي أو نفي الآخر بناء على تقدم الحاضر ورقي الأنا، أو حتى الحكم عليه بأنه همجي وحشي، فلا بد وأنه يملك رصيده — وإن تواضع — من مبدئيات النظرة العلمية. لقد تدخلت النسبوية Relativism٢١ الثقافية التي تعطي لكل حضارة قيمتها بالنسبة لظروفها ولعصرها.
وفي حدوث هذا التقدم الجوهري للأنثروبولوجيا، والذي يضرب بسهمه في الطرح المتكامل لتاريخ العلم، يكون من الملائم تمامًا أن نختم الحديث بالوقوف مع الرائد العظيم، عالم الاجتماع والأنثروبولوجيا الإنجليزي ذي الأصول البولندية برنسلو مالينوفسكي B. Malinowski (١٨٨٤–١٩٤٢م)، فجهوده العلمية الرصينة ساهمت في دفع الأنثروبولوجيا وإرساء علميتها، بقدر ما ساهمت في إرساء دراسة الأصول الأنثروبولوجية لظاهرة العلم. ولا غرو، فقد بدأ مالينوفسكي حياته الجامعية بدراسة الرياضيات والفيزياء، وبعد أن أبلى فيهما اجتذبته العلوم الإنسانية.
إن مالينوفسكي رائد، نظريًّا وتطبيقيًّا، فهو رائد بارز من رواد النظرية البنائية الوظيفية Structural Functionalism في علم الاجتماع التي تدرس الحياة الاجتماعية أو الثقافية كبنية ذات علاقات متبادلة بين جوانبها أو مؤسساتها العديدة، كالجانب التربوي والدين والقيم والاقتصاد وأنساق المعرفة والقانون ونظم الثواب والعقاب … إلخ، وكل جانب أو مؤسسة يُدرس على أساس الوظيفة التي يؤديها. إن النظرة الوظيفية إلى كل مؤسسة تساهم في إماطة اللثام عن نسبوية الثقافات، مما يفتح الطريق أمام إزاحة العنصرية والتعالي الأوروبي وأمثال تلك التوجهات الآتية من التشويه الأيديولوجي.
وأيضًا كان برنسلو مالينوفسكي رائدًا تطبيقيًّا، أي رائدًا للبحوث الميدانية أو الحقلية، وقد دفعها خطوات إلى الأمام، فمن أجل دراساته الأنثروبولوجية أقام أربع سنوات في جزر التروبرياند Trobriand قُرب أستراليا (من ١٩١٤م إلى ١٩١٨م)، وكان أول من أجرى بحوثه باللغة الأهلية للسكان. ويمكن اعتبار الدراسة التي تعرضنا لها سابقًا — عن مبدئيات العلم والتكنولوجيا عند قبائل الأزتك — تطبيقًا للتعاليم التي أرساها مالينوفسكي للمعنيين بهذه المجالات.

في عام ١٩٣٦م أخرج مالينوفسكي دراسة هامة بعنوان «السحر والعلم والدين» تُعد في طليعة الأبحاث الرائدة التي تلقي الضوء على الأصول الأنثروبولوجية بظاهرة العلم.

بادئ ذي بدء يسلم مالينوفسكي تسليمًا بأن العلم الحديث هو هذه القوة المتعملقة الدافقة في سياق الحضارة المعاصرة، كإنجازات عقلية جبارة لا تهدأ ولا تستكن أبدًا، تصوب ذاتها وتتجاوز الوضع الراهن باستمرار، وتفتح دومًا أفقًا أعلى وأبعد في متوالية لتقدم يتسارع؛ ليمثل العلم الحديث العقل النقدي البناء في أبهى صوره، وأكثرها حسمًا وجزمًا وفعالية … العلم بهذه الصورة التي تنامت في العصور الحديثة لا وجود له بالقطع في المجتمعات البدائية، ولا حتى في الحضارات القديمة. بيد أن العلم بشكل عام هو أساسًا نمط من المعرفة تستند على الملاحظات التجريبية لوقائع العالم في إطار من افتراض النظام والاطراد في الكون وما شابه هذا من خطوط منطقية أولية، فتزيد من سيطرة الإنسان على بيئته وإحكام تعامله مع عالمه. والمعرفة العلمية بهذا التوصيف المبدئي لا بد حاضرة في كل مجتمع إنساني مهما كان بدائيًّا. وإذا كنا نسلم بأن الدين والسحر كائنان وحاضران بقوة في المجتمعات البدائية، فلا بد وأن نضيف إليهما أيضًا العلم.

ويسهب مالينوفسكي في إيضاح كيف أن هذه الدوائر الثلاث، السحر والعلم والدين، متمايزة تمامًا في العقلية البدائية، وغير صحيح أن دائرة السحر تبتلع دائرة العلم، أو أن دائرة الدين تنفيها، فلولا المساحة التي تنفرد بها أصول التفكير العلمي من ملاحظة للطبيعة واعتقاد راسخ بنظام فيها، لما سارت عمليات الصيد والزرع وسائر الفنون والحرف والصنائع التي تقيم الحياة البدائية.

لقد اهتم السير إدوارد ب. تايلور E. B. Tylor (١٨٣٢–١٩١٧م) مؤسس علم الأثنولوجيا الحديث بدور الدين في المجتمعات البدائية، واهتم جيمس فريزر بالسحر البدائي، ووضع ما يشبه موسوعة كبرى في هذا الصدد، وهي كتابه الشهير «الغصن الذهبي»، فضلًا عن كتابه المترجم إلى العربية «الفولكلور في العهد القديم» الذي يعرض للأصول الأنثروبولوجية أو الأصول الفكرية البدائية لمضمونات التوراة. وبعد السحر والدين يأتي مالينوفسكي ليهتم بدور العلم في المجتمعات البدائية وإبراز تمايزه عن السحر وعن الدين. فالدين مختص بالعالم العلوي والحياة الأخرى وما بعد الموت، والعلم مختص بالعالم الأرضي والحياة الدنيا، يمكن أن يتواجدا معًا في نفس العقلية في حالة الإنسان البدائي، كما هو الأمر في حالة الإنسان المعاصر.

أما السحر، فصحيح أنه يتشارك مع العلم في أن كليهما يصدر عن رغبة في السيطرة على الطبيعة، إلا أنهما مع هذا يختلفان جذريًّا في أن السحر إقصاء تام للعقل ولا يستند إلا على قوة التقاليد والاعتقادات المتوارثة، في عالم غامض هلامي مجهول، مما يجعل السحر حكرًا على طبقة معينة في المجتمع البدائي؛ هي طبقة الكهنة والسحرة. أما العلم البدائي، فلأنه علم ينبع من العقل البدائي وتصوبه الملاحظات البدائية، ويمثل خيرًا عميمًا متاحًا للجميع، وليس حكرًا على فئة ما، ولن يصبح العلم هكذا إلا بعد أن تمتهنه الكهنة في الحضارات الشرقية القديمة.

ربما كان كل إنسان بدائي مؤمنًا بقوة السحر الخارقة وقدرة التمائم والتعاويذ على صد الكوارث الطبيعية الجامحة والغير متوقعة كالفيضان والأعاصير والزلازل والأوبئة وهجوم أسراب الحيوانات الضارية … لكن الإنسان البدائي لن يترك أصوليات حرفته أو زراعته أو طهوه للطعام … إلخ ارتكانًا على السحر فقط، ويؤكد مالينوفسكي بأن الإنسان البدائي سوف يستخف تمامًا بأي اقتراح كهذا، مما يعني حدودًا مصونة لأصوليات المعرفة العلمية في عقل الإنسان البدائي، وبطبيعة الحال يستشهد مالينوفسكي على هذا من واقع دراساته لجزر التروبرياند.

وعلى هذا الأساس يرفض مالينوفسكي تمامًا رأي ليفي بريل الذي يقطع كل صلة بين الإنسان البدائي والعقلية البدائية، وبين العلم وأصوله المنطقية، ولكنه أيضًا لا يأخذ بالرأي المناقض تمامًا من قبيل الرأي الذي يأخذ به عالم الاجتماع والأنثروبولوجيا الأمريكي ذو الأصول الروسية ألكسندر جولدنفايزر A. Goldenweiser (١٨٨٠–١٩٤٠م) الذي يرى تماثلًا تامًّا أو تطابقًا بين الميول العلمية في العقلية البدائية والميول العلمية في العقلية المعاصرة. والأدنى إلى الصواب موقف وسط نعتمده عبر هذه السطور ويأخذ به مالينوفسكي وهو يؤكد فقط الأصول الأنثروبولوجية لظاهرة العلم في المجتمعات البدائية … وبالتالي في العهود السحيقة من الحضارة الإنسانية ثم تطورها عبر اتجاهات تطور الحضارة الإنسانية.

وإذا اتفقنا على الأصول الأنثروبولوجية لظاهرة العلم التي تجعل العلم يمتد بجذوره إلى العصور الحجرية فيوازي وجوده وجود الإنسان، أمكن ببساطة أن نتتبع سيرورة العلم عبر الحضارات.

رابعًا: العلم عبر الحضارات

كما اتفقنا، العلم شريان تاجي من شرايين الحضارة الإنسانية، ونبضه مؤشر دال على حيوية الحضارة المعنية، والحضارة بدورها ليست مراحل منفصلة متمايزة بقدر ما هي عملية متصلة وسيرورة متنامية، تُسلم كل مرحلة فيها إلى الأخرى؛ لذلك فإذا غادرنا تلك الأصول الأنثروبولوجية وجدنا حركية العلم خطًّا موازيًا لحركة الحضارة عبر التاريخ، وتقدمه هو عينه مسار تقدمها. كما أشار مؤرخ العلم جون برنال، بتوجهه اليساري الذي يستدعي تفسيرًا ماديًّا للتاريخ، في الأعم الأغلب يتفق ازدهار العلم مع ازدهار الاقتصاد وتقدم التقانة «التكنولوجيا»، فتنتقل جميعها من بلد إلى بلد ومن عصر إلى آخر. ومن وادي النيل ووادي الرافدين — مصر وبابل — انتقل العلم والتقانة إلى الإغريق، ومن الإغريق رحلا إلى الإمبراطورية الإسلامية، ومن غربها الأندلسي انتقلا إلى إيطاليا في عصر النهضة، ومن إيطاليا إلى فرنسا وهولندا، حتى حطَّا في إنجلترا واسكتلندا إبان عصر الثورة الصناعية. وهذا هو نفسه مسار الازدهار الاقتصادي والتجاري والصناعي. ويمكن ملاحظة أن هذا المسار واصل سيره ليصل إلى الولايات المتحدة الأمريكية من ناحية، واليابان ومراكز عدة في شرق آسيا الناهض من الناحية الأخرى، وكلها مراكز ازدهار صناعي وتقني وعلمي في نفس الوقت.

بداية، تخلق الأساس العريض والجذع المتين للعلم في الحضارات الشرقية القديمة، خصوصًا في منطقة الشرق الأوسط منذ ما قبل عام ٤٠٠٠ق.م حتى ٦٠٠٠ق.م، وعلى رأسها أعظم الحضارات طرًّا وفجرها الناصع، أي الحضارة الفرعونية التي كانت المنشأ الأصيل لمحاور شتى في العلم، بدءًا من الرياضة والهندسة والفلك، مرورًا بعلوم المعادن والكيمياء وصولًا إلى الطب والجراحة. علم الكيمياء بالذات لا يزال يحتفظ باسمه المنسوب إلى اسم مصر، إلى «الكي/مي» che-mi أي التربة السوداء؛ كناية أرض مصر الخصيبة، ومنذ أن أمر الإمبراطور دقلديانوس بحرق الكتب الكيمية، أي المصرية، كتب العلم الذي يحيل المعادن ذهبًا فيفتن الألباب.٢٢

على أن رجحان كفة الحضارة الفرعونية لا ينفي دور جيرانها الفينيقيين الذين فاقوها براعة في ركوب البحار وبعض المعارف المتصلة بهذا، كانوا بحارة جسورين وتجارًا على اتصال مباشر بالبابليين. والحق أنه لا يضاهي الإنجاز المصري إلا إنجاز حضارات بلاد الرافدين، خصوصًا الحضارة البابلية. بعض مؤرخي العلم يرون الإنجاز البابلي في الفلك والتقاويم متقدمًا على الإنجاز المصري، واتفق العلم المصري مع العلم البابلي في أنه كان حكرًا على طبقة الكهنة.

بصفة عامة، كان التقدم أكثر للحساب في بابل وللهندسة في مصر؛ لأن وادي الرافدين يخلو تقريبًا من الأحجار الصلبة، بينما مصر عامرة بالجبال والحجارة شديدة الصلابة، والصلابة التي تحفظ الشكل ثابتًا هي أساس جيد لتقدم الهندسة. وكان البابليون هم الذين ابتكروا واستخدموا نظام الخانات العددية، ويرى بعض مؤرخي العلم أنهم هم الذين ابتكروا رموز الأرقام، ثم انتقلت من العراق القديم إلى الهند القديمة، فوجب أن نزجي الشكر لبابل على أهم ابتكار في تاريخ الرياضيات.٢٣
أما الهند وجارتها الصين، فهذه المنطقة في شرق آسيا مهد من مهود نشأة الحضارة الإنسانية، وبالتالي ساهمت بنصيبها في هذه المرحلة الباكرة والأولية التمهيدية من تاريخ العلم، حيث وعورة شق وتعبيد الطريق؛ ليكون الإبداع الأصيل، إن دور الصين كبير في تاريخ الحضارة الإنسانية وفي الواقع المعاصر على السواء. لكن حتى أواخر العصور الوسطى، كان العلم الصيني يسير في مسار مختلف ومستقل عن مسار الحضارتين الغربية والعربية، فلم يعرفوا شيئًا عن أرسطو وإقليدس وبطليموس، وبالتالي افتقر العلم الصيني منذ بواكيره وحتى مشارف العصور الحديثة إلى المنطق البرهاني والرياضيات الاستنباطية والأصول النظرية التي برع الإغريق في صياغتها، وكانت جميعها طوع بنان العرب، وظلت الرياضيات الصينية دائمًا متعثرة مرتبكة يعتمد العدُّ فيها على استخدام العصي، ولم يعرفوا الترقيم العربي الهندي واستخدام الصفر ولا عرفوا شيئًا عن حساب المثلثات، على الرغم من أهميته في علم الفلك. وكما يقول توبي هف T. E. Huff عوضوا ذلك بتوظيف فلكيين عرب في بكين منذ القرن الثالث عشر، وفي هذا التاريخ عرفوا لأول مرة الترقيم والنظام العشري والصفر واستخداماته، خصوصًا بعد مجيء المبشرين المسيحيين. وقد لحق التفكير النظري في الطبيعة بوضعية الرياضيات. عرفت الصين بالتأكيد فكرًا قانونيًّا، وعرفوا أيضًا تفكيرًا في الطبيعة، ولكنهم لم يعرفوا علم الفيزياء. وكان نظام التعليم في الصين يوطد هذا الوضع ويدعمه، فهو نظام أوتوقراطي يهدف إلى إعداد موظفين للحكومة المركزية البيروقراطية،٢٤ والحصول على الوظيفة هو الهدف الوحيد من العملية التعليمية، وهذا يقتضي إتقان الإنسانيات والكلاسيكيات الخمس، أو التراث الصيني القديم، خصوصًا منتخبات كونفوشيوس،٢٥ ومسائل أخرى إدارية وثقافية. وكل هذا لا علاقة له بالرياضيات ولا بالتفكير العلمي في الطبيعة، فلم يكن ثمة بواعث لتعلمهما، فضلًا عن البحث والإبداع فيهما.
ولكن إذا كان هذا هو حال العلوم النظرية كالرياضيات والطبيعة، فإن الصين قد أسهمت برصيد هائل في العلوم التطبيقية، ومنها الطب الصيني الشهير. والحق أنه يمكن اعتبار التقانة «التكنولوجيا» الميكانيكية في أصلها ابتكارًا صينيًّا، بخلاف ابتكارات أخرى كثيرة كالساعة المائية والورق والبارود … لذلك فإن جوزيف نيدهام، هذا العالم الذي ترك معمله ليكشف عن دور الصين في تاريخ العلم وتاريخ الحضارة وخرج بإنجازات كبيرة وفاصلة في هذا الصدد تمثلت في موسوعة ضخمة من سبعة أجزاء عن تاريخ العلم والحضارة في الصين، أعدها نيدهام للنشر، ثم قام بتلخيصها٢٦ يقول جوزيف نيدهام: «إن العلم الصيني شبه تجريبي quasi-empirical وتطبيقي في جملته؛ لذا كانت الجوانب النظرية فيه أقل تقدمًا. وفي غضون القرنين الأول والثاني الميلاديين كانت الصين قد بلغت قمة من قمم التقدم العلمي والتقاني عبر التاريخ؛ لذلك فإنه من الناحية التقانية بالذات، يحق اعتبار الصين غاية وذروة الحضارات الشرقية القديمة.»

ومهما قيل عن ارتباط العلم في الحضارات الشرقية القديمة بالاحتياجات العملية، فإنه لم ينفصل أبدًا عن الإطار المعرفي والبنية التصورية. والحق أن هذا الانفصال يكاد يكون مستحيلًا؛ لأن العلم أولًا وقبل كل شيء نشاط معرفي. وعلى سبيل المثال ارتبطت معارفهم الأولية لمواقع الكواكب وحركتها بمعايير ضبط الحياة اليومية، وبنفس القدر لم تنفصل عن التأمل النظري في عناية القوى العلوية؛ لأن الوجدان الشرقي وثيق الصلة بالألوهية، وأوضح راشكوفسكي في كتابه «نظرية العلم والشرق، ١٩٨٠» بمزيد من التفصيل أن كوزمولوجيا العهد القديم ترجع إلى أساطير ما بين النهرين، ويمكن عن طريق هذا تتبع الصلة بين الميثولوجيا، أي الأساطير التي مثلت إطارهم المعرفي وبين عناصر العلم في هذه الحضارات؛ ليظل العلم في كل حال خير شاهد على حركية العقل البشري عبر الحضارات.

ولأن الجزر الإغريقية تتميز بقربها وتوسطها وسهولة اتصالها بمواطن الحضارات الشرقية الأسبق، فقد استوعبت ميراثها وواصلت المسير لتمثل المرحلة التالية في قصة العلم المناظرة لقصة الحضارة، وكان الفضل العظيم للإغريق في صياغة الأصول النظرية العقلانية للعلم، فضلًا عن الفروض الخصيبة التي طرحها بعضهم خصوصًا القبل سقراطيين، وكما هو معروف، بلغت حصافة الأصول النظرية مع الإغريق حدًّا، فتح الباب أمام نزعات الاستعلاء الغربي للزعم بأن العلم بدأ مع الإغريق من نقطة الصفر المطلق بإهدار تام لدور الحضارات الشرقية القديمة،٢٧ وعبر فجوة باهتة مظلمة هي العصور الوسطى قام فيها العرب بدور ساعي البريد أو حافظ الأمانة الذي أدخل عليها بعض التجديدات، انتقل العلم من الإغريق إلى أحفادهم وورثتهم الشرعيين في غرب أوروبا، هكذا تبدو قصة العلم من ألِفها إلى يائها قصة غربية خالصة!

لقد كان الإغريق أول قوم في أوروبا يخرجون من الوضع القبلي البدائي، ويصنعون مدنية وثقافة متنامية، قبل الميلاد بستة قرون. إنهم بداية الحضارة الأوروبية التي تطورت عبر التاريخ حتى بلغت مرحلة المد الاستعماري، فلم يتوان مفكرون غربيون في تسويغه، حتى شكلوا فيلقًا في الجيوش الاستعمارية، بزعم أن الغرب هو صانع الحضارة ابتداءً وأبدًا، فيغدو السؤدد الحضاري والسيطرة على العالمين نصيب الغرب المشروع ومكانه الطبيعي، وكان السبيل لهذا هو الإسراف في تمجيد ما أسموه المعجزة الإغريقية، وإهدار ميراث الحضارات الشرقية القديمة الأسبق منها، والتي أصبحت مستعمرة. وبينما الحضارة اختراع مصري خالص، أنجزه الفراعنة — قبل الإغريق بألفي عام — ليكون الفجر الناصع ونقطة البدء الحقيقية، راحوا يزعمون أن هذا قد انزوى، والإغريق هم نقطة بدء الحضارة الإنسانية بجملتها، وليس الأوروبية فقط، فالعلم بدأ مع الإغريق، كما بدأت الفلسفة مع طاليس، وبدأت الرياضة مع فيثاغورث، والميثولوجيا «الأساطير» مع هوميروس، والمسرح مع يوربيديس وأسخيلوس، وبدأت الديمقراطية في أثينا … إلخ … إلخ … فيبدو الغرب هو الفاعل الوحيد لكل فعل حضاري، المالك الوحيد لكل غنيمة حضارية، صاحب الحق في تصريف شئون الحضارة البشرية وفقًا لمصالحه. إذن الاستعمار والهيمنة على العالمين نصيب الغرب المشروع، ولأن العلم فارس الحلبة في الحضارة الحديثة فإنه يستأثر بنصيب الأسد من هذه الملحمة الزائفة التي تؤكد نقطة البدء مع الإغريق؛ تجسيدًا لما أشرنا إليه سابقًا من تشويه أيديولوجي، وقد انصب على تاريخ العلم.

وأجج من هذا ضعف الحصيلة المعرفية عن العلم القديم وما كان شائعًا من خفوت الوعي بتاريخ العلم، ومع انطلاقة الوعي التاريخي وتنامي الدراسات في تاريخ العلم، تراجع ذلك الزعم وبدأ الإدراك الواضح لدور كل الحضارات بفضل جهود جورج سارتون وجوزيف نيدهام وأمثالهما، هذا بخلاف المحاولات الدءوبة التي مرت علينا، محاولة أن تتبع حركة العلم حتى الأصول الأنثروبولوجية، والمحصلة أن تتكامل قصة العلم عبر الحضارات، فيما يُعد ظفرًا معرفيًّا كبيرًا.

وبهذا الطرح الموضوعي المتكامل يبدو العلم الإغريقي مرحلة تالية لمرحلة الحضارات الشرقية القديمة، مستفيدةً منها ومواصلة لمسارها. بدأت في أيونيا ببلاد اليونان وليس في أي مكان آخر من أوروبا، لقربها وسهولة اتصالها بمواطن الحضارات الشرقية الأسبق منها، مصر وفينيقيا وبابل، فكانت تمثلًا واستيعابًا لميراثها، ثم تطورًا لها. وكما يقول هال: اختلف العلم الأيوني عن العلم المصري القديم في أنه افتقر إلى أساس من الملاحظات التجريبية، وإذا عُد طاليس — أول الفلاسفة الإغريق — من الحكماء السبعة؛ لأنه استطاع التنبؤ بكسوف الشمس، فقد فعل هذا على أساس الوثائق البابلية التي استطاع الاطلاع عليها. وعلى أية حال فإن التطور الجوهري العظيم حقًّا الذي أنجزه الإغريق يتمثل في بلورة مثل البحث العلمي وإرساء أسسه العقلانية. بصفة عامة انحسرت المباحث التجريبية وتمركزت إنجازات الإغريق العظمى في العقل النظري والعلوم الاستنباطية، أي في المنطق والرياضيات؛ هذا لأنهم دأبوا على تمجيد النظر وتحقير العمل حتى جاهر أرسطو بأن العبيد مجرد آلات حية لخدمة السادة الأحرار المتفرغين لممارسة فضيلتي التأمل والصداقة! لقد كان العلم الإغريقي هو المقابل الصريح للعلم الصيني، فبينما اهتم هذا الأخير بالجوانب التطبيقية والتقانية «التكنولوجية» وأغفل الجوانب النظرية والاستنباطية، فعل العلم الإغريقي العكس تمامًا. والواقع أن النمو الحضاري الصحي الواعد يأتي بتكامل الجانبين: العلم والتقانة، والمنهج العلمي ذاته يقوم على دعامتين؛ هما الفرض والتجربة، أو النظرية والملاحظة.

لذا ففي أعقاب المرحلة الإغريقية — الهلينية الخالصة — شهدت الجوانب النظرية والجوانب التطبيقية، أي العلم والتقانة على السواء فترة توهج وتألق فذة في العصر السكندري، حيث انصهرت العقلانية الإغريقية مع الحكمة والخبرة المصريتين الخصيبتين. وإذا كانت الإسكندرية قد ورثت عرش أثينا كمركز للعقل والمعرفة، فإن العلم في أثينا غير جدير بالمقارنة مع العلم في الإسكندرية، وحتى الرياضيات مجد أثينا العظيم قطعت في الإسكندرية خطى تقدمية واسعة، وأحرزت على يد إقليدس كمالًا لا يزال مثالًا يُحتذى، ثم استئناف مسيرته بهندسة المجسمات والقطوع المخروطية مع هيبسكليس وأبولونيوس ومينا يخوموس وأريستا يوس٢٨ … وارتبط بهذا تقدم في الفلك، فقدمت الإسكندرية نظريتين معالجتين رياضيًّا؛ الأولى لأرسطارخوس الساموسي على أساس من مركزية الشمس، والثانية لبطليموس على أساس من مركزية الأرض. ولأسباب كثيرة لا معرفية بل حضارية، أو بمصطلحات فلسفة العلم لأسباب نجدها في النظرة إلى العلم من الخارج وليس من الداخل، قدرت لمركزية الأرض السيادة طوال العصور الوسطى.

ونالت علوم الحياة أيضًا حظًّا عظيمًا من العناية في مكتبة الإسكندرية ومتحفها، والذي لم يكن متحفًا بالمفهوم الحديث، بل هو بهذا المفهوم أول جامعة في العالم. لقد جاهر جاليليو — أعظم آباء العلم الحديث — بأن إنجازاته ما كانت لتتاح دون إنجازات أرشميدس في ذلك العصر الزاخر، فهو الذي علمه التآزر الخصيب الولود بين الرياضيات ووقائع التجريب، وهذا التآزر هو مجمر توقد الفيزياء الحديثة. على الإجمال، يُعد مؤرخو العلم المرحلة السكندرية من أهم مراحل تاريخ العلم، حتى يراها بعضهم تقف على قدم المساواة مع مرحلة الثورة العلمية الحديثة في القرن السادس عشر.

ومعلوم جيدًا دور العلماء العرب في حمل لواء المنهج العلمي ومواصلة مسيرة البحث التجريبي في العصور الوسطى، التي كانت مظلمة في أوروبا وشهدت انحسار الحركة العلمية عنها. وكما قال برتراند رسل (١٨٧٢–١٩٧٠م): «في العصور الوسطى المظلمة كان العرب هم الذين يقومون بمهمة تنفيذ التقاليد العلمية، أما المسيحيون أمثال روجرز بيكن، فقد اكتسبوا منهم إلى حد بعيد ما اكتسبوه من معرفة علمية حازتها العصور الوسطى اللاحقة.»٢٩

لقد ترامت إمبراطوريتهم الناهضة وضمت مراكز الحضارات الأسبق في مصر والعراق والشام وفارس وجيرانها الآسيويين، وحتى الصين التي لم يفتحها العرب ولم يطئها جندي مسلم واحد، تكفلت طرق الحرير والقوافل التجارية بنقل تراثها التقاني الزاخر إلى العرب. وأصبح في متناول أيديهم كل التراث العلمي السابق عليهم تقريبًا، في الحضارات الشرقية القديمة والتراث الإغريقي والسكندري؛ ليتفاعل مع تفتحهم الذهني وتسامحهم العقلي وعوامل شتى في حضارتهم التي كانت دافقة، وعبقرياتها من ذوي الملل والأجناس الشتى، فتشكلت أهم مراحل العلم القديم وغايته وقمته بإبداعاتهم الرائعة في شتى فروع العلم.

يقول ج. كراوثر: «كان من الطبيعي بعد أن اطمأنوا إلى قوتهم العسكرية ومعتقداتهم الإيمانية أن يتجهوا لتشييد المدن الرائعة ودراسة ثقافة الحضارات التي دانت لهم. وكان العرب المسلمون أمة جديدة بلا معرفة أو تراث سابق، فقرءوا التراث الفكري للقدماء بعقول متفتحة بلا خلفيات تعوقهم؛ ولذلك وقفت الثقافات الإغريقية واللاتينية والهندية والصينية جميعًا بالنسبة لهم على قدم المساواة. وكان من نتائج هذه العقلية المتعطشة للمعرفة عند المسلمين أنهم أصبحوا بالفعل المؤسسين الحقيقيين لمفهوم العالمية في المعرفة أو وحدة المعرفة الإنسانية، وهي إحدى السمات بالغة الأهمية بالنسبة للعلم الحديث.»٣٠ وكما لاحظ هال، فإن العرب في هذا التفتح الواعد لم يرتدوا عن إيمانهم بالله أو تهاونوا في أخذ الدين مأخذ الجد، بيد أن تعصبهم انحسر وتنامى إحساسهم بمغزى التناسب، فشرعوا في تفهم واستيعاب فضائل النزعة الإنسانية.٣١

ومن هنا انطلقت مرحلة هامة من مراحل الحضارة ومن مراحل العلم على السواء، تميز العلم فيها عن العلم الغربي الحديث في أن هذا الأخير انفصل انفصالًا بائنًا عن القيم والأخلاق، أما العلم العربي في الحضارة الإسلامية فقد تأتى في إطار توجههم الأخلاقي المثالي العام. وبينما انطلق العلم الحديث من صراع دامٍ مريرٍ مع الأيديولوجيا السائدة في أوروبا، فإن العلم العربي انطلق من داخل إطار الأيديولوجيا الحاكمة وبرعايتها. إن تمويل الخلفاء السخي للترجمة والبحث العلمي مسألة مذكورة ومشهورة، بيد أن هذا لا ينفي أبدًا تجذُر العلم في التربة العربية.

وتظل الرياضيات أعلى مدارج العقل العلمي وأرقى أشكال التفكير المنطقي المنظم والمدخل الحق للطرح العلمي، وقد لعب العرب دورًا كبيرًا في تاريخ الرياضيات ومسارات تطورها، وعلى مفترق الطرق بين الحساب والجبر وبين الجبر والهندسة؛ لذلك يجمل بنا أن نتوقف هنيهة إزاء الرياضيات العربية، خصوصًا وأنها تبلور إلى أي حد كان العلم العربي استيعابًا وتمثلًا لروافد العلم القديم الشرقية والأوروبية على السواء، أو الهندية والإغريقية، ثم دفعًا لمسيرة التقدم العلمي، وإلى الدرجة التي تضع الرياضيات العربية على مفترق الطرق كما ذكرنا.

وبصفة عامة أخذ العرب بتصنيف الإغريق للمباحث الرياضية، فانقسمت الرياضيات العربية إلى أربعة علوم أساسية هي: الحساب والهندسة والفلك «علم الهيئة» والموسيقى، وتتفرع فروعًا عدة. ويُعد الجبر — إنجاز الرياضيات العربية الأعظم — امتدادًا أو فرعًا للحساب.

لم يكن للعرب قبل الإسلام باع في العلوم الرياضية، الرياضة ليست كالشعر، بل هي كالفلسفة، أي نتيجة مباشرة لمعلول مستحدث هو الثورة الثقافية العظمى التي أحدثها الإسلام، ثم تعاظمت بفعل عوامل عديدة سوف نُشير إليها، فسارت الرياضيات في الحضارة الإسلامية بالمرحلتين التاريخيتين اللتين مرت بهما الإنجازات المستحدثة للعقلانية العربية، أي مرحلة الترجمة والنقل، ثم مرحلة الإسهام والإبداع.

بدأت المرحلة الأولى حين أمر الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور بترجمة «السدهانات»، أي «مقالة الأفلاك» التي عرفها العرب باسم «السندهند»، وهي أكبر موسوعة هندية في الحساب والفلك والتنجيم، ومن وضع براهما جويت، وتتألف من جزأين، أحدهما عن الأزياج، أي سير الكواكب التي نستخرج منها جداول التقاويم، والآخر عن الوسائل الحسابية لهذه الجداول والتي فتحت أمام العرب آفاق الحساب وحساب المثلثات، وقد حملها إلى بغداد عام ١٥٣ھ/٧٧٠م العالم الهندي كنكه، فترجمها إلى العربية يعقوب بن طارق (ت٧٩٦م)، وإبراهيم بن حبيب الفزاري المنجم (ت٧٧٧م). كانت «السدهانات»، أو «السندهند» فاتحة الاتصال بالرياضيات الهندية، التي كانت بدورها العلة المباشرة لنشأة الرياضيات العربية، تنامت فيما بعد عن طريق الاتصال المباشر بالحضارة الهندية، خصوصًا على يد اثنين من أكبر الرياضيين العرب؛ هما الخوارزمي والبيروني، كلاهما أتقن اللغة السنسكريتية وزار الهند.

لكن لم تشف «السندهند» غليل العقلية العربية الناهضة المتشوقة آنذاك، فأمر جعفر البرمكي بترجمة كتاب «إقليدس» ليكون أول ما تُرجم من كتب اليونان، وأيضًا البوابة العظمى التي دخل منها العقل العربي الإسلامي إلى عالم الهندسة، ويبدأ عصر ازدهار الرياضيات العربية.

فقد اهتم الإسلاميون بالرياضيات أكثر من اهتمامهم بسواها من مباحث العلوم العقلية، وانشغلوا بموقعها في النسق المعرفي. وضعها الكندي — أول الفلاسفة الإسلاميين — كمدخل للعلوم، فتسبقها جميعًا، حتى المنطق ذاته يأتي بعد الرياضيات، وجعلها جسرًا للفلسفة، وللكندي رسالة في أنه «لا تنال الفلسفة إلا بالرياضيات»، وله من الكتب والرسائل أحد عشر في الحساب، وثلاثة وعشرون في الهندسة، فضلًا عن تسعة عشر في النجوم.

وإذا كان ابن سينا — الشيخ الرئيس — يضع المنطق في المدخل ثم الطبيعيات وبعدها تأتي الرياضيات، وأخيرًا الإلهيات، فهذا يعكس مسار العقل وتدرج خطاه، فقد اهتم بالرياضيات أكثر من الكندي، وصنف علومها إلى علوم الرياضة الرئيسية؛ وهي العدد والهندسة والهيئة «الفلك» والموسيقى، ويتشعب عنها علوم الرياضة الفرعية، فعن العدد يتفرع الجمع والتفريق والحساب الهندي وعلم الجبر والمقابلة، وعن الهندسة يتفرع علم المساحة وعلم الحيل المتحركة وعلم جر الأثقال، وعلم الأوزان والموازين، وعلم الآلات الجزئية، وعلم المناظر والمرايا، وعلم نقل المياه، أما علم الهيئة فيتفرع عنه علم الأزياج والتقاويم، ومن فروع علم الموسيقى اتخاذ الآلات الغريبة.

وفي كل حال سلَّم التراث الإسلامي بالعلوم الرياضية بوصفها مبرهنات يقينية لا بد أن تحتل موقعها بدقة في بنية العقل، وحتى الإمام الغزالي حين صب جام غضبه على العقلانية وعلوم العقل، استثنى الرياضيات، وقال: إن أعظم جناية على الإسلام الظن بأنه يُنكر الرياضيات، فظلت الرياضيات دائمًا لا معنى لإنكارها ولا للمخالفة فيها — بتعبير الغزالي.

على أية حال، أدى اهتمام الإسلاميين بالرياضيات وإعلاء شأنها إلى تناميها على أيديهم تناميًا يصعب تفسيره فقط بهذه النظرة الداخلية للنسق المعرفي، فثمة عوامل خارجية في الحضارة الإسلامية دفعت إلى هذا، منها اهتمام العرب وأسلافهم العتيق بالتجارة وحساب الأنصبة والأرباح في البضائع والبيوع، وكمثال على مشاكل التجارة العربية التي احتاجت في حلها إلى عقلية رياضية متطورة: تناقص قيمة الجارية كلما تقدمت في العمر وحساب ثمنها، ثم نظام المواريث الإسلامي المعقد، وأيضًا تعاظم جحافل الجيوش الجرارة وتوزيع رواتبها وغنائمها وحساب نفقاتها، ثم الرخاء الاقتصادي والتراكم المالي الذي تلى تكوين الإمبراطورية الإسلامية، ومشاكل حساب أنظمة الجزية والخراج والضرائب والزكاة، هذا فضلًا عن مشاكل عمليات المساحة وتقسيم الأراضي وتشييد المدن.

أما عن الفلك أو الهيئة فسنجد تحديد مواقيت الصلاة والشعائر والأعياد الدينية تدفع الإسلاميين إلى اهتمام مكثف بالفلك، خصوصًا وأن البيئة الصحراوية دفعتهم إلى الاعتماد على التقويم القمري بصعوباته في تحديد التواريخ سلفًا، وفي الوقت نفسه اهتموا بالتقويم الشمسي في الأمصار الزراعية التي دانت لهم من أجل تحديد أوقات جباية الجزية والضرائب والزكاة وفقًا لمواسم الحصاد، والمحصلة أن استطاع العرب تطوير علم حساب المثلثات، وتصنيع آلات فلكية لتعيين المواقيت والاتجاهات، وكانت من أدوات اكتشاف الأمريكتين وإثبات كروية الأرض.

وتظل المأثرة الكبرى للرياضيات هي تأسيس علم الجبر الذي يحتفظ حتى الآن باسمه العربي في كل اللغات الأوروبية، منذ أن ترجم روبرت أوف شستر في عام ١٢٤٥ «الكتاب المختصر في الجبر والمقابلة» الذي وضعه محمد بن موسى الخوارزمي، فيما بين عامي ٨١٣–٨٣٣م، أي في عهد الخليفة المأمون، وهنا ظهرت لأول مرة في التاريخ كلمة «جبر»، وهي تدل على علم تأكدت استقلاليته وتطورت مفرداته وأدواته، أجل. تباشير الجبر كائنة منذ الحضارات البابلية والهندية القديمة وعند الإغريق، وأهمها كتاب «المسائل العددية» لديوفانطس السكندري، لكن جميعها كانت مجرد إرهاصات مشوبة بقصورات جمة، أما «الجبر والمقابلة» فيلقي أسس العلم بصورة ناضجة قابلة للنماء. أطلق الخوارزمي على الكمية المجهولة اسم «الجذر» إشارة إلى جذر النبات الذي عادة ما يكون مختفيًا تحت الأرض، وأطلق على مربع الجذر اسم «المال»، انطوى جبر الخوارزمي على جدة حقيقية وإبداع أصيل في المنهج لا يتعلق بأي تقليد حسابي سابق عليه لا شرقي ولا غربي، فقطع شوطًا يفصله كثيرًا عن ديوفانطس.

شهد الجبر في الحضارة الإسلامية قفزة تالية مع عمر الخيام الذي وضع قواعد لحل ثلاث فئات من معادلات الدرجة الثالثة وفئة من معادلات الدرجة الرابعة. لقد تدافعت أفواج الرياضيين العرب منذ القرن التاسع الميلادي/الثالث الهجري، فقد ظهر «كتاب الجبر والمقابلة» في نفس وقت ظهور ترجمة كتاب «الأصول لإقليدس» الصرح الأعظم للهندسة، وقد كان يُظن أن الله خلق العالم بموجبها، وأنه لا هندسة سواها، ونقلت أوروبا الأصول على يد إدلارد الباثي الذي تعلَّم العربية ودرس في قرطبة — مركز العلم العربي في الأندلس — وترجم «أصول إقليدس» حوالي عام ١١٢٠م من العربية إلى اللاتينية، وظلت هذه الترجمة تدرس في مدارس أوروبا حتى عام ١٥٨٣م حين تم اكتشاف الأصل اليوناني.

كان الحجاج بن يوسف قد ترجم بعض كتب الأصول لإقليدس من اللغة السريانية إلى العربية. وعلى مدار عهدي هارون الرشيد والمأمون وما تلاهما عمل على ترجمة أجزاء كتاب الأصول ومراجعة الترجمات وتنقيحها كوكبة من ألمع المترجمين الرياضيين. وفتح الأصول شهية العرب للرياضيات الإغريقية، خصوصًا في عصرها الذهبي — العصر السكندري — فتوالت دفعة واحدة ترجمة العديد الجم من أمهات هذا التراث، ولعل أهمها كتاب أبلونيوس «القطوع المخروطية» الذي ترجم إلى العربية في عصر المأمون تحت اسم «المخروطات»؛ ولأن أصول إقليدس معنية بهندسة المسطحات، فإن اقتحام عالم المجسمات والقطوع المخروطية كان مرحلة جديدة ارتقى إليها العقل الهندسي في الحضارة الإسلامية وأسدى إليها وأبدع فيها.

وكشأن «الأصول» نجد كوكبة من المترجمين الرياضيين في الحضارة الإسلامية ومن أجيال متعاقبة توالت على ترجمة كتاب «المخروطات» لأبلونيوس ومراجعة الترجمات وتنقيحها، وأيضًا كشأن «الأصول» قل أن يمر رياضي عربي بغير أن يصنف رسالة في «المخروطات»، والجدير بالذكر أن هذا الكتاب قد ضاع ولم يبق للبشرية وللنهضة الأوروبية الحديثة إلا الترجمة العربية، انتقلت إلى أوروبا واستفاد منها يوهانس كبلر عام ١٦٠٩م وطبقها في الميكانيكا السماوية التي أحرزت معه خطوة تقدمية هائلة.

وبطبيعة الحال، الرياضيات في الحضارة الإسلامية إبان عصرها الذهبي كانت أوسع مجالًا، لكننا تخيرنا منطلقًا محوريًّا على مفترق الطرق بين الحساب والجبر، وبين الجبر والهندسة؛ ليتبدى الدور المحوري الذي قامت به الرياضيات العربية؛ أما على مفترق الطرق بين الحساب والجبر، فقد كانت نشأة علم الجبر وتأسيسه تأسيسًا، أما عن دورها بين الجبر والهندسة فيتمثل في أنها صانت للبشرية هذا السفر الثمين «القطوع المخروطية لأبلونيوس»، والذي يقف كعامل جوهري لنشأة الهندسة التحليلية في القرن السابع عشر مع فرما وديكارت.

حقًّا إن الهندسة التحليلية تقدم طرقًا أعمق وأسهل من طريقة أبلونيوس، وتوضح وحدة القطوع المخروطية بطريقة أبسط؛ إذ تمثلها بمعادلات من الدرجة الثانية بمجهولين، فلا يُعد كتاب أبلونيوس أو شروحه من لدن نصير الدين الطوسي وإبراهيم بن سنان والحسن بن الهيثم مجديًا في الوقت الحاضر.

بيد أن هذا الكتاب شأنه شأن مجمل إسهامات العرب الرياضية في عهدهم الذهبي إبان العصر الوسيط، له دور خطير في تاريخ الرياضيات وتطور مساراتها.

ولم تكن الثقافة «التكنولوجيا» أقل شأنًا، وليس أدل على تجلي روح التقانة العلمية في الحضارة العربية من أن ابن سينا كما رأينا أوضح أن علم الهندسة يتفرع عنه علم المساحة، وعلم الحيل المتحركة، وعلم جر الأثقال، وعلم الأوزان والموازين، وعلم الآلات الجزئية، وعلم المناظر والمرايا، وعلم نقل المياه. وكما أشار برتراند رسل، كان العلم العربي أكثر انكبابًا على البحوث التجريبية ولم يعن كثيرًا بصياغة النظريات العلمية العامة أو البحتة، أي إن العلماء العرب كانوا تجريبيين أكثر مما ينبغي. وفي سياق البحوث التجريبية تواترت الإنجازات المعروفة للعلم العربي لا سيما في الطب والجراحة والصيدلة والنبات، أما الكيمياء أو السيمياء فإن كثيرين من مؤرخي العلم القديم حذوا حذو ابن خلدون وأسموا الكيمياء «علم جابر»، وقد كان جابر بن حيان — في القرن الثاني الهجري — في طليعة الرواد العظام للعلماء العرب التجريبيين، وقد أسماهم علماء الكلام «الطبائعيين»؛ لأنهم يبحثون في طبائع الطبيعة، وجابر بن حيان هو الإمام الأكبر الذي خرجت من أعطافه كل كيمياء العرب وكل كيمياء العصور الوسطى حتى قال برتيلو: إن جابر له في الكيمياء ما لأرسطو في المنطق، أي إنه أسسها تأسيسًا، وعلَّم العلماء العمل في قلب المعمل والعزوف عن التأمل النظري الخالص حين البحث في العلوم الطبيعية.

وأخيرًا ما دمنا معنيين بتاريخ العلم يجمل أن نشير إلى سبق العرب في هذا أيضًا، فكما أشار مؤرخ العلم جان دومبريه «وجدت تواريخ علوم كثيرة قيمة في الكتابات العربية الحريصة كل الحرص على تتبع الأنساب وإثباتها.»٣٢ ولعل أشهر الآثار في هذا «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» لابن أبي أصيبعة، و«إخبار العلماء بأخبار الحكماء» للقفطي، و«معجم الأدباء» لياقوت الحموي، الذي ضم بين دفتيه أعلام العرب في مجالات علمية خالصة.

ويلقى تاريخ العلوم عند العرب الآن ما يستحقه منا من اهتمام كبير، إنه يشغل مساحة تاريخية تمتد من القرن الثامن الميلادي إلى القرن الثاني عشر أو الثالث عشر، وهو في الواقع يملأ كل الفراغ الحضاري الممتد منذ انتهاء عصر العلم السكندري في مصر في العصر البطلمي، إبان القرن الأول الميلادي، حتى بزوغ الجمهوريات الإيطالية في عصر النهضة.

بيد أن القيمة الخطيرة والماثلة لتاريخ العلم عند العرب تتمثل في أنه — ببساطة المقدمة المفضية منطقيًّا وتاريخيًّا إلى مرحلة العلم الحديث، وتفصيل هذا أمر طويل عريض؛ لذلك نكتفي باللفتة النافذة التي أسرف توبي هف في التعويل عليها وتأكيدها وهو يحاول تفسير بزوغ فجر العلم الحديث، إنها اللفتة الخاصة بمرصد «مراغة» الواقعة الآن في حدود إيران، حيث استطاع العاملون فيه، خصوصًا إبان القرنين الثالث عشر والرابع عشر، التوصل إلى ابتكار أول نظام فلكي غير بطلمي، ومن هؤلاء العاملين في مراغة الأزدي المتوفى عام ١٢٦١م، والطوسي المتوفى عام ١٢٧٩م، وقطب الدين الشيرازي المتوفى عام ١٢٧٩م، وأهمهم جميعًا ابن الشاطر المتوفى عام ١٣٧٥م. ويؤكد توبي هف تأكيدًا مشددًا على أن ابن الشاطر بالذات هو الذي مهد لكوبرنيقوس، وعلى تفاصيل التناظر بين نماذج هذا الأخير ونماذج مرصد مراغة، بحيث إن السؤال الذي بحثه نفر من مؤرخي العلم الحديث ليس عما إذا كان، وإنما متى وأين تعلَّم كوبرنيقوس نظرية مراغة؟ يقول توبي هف:
وشدَّ ما هو ذو دلالة خطيرة فعلًا، أن العلماء العرب المسلمين هم الذين مهدوا الطريق المفضي إلى الثورة العلمية في أوروبا، لقد عمل العرب على تطوير ومناقشة جوانب عديدة للمنهج التجريبي، وتخطيط كيفية التسلح بها، ليس هذا فحسب، بل أيضًا طوروا الأدوات الضرورية للوصول إلى أرقى مستويات الفلك الرياضي، علاوة على هذا، فإن العمل الذي اضطلع به مرصد مراغة في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، قد بلغ ذروته في عمل ابن الشاطر (المتوفى عام ١٣٧٥م)، وتمخض عن تطوير نماذج كوكبية جديدة للكون، كثيرًا ما تُوصف بأنها باكورة النماذج اللابطليمية على طول الطريق المفضي إلى العلم الحديث. وفضلًا عن هذا، فإن تلك النماذج الكوكبية هي ما اتخذه كوبرنيقوس فيما بعد، لم يكن ينقصها العامل الرياضي، أو أية عوامل علمية أخرى، العامل الوحيد المفتقد في هذه النماذج هو أن ترسو على فرض مركزية الشمس، وكان الفشل في الإقدام على هذه الوثبة الميتافيزيقية من كون مركزه الأرض إلى كون مركزه الشمس هي التي حالت بين العرب وبين إحداث النقلة من العالم المغلق إلى الكون المفتوح.٣٣

وكان كوبرنيقوس هو الذي أقدم على هذه الوثبة، فكانت بداية حركة العلم الحديث بفضل يعود إلى تاريخ العلوم عند العرب على العموم، ومرصد مراغة على الخصوص.

بيد أن النقلة المحورية من العلم القديم إلى العلم الحديث، والتي قُدر لها أن تتخذ من الحضارة الأوروبية مسرحًا، إنما هي مسألة تحتاج — بلا شك — إلى مزيد من التوضيح والتفصيل.

خامسًا: من العلم القديم إلى العلم الحديث

في ذلك الطريق الطويل العريض، والذي امتد حتى نهايات العصور الوسطى، قطع العلم القديم شوطًا كبيرًا لا يُستهان به البتة، لا شك أنه كان الخلفية العريضة والمقدمة الضرورية لكي ينبثق عنها عملاق العلم الحديث في العصر الحديث؛ ليصنع العالم الحديث للإنسان الحديث. ومهما صادرنا على الأهمية الكبرى والمحورية للعلم القديم وأوليناه ما يستحقه من عناية، فلا بد من الاعتراف بأن العلم الحديث لم يكن مجرد بوابة كبرى انفتحت لتنطلق منها ظاهرة العلم انطلاقة عظمى ويتسارع تقدمها بمعدلات لا عهد للبشر بها من قبل، بل كان العلم الحديث أيضًا، من زاوية العقل ومن زاوية الواقع على السواء، مستوى جديدًا ومغايرًا من مستويات وجود الإنسان في هذا الكون.

لقد سار العلم القديم بمعدلات تقدم متباطئة للغاية، خصوصًا إذا قورنت بالوضع في العلم الحديث؛ لأن البحث العلمي ذاته كان نشاطًا مشتتًا مبعثرًا، ملحقًا بالاحتياجات العملية المباشرة في العهود السحيقة، ثم بالكهنوت في الحضارات القديمة، وبالفلسفة في الحضارة الإغريقية، وبالإطار الديني في حضارات العصر الوسيط، وحتى الحضارة الإسلامية التي رأيناها تحمل لواء البحث العلمي آنذاك، لا يمكن فهم الحركة العلمية فيها بصرف النظر عن توجهها نحو الإلهيات والذي صنع الملامح الخاصة للطبيعيات الإسلامية في العصر الوسيط، فلا هي انساقت مع مادية القبل سقراطيين المتطرفة ولا مع مادية أرسطو المعدلة، إلى آخر المدى، وعلى الرغم من استفادتها من الفيثاغورية والأفلاطونية والأفلوطينية، أيضًا لم تتسق معها إلى آخر المدى، فهذه فلسفات مثالية تحرم العالم الطبيعي من الوجود الموضوعي، وهذا ما لا يمكن أن تفعله الفلسفة الإسلامية، قد تحرمه من استقلاله أما وجوده الموضوعي فكلا؛ لأن العالم الطبيعي فعلًا متعينًا للقدرة الإلهية ودليلًا ماثلًا عليها، مما يوضح أن العرب مهما أسرفوا في استغلال وتسخير التراث اليوناني، فقد كان هذا في إطار ثوابتهم الحضارية وتصوراتهم المتجهة نحو الإلهيات.

فكان التراث العربي الإسلامي تيارًا مستقلًّا في النظر إلى العالم الطبيعي، استوعب ذينك الطرفين — المادية والمثالية — وتجاوزهما إلى مركب جدلي٣٤ أشمل، لم يكن محض انتقاء بينهما أو توفيقًا مع الشريعة، بل كان خطوة في طريق تطور الفكر الطبيعي … أدت فيما بعد إلى العلم الحديث. وقد عرفت الحضارة الإسلامية كيف تقطعها دون أن تخرج عن إطارها المثالي وتوجهها اللاهوتي.٣٥
والخلاصة أنه بالنسبة للعلم القديم كان الإطار الثقافي يحتويه بصورة ضمنية، ولم يكن مؤسسة مستقلة بذاتها، مستقلة بمناهجها ونواميسها وشرائعها ورجالاتها، فندر أن يوجد العالم المتخصص المتكرس لأبحاثه العلمية، ويصدق هذا حتى على الحضارة الإسلامية التي رأيناها تحتل قمة العلم القديم، ومن أعظم رجالاتها أبو الريحان البيروني (٣٦٢–٤٤٠ﻫ/٩٧٣–١٠٤٨م) الذي قال عنه المستشرق الألماني إدوارد ساخاو: إنه أعظم عقلية علمية عرفتها العصور الوسطى، ويحق لنا اعتباره أعلى مد بلغته العقلية العلمية آنذاك، ومع هذا نجد البيروني معنيًّا بالفلك والرياضيات والمباحث التجريبية قدر عنايته بالإنسانيات والحضارات حتى إنه بكتابه «تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة» كان مؤسس علم الأديان المقارن، وكان كل هذا في إطار توجهات دينية وفلسفية إسلامية … ودع عنك مثالًا آخر، جابر بن حيان في القرن الثاني الهجري الذي اختلطت كيمياؤه التجريبية البارعة بركام هائل من الخزعبلات والخرافات والغنوصيات المشرقية،٣٦ ولا غرو في أن تحمل كيمياؤه تعثر البدايات ووعورة شقها للطريق، وفي الآن نفسه زخم التأثيرات المحورية والامتدادات المستقبلية، وبهذا وذاك كان أبا الكيمياء القديمة كما رأينا.

وبفعل متغيرات ثقافية وتحولات حضارية جديدة وعميقة اقترنت بها نشأة العصر الحديث، انبثق من ركام العلم القديم عملاق هو العلم الحديث، انبثق في صورة نسقية، أي مهيأة للاستقلال، بحيث تحمل في صلب ذاتها حيثياتها وإمكانيات تناميها وفاعلية عوامل تقدمها ذي المعالم الواضحة. إن النسقية موطن لتميز العلم الحديث عن العلم القديم، ويمكن أن تتمثل نقطة التحول في أن العلم في العصر الحديث، أو العلم الحديث قد أصبح نسقًا.

والنسقية تعني إحكام البحث العلمي، فيرتكز في شتى ممارساته على أصوليات منهجية صارمة، ترتد في صورة خصائص منطقية دقيقة، تحدد لظاهرة العلم تخومًا واضحة، مما يكفل تآزر الجهود العلمية فيجعلها تمثل متصلًا صاعدًا، يواصل تقدمه باستمرار، ويلقي في جوانحنا الثقة بأن غده أفضل من يومه، تمامًا كما أن يومه أفضل من أمسه، فتمثل كل ممارسة من ممارسات العلم الطبيعي إضافة لرصيده، أو بالأحرى لرصيد الإنسانية.

فكما أشرنا، لم يكن العلم الحديث مجرد تغير أو تطور في آليات الكسب المعرفي، بقدر ما كان نقلة حضارية شاملة، وما إن بدأ مشروعه ينمو ويتصاعد، إلا وقد امتثل نصب الأعين منهاج واضح قاطع ألا وهو المنهج التجريبي المعروف باسم «الاستقراء Induction»، وقد بات معتمدًا بوصفه شريعة العلم الحديث وناموسه وسر عظمته، بقدر ما هو روح العصر الحديث وأوضح تعبير عن متغيراته وعن آفاقه المستهدفة.
ولا غرو في أن يحتل المنهج التجريبي مثل هذا الموقع في منظومة العصر الحديث، فإذا حق القول: إن الفلسفة تجريد وتجسيد لروح عصرها، فإن منهج البحث أو نظرية المنهج العلمي «الميثودولوجيا Methodology» دونًا عن كل فروع الفلسفة هي الأجدر والأقدر على تجريد وتجسيد روح العصر، فهل من تعبير عن صراعات العصر المعني وطموحاته وتوثباته، وأيضًا عن قصوراته ومواطن زَلَلهِ أصدق خبرًا من المنهج؟! أي الأسلوب الذي يتبعه ويعتمده العصر المعني بشكل عام للبحث عن الحقيقة، أو بالأحرى عن الوجه المعين من الوجوه الشتى للحقيقة … الوجه الذي استقطب الاهتمام والاتجاه العام للعصر المعني، فتكشف نظرية المنهج عن ديناميكياته، أما حين تكون المعالجة متتبعة لمشارف التقدم التي أُحرزت فيما تلى العصر المعني — كما سيحدث في فصول الكتاب القادمة — فسوف تكون النظرية المنهجية كاشفة أيضًا عن قصوراته والتقييدات التي حاقت بإمكانياته المعرفية، وسبيلنا الآن إلى تفصيل هذا، وهو في الوقت نفسه تفصيل لنشأة العلم الحديث، أليس المنهج التجريبي مفتاحه وآيته، على أن العلم الحديث وفلسفته على السواء قد اتخذا — للحق المر — من قارة أوروبا … أو من الحضارة الغربية مسرحًا وموطنًا؛ لذلك وجب أن نصوب الأبصار للعالم الغربي؛ لكي نفهم أصول نشأة العلم الحديث وبيرقه المرفوع والمعروف باسم المنهج التجريبي، ونعود قليلًا إلى الوراء لنتتبع مسار الأحداث في الحضارة الغربية.

وكما ذكرنا كان التحقير من شأن العمل اليدوي المنكب على جزئيات الواقع التجريبي هو دأب الحضارة الإغريقية، والذي تأدى بها إلى حد التردد في اعتبار العبيد القائمين عليه والنساء المتصلات به بشرًا! فالإنسان هو الرجل الإغريقي الحر الذي يتوافر له فراغ يمكنه من ممارسة فضيلتي التأمل العقلي الخالص والصداقة؛ ليتحاور مع الأصدقاء الأحرار — الفارغين — في نتاج تأملاته العقلية، وبطبيعة الحال انعكس هذا على الفكر الإغريقي، خصوصًا بمجيء الثالوث الأعظم سقراط الرائد وأفلاطون شيخ المثالية المهيب وعدو التجريبية اللدود، ثم المعلم الأول أرسطو.

لقد أتى أرسطو (٣٨٤–٣٢٢ق.م) في ذروة مد الفلسفة الإغريقية وخاتمة عصرها الذهبي الذي شهد فيض إبداعاتها العظيمة وصياغاتها الباقية لأسس العقل النظري، فمكنته عبقريته من أن يكون خير تعبير عنها وأصفى بلورة لها، أو كما اتفقنا خير تجريد وتجسيد لروح عصره — روح الحضارة الإغريقية؛ لذلك فعلى الرغم من نزعته العملية الواقعية، ومن تجريبيته الشهيرة التي جعلته يوصي قواد تلميذه الإسكندر الأكبر بجلب عينات من البلدان المفتوحة؛ ليستكمل بحوثه في علم الأحياء، وعلى الرغم أيضًا من إشارته إلى أهمية الحواس بوصفها أبواب المعرفة، بل ومن أنه واضع مصطلح الاستقراء Epagoge وقد بحث معانيه وطرائقه في كتاب «الطوبيقا» وحددها بثلاث طرق هي: الاستقراء التام الذي يستقرئ كل أفراد العينة أو كل أمثلة الظاهرة. والاستقراء الناقص أو الحدسي الذي يكتفي بعدد قليل أو أمثلة قليلة ويصعد منها إلى القانون الكلي. ثم الاستقراء الجدلي الذي لا يبدأ من عد كلي أو عدد بسيط، بل يبدأ من مقدمات مشهورة ظنية أو شائعة فتكون نتائجه احتمالية عرضة للشك. والنوع الثاني، أي الاستقراء الناقص أو الحدسي، هو القريب من المعني الحديث، وقيل: إن إيمان أرسطو بالاستقراء يبلغ درجة إيمانه بالقياس، فإذا كان القياس هو الوسيلة اليقينية للخروج من مقدمات بنتيجة، هي ربط الحد الأصغر بالحد الأكبر عن طريق الحد الأوسط، فإن الاستقراء هو الوسيلة لتكوين المقدمات الكبرى، ولا قياس طبعًا بغير مقدمات، إذن لا قياس بغير استقراء … نقول: إن أرسطو على الرغم من كل هذا جرَّد وجسَّد الروح الإغريقية الممجدة للنظر العقلي الخالص، وذلك حين وضع أعظم إبداعاته طرًّا، أي علم المنطق الذي خلقه أرسطو خلقًا مما يشبه العدم، من أجل نظرية القياس التي تُعد من المنطق بمثابة الثمرة من الشجرة.

والقياس الأرسطي هو طريقة يقينية للخروج بقضية «نتيجة» من قضيتين مطروحتين «مقدمات»، إذا كانت المقدمات يقينية واتبعنا سبل القياس الأرسطي فلا بد وأن تكون النتيجة يقينية، بغير أي احتياج للتجريب أو التجاء لمعطيات الحواس أو استشهاد للواقع. القياس إذن صورة من صور المنهج الاستنباطي الخالص، أي منهج استنتاج النتائج من المقدمات المطروحة اعتمادًا على قوانين العقل والمنطق فقط. وقد كان القياس الأرسطي منطقًا خالصًا وفعلًا عقليًّا صرفًا، إنه الابن الشرعي للحضارة التي دأبت على تمجيد النظر وتحقير العمل، والصياغة النهائية لطابع الفكر الإغريقي، أو ببساطة تجسيد وتجريد لروح الحضارة الإغريقية، ولكنه أيضًا أول صياغة في تاريخ الفكر البشري لمنهج البحث، وأول نظرية منطقية مقننة لأساليب الاستدلال وأشكال التفكير.

ثم انتهت مرحلة الحضارة الإغريقية بخيرها وشرها، وراحت ظروفها العينية التي أنجبت إنجازاتها، وبدأت مرحلة العصور الوسطى٣٧ كمعلول مباشر للأديان السماوية، أي لنصرة المسيحية بعد طول نضال واستشهاد في الغرب وانبثاقة الإسلام الفتي في الشرق. والفلسفة التي كانت تعني شتى العلوم والمعارف الكسبية والمباحث العقلية أصبحت دينية أو خادمة للاهوت، فتقوم النظرة الأنطولوجية أساسًا على وجود الكيان الأعلى المفارق للطبيعة، وكل الجهود الإبستمولوجية تسلم بالوحي الصادر عنه وتسير في إطاره. الدين الآن هو المحور والراعي والمهيمن والذي اصطبغت الحضارة بصبغته، فكانت حضارة العصور الوسطى حضارة دينية. إنها مرحلة العصور الوسطى المسيحية في الغرب، والعصور الوسطى الإسلامية في الشرق لكن المتألقة الناضرة.

وتعطينا الدراسات الأنثروبولوجية أعدادًا لا حصر لها من عقائد وديانات اعتنقتها البشرية منذ أولى عهودها. ومن منظور العقيدة الدينية ذاتها، نجد الدين قائمًا منذ آدم أول البشر ونوح أول الأنبياء، أي إن الدين قائم قبل المسيحية والإسلام بزمان سحيق. فلماذا مثلت هاتان الديانتان السماويتان نقطة تحول في مسار الحضارة الإنسانية شكلت العصور الوسطي؟ وقد كان تحولًا حاسمًا سوف نراه يتبلور — أو يتجرد ويتجسد — في سيادة منهج معين للتفكير وللبحث …

في الإجابة على هذا السؤال، نلاحظ أولًا اختلاف المسيحية والإسلام عن اليهودية، فهذه الأخيرة ديانة خاصة لشعب خاص شعب الله المختار (نراه الآن شراذم من الأفاقين مصاصي الدماء ينهبون الأراضي ويهدمون المنازل ويكسرون العظام! ولله في خلقه شئون). أما المسيحية والإسلام فديانتان مفتوحتان هما دعوة للعالمين.

وقد مثلتا نقطة تحول؛ لأن المَعْلَم المميز للدين السماوي هو اقترانه بكتاب منزل من رب العالمين، الأناجيل والقرآن.

إن الكتب المنزلة زاخرة بحقائق مُسلَّم بصحتها، قضايا كلية لا جدال في يقينها، يمكن أن تُوضع كمقدمات لنخرج بالجزئيات المترتبة عليها والمتضمنة فيها، أي نتوصل إلى النتائج الضرورية الصدق بواسطة القياس الأرسطي. إذن فهذا المنطق الاستنباطي منهج أكثر من ملائم للتعامل مع الكتب المقدسة، التي هي الشغل الشاغل والهم الأول، فأصبح قياس أرسطو خصوصًا ومنطقه عمومًا هو منهج البحث المعتمد طوال العصور الوسطى، فيسمى المنطق الأرسطي «الأورجانون» Organon، أي الأداة، أداة التفكير وآلة البحث.
من هنا كان أرسطو المعلم الأول، واحتل في تاريخ الفكر منزلة لم يحتلها فيلسوف من قبل ولا من بعد، حتى قدَّم توما الأكويني Thomas Aquinace (١٢٢٥–١٢٧٤م) في كتابه «الخلاصة اللاهوتية» حلولًا لأمهات مشاكل الفلسفة المسيحية، وكانت حلولًا مستمدة من فلسفة أرسطو وشروح ابن رشد لها، هذا فضلًا عما طرحته الفلسفة الأرسطية من براهين على وجود محرك أول لا يتحرك شديد الشبه بالرب المسيحي، وبإله الأديان السماوية عمومًا. لكل ذلك اعتمدت الكنيسة فلسفة أرسطو فلسفة رسمية لها، حتى إذا وصل الباحث إلى فكرة تُخالف مثيلتها عند أرسطو، أو حتى لم يقل بها أرسطو وجب أن يتغاضى عنها، وإلا عُد كافرًا زنديقًا مستحقًّا لطائلة محاكم التفتيش. وكما يقول توبي هف، حتى بدايات القرن السابع عشر كانت الهيئات الجامعية الرسمية تفرض غرامة على خريجيها وأساتذتها قدرها خمسة شلنات مقابل كل نقطة افتراق عن أرسطو أو عدم التزام بمنطقه.

أما الشرق الإسلامي فكان آنذاك أكثر استنارة وعقلانية وتقدمًا، واتسع للمنهج التجريبي وكان موطنًا للحركة العلمية. ولم تحز كتب أرسطو في الشرق نفس المنزلة التي منحتها إياها الكنيسة في الغرب، بل إن نفرًا من الفقهاء على رأسهم ابن تيمية (٦٦١–٧٢٨ھ) صاحب «نقض المنطق»، و«الرد على المنطقيين» قد شنوا حملة شعواء على أرسطو ومنطقه، فضلًا عن أن الإسلام لا يعرف كهنوتًا ولا سلطة لرجال الدين كي يكتسب أرسطو بعضًا منها. لكن بصرف النظر عن الصياغة السلطوية الرسمية، لم ينجُ التفكير الإسلامي هو الآخر من هيمنة أرسطو، وكانت مباحث الطبيعة عند فلاسفة الإسلام مشبعة بالمعالم والموضوعات والمصطلحات الأرسطية. والطب أيضًا بدأ عند الإغريق — الهيلين — ممتزجًا بالفلسفة، ثم امتزج بالمنطق عند الهيلنستيين في مدرسة الإسكندرية، واستمر هكذا عند العرب. فكان ثمة «الفلاسفة الأطباء» وهم مدرسيون قياسيون رائدهم ابن سينا، و«الأطباء الفلاسفة» وهم ممارسون تجريبيون رائدهم الرازي.

لقد آمن علماء العرب بأن قواعد القياس قابلة للتطبيق في كل العلوم، طالما هي معنية بصورة الفكر دون مضمونه. ولما كان الإسلام بمرجعه النصي الثابت (القرآن الكريم) ضامًّا لمجمل الإطار الحضاري ومحددًا لمعالم الأبنية الثقافية، فإن إيمان العلماء التجريبيين العرب بالقياس الأرسطي كان بُعدًا من أبعاد اعتماد فقهاء الدين له، فكان المنهج التجريبي مضمرًا في إطار حضارة سادها النص والقياس عليه كمنهج وأسلوب للبحث.

وفي هذا يمكن القول: إنه من الناحية الواقعية الفعلية، استفاد الإسلاميون من القياس الأرسطي أضعاف استفادة لاهوتيي الكنيسة منه، وذلك بسبب جهاز الشريعة المهيب في الإسلام، وضرورة استنباط الأحكام الجزئية من قواعده العامة. لقد اتخذ الأصوليون أربعة أسس لوضع الفتاوى والأحكام، هي: أولًا القرآن الكريم، وثانيًا السنة والحديث، وثالثًا إجماع المسلمين، أما الأساس الرابع فهو القياس الفقهي بمعنى الحكم على فرع لثبوت ذلك الحكم على أصل مشابه أو مشارك. وبالطبع المصادر الثلاثة الأسبق، القرآن أولًا وقبل كل شيء ثم السنة والحديث، ثم الإجماع — هذه المصادر الثلاثة أهم وأكثر مرجعية من المصدر الرابع، أي القياس، ولا يُلتجأ إلى القياس أصلًا إلا إذا تعذر الخروج بالحكم الشرعي من هذه المصادر الثلاث، ولم نجد له نصًّا صريحًا في القرآن أو الحديث، والقياس الصحيح بدوره هو ما وافق الكتاب والسنة. بيد أن النصوص ثابتة وقاطعة ومحددة، وإجماع المسلمين أيضًا لم ينعقد إلا على وقائع معدودة. وفي مقابل هذا نجد القياس الفقهي إمكانية ولود متجددة، يمكنها التعامل مع كل واقعة مستجدة بقياسها على أصل مشابه، ولا شك أن الفقهاء في صوغهم لأسس ومناهج القياس الفقهي قد استفادوا كثيرًا من قياس المناطقة الأرسطي. لا غرو إذًا أن تبارى فقهاء الإسلام في إسباغ الألقاب الرنانة على المنطق الأرسطي، فهو: معيار العلم، محك النظر، القسطاس المستقيم، فيصل التفرقة بين الخطأ والصواب، الفاروق بين الحق والباطل، آلة العلوم، أداة العقل، علم قوانين الفكر الثابتة … أو هكذا اعتبروه، فيقول حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي (٤٥٠–٥٠٥ھ/١٠٥٩–١١١١م) عن المنطق، أو بالتحديد عن كتابه المدرسي في المنطق الأرسطي والقياس، والذي أسماه «معيار العلم» … يقول الغزالي:
… معيارًا للنظر والاعتبار، وميزانًا للبحث والافتكار، وصقلًا للذهن، ومشحذًا لقوة الفكر والعقل، فيكون بالنسبة إلى أدلة العقول كالعروض بالنسبة إلى الشعر والنحو، بالإضافة إلى الإعراب؛ إذ كما لا يُعرف منزحف الشعر من موزونه إلا بميزان العروض، ولا يميز صواب الإعراب عن خطئه إلا بمحك النحو، كذلك لا يفرق بين فاسد الدليل وقويمه، وصحيحه وسقيمه، إلا بهذا الكتاب، فكل نظر لا يتزن بهذا الميزان ولا يعاير بهذا المعيار، فاعلم أنه فاسد العيار غير مأمون الغوائل والأغيار.٣٨

على هذا النحو كان المنطق الأرسطي وقياساته منهج بحث مهيمن ومُعبِّر عن روح العصر في الحضارة الإسلامية الوسيطة والمشرقة، وأكثر من هذا في الغرب المسيحي طوال ما يقرب من عشرين قرنًا من الزمان. كانت الحضارة الإسلامية أكثر عقلانية واستنارة وتوثبًا ومرونة، فاتسع إطارها الثقافي لفعاليات المنهج التجريبي وحمل لواء الحركة العلمية — كما أشرنا — وكان ذلك لعوامل كثيرة لا يتسع لها المجال وليست موضوعنا الآن؛ لأننا معنيون الآن بسياق الحضارة الغربية التي أنجبت العلم الحديث في العصر الحديث، بعد أن كان المنطق الأرسطي كمنهاج للبحث يحكم قبضته عليها، حتى كادت أن تختنق، فكيف كان هذا؟ كيف انتقلت الحضارة الأوروبية من وضع يسوده القياس الأرسطي العقيم، إلى وضع يرفع لواء المنهج التجريبي فينطلق منه عملاق العلم الحديث؟

في الإجابة على هذا السؤال نلاحظ أن القياس الأرسطي طوال العصور الوسطى المسيحية لم يكن هو المنهج الملائم فحسب، بل أيضًا المنهج الأوحد الذي ينبغي أن ينفرد بحلبة البحث ويستأثر بشتى الجهود العقلية، فكيف نترك الحقائق الكلية الإلهية اليقينية في الكتب المقدسة لننشغل نحن البشر الخطائين المُضلَّلين بإعمال عقولنا الفانية الزائلة لنصل إلى حقائق مشكوك في صوابها عرضة للخطأ، أو على أفضل الفروض حقائق قاصرة محدودة؟! وكما يقول جورج سارتون: «آنذاك لم يكن فن الملاحظة العلمية قد تطور بعد، وبينما بدت الحقائق العلمية القائمة على الملاحظة والخبرة مزعزعة الأركان، فإن الأنساق الدينية كانت راسخة.»٣٩ فحسبنا ممارسة الاستنباط القياسي الذي لا يدانيه الخطأ من بين يديه ولا من خلفه ما دامت مقدماته يقينية، وهي بالقطع هكذا، أليست إلهية؟! وإذا كان المنهج القياسي الأرسطي مصادرة على المطلوب ولا يأتي بجديد، فما الحاجة إلى الجديد؟ أو إلى أي علم كسبي بعد أن ظفرنا بالحقيقة في الدارين؟! وإذا كان منهجنا لا يمس الطبيعة المتأججة من حولنا، فما ضر هذا؟! «ألم يجد رجل هذه العصور في الله وقصة الخلق وعقيدة الإرادة الشاملة تفسيرًا كاملًا عن كيفية نشوء العالم وتوجيهه وأساليب ذلك وأهدافه؟ فلماذا يبني الإنسان في كد وجهد بناءً متشابكًا كائنًا هناك منذ البداية، وواضحًا وظاهرًا للجميع؟!»٤٠

وهذا التفسير الخاطئ للرسالة الدينية الذي ساد أوروبا في عصورها الوسطى المظلمة، إذا أضفنا إليه دأب المسيحية على التحقير من شأن المادة واعتبارها أصلًا لكل شر وخطيئة، بل وتأثيم الانشغال بها، تبين لنا أن سيادة المنهج الأرسطي قد تأكدت بأن السؤال عن الطبيعة في حد ذاتها لم يكن مطروحًا آنذاك.

وإقصاء السؤال عن الطبيعة في العصور الوسطى الأوروبية يعود إلى أصول أعمق، ثم عضدتها الكاثوليكية وأعطتها الصياغة النهائية؛ إذ إنه بعد الفلاسفة الطبيعيين السابقين على سقراط — رواد التفكير العلمي حقيقةً — اتجهت الفلسفة بفعل سقراط ثم التأثير الناجع لأفلاطون وأرسطو إلى الأخلاق والسياسة والميتافيزيقا، وأُقصيت العقول عن التفكير في الطبيعة وتقلص السؤال عنها. واحتياجات الإمبراطورية الرومانية فيما بعد جعلتها تفعل المثل وينصب اهتمامها على القانون. ثم بدأت الحقبة التالية من تاريخ الحضارة الغربية في العصور الوسطى المسيحية التي كرست العقول الموهوبة والطاقات الذهنية من أجل اللاهوت، وانحطت الطبيعة أكثر لتغدو مجرد خادمة من خدم اللاهوت، تلبي ما تستطيعه من مطالب علومه. المفكرون لا يرون فيها إلا شيئًا خلقه الرب، الطبيعة صنيعة الخالق، والتساؤل عنها وعن العالم المادي بمعزل عن الرب بدا لرجال ذلك العصر هراء لا طائل من ورائه. هكذا تراجع السؤال عن الطبيعة في حد ذاتها إلى أقصى الحدود، إن لم يتوارَ نهائيًّا، فلا يعود ثمة احتياج لمناهج تجريبية تنصب عليها. وبالتالي ينفرد القياس الأرسطي بميدان البحث ليبدأ من يقين وينتهي إلى يقين.

إلى كل هذا الحد كان نجيب الحضارة الإغريقية — المنطق الصوري وقياساته الاستنباطية — منهجًا أكثر من مناسب للاستحواذ على منزع العقل في العصور الوسطى الأوروبية، وكانت المحصلة فلسفتها «المدرسية» المتكرسة لمناقشات نظرية خالصة، تميزت بالتنسيق المنطقي الشديد والعقم الأشد عن الإتيان بجديد، فتلقب الفلسفة المسيحية للعصور الوسطى المتأخرة في أوروبا بالفلسفة المدرسية، وتُعد أقوى تمثيل لسيادة المنطق الأرسطي.

ولأن المنهج السائد أقوى تجريد وتجسيد لروح العصر — كما اتفقنا — فقد اقترن إغلاق أبواب العصور الوسطى وفتح بوابة العصر الحديث بالضيق البالغ منتهاه من المنطق الأرسطي وقياساته، والبحث عن مناهج جديدة ملائمة للعصر الجديد، كان هذا لعوامل عديدة، من البديهي أنها عوامل كانت في الوقت نفسه وراء انبثاقة العصر الحديث بأسره، وإلا لما كان المنهج تجريدًا وتجسيدًا لروح العصر.

وأوضح هذه العوامل هي الكشوف الجغرافية التي أخبرت إنسان عصر النهضة في نهايات القرن الخامس عشر أن العالم الطبيعي أوسع كثيرًا مما تصور أرسطو ومن كل ما تضمنته الصحائف وكتب الأقدمين، فبدت الطبيعة عالمًا مثيرًا يغري بالكشف واقتحام المجهول فيه، وتغير موقفها فلم تعد أولًا وأخيرًا مجرد شيء خلقه الله. لقد طرأ تطور على الفكر المسيحي الغربي: أصبح الله عاليًا في السماء بعيدًا فوق الأرض، حتى إن التفكير في الأرض بمعزل عن الله يمكن أن يكون ذا معنى. ولم يكن من قبيل الصدفة أن تصبح الطبيعة بحد ذاتها في ذلك العصر موضوع تمثيل فني لا علاقة له بأمور الدين، فالطبيعة استقلت عن الله وعن الإنسان أيضًا، وتستجيب هذه الصورة إلى الدراسة.٤١ ومع نهايات القرن السادس عشر كان السؤال عن الطبيعة قد ارتفع إلى الصدارة بعد طول توارٍ، وأوشك أن يكون سؤال العصر الذي تنشغل به كل العقول الكبرى وطبقة المثقفين والصفوة من العلماء والبحاث والفلاسفة والمفكرين، بل كانت الطبيعة هي موضوع الحوار بين وجهاء القوم من رجال الكنيسة والبلاط، وحتى في صالونات سيدات المجتمع، ومنذ عهد الأيونيين والفلاسفة القبل سقراطيين لم تثر الطبيعة مثل هذا الاهتمام، ولم تتمركز هكذا كمحور للنشاط العقلي.

وسرعان ما توالت المتغيرات على كافة الأصعدة: الصعيد الديني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والتجاري … وظهرت المطبعة وبدأت المخترعات والماكينات تغيِّر من وجه الحياة، وراحت العقول الواعدة تتلمس الجديد من كشوف العلم الطبيعي، فطغى الإحساس بعقم وإجداب المنطق الأرسطي وقياساته، وما يتسم به القياس من دوران منطقي ومصادرة على المطلوب وتحصيل لحاصل. غير أن ما عابه على الخصوص هو أنه ساهم في إقصاء العقول عن التفكير في الطبيعة بسبب من مجافاته للواقع؛ إذ لا يتعامل إلا مع قضايا مطروحة في الصحائف والأوراق؛ ليُعنى فقط باتساق النتائج مع المقدمات. وحتى إذا كانت النتئاج صادقة على الواقع، فهي لا بد وأن تكون متضمنة قبلًا في مقدماته، أي نعرفها سلفًا. ربما كان لهذا المنهج قيمته في الدراسات القانونية أو اللغوية أو سواها من دراسات نظرية. أما إذا أردنا أن نكسب خبرًا عن الواقع أو فهمًا أكثر للطبيعة المتأججة حولنا، فإن هذا مستحيل باتخاذ هذا المنطق وقياساته منهجًا؛ ليجعلنا نلف وندور حول أنفسنا في دائرة مغلقة، أو دائرة محصورة بين أغلفة الكتب، فينتهي بنا المطاف من حيث بدأنا ولا جديد البتة. ومن أين الجديد والعملية كلها انتقال من معلوم كلي إلى معلوم جزئي، من قضية إلى أخرى، في أطر فلسفة لفظية عقيمة لا تثمر جديدًا، ولا مساس إطلاقًا بآفاق المجهول الرحيبة. وكانت الثورة على قياس أرسطو ومنطقه المعروف باسم الأورجانون، بمثابة الإعلان الصريح برفض الماضي والرغبة في الإقبال بمجامع النفس على الآفاق الجديدة للعصر الجديد، واستكشاف العالم الطبيعي النابض الذي امتد وترامت آفاقه أمام إنسان العصر الحديث.

ومن ثم أصبح هم الفلاسفة الأول هو البحث عن منهج جديد يلائم الروح الجديدة ويلبي المتطلبات المستجدة للعصر الجديد، فكان القرن السابع عشر هو قرن المناهج، منذ ديكارت الرائد (١٥٩٦–١٦٥٠م)، وخطابه الشهير في المنهج لإحكام قيادة العقل والبحث عن الحقيقة في العلوم عام ١٦٣٧م.٤٢ وحتى الأسقف «نيقولا مالبرانش» N. Malberanch (١٦٣٨–١٧١٥م) الذي يكاد يكون الوحيد من رجالات عصره الذي فعل فعلة الإمام الغزالي وأنكر السببية في الطبيعة وقال بنوعٍ من اللاحتمية. ومثلما فسَّر الغزالي اطراد الظواهر الطبيعة وارتباطها معًا بمذهب الاقتران، فسَّر مالبرانش هذا بما أسماه مذهب المناسبة Occasionalism. مالبرانش هو الآخر اعتنى بسبل البحث عن الحقيقة، واجتمع فلاسفة بوررويال لبحث فن التفكير، ووضع إسبينوزا B. Spinoza (١٦٣٢–١٦٧٧م) رسالة في إصلاح العقل. وكان ليبنتز G. W. Leibnitz (١٦٤٦–١٧١٦م) يحلل ويشرح فكرة منهج رياضي يبشر بها بالمنطق الرياضي الحديث … إلخ.

يُعد ديكارت ذا أهمية خاصة؛ إذ يعتبر بمثابة علامة فارقة بين العصور الوسطى والعصر الحديث من حيث هو مؤسس الفلسفة الحديثة، بيد أنه كان يبحث عن وضوح الرياضيات ويقينها؛ لذا اعتمد منهجه على الاستنباط الرياضي، وليس على التجريب في محاولة لتأسيس للمبادئ العامة للمعرفة بأسرها، وإذا استثنينا ديكارت، لكان أهم فلاسفة المنهج في القرن السابع عشر — قرن المناهج — هو بلا مراء وبلا منازع فرنسيس بيكون الذي يقترن اسمه بالمنهج التجريبي والعلم التجريبي وحركة العلم الحديث بأسرها.

وقد كان العلم الحديث بمضموناته البالغة الثراء وانعكاساتها الفلسفية، بتألقاته وتأزماته على السواء هو الميراث العيني الذي تسلمه القرن العشرون، فأجاد القرن العشرون استثمار هذا الميراث بمعدلات ظلت تتصاعد وتتصاعد حتى شقت أجواء الفضاء … حقيقةً ومجازًا.

١  Thomas S. Kuhn, The History of Science, In: International Encyclopedia of Social Sciences, ed, By D. L. Sills, Macmillan, New York, 1968, Vol, 14, PP 74:83, P. 74.
٢  L. W. Hull, History And Philosophy of Science, Longman, London, 1965, P. 213.
٣  د. سمير حنا صادق، عصر العلم، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، ١٩٩٣م، ص٢٧٣-٢٧٤.
٤  جورج سارتون، تاريخ العلم والإنسية الجديدة، ترجمة إسماعيل مظهر، دار النهضة العربية، القاهرة، ١٩٦١م، ص١٢١.
٥  Marx W. Wartofsky, The Relation Between Philosophy of Science And History of Science, In: R. S. Cohen & P. K. Feyerabend & M. W. Wartofsky (eds.), Essays in Memory of lmre Lakatos, Boston Studies in the Philosophy of Science, Vol, 19, D. Reidel Publishing, Dordrecht, Holland, 1976, p. 716.
٦  G. Buchdahl, History And Philosophy of Science At Cambridge, In: History of Science, Vol, 1. W. Heffer & Sons, Cambridge, 1962, PP. 62–66, P. 63.
٧  ج. ج. كراوثر، قصة العلم، ترجمة د. يُمنى طريف الخولي، ود. بدوي عبد الفتاح، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة ١٩٩٨م، ص١٦-١٧.
٨  Francisco Guerra, Aztec Science And Technology, In: History of Science: An Annual Review of Literature, Research And Teaching, Cambridge, Vol. 8, 1969, PP. 32–52.
٩  R. L. Beals & H. Hoijer & A. R. Beals, An Introduction to Anthropology, 5th edition, Macmillan, New York, 1977, PP. 174–176.
رالف بيلز أول مؤلفي هذا العمل الضخم من الباحثين المخضرمين في الأنثروبولوجيا، حتى إن مقاله «خمسون عامًا مع الأنثروبولوجيا Fifty Years in Anthropology» المنشور في المراجعة السنوية لهذا العلم، يُعد من التأريخات الجيدة لعلم الأنثروبولوجيا ذاته.
١٠  E. E. Evans-Pritchard, Social Anthropology And Other Essays, The Free Press, New York, 1966, P. 8.
١١  فز جوردون تشايلد، التطور الاجتماعي، ترجمة لطفي فطيم، مؤسسة سجل العرب، القاهرة، ١٩٨٤م، ص١٨ وما بعدها.
١٢  B. Malinowski, A. Scientific Theory of Culture, The University of North Carolina Press, 1944, 6th Printing, 1973, P. 16.
١٣  ليفي بريل له كتاب جيد عن فلسفة أوجست كونت: L. Levy Bruhl, La Philosophie d’Auguste Comte, Felix Alcan, Paris, 1921.
١٤  Karl Pearson, The Grammar of Science, London, 1900 Revised Reprint in Everyman Library, Dalton & Co, New York, 1937.
أما «أركان العلم» فهي ترجمة د. فؤاد زكريا لعنوان هذا الكتاب في عرضه البارع له بمجلة «تراث الإنسانية»، والتي أعيد نشرها في: د. فؤاد زكريا، أركان العلم لكارل بيرسون، سلسلة تراث الإنسانية، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، ١٩٩٤م، (أيضًا: فؤاد زكريا، آفاق الفلسفة، مكتبة مصر، القاهرة، ١٩٩١م، ص٢٤١–٢٧٦).
١٥  المرجع السابق، ص٣٨.
١٦  د. حسين فهيم، قصة الأنثروبولوجيا، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، ١٩٨٩م، ص٢٠١-٢٠٢، وانظر: جيرار لكرك، الأنثروبولوجيا والاستعمار، ترجمة جورج كتورة، معهد الإنماء العربي، بيروت، ١٩٨٢م.
١٧  E. Evans-Richard, Social Anthropology, p. 53, 35.
١٨  صول تاكس، الشعوب البدائية، ص١٠٧، في: أشيلي مونتاغيو، البدائية، ترجمة: د. محمد عصفور، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، ١٩٨٢م، ص١٠٥–١٢٩.
١٩  Beals & Hoijer, An Introduction to Anthropology, p. 49–66.
٢٠  د. أحمد أبو زيد، الحضارة بين علماء الأنثروبولوجيا والأركيولوجيا، مجلة عالم الفكر، المجلد ١٥، العدد ٣، أكتوبر/ديسمبر ١٩٨٤م، ص٦٣٩.
٢١  نسبوية، كي لا تختلط بنسبية Relativity آينشتين.
٢٢  J. R. Partington, A. Short History of Chemistry, Macmillan & Co., London, 1939, P. 20.
٢٣  L. W. H. Hull, History And Philosophy of Science, P. 7 et Seq.
٢٤  Toby E. Huff, The Rise of Early Modern Science, Islam, China and the West, (1993), Cambridge University Press, 1999, PP. 288-289.
وهذا الكتاب دراسة حضارية مقارنة للعلم وهو مبحث أصبح هامًّا بالنسبة لفلسفة العلم، والكتاب يتناوله بجدية وعمق، فقدمت سلسلة عالم المعرفة المرموقة ترجمتين متميزتين له.
٢٥  انظر: د. يُمنى طريف الخولي، المنتخبات لكونفوشيوس، سلسلة تراث الإنسانية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ١٩٩٤م.
٢٦  Joseph Needham, Science And Civilization in China, Cambridge University Press, 1954.
٢٧  كما سنرى هذا الطرح مرفوض تمامًا الآن، ويحرص المفكرون المتبصرون على دحضه، مثلًا: د. فؤاد زكريا، التفكير العلمي، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، ط٣، ١٩٨٨م، ص١٢٦–١٣٧.
٢٨  من مقدمة بقلم المترجمة في: د. رشدي راشد، في الرياضيات وفلسفتها عند العرب، ترجمة ودراسة وتقديم: د. يُمنى طريف الخولي، دار الثقافة، القاهرة، ١٩٩٤م، ص٤٢.
٢٩  Bertrand Russell, The Scientific Outlook, George Allen & Unwin, London, 1934, PP. 21-22.
٣٠  ج. ج. كراوثر، قصة العلم، ترجمة د. يُمنى الخولي، ود. بدوي عبد الفتاح، ص٥٧.
٣١  L. W. Hull, History And Philosophy of Science, P. 114.
٣٢  جان دومبريه، على مسار الأفكار والتفسيرات عبر القرون: تاريخ العلم اليوم، ترجمة د. رمضان هدارة، في: مجلة العلم والمجتمع، اليونسكو، العدد ٨١ / ١٥٩، سنة ١٩٩٠م، ص٥–٢٤، ص٩.
٣٣  T. E. Huff, The Rise of Early Modern Science, P. 237.
٣٤  المركب الجدلي في الفلسفة هو الذي يجمع بين القضية ونقيضها في كل متكامل، يستوعبهما ويتجاوزهما إلى الأكمل والأشمل.
٣٥  يمنى طريف الخولي، من منظور فلسفة العلوم: الطبيعيات في علم الكلام … من الماضي إلى المستقبل، الطبعة الثانية، دار قباء، القاهرة، ١٩٩٨م، ص١٤٧-١٤٨، راجع: حسين مروة، النزعات المادية في الفلسفة العربية والإسلامية، الجزء الثاني، دار الفارابي، بيروت، ط٦، ١٩٨٨م.
٣٦  الأبعاد المعرفية لكيمياء جابر بن حيان في: د. يمنى الخولي، بحوث في تاريخ العلوم عند العرب، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة، ١٩٩٧م، ص ٧٢–١٢٧.
٣٧  يرى البعض أن العصور الوسطى تبدأ منذ العام ٤٢٩م، العام الذي أغلق فيه الإمبراطور جستنيان المدارس الفلسفية وشتت رجالها ومعلميها بوصفهم دعاة وثنية، ويرى البعض الآخر أنها تبدأ منذ عام ٦٢٢م عام سقوط الإمبراطورية الرومانية. ونحن نميل إلى الرأي الأول، العام ٤٢٩م، وأيضًا يرى بعض المؤرخين أن العصور الوسطى تنتهي العام ١٤٥٣م، وهو عام سقوط القسطنطينية في يد محمد الفاتح العثماني وسقوط الدولة الرومانية الشرقية، والبعض الآخر يرى نهاية العصر الوسيط العام ١٤٢٩م، وهو عام اكتشاف الأمريكتين. ونحن لا نميل إلى هذا ولا ذاك فلا ينبغي اعتبار القرن الخامس عشر نهاية العصور الوسطى والقرن السادس عشر بداية العصر الحديث؛ لأن هذين القرنين وما قبلهما بقليل يمثل مرحلة متوسطة بين العصر الوسيط والعصر الحديث هي مرحلة عصر النهضة.
٣٨  الإمام أبو حامد الغزالي، معيار العلم، تحقيق د. سليمان دنيا، دار المعارف، القاهرة، ١٩٦٩م، ص٥٩-٦٠.
٣٩  G. Sarton, Introduction to the History of Science, Vol, I, Baltimore, 1927, P. 5.
٤٠  م. بوستمان، لماذا تأخر العلم في العصور الوسطى؟ في: موجز تاريخ العلم، ترجمة د. عزت عبد الرحمن شعلان، دار سعد مصر، القاهرة ١٩٦٣م، ص١٨-١٩.
٤١  فيرند هيزنبرج، الطبيعة في الفيزياء المعاصرة، ترجمة د. أدهم السمان، دار طلاس، دمشق، سنة ١٩٨٦م، ص١٢ وما بعدها.
٤٢  عنوان كتاب ديكارت الرائد: Discourse De La Method والترجمة الصحيحة لهذا العنوان هي «خطاب في المنهج» وليس «مقال عن المنهج» كما هو شائع منذ الترجمة العربية التي قام بها محمود الخضري وراجعها وقدم لها الدكتور محمد مصطفى حلمي، العام ١٩٦٦م، الطبعة الثانية، دار الكتاب العربي، العام ١٩٦٨م.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١