الفصل السابع

فلسفة العلم والوعي بتاريخ العلم

أولًا: فلسفة للعلم لا تاريخية

كان انتقال فلسفة العلم في القرن العشرين من منطق التبرير إلى منطق التقدم ذا نتائج ومحصلات جمة، لا تقتصر على الإسهام في حل هذه المشكلة أو تلك، ولكي نستطيع استشراف الآفاق المستقبلية الواسعة لهذا الانتقال، يجمل بنا أن نبدأ بإلقاء نظرة شاملة على حصاد كل ما سبق في الفصول الستة المتتالية، فنضع النقاط على الحروف. والسير في هذا الاتجاه سيبين لنا أن تأثير كارل بوبر على فلسفة العلم في القرن العشرين لا يقتصر على خصوبة أفكار طرحها، بل تجسد تأثيره أكثر في أبواب معبرة عن مراحل انقضت من تطور العقل العلمي في القرن العشرين «الاستقرائية والوضعية» رأيناها قد أُغلقت بفضل غير منكور لبوبر، والأهم في آفاق مستقبلية سوف تنفتح أمام فلسفة العلم، أيضًا بفضل غير منكور لبوبر.

ومنذ البداية كان المستهل في الفصل الأول — بل الصفحة الأولى — بالإشارة إلى العلاقة الواهية بين العلم وتاريخه، والعلاقة التي كانت متوترة، بل شبه منقطعة بين فلسفة العلم وتاريخ العلم. على مدار الفصول السابقة، نشأت فلسفة العلم وتنامت وهي تولي ظهرها لتاريخ العلم، ولا تعتد كثيرًا بدوره في تفهم الظاهرة العلمية، واقتصرت على النظر إلى النسق العلمي من الداخل؛ لتتمثل فلسفة العلم في منهجه ومنطقه بغض النظر عن تاريخه. فكما اتضح، كانت فلسفة العلم معنية بتبرير المعرفة العلمية كمحصلة جاهزة ومعطاة، استند التبرير أساسًا على إحكام العلاقة بين الوقائع التجريبية والقانون العلمي أو النظرية العلمية. وتصدرت النزعة الاستقرائية الميدان بوصفها أقوى صياغة لهذه العلاقة القادرة على تبرير المعرفة العلمية وتمييزها. وفي إطار منطق التبرير اللاتاريخي تنامت فلسفة العلم.

في القرن التاسع عشر علا نجم جون ستيوارت مل الاستقرائي الكبير، وطغى على جهود وليم هيوول فتوارت فلسفته الثاقبة للعلم الملتفتة إلى دور العقل الإنساني في خلق قصة العلم، والقائمة على الوعي بتاريخ العلم. وبفضل سيادة النزعة الاستقرائية توارت بالمثل الاتجاهات التي أدركت أهمية تاريخ العلم بالنسبة لفلسفته. وجاء القرن العشرون ليجد الاستقرائية بمثابة التعبير الرسمي عن فلسفة العلم لتغدو غير ذات صلة بتاريخه.

ولا يختلف هذا عما حدث في الردح الأول من القرن العشرين، حين كانت الوضعية المنطقية والأداتية هما القطبان الكبيران لفلسفة العلم. إن الإنسان يتميز بأنه الكائن الوحيد الذي يصنع تاريخًا، والنظرة الإنسانية التي تنطلق من دور الإنسان هي الأكثر إدراكًا لأهمية البُعد التاريخي. هكذا كانت الأداتية — خصوصًا الاصطلاحية — على عكس الوضعية المنطقية؛ تؤكد فعالية العقل الإنساني بإزاء الطبيعة ودوره في خلق قصة العلم، وبالتالي لم تفتقد تمامًا الوعي بتاريخ العلم. لكن مرة أخرى، سادت النزعة اللاتاريخية، وها هنا بفضل سيادة الوضعية المنطقية، ولا غرو فهي امتداد للاستقرائية.

هذا على الرغم من أن الرائد إرنست ماخ كان مهتمًّا بتاريخ العلم، وأراد من العروض التاريخية أن تضفي مزيدًا من التأكيد والمصداقية على نظريته الفلسفية في منطق العلم. كتابه «علم الميكانيكا ١٨٨٣م» مثلًا هو محاولة لإعادة كتابة تاريخ الميكانيكا بطريقة تعرض المبادئ المنطقية والإجراءات التي تشيد على أساسها الميكانيكا، بحيث يؤكد هذا نظرية ماخ في أن المعرفة العلمية ترتد فقط إلى المعطيات الحسية لا سواها. فأوضح أن أصول علم الميكانيكا انطلقت من خبرات الحرف اليدوية والاحتياج للربط بين هذه الخبرات. وكما رأينا، كان ماخ رائدًا عظيمًا من رواد التجريبية الحادة، استفادت منه الأداتية والوضعية المنطقية، كلتاهما. وفي هذا وذاك عُد البعد التاريخي عنده مسألة ثانوية أو جانبية.

وكان بيير دوهيم، الرائد الفعلي للاصطلاحية والأداتية، أكثر اهتمامًا بتاريخ العلم، وله أبحاث مستفيضة فيه، خصوصًا تاريخ الميكانيكا والفلك والفيزياء. اعتقد أن المعرفة بتاريخ المفهوم العلمي أو المشكلة العلمية تفضي إلى فهم أعمق، وأن كل عالم لا بد وأن يضطلع بتاريخ مبحثه ليس كهواية، وإنما كجزء جوهري من عمله، وأهم أعمال دوهيم في تاريخ العلم هي «تطور الميكانيكا ١٩٠٣م»، و«أصول الإستاتيكا ١٩٠٥م»، ثم كتابه «ليوناردو دافنشي ١٩١٣م» في ثلاثة أجزاء يحاول أن يؤكد فيها أن العلم الحديث تطور عادي ونتيجة طبيعية للعلم في عصر النهضة، فلا قطائع ولا انفصالات في تاريخ العلم. وكان عمل دوهيم الأكبر والواقع في اثني عشر جزءًا هو «نظام العالم»، ويغطي تطور الفلك منذ ما قبل السقراطيين حتى جاليليو. وحين توفي دوهيم كان قد أنجز عشرة أجزاء فقط. ومن ناحية أخرى، فإن دوهيم كاثوليكي متدين جدًّا، إن لم نقل متعصب، على الرغم من الأجواء العلمانية الحادة المحيطة به، وأراد من تأريخاته للعلم أن يُعيد الاعتبار للمرحلة الكاثوليكية من التاريخ الأوروبي، مرحلة العصور الوسطى. وبعد أن أفرط عصر التنوير بنزعته العلمانية في إدانتها، وسار التيار العقلاني في إثره على منوال النظر إليها كعقبة في سياق التقدم العلمي ومرحلة مظلمة في تاريخ العلم، أراد دوهيم مواجهة النظرة المعتمدة لتاريخ العلم في أوروبا بوصفه انتهى مع الإغريق وبدأ مع كوبرنيقوس؛ ليعاد تقدير مرحلة العصور الوسطى. وكانت وسيلته لهذا الاستمساك بأن تاريخ العلم استمرار ونماء متصل، وبالتالي لا ثورة في العلم الحديث، بل هو استمرار وتطور لعلم العصور الوسطى.

لم يُرضِ هذا النعرة الأوروبية ولا أوساطها العلمية المشبعة بالعلمانية والتي تسلم بإدانة المرحلة الوسطى الكاثوليكية؛ لذلك لم يرحب المجتمع العلمي بتأريخات بيير دوهيم، ورحب أكثر بفلسفته الاصطلاحية للعلم التي قدمت تبريرًا قويًّا للمعرفة العلمية بصرف النظر عن الأبعاد التاريخية. واندرج دوهيم في صفوف فلاسفة العلم بهذه البطاقة الاصطلاحية، ولم يبدِ زملاؤه من الاصطلاحيين وسائر الأداتيين — خصوصًا الإجرائيين — مثل هذا الاهتمام بتاريخ العلم، فتوارى أكثر وأكثر عن مجال فلسفة العلم من بعد دوهيم.

كلا العالِمَين ماخ ودوهيم عند نقطة الالتقاء بين القرنين التاسع عشر والعشرين، وتوفيا عام ١٩١٦م، وما زالت النزعة الاستقرائية قوية باتجاهها التجريبي المتطرف المعني بتبرير المعرفة العلمية. وهذا التبرير يستقي — مرة أخرى وأخيرة — من العلاقة بين المعطيات أو الوقائع التجريبية وبين النظرية العلمية أو القانون العلمي. أما العلاقة بين الأفكار فلم يعترف جون ستيوارت مل وخلفاؤه الاستقرائيون بأية قيمة لها، فكان تعاقب الأفكار أو النظريات عبر تاريخ العلم غير ذي اعتبار.

ثم تكلفت الوضعية المنطقية بمد هذا التوجه وتكريسه وتسييده حتى أواسط القرن العشرين. ولئن دأبت فلسفة العلم الوضعية الاستقرائية، أي التجريبية المتطرفة، في القرن التاسع عشر على إهمال أو تهميش تاريخ العلم واعتباره مسألة ثانوية جانبية، فإن فلسفة الوضعية المنطقية في القرن العشرين لم تكتف بالإهمال أو التهميش، بل خطت خطوة أبعد وشنت حربًا ضروس على أبعاد الوعي التاريخي، حربًا ضد التاريخية.

ولا غرو، فالوضعية المنطقية فلسفة تكثفت فيها كل خطوط التجريبية المتطرفة، وكانت في واقع الأمر أمينة لميراث القرن التاسع عشر كما تمثل في النزعة الاستقرائية، وحاول الوضعيون المنطقيون استغلال قدراتهم المنطقية المكينة وتمكنهم من تطورات العلم لتأكيد هذا الميراث في بنية القرن العشرين، وفاقوا الجميع في الافتتان بالنسق العلمي في حد ذاته؛ فقصروا فلسفة العلم، بل الفلسفة بأسرها، على محض التحليل المنطقي للعبارات والمفاهيم العلمية في أقوى وأعنف تكريس لمنطق تبرير المعرفة العلمية، مصرين على أن هذا هو الثورة التقدمية، التي تقيل الفلسفة من تعثرها عبر تاريخها الطويل بين رحى مشكلات زائفة.

كانت نشأة الوضعية المنطقية متزامنة مع مبدأ هيزنبرج وثورة الكوانتم الثانية. عايش فلاسفتها إذن فورة للتقدم العلمي وإحدى انقلاباته العظمى وتسارع اكتشافاته بقوة، ولم ينل هذا من تكريسهم لمنطق التبرير السكوني، مؤكدين أنه لا منطق للكشف العلمي. والتقدم العلمي في منظورهم أحداث متعاقبة، يمكن فقط وصفه وتبريره. نمو المعرفة العلمية عملية تراكمية متصلة متدفقة بسلاسة، حيث الوقائع الإمبيريقية التي تكتشفها عمليات الملاحظة والتجريب تؤدي إلى الجديد وتُلزم بتنقيح الفروض أو تعديلها، فتنضاف إلى معرفتنا بالعالم المتنامية دومًا، والسياق النظري لهذا يتضمن عملية الرد، أي رد كل العلوم إلى الفيزياء مما يفضي في النهاية إلى وحدة العلم. وكما أشرنا يستند هذا على التسليم بالواقعية المحدثة، بمعنى أنه ليس هناك إلا عالم واحد ووحيد، نحاول الكشف عنه بواسطة العلم التجريبي لا سواه. ودور الفلسفة يقتصر على تحليل العبارات والمفاهيم العلمية لتوضيحها وكشف ما بها من لبس وغموض، وحين يبحث فيلسوف العلم النظرية العلمية، فإنه لا يُعنَى طبعًا بمضمونها الذي هو عمل العلماء وحدهم، بل يهتم فيلسوف العلم بتحليل بنية النظرية العلمية، أي خصائصها الصورية العامة، وخصائص التفسيرات الممكنة لها وما قد يُشتق منها مستقبلًا.

وقد استغل الوضعيون المناطقة التمييز الذي وضعه المنطقي البولندي المتميز ألفرد تارسكي بين اللغتين الشيئية والبعدية، قائلين: إنه إذا كانت عبارات العلم لغة شيئية أو موضوعية Object Language منصبة على الشيء أو الموضوع نفسه، فإن عبارات فلسفة العلم لغة بعدية Meta-Language تأتي بعد عبارات العلم كتحليل منطقي لها. ومثلما نادوا بأن كل قضية تركيبية لا ترتد إلى معطيات الحواس ولا تقبل التحقق التجريبي تعد لغوًا يخلو من المعنى وليس لها أية قيمة معرفية، نادوا أيضًا بأن كل ما ليس لغة بعدية لا يعد من فلسفة العلم في شيء. وعن طريق شهر سلاح اللغة البعدية أزاحوا المنظورات التاريخية للعلم تمامًا، حتى إن الوضعي المنطقي هربرت فيجل H. Feigl أكد تأكيدًا على أن المدارس التي تُعنَى بتاريخ العلم لا علاقة لها بفلسفة العلم. واهتمت ماري برودبك M. Brodbeck اهتمامًا خاصًّا بفصل فلسفة العلم عن دراسة العوامل الأخرى الاجتماعية أو النفسية أو سواها الضرورية ليتنامى البحث العلمي، واعتبرتها نوعًا من البحث العلمي في العلم منفصلًا تمامًا عن فلسفة العلم. واشترك فيجل وماري برودبك في تحرير كتاب هام يحمل هذه الدعاوى وساهم فيه كبار المتخصصين؛ وهو كتاب «قراءات في فلسفة العلم ١٩٥٣م». وعلى هذا انتهوا إلى أن اعتبار العلم ظاهرة تاريخية والعناية بأبعادها الاجتماعية قد يكون انشغالًا بالعلم، لكنه ليس البتة فلسفة للعلم، طالما أنه ليس لغة بعدية معنية بالتحليل المنطقي لهيكل القضايا العلمية دون مضمونها! هذه العناية بالقضايا العلمية فقط كمعطى منطقي هي ذاتها فلسفة العلم المنفصلة عن تاريخه، والتي تجعله غير ذي صلة بالموضوع.

هكذا حصرت الوضعية المنطقية فلسفة العلم في تقنيات المنطق الصوري وأساليبه وقطعت كل علاقة بالعلم في تعينه الواقعي المتدفق النابض بالحياة في مجرى التاريخ وسياق الحضارة الإنسانية.

إذن فمع اعتبار كل العوامل الأخرى والمقدمات السابقة، إلا أنه يمكننا الحكم بأن فلسفة الوضعية المنطقية بالذات هي المسئولة مسئولية مباشرة عن السمة اللاتاريخية، بل الضد تاريخية التي اتسمت بها فلسفة العلم حتى النصف الثاني من القرن العشرين.

وكما انتهينا آنفًا، لا شك أن الوضعية المنطقية قامت بدور كبير في توطيد أسس النظرة العلمية، وتعبيد الطرق الاحترافية لفلسفة العلم بخلاف أفضالهم الجليلة في مجال المنطق الرياضي. والواقع أن عصر البرمجيات الراهن وعلم الذكاء الاصطناعي أسفر أخيرًا عن أهمية وقيمة التحليلات المنطقية للقضايا والمفاهيم العلمية. ولا شك أيضًا — وإطلاقًا — في أن التحليلات المنطقية أداة فعالة من أدوات فلسفة العلم المتعددة، لكن الوضعية المنطقية كانت فلسفة علمية تجريبية متطرفة تطرفًا يعمي البصر والبصيرة. وحين قصرت فلسفة العلم — بل الفلسفة بأسرها — على محض تحليلات منطقية للقضايا العلمية، جردوا الفلسفة من آفاقها الرحيبة وأبعادها المترامية التي تجعلها فلسفة، وشنوا حملتهم الشعواء على ربيبتها المدللة: الميتافيزيقا التي تحتل أبعد نقطة عن معطياتهم الإمبيريقية ومعيارهم للتحقق التجريبي.

لقد نزعوا إلى نسق علمي فوق هامات كل الأبنية الحضارية، بل وعلى أشلائها، لا سيما أشلاء الميتافيزيقا، نزوعًا منهم إلى تجريبية مطلقة لا ترتبط بسواها، فأمعنوا في تنزيه فلسفة العلم من التوجهات الاجتماعية وفي إنكار الدور الذي يلعبه تاريخ العلم في تمكيننا من فهم ظاهرة العلم فهمًا أعمق وأشمل، وأكدوا أن المعايير المنطقية وليست التاريخية هي التي تحدد وتحكم فلسفة العلم التي يجب أن تولي ظهرها لتاريخ العلم اكتفاءً بالمعطى الراهن منه. ورأوا التجربة قادرة على تفسير كل شيء، ويجب أن يرتد إليها كل شيء، حتى إنها بمثابة المعطى النهائي والبديهي. وحين ترتفع التجربة إلى مستوى بديهيات المنطق، فإنها تكاد تلامس حدود المطلق الذي يعلو على الزمان والمكان، ودع عنك التاريخ! وكانت الوضعية المنطقية فلسفة متطرفة متعصبة، مارست نوعًا من الإرهاب الفكري في أجواء فلسفة العلم، فمن لا يكتفي بتحليلاتهم المنطقية هو المتخلف الغارق في سدم الأوهام المعيارية، أو السادر في الشطحات الميتافيزيقية.

هكذا بدا سدنة الوضعية المنطقية في عكوفهم على تبرير المعرفة العلمية وكأنهم حراس الكهنوت العلمي، وتباروا في إقامة السدود المنيعة بين فلسفة العلم وتاريخه. ونظرًا لسطوة الوضعية المنطقية وهيلمانها على أجواء فلسفة العلم، سادها هذا الموقف اللاتاريخي، المحاط بسياج مكينة، هي المواقف الحدية للوضعية المنطقية وتطرفها الذي بات مضرب الأمثال للموقف الفكري المستبد.

ولأن كل فعل له رد فعل مساوٍ، فإن استبداد الوضعية المنطقية أثار روح التمرد والعصيان والثورة عليها، وتعرضت لموجات نقد كثيرة من داخل فلسفة العلم ومن خارجها. وكان نقد كارل بوبر بلا مراء هو الأقوى والأكثر حسمًا وفاعلية وتبيانًا لتهافت الطرح الوضعي الذي يحل إلى الأبد وببساطة يُحسد عليها كل القضايا الفلسفية والمنهجية المرتبطة بطبيعة المعرفة العلمية،١ وبنفس البساطة والاستبداد أزاحوا الأبعاد الميتافيزيقية والمنظورات التاريخية على السواء من فلسفة العلم.
وعلى الرغم من أن مشكلة تمييز المعرفة العلمية — كما رأينا — كانت ملازمة لفلسفة العلم منذ بواكير إرهاصاتها مع فرنسيس بيكون، إلا أن فيلسوف العلم الروسي شفيريف يقول إن الرفض الحاد لهذا الطرح الوضعي هو الذي فرض بشدة أكثر من كل ما سبق مسائل معايير العلم وتمييز المعرفة العلمية عن الفلسفة وعن المعرفة الاعتيادية والدين، والصلة في العلم بين العناصر الفلسفية والأنطولوجية وبين النظرية والتجربة. وكل هذه القضايا يطرحها أولًا وقبل كل شيء التطور الفعلي عبر التاريخ للثقافة والإنتاج المادي والروحي، والتعاظم المتزايد لدور العلم في المجتمع. ذلك أن شفيريف في عرضه البارع الذي لا يتوقف عند أشخاص، بل يتعقب صيرورة الفكر الفلسفي العلمي، قد أوضح أن نقد الوضعية المنطقية بصفة عامة هو الذي أثار إشكاليات استدعت التناول التاريخي للظاهرة العلمية، حين استلزمت تمييز المعرفة العلمية بشدة. وسمة المثالية التي تضفي على المعرفة العلمية قد تكون كافية لمنهج العلم، لكنها لا تكفي لتمييز العلم عن الأشكال الأخرى للوعي.٢ هذا التمييز يتطلب بالضرورة النظر إلى العلم في حركيته وتناميه، ما يستدعي النظر إليه في الواقع الاجتماعي المتطور عبر التاريخ، بعبارة موجزة، نقول: إن تمييز المعرفة العلمية من منطلق نقد الوضعية المنطقية هو الذي يضع فلسفة العلم على مشارف الوعي بتاريخ العلم.

ثانيًا: ثورية التقدم ومشارف الوعي التاريخي

وهكذا، فلأن كارل بوبر انطلق من نقد الوضعية المنطقية حتى لقبوه بالمعارض الرسمي، كان محور فلسفته مشكلة تمييز العلم في حركيته وتقدمه، عن طريق معيار القابلية للتكذيب، وكان بوبر بهذا رائدًا شق الطريق الجديد لفلسفة العلم الذي سيؤدي إلى استيعاب الوعي التاريخي. وهذا بدوره سوف يطرح أمام فلسفة العلم في القرن الحادي والعشرين آفاقًا مستقبلية مستجدة تمامًا. وإذا كانت نهاية القرن العشرين تكشف عن كارل بوبر بوصفه أعظم فلاسفة العلم في النصف الثاني منه، خرجت من رحابه الاتجاهات الأساسية اللاحقة، فلنتذكر أنه كان منذ البداية رائدًا عملاقًا شق عصا الطاعة على الوضعية المنطقية التي كانت مهيمنة وسائدة، وقاد انقلابًا، بل ثورة زلزلت عروشهم وعصفت بسلطانهم؛ لتصنع ملامح التطور التالية في فلسفة العلم. وكما رأينا، كانت خلايا الثورة البوبرية عديدة مديدة، وزوايا هجومه عليهم كثيرة مكينة. لكن نتوقف الآن مجددًا عند المنطلق المحوري ألا وهو انتقال بوبر بفلسفة العلم من منطق التبرير إلى منطق الكشف … منطق التقدم المستمر.

صوَّبَ بوبر الأنظار إلى أن التقدم المطرد خاصة أساسية من خصائص المعرفة العلمية، وصاغ هذا في معالجته البارعة لمنطق العلم المرتكزة على التكذيب، ومنذ كارل بوبر فصاعدًا بات الكثيرون يرون أن فلسفة العلم في جوهرها هي فلسفة التقدم، وهذا اتجاه لا نملك إلا أن نشايعه؛ لأن التقدمية هي فعلًا صلب طبيعة العلم.

أجل، التقدمية وليس العقلانية! فهذه الأخيرة — أي العقلانية العلمية — تعرضت لتغيرات عاصفة، وظل مفهومها يتبدل مع الانقلابات الثورية وأشكال القطع المعرفي التي شهدها العلم في القرن العشرين، حتى كادت تلك العقلانية العلمية أن تفقد مدلولها المألوف. وفي نهايات القرن أصبح مصطلح «النظرة العقلانية» في فلسفة العلم بشكل عام يرادف النظرة الإبستمولوجية الكلاسيكية، أي الداخلية التي تنظر إلى نمو المعرفة العلمية فقط في حد ذاتها في سياق النسق العلمي. وهذا لتتمايز عن النظرة إلى العلم ونموه من الخارج في إطار تفاعلاته الاجتماعية والحضارية والعوامل المختلفة عن العقل العلمي الخالص، وهي النظرة التي سوف نرى كيف أُضيفت مؤخرًا إلى فلسفة العلم.

وعلى أية حال، فإنه في العقود الأخيرة انصرف همُّ جمعٍ من فلاسفة العلم — خصوصًا بول فييرآبند — في محاولة تحديد المفهوم الجديد المعاصر للعقلانية العلمية. وعبر مناقشات مقنعة وتحليلات دقيقة ينتهي لاري لوضان إلى ضرورة أن نخطو خطوة ثورية انقلابية، ونجعل العقلانية متعلقة بإمكانية التقدم، بل ومتطفلة عليها، والاختيار العقلاني هو الاختيار التقدمي.٣

والجدير حقًّا بالذكر أن لاري لوضان يفلسف العلم على أساس تعريف محدد له، وهو أنه نشاط تقدمي لحل المشكلات. وبالتالي تغدو النظرية الجديدة أكثر تقدمًا؛ لأنها أكفأ في حل مشكلات، وليس لأنها أقرب إلى الصدق أو أكثر قابلية للتكذيب … إلخ. وحتى إذا سلمنا بهذا، فما دمنا لا نأخذ بالاتجاه الأداتي، ونرى النظرية العلمية ملتزمة إزاء العالم التجريبي الواقعي الذي نحيا فيه، فإن مشكلة التقدم تزداد إلحاحًا وتغدو مرتكز المعالجة المنطقية لبنية النظرية العلمية؛ فثمة محك ماثل هو العالم التجريبي، ولكي تثبت النظرية أنها أكثر تقدمًا، عليها إثبات أنها أكثر تمثلًا وتمثيلًا له، وفاعلية في التعامل معه ومواجهة وقائعه التجريبية. وفي كل حال، ومن أي منظور، نجد مشكلة التقدم العلمي تفرض نفسها على فلاسفة العلم؛ لأنها أيضًا مشكلة العلاقة بين النظريات المتعاقبة في السياق العلمي.

وأول سؤال يفرض نفسه: ما هي طبيعة التقدم العلمي؟ بأي منوال يسير ويتواتر؟ وكيف يمكن تفسيره؟ في الإجابة على هذا يعطينا بوليكاروف أربعة آراء تجمل ردود فلاسفة العلم،٤ وهي:
  • (أ)

    تتعاقب الأحداث بغير اطراد عام، وبالتالي لا يمكن تفسير طبيعة التقدم العلمي، يمكن فقط رصده ووصفه. وهذا تصور نفر من الوضعيين المنطقيين المتطرفين، وهو تصور سلبي بمثابة امتناع عن التصويت وعن وضع فلسفة للتقدم العلمي.

  • (ب)

    تقدم العلم يتم كسلسلة من التحولات أو الثورات، التي تحدث أحيانًا بغير رابطة داخلية، وعبر انفصالات جذرية وقطائع في صيرورة التقدم العلمي. وهذه هي النظرة الثورية الأحدث التي تُوصف بأنها راديكالية.

  • (جـ)

    وكنقيض للرأي السابق نجد الرأي «التراكمي» الذي يؤكد على استمرارية المعرفة العلمية، وأنها خط صاعد متصل يمثل تقدمها اتصالًا متناميًا. وهذا هو رأي الاستقرائيين جميعًا ومؤرخي العلم الكلاسيكيين، أمثال جورج سارتون وكارل بيرسون، أخذ به أيضًا إرنست ماخ وبيير دوهيم.

    وجملة القول أننا إزاء نظرتين لطبيعة التقدم العلمي: الأولى هي النظرة التراكمية الاتصالية، وهي شديدة الاتساق مع العلم الكلاسيكي النيوتوني. والثانية هي النظرية الثورية الانفصالية المتسقة مع تقدم العلم في القرن العشرين — بعد ثورة النسبية والكوانتم. على أن ثمة نظرة رابعة آتية تحاول الجمع بينهما، وهي:

  • (د)

    التصور الجدلي «الديالكتيكي» لهيجل وماركس وإنجلز وأشياعهم. وتبعًا له يؤدي التقدم الكمي التدريجي، أي «التراكمي» إلى قفزات كيفية أو «ثورية» تصبح بدورها نقطة البدء لتراكم كمي جديد، يؤدي عند نقطة معينة إلى قفزة كيفية … وهكذا، وفقًا لقانون «الكم والكيف» الجدلي، أي الذي ينتقل عبر مراحل الجدل الثلاث: (١) القضية، ثم (٢) نقيضها، ثم (٣) المركب الذي يجمع خير ما فيهما ويتجاوزهما إلى الأفضل، ويصبح المركب بدوره — في مرحلة أعلى من الجدل — قضية تنقلب إلى نقيضها … وهلم جرًّا … وعلى الرغم من النقد العنيف، بل الرفض الحاد الذي يلقاه الجدل من قبل نفر من فلاسفة العلم على رأسهم كارل بوبر، فإننا نرى في التصور الجدلي لطبيعة التقدم العلمي وسيلة ناجحة للربط بين التصورين التراكمي والثوري في مركب متسق لمن شاء الاستفادة من التصورات الثلاثة، التراكمية والثورية والجدلية معًا في كل متآزر. ويمكن أن ننظر فيما بعد إلى فلسفة توماس كون بهذا المنظور؛ فهي جدلية تجمع بين التصورين، التراكمي والثوري.

بيد أن الغاية المرومة في النهاية من كل فلسفة للعلم هي أن تبلور روحه، فتضع الإصبع على شد ما يفجر الطاقة التقدمية للبحث العلمي والتفكير العلمي، ومن ثم للعقل الإنساني والحضارة الإنسانية والنظرية الثورية أقوى ما يدفع الطاقة التقدمية للعلم، أو ليست تجعله ثوريًّا؟!

ولا بد قبلًا من الوقوف عند مصطلح «الثورة» وقفة فيلولوجية؛ لنميز بين جانبين للدراسة السيمانطيقية للمصطلحات هما الجانب الإشاري المباشر والجانب الدلالي الإيحائي. من الناحية المباشرة نجد «الثورة» تعني دائمًا نمطًا من التغيير المفاجئ السريع، مغايرًا لمجرد النمو أو حتى التطور الذي هو تغير تدريجي بطيء «يوازيه في تفسير التقدم العلمي النظرة التراكمية»؛ لذلك قيل: إن الثورة مقابلة للتطور: الثورة تحول مفاجئ سريع والتطور تدريجي بطيء.

وهذا المعنى الإشاري المباشر مقصود بعينه، ولكن فيما يختص بالجانب الدلالي الإيحائي، نلاحظ تفاوتًا بين لفظة المصطلح الأوروبي Revolution وبين المقابل العربي «ثورة»؛ إذ تعود ثورة إلى: «ثار الغبار: سطع. وأثاره غيره، وتثويرًا: هيجه. وثوارنًا: هاج، ومنه قيل: فتنة ثارت وأثارها العدو. وثار الغضب: احتد. وثار إلى الشر: نهض، وثوَّر الشر تثويرًا»،٥ فنجدها في النهاية مردودة إلى «ثار» بمعنى يفيد هاج وماج، فيأتي الرفض والتغيير الجذري بفعل قوى انفعالية، وليس هذا مقصودًا تمامًا. ولكن في الإنجليزية نجد المصطلح ثوري، جذري متطرف Revolutionary، وأيضًا دوار؛ لأنه مأخوذ من Revolution التي تعني ثورة، وتعني أيضًا إتمام دورة كاملة (مثلًا دورة الجرم السماوي في مداره) ولنلاحظ أواصر القربى الفيلولوجية بين «ثورة» Revolution، «نماء أو تطور» Evolution. فهل جزافًا أن جعل بوبر فلسفته الإبستمولوجية تطورية. على هذا نجد المصطلح الإنجليزي لا يجعل الرفض هياجًا مفاجئًا، بل هو تقدم مكثف شديد الفاعلية، انتقال جذري إلى مرحلة أعلى آن أوانها، لانتهاء المرحلة السابقة أو استنفاد مقتضياتها. وهذا هو المقصود على وجه الدقة من القول بالطابع الثوري للتقدم العلمي.
وتبقى ملاحظة أن مفهوم «الثورة» في أصله كان مفهومًا فلكيًّا رياضيًّا بريئًا، ولكن لأنه يشير إلى تغير ذي اعتبار فقد أصبح مثقلًا بإسقاطات جمة نقلته إلى مجال الأوضاع المدنية،٦ ولئن أبدى مفهوم الثورة فعالية في تفسير تاريخ المدنية، فسوف يبدي فعالية أكثر في موطنه الأصيل، أي في تفسير تاريخ العلم.

والواقع أن التقدم المتسارع للعلم في القرن العشرين يجعل من النظرية الثورية لتقدم العلم، والتي هي الضد الصريح لنظرية التراكم الكمي، والتعديل الحق للقول بالتطور العادي، إنما هي النظرة التي يفرضها منطق العلم ذاته — منطق الكيان المطرد التقدم ذي الثورات الحقيقية في تاريخ البشر.

وفي العقود الأخيرة أصبح مفهوم «الثورة» شبه معتمد في فلسفة العلم وكثير الشيوع كأداة قوية لتفسير طبيعة التقدم العلمي والخطوات الجذرية التي يقطعها العلم.

وها هنا تبرز الريادة البوبرية مجددًا؛ إذ إنه في طليعة الذين أكدوا تأكيدًا لا يخلو من تطرف على «الثورة»، وعلى أن التقدم العلمي لا يعرف تراكمًا البتة، بل هو سلسلة متوالية من الثورات. وما دام كل تقدم يقوم على تكذيب الفرض السابق، فهو إذن ثورة عليه، وإنهاء لدورته وبدء دورة جديدة. وكما لاحظنا لا يُعنى بوبر بالفروق النوعية بين الفرض والقانون والنظرية، الكل قضايا علمية تختلف فقط في درجة العمومية والقابلية للتكذيب، والكل سائر في طريق التقدم المطرد … طريق الثورة/الدورة.

يرافق بوبر في هذا التصور الثوري المتطرف جاستون باشلار G. Bechelard (١٨٨٤–١٩٦٢م) شيخ فلاسفة العلم في فرنسا وواحد من أهم فلاسفة القرن العشرين. في عام ١٩٣٤م صدر كتاب بوبر الأول في طبعته الألمانية «منطق البحث العلمي»، وصدر أيضًا كتاب جاستون باشلار «الفكر العلمي الجديد»، كلاهما حاول تثوير التقدم العلمي بطريقته. لم ينعكس مفهوم «الثورة» حقًّا على فلسفة العلم انعكاسًا قويًّا إلا لاحقًا في الثلث الأخير من القرن العشرين.
ولكن في تلك الآونة، في الثلاثينيات، أخرج ألكسندر كواريه A. Koyre كتابه «دراسات عن جاليليو ١٩٣٩م» الذي يحمل تطبيقًا عينيًّا لمفهوم «الثورة» كأداة لتفسير نشأة العلم الحديث وطاقته التقدمية. وفي عام ١٩٤٨م ألقى مؤرخ العلم هربرت بطرفيلد H. Buterfield سلسلة محاضرات، حملها بعد عام واحد كتابه «أصول العلم الحديث ١٣٠٠–١٨٠٠م» الذي يبشر فعلًا بالتفسير الثوري لطبيعة التقدم العلمي. وخلاصة رؤية بطرفيلد لمفهوم الثورة العلمية يتمثل في أن العلماء في مرحلة ما يُحدثون تغييرًا في مخططات تفكيرهم، يرون الأشياء القديمة بطريقة جديدة، ويحاولون التوصل إلى فكرة تمثل مفتاحًا (Keyidea وهو تعبير بطرفيلد المفضل) يفض مغاليق التعثر الطارئ. وحينما يتوصلون إلى فض هذه المغاليق تتدفق الاكتشافات بمنتهى السهولة. ويرفض بطرفيلد اعتبار تاريخ العلم تاريخًا للأفراد العظام، أو سلسلة من قصص النجاح، أو تراكم الاكتشافات والمعرفة بالوقائع … فذلك لا يعبر البتة عن التناول السليم لتاريخ العلم. هذا التاريخ المتقد لا تحيط به إلا الرؤية الباحثة عن ثوراته، عن هذا التغيير في مخططات التفكير. وعلَّم بطرفيلد فلاسفة العلم أن الثورة تعني تغيير مخططات التفكير.
وكما ذكرنا، يُعد باشلار من أشد فلاسفة العلم حرصًا على إبراز الطابع الثوري للتقدم العلمي؛ إذ يرى أن الخطأ أساسي وأولي، وهو الذي يظل مسيطرًا على العقل البشري ما لم يعمل هذا العقل على إزاحته عن مواقعه واحدًا بعد الآخر بجهد وكفاح وصراع لا يتوقف. فكل حقيقة لا بد وأن تُكتسب بنوع من النضال والانتصار، وكل معرفة لا بد أن تحارب لكي تحتل مواقع الجهل. لذلك فالتقدم في العلم يتم من خلال صراع بين الجديد والقديم، ولا يتحقق إلا بنوع من التطهير الشاق لهذه الأخطاء. المعرفة لا تسير في طريق ميسر معبد مباشرة إلى الحقيقة، بل إن طريقها ملتوٍ متعرج، تمتزج فيه الحقيقة بالبطلان، ويصارع فيه الصوابُ الخطأَ صراعًا مريرًا كيما يخلص نفسه منه. وهكذا نلاحظ أن فعل المعرفة في كل حال ينطوي في حد ذاته على ثورة ما من حيث ينطوي على صراع، يتبلور هذا الصراع في السلب في «اللا» التي أصبحت مقولة لا يستغني عنها العلم في القرن العشرين «لا حتمية، لا تعين، ميكانيكا لا نيوتنية، وهندسات لا إقليدية …» ذلك أن الجدة العلمية لم يعد من الممكن اكتسابها إلا عن طريق السلب المنظم، الذي يُصارع القديم ويرفضه، ويُعبر عن ما يطرأ على العلم من تحولات أساسية، عندما يعيد النظر في مفاهيمه الكبرى، ويراجعها من جديد. وبالتالي يصر باشلار إصرارًا على رفض فكرة الاتصال في فلسفة العلم، فمراحل المعرفة العلمية تتصف أساسًا بالانفصال في صورتها أو في مضمونها،٧ ولكي يتماسك الكيان العلمي على الرغم من الانفصالات المتوالية في حركيته، يلجأ باشلار إلى المنهج الجدلي، ويزعم أن الفيلسوف الذي يتتبع بالتفصيل حياة الفكر العلمي سيدرك التزويجات غير المألوفة بين اللزوم والجدلية. لذلك كان مصطلح الجدل «الديالكتيك» الذي يعبر عن عدم اتصال المعرفة والانتقال من القضية إلى سلبها، شديد الشيوع في أعمال باشلار، ويحتل عناوين فرعية جمة، وثمة كتابه «جدلية الزمان ١٩٥١م».
على أساس الصراع مع الخطأ، السلب والجدلية، الانفصال … يتضح لنا عمومية التصور الثوري، ويغدو التقدم العلمي مرهونًا بجدوسات جريئة تمثل بدورها قفزات ثورية، تعقبها أفكار تصحح أفكارًا، فروح العلم هي تصحيح المعرفة وتوسيع نطاقها أو ما أسميناه منطق التصحيح الذاتي. وهذا الأفق من الأفكار المصححة هو ما يميز الفكر العلمي،٨ صاغه بوبر في التكذيب وتجاوزه، وصاغه باشلار في الخطأ وتصويبه. يقول باشلار: «العلم لا يخرج من الجهل كما يخرج النور من الظلام؛ لأن الجهل ليس له بنية، بل يخرج من التصحيحات المستمرة للبناء المعرفي السابق، حتى إن بنية العلم هي إدراك أخطائه، والحقيقة العلمية هي تصحيح تاريخي لخطأ طويل، والاختبار هو تصحيح الوهم الأولي المشترك.»٩ فيؤكد باشلار — تمامًا كما أكد بوبر — على أهمية النقد، أو حسب تعبيره «هذا الشك المسبق المنقوش على عتبة كل بحث علمي، وهو سمة أساسية لا موقوتة في بنية التفكير العلمي.»١٠ من هنا ينتهي باشلار إلى الانفصالات في حركية العلم اللاتراكمية، إلى أن العقل العلمي يتنكر دائمًا لما ينجزه من حيث دأبه على نقده وتصويبه. من هنا كان منطق العلم منطقًا تكذيبيًّا ومنطق تصحيح ذاتي. إنه لهذا يكفل لتواتر محاولات العلماء الإبداعية، ومحض توالي البحوث المنهجية … يكفل لها التقدم المستمر، ودائمًا يفتح أمامها آفاقًا أوسع. هكذا كان منطق «الثورة» هو الأقدر على تجسيد التقدم العلمي.
يؤكد باشلار على عمومية الثورة فيقول: «تتضمن أزمات النمو الفكري إعادة نظر كلية في منظومة المعرفة.»١١ وأيضًا على عمقها فيقول: «إن الإنسان يصبح بواسطة الثورات الروحية التي يستلزمها الإبداع العلمي جنسًا مغايرًا.»١٢ فهي تؤثر تأثيرًا عميقًا على بنية العقل المتجددة دومًا، وحتى الثورات المتصلة بمفهوم واحد — فيما يرى باشلار — تواكب في الزمان ثورات عامة ذات تأثير عميق في تاريخ الفكر العلمي. وكل شيء يمضي جنبًا إلى جنب، المفاهيم وإنشاء المفاهيم. فليس الأمر مجرد كلمات يتبدل معناها بينما يظل الترابط ثابتًا، كما أنه ليس أمر ترابط متحرك حر قد يفوز دائمًا بالكلمات ذاتها التي يترتب عليه أن ينظمها. إن العلاقات النظرية بين المفاهيم تبدل تعريفها، كما يبدل تغير المفاهيم علاقاتها المتبادلة. ويمكننا أن نعبر عن هذا تعبيرًا منطقيًّا فنقول: إن الفكر لا بد حتمًا أن تتبدل صورته إذا ما تبدل مضمونه، فينفي باشلار أية سكونية تراكمية عن نمو المعرفة العلمية. والمعرفة التي تبدو ثابتة تجعلنا نؤمن باستمرارية الأشكال العقلية وثباتها واستحالة قيام أية طريقة جديدة للفكر.

هكذا يرى باشلار أن الفكر العلمي هو الإبداع الحقيقي وإنشاء الموضوعية، وأن مستنداته الحقيقية هي التصحيحات وتوسيعات الشمولية. وعلى هذا النحو تتم كتابة التاريخ الحركي للفكر. فالمفهوم يحظى بمعنى أكبر، في تلك اللحظة بالذات التي يغير فيها معناه، وإذ ذاك تصبح حدثًا من أحداث إنشاء المفاهيم، انفصالًا جديدًا في تاريخ العلم وحركية تقدمه التي أسرف باشلار على إبراز ما فيها من انفصالات وقطائع، تبلغ الذروة في مفهوم القطيعة المعرفية.

ويمكننا الآن — وعلى ضوء ما سبق — التوقف عند هذه الفكرة الجوهرية التي أبدعها باشلار في إطار فلسفته الجدلية؛ لتلعب فيها دورًا محوريًّا، بحيث تناظر تكذيب النظرية المقبولة عند كارل بوبر، وتكون من أقوى تجسيدات النظرية الثورية وأعتى رفض للنظرية التراكمية الاتصالية، ألا وهي فكرة «القطيعة المعرفية La Rupture Epistemologique» التي تكاد تكون تلخيصًا لما سبق من خطوط فلسفة باشلار، ولكنها خرجت من أعطاف فلسفته، بل ومن حدود فلسفة العلم بأسرها، وشاعت وذاعت وترددت في سائر جنبات الفكر في النصف الثاني من القرن العشرين، حتى كادت أن تصبح من معالمه، لا سيما وأنها أبدت خصوبة وفعالية في تفسير التحولات الحضارية.
والقطيعة المعرفية تعني أن التقدم العلمي مبني على أساس قطع الصلة بالماضي، فهي شق طريق جديد لم يتراء للقدامى ولم يرد لهم بحال، بحكم حدودهم المعرفية الأسبق، وبالتالي الأضيق والأكثر قصورًا. وليس هذا بمعنى نفي الماضي وإنكاره والتنكر له؛ فذلك غير وارد في التقدم العلمي الذي يمتاز عن أي تقدم آخر في حضارة البشر بأنه ليس أفقيًّا بل رأسيًّا، يرتفع طابقًا فوق طابق، فلا يرى نيوتن — كما أكد هو نفسه — أبعد من سابقيه إلا لأنه يقف على أكتافهم … القطيعة تعني أن التقدم لا يعود مجرد تواصل ميكانيكي أو استمرار تراكمي لمسار الماضي، أو تعديلًا أو إضافة كمية له، بل هو شق طريق جديد كل الجدة، والمثال الأثير لباشلار «المصباح الكهربي»، فهو ليس استمرارًا لأساليب الإضاءة الماضية التي تقوم على الاشتعال والاحتراق، بل قطيعة لكل هذه الأساليب لحد الشروع في مرحلة تعتمد الإضاءة فيها على الحيلولة دون أي اشتعال أو احتراق … فهي خلق وإبداع جديد تمامًا. والجدة العلمية Scientific Novelty هي بؤرة التقدم والانفصال عن ماضي العلم والإضافة الحقيقية لحاضره.

رأى باشلار أن الجدلية تجعل القطيعة المعرفية مركبًا من الانفصال والاتصال، إلا أنه جنح كثيرًا ورفض فكرة الاتصال تمامًا، وركز على الانفصال في حركية العلم وتقدمه، وكان تركيزًا يخل بجدلية باشلار التي تجمع بين الطرفين — الاتصال والانفصال — ما دام يجعل القطيعة انفصالات متوالية في تقدم العلم. والواقع أن عنصر الاتصال واستمرارية المعرفة العلمية له أهميته ولا بد أن يلعب دورًا ما، وليس من السهل الإطاحة به تمامًا على طريقة باشلار.

على أية حال، القطيعة المعرفية هي التجاوز النشط المسئول للماضي، فالمبدع الخلاق للحاضر. فلا تعود اللحظة تكرارًا كميًّا للتاريخ، بل هي عمل دءوب، وهي إنجاز — إنجاز للحداثة. وعن طريقها يؤكد الإبداع العلمي حدس اللحظة التي تمثل حقيقة الزمان، من حيث هي الكائنة، وبين غير الكائنين: الماضي والمستقبل، وتغدو الشجاعة الذهنية — بتعبير باشلار — في المحافظة على لحظة المعرفة نشيطة حية، وأن تجعل منها منبعًا لحدسنا، متدفقًا دومًا، وأن نرسم انطلاقًا من التاريخ الذاتي لأخطائنا النموذج الموضوعي لمعرفة تكون أفضل وأوضح.

أبدت فكرة القطيعة المعرفية فعالية جمة في تجسيدها للتقدم كثورة تنفصل عن الماضي وتبدأ طريقًا جديدًا، وشهدت استغلالات وتطبيقات كثيرة في مجالات شتى عبر القرن العشرين، استخدمها ميشيل فوكوه M. Foucault (١٩٠٩–١٩٨٤م) للفصل بين الحقب المعرفية واستخدمها الماركسي الفرنسي المجدد والبنيوي الثائر لوي ألتوسير بصورة موسعة في قراءاته البنيوية للاشتراكية العلمية، أو محاولة صياغة تخطيط لهيكل الماركسية الثابت ووضعها بين الأيديولوجيا والعلم؛ لتتخلص من الأولى وتبقى علمًا عن طريق القطيعة المعرفية. فتنامت القطيعة مع ألتوسير لتقوم بدور جوهري للخلاص من تشويهات الأيديولوجيا للعلم التي نوقشت في أواخر الفصل السابق. وكانت محاولة ألتوسير في هذا دءوبة، حتى إنه ذهب إلى ما وراء الماركسية وأيضًا ما قبل وضعية كونت، وراح يوضح كيف أن مونتسكيو وروسو قد أعاقهما أنهما ظلا ضحية لأيديولوجية الطبقة والعصر، ولولاها لتمكنا من إحراز مشروع العلم السياسي بنجاح أكبر.١٣ رأى ألتوسير أن المعرفة تبدأ من الأيديولوجيا، ثم يتعين التخلص منها وإحلال العلم محلها عن طريق القطيعة المعرفية، فكانت القطيعة معه لإفساح الطريق أمام الاشتراكية العلمية، وكان هذا الاستخدام إيذانًا بنمو مفهوم «القطيعة» أو تمثيلًا لخروجه من أعطاف فلسفة العلم ومن قلب صيرورة التقدم العلمي؛ ليعم المفهوم ويسود بعد ذلك، ويصبح بمثابة «موضة شائعة» في القرن العشرين في مجالات الفكر والفن وما إليه. وعبَّر عنها الأدب تعبيرًا رديئًا، بات قولًا مأثورًا هو «انظر وراءك في غضب». وهذا إسفاف ما كان يداني مفهوم القطيعة وهي في موطنها الأصيل فلسفة التقدم العلمي، حيث أنجبها جاستون باشلار.

وبالعود إلى فلسفة العلم، نجد باشلار — ولا شك — قد أبلى بلاءً حسنًا في فلسفته للتقدم العلمي التي استطاعت بلورة وتنقيح مفهوم «الثورة». بيد أن باشلار لا يعبأ إطلاقًا بالمنطق ويطلق رؤاه النافذة المحيطة بأعماق ظاهرة العلم كشاعر ملهم، بينما القرن العشرون هو العصر الذهبي للمنطق، وفلسفة العلم فيه هي منطق العلم. من هنا كان كارل بوبر هو الأقدر على غرس مفهوم الثورة؛ لأن بوبر منطقي من الطراز الأول، وعالج ثورية التقدم العلمي في إطار معالجة دقيقة لمنطق العلم، فأمكن «للثورة» أن تنمو وتترعرع في فلسفة العلم بعد بوبر وبفضله.

التقدم العلمي ثوري؛ لأن كل نظرية علمية في عرف بوبر ثورة قامت على أكتاف تكذيب سابقتها وإتمام دورتها؛ لتبدأ دورة جديدة قابلة هي الأخرى للتكذيب؛ لتشهد الثورة التالية … وهلم جرًّا، فيسير التقدم العلمي في سلسلة متصلة من الثورات. إنه معيار القابلية للتكذيب ذو الصياغات المنطقية الدقيقة التي تستقطب كل أبعاد فلسفة العلم البوبرية، فهو بمثابة حجر الزاوية ومحور الارتكاز فيها، يجسد الطبيعة التقدمية الثورية للعلم، طالما أن الخاصة المنطقية المميزة إياه هي القابلية للتكذيب … لتعيين الخطأ، وبالتالي تصويبه وتجاوز الوضع إلى ما هو أفضل وأصوب، أي التقدم خطوة إلى الأمام، أو بالأحرى ثورة/دورة إلى أعلى.

بهذا الوضع القلق التواق والحركية الدءوبة نتعلم جيدًا أن فلسفة العلم يستحيل أن تقتصر على محض التحليلات المنطقية، فهي فلسفة الفعالية الحية والهم المعرفي للإنسان. الميتافيزيقا أفقها الرحيب الذي يلهم بالفروض الخصيبة. إنها تمهد للعلم على اعتبار أن الجهود المعرفية حلقات في سلسلة تطورية تمثل خط نماء المعرفة الإنسانية، العلم بهذه الصورة التطورية أكثر حيوية وإنسانية من أي منشط آخر، قضاياه قابلة دومًا للتكذيب والتعديل والتطوير، يلعب الخيال الخلاق والعبقرية المبدعة دورًا أساسيًّا في رسم قصة العلم المثيرة، التي علمت الإنسان المعنى الحقيقي للتقدم، وأنه ثورة مستمرة.

هكذا أغلق بوبر أبواب النظرة السكونية الوضعية للعلم كمنجز راهن منتهٍ، فانتقل بفلسفة العلم — كما أبان الفصل السابق — من منطق التبرير إلى منطق التقدم الثوري … منطق الكشف النابض الدافق، وجعل تغييرًا في عنوان أول وأهم كتبه ينص على هذا، وأكد أن شغله الشاغل وهمه الأول تقدم المعرفة العلمية ونموها؛ لينظر إلى العلم كفاعلية ونماء وصيرورة، العلم في حيويته وديناميكيته، في حركيته وتقدميته، مما سيفتح الباب للوعي بصيرورته عبر التاريخ، فكان بوبر الرائد لتلك المرحلة الجديدة من فلسفة العلم، مرحلة ما بعد سلطان الوضعية المنطقية، التي سوف تتسع لتتسلح بالوعي بتاريخ العلم.

ولكن من منظور الوعي التاريخي في حد ذاته، كان كارل بوبر بكل هذا محض رائد مقدام، فتح الطريق ولم يسر فيه إلى غايته، بل حتى لم يقطع فيه شوطًا كافيًا.

فقد كان بوبر شديد العناية بإمكانيات التقدم، باستشراف مستقبل العلم ودفعه قدمًا، فظل اهتمامه محصورًا في أطر منهج العلم كما هو جار وكما ينبغي أن يكون، بمعايير العلم أو خصائصه المنطقية الراهنة، والتي تهيئ لمستقبل واعد أكثر، مما يعني أنه ظل معنيًّا بالإشكالية المنهجية، حتى وإن أصبحت منطقًا للكشف والتقدم وليس منطقًا للتبرير. بل لعل بوبر أكثر الجميع استغراقًا في المنهج؛ لأنه ميثودولوجي متطرف يرى علم مناهج البحث ليس مجرد أحد فروع الفلسفة، بل هو أخص خصائص الفلسفة وحصنها الحصين. كل المشاكل الفلسفية — فيما يرى بوبر — حتى الميتافيزيقية يمكن تأويلها بحيث تصبح مشاكل ميثودولوجية! ويضرب بوبر مثالًا أثيرًا على هذا بواحدة من أعقد المشاكل الميتافيزيقية، وهي مشكلة السببية التي تحل في إطار معالجة مشكلة منهجية بحتة هي مشكلة الاستقراء، أو مثلًا مشكلة الموضوعية، يمكن أن تؤول هي الأخرى إلى القاعدة المنهجية الآتية: «العبارات التي تطرح في العلم هي — فقط لا غير — العبارات القابلة للاختبار بين الذوات».١٤ وهاك مثال آخر يوضح أكثر مدى حيود النظرة البوبرية في اتجاه المنهج العلمي أو الميثودولوجيا، وهو مشكلة الكليات Universalities أو الألفاظ الكلية، فهل هي اسمية أي مجرد أسماء وبدلًا من أن نطلقها على فرد واحد نطلقها على مجموعة أفراد، أم إنها واقعية لها كينونة ووجود حقيقي؟ طبعًا «الواقعية» هنا ميتافيزيقية جدًّا، ونظرًا لأن مصطلح الواقعية له دلالات كثيرة، ومدلوله الشائع في الفلسفة المعاصرة يختلف كثيرًا عن ذلك الاستعمال، فإن بوبر يقترح وضع مصطلح آخر لهذا الاتجاه في النظر إلى طبيعة الألفاظ الكلية، هو مصطلح الماهوية Essentialism. وكانت مشكلة الكليات واحدة من أعرق مشكلات الفلسفة التي تتوغل في أعماق الميتافيزيقا، ودارت حولها رحى معركة كبيرة في العصور الوسطى تعود أولها إلى فلسفتي أفلاطون وأرسطو، معركة بين ذينك الطرفين: الاسمية Nominalism، والواقعية Realism أو الماهوية بتعبير بوبر.
هذه المشكلة يراها بوبر مثل سائر المشاكل الميتافيزيقية الكبرى، يمكن إخراجها في صورة جديدة تجعلها مشكلة ميثودولوجية منتمية لعلم مناهج البحث. فالموقف الواقعي الماهوي من الألفاظ الكلية يؤكد أهميتها بالنسبة للعلم، على أساس أن الأشياء الجزئية تظهر فيها صفات عرضية لا تهم العلم، فمثلًا يُعنَى علم الاقتصاد بدراسة النقد والائتمان، ولكنه لا يُعنَى بما يمكن أن تتخذه القطع النقدية من أشكال ولا بمظهر الأوراق النقدية والشيكات «فعلى العلم أن يجرد الأشياء من صفاتها العرضية وينفذ إلى ماهيتها، وماهية لا شيء على أية حال هي دائمًا كلية».١٥ هكذا جعل بوبر الموقف الماهوي من الألفاظ الكلية يعني موقفًا من طبيعة القانون العلمي يرى أن العلم ينفذ إلى ماهيات الموضوع، فيكون هدفه إعطاء تفسير نهائي للعالم. فالقانون العلمي هذا بمثابة اكتشاف لحقيقة مطلقة يقينية ضرورية، وهو طبعًا اتجاه يرفضه بوبر تمامًا وينقده بالتفصيل، ويشاركه في هذا الرفض جمهرة فلاسفة العلم المعاصرين. فهو اتجاه انتهى تقريبًا وأوهى من أن نخوض في نقده. والذي يهمنا من أمره أنه — في لي عنق مشكلة الكليات لكي تؤدي إليه — يوضح إلى أي حد اتسع مفهوم المنهج عند بوبر حتى استوعب جل المشكلات الفلسفية الكبرى. وكان هذا الاستطراد ليبين كيف استغرقت الإشكالية المنهجية فلسفة بوبر.

وفي المقابل فإن سؤال المنهج بلغ مع بوبر غايته. الغاية بمعنى قمة النضج والنماء فلا يُرجى من ورائها مزيد، ولا تعود فلسفة العلم في حاجة إلى طرح سؤال المنهج مجددًا، بل عليها استئناف المسير في الطريق الجديد، إلى حدود قد تسمح بدعاوى «هذا المنهج» مع فييرآبند وأقرانه، ما لم يتسع مفهوم المنهج ليصبح شاملًا للنظرة الإبستمولوجية.

تعملُق الوعي بمنهج العلم عند شيخ فلاسفة المنهج كارل بوبر لم يترك مجالًا رحيبًا للوعي بتاريخ العلم أو بماضيه. ولئن كان بوبر يصوب الأنظار شطر مستقبله فليس هذا مبررًا. وبوبر أكثر الجميع إقرارًا لكون «أية مشكلة من مشكلات الماضي إذا أعيد طرحها في الوقت الحاضر تغدو مشكلة حاضرة،١٦ وكثيرًا ما استعان بهوامش من تاريخ العلم لتعضيد هذه الفكرة أو تلك. وهو يؤكد أن كل النظريات العلمية تطورت عن الميتافيزيقا أو عن الأساطير البدائية، هذا فضلًا عن ولع بوبر الخاص وباعه الطويل في تاريخ الفلسفة الذي يكتسب على يديه حيوية لا تُضاهى، تثبت أن كل محاولة للتاريخ لنظرية فلسفية، ولو كانت المحاولة رقم ألف، تحمل إمكانيات لبعث حياة جديدة لهذه النظرية واستكشاف أبعاد ما كانت تخطر على بال.١٧ وعلى الرغم من كل هذا ظلت الأبعاد التاريخية مجرد هوامش لفلسفة بوبر تخدم المتن الذي لم يخرج عن بحث منهج ومنطق العلم في آخر صوره وأعلى طوابقه، اللهم إلا في أن العلم عند بوبر ليس نسقًا مشيدًا بقدر ما هو فاعلية ونماء وصيرورة وثورة متواصلة.

وفي النهاية لم يمثل بوبر شخصيًّا وعيًا حادًّا بتاريخ العلم، بل إن «منطق الكشف العلمي» في أصله الألماني اتسم إلى حد كبير بسمة لا تاريخية، خفت في أعمال بوبر المتأخرة، ولكن حسبه تمامًا الريادة وشق الطريق الجديد وتمهيده إياه بكل ذلك العزم والحسم.

ثالثًا: حلول الوعي التاريخي: توماس كون

ويظل تأكيد بوبر على مفهوم «الثورة» من أثرى مواطن إسهامه، فسوف يلتقط توماس كون T. Kuhn أيقونة الثورة من كارل بوبر، ويقيم بنيانه لتاريخ العلم وفلسفته على أساس «الثورة» التي هي انتقال من نموذج قياس إرشادي Paradigm إلى آخر، فيما يمكن اعتباره بمثابة الإعلان الصريح لحلول الوعي التاريخي في صلب فلسفة العلم.

أجل، كان التحول الحاسم في اتجاه الوعي التاريخي مع توماس كون، إنه عالم فيزياء نظرية ثم مؤرخ علم متخصص ومقتدر، قام بتدريس تاريخ العلم في أعرق المعاهد الأمريكية: جامعة هارفارد (١٩٥٢–١٩٥٦م)، ثم جامعة باركلي بكاليفورنيا، ثم المعهد التكنولوجي في ماساشوتس. وبرصيد تاريخي وافر أقدم كون على رحاب فلسفة العلم كمؤرخ علم ينطلق إلى رحاب الفيلسوف وفيلسوف علم يستند على ركائز المؤرخ: فكان قادرًا على إحداث التحول في اتجاه الوعي التاريخي.

والسيرة الذاتية لتوماس كون شخصيًّا تعكس بدورها مثل هذا التحول، فقد كان يستعد لنيل درجة الدكتوراه في الفيزياء النظرية — التي حصل عليها عام ١٩٤٩م — فأُتيحت له فرصة الاشتراك في مقرر دراسي بالجامعة يقدم علم الفيزياء لغير العلماء المتخصصين، فتعرف لأول مرة على تاريخ العلم، ثم جال في ميادينه حين ظفر بمنحة لمدة ثلاثة أعوام في جامعة هارفارد العريقة التي تهتم كثيرًا بمباحث تاريخ العلم لا سيما بعد أن وطد أركانه فيها جورج سارتون. وفي هارفارد نعم توماس كون برعاية شخصية خاصة من رئيس الجامعة مؤرخ العلم البارز جيمس كونانت، وله كتاب مترجم إلى العربية هو «مواقف حاسمة في تاريخ العلم»، فتح تاريخ العلم أفقًا واسعًا أمام كون، فتغيرت تصوراته الراسخة عن طبيعة العلم وعوامل تقدمه، والتي كان قد استقاها من اهتمامه القديم بفلسفة العلم. هكذا كان تحول كون من دراسة العلم إلى تاريخه إلى فلسفته؛ ليهجر البحث العلمي ويحط به الرحال في مضمار فلسفة العلم المسلحة بتاريخه. ويحق لنا اعتبار توماس كون صاحب الفضل المباشر في استحضار الوعي بتاريخ العلم في صلب فلسفة العلم.

ولعل دراسته التمهيدية الرائدة «للتاريخ دور» A Role For History، التي جعلها مقدمة لكتابه الشهير «بنية الثورات العلمية» بمثابة العلامة الفارقة في حدوث هذا؛ إذ يؤكد فيها أننا إذا أدركنا أن التاريخ ليس مجرد سرد أحداث متعاقبة، فسوف يُحدث تاريخ العلم تغييرًا جوهريًّا في تصور العلم الذي يسيطر على الأذهان.١٨ ومن سجلات التاريخ سوف تخرج صورة مختلفة تمامًا لمفهوم العلم، شريطة ألا يكون هدفنا هو تقييم الماضي بمقاييس اليوم أو أن يجيب التاريخ عن أسئلة يطرحها ذلك التصور النمطي للعلم في وضعه الراهن.
عُني كون في دراسته «للتاريخ دور» بتوضيح قصور وسلبيات المعالجة المقتصرة على الإنجاز العلمي في اكتماله الراهن. وهذه هي صورة العلم المطروحة في المراجع العلمية والكتب الدراسية Textbooks، ومهما استصوبتها النظرة المجردة واحتاجتها لأغراض تعليمية، فإنها لا تطابق بحال المغامرة العلمية كما تدفقت وتتدفق في الواقع، وإذا حاولنا أن نخرج منها بصورة عامة للنشاط العلمي أو المشروع الذي أنجز هذا النسق الراهن فإننا في هذه الحالة أشبه بمن يحاول الخروج بصورة عامة عن الثقافة القومية لقطر ما من خلال كتب دعاية سياحية أو من خلال نص لغوي وصفي. معنى هذا أن فلسفات العلم التي انفصلت عن تاريخه وتعاملت فقط مع المعطى الراهن لتدور في إطار الصياغة المثلى للمنهج العلمي ولبنية النظرية العلمية وخصائصها ومعاييرها … هي أشبه بمنشورات سياحية عن أروع وأبرز المعالم، ما يستحق الرؤية ويمتع الناظرين والجوالة في دولة العلم الزاهرة، ربما يثري رحلتهم، ويجعلها ذات مردود مستحق للإنفاق، لكنه ليس البتة الصورة الحقيقية أو المتكاملة للواقع العملي المتعين والمتدفق حيث المغامرة العلمية التواقة العسيرة في صعودها وهبوطها ومنحنياتها. إن التخطيط الحقيقي للعلم كمشروع متنام ونشاط دافق وفعالية متقدة، أنتجت في النهاية ذلك النسق العلمي المنجز الراهن الذي نبحث عن فلسفته … مثل هذا التخطيط لا يُستقى إلا من سجلات تاريخ العلم، كما أكد توماس كون — قولًا وفعلًا.
لعل أبرز العوامل التي استحضرت الوعي المتقد بتاريخ العلم في فكر كون أن علمه الغزير بهذا التاريخ كشف له عن اختلافات حادة بين القواعد والمبادئ والمفاهيم والأوليات التي يعمل بها العلماء في مرحلة عن تلك التي يعملون بها في مرحلة أخرى، وما يبدو لجيل من العلماء بديهية أو مسلمة أولية قد يبدو لجيل آخر خرافة أو مسألة ثانوية. ونذكر في هذا الصدد قولًا للفيلسوف الأمريكي المنتمي للواقعيين الجدد آرثر لفجوي A. Lovejoy (١٨٧٢–١٩٦٢م) في كتابه «سلسلة الوجود الكبرى» إذ يقول:
وقد تجد قسمًا من تفكير امرئ أو مدرسة أو قل جيل ما، يهيمن عليه ويطبعه شكل من أشكال الاستدلال أو حيلة من حيل المنطق أو الافتراض المنهجي التي لو أفصح عنها لتبين أنها عبارة عن قضية منطقية أو ميتافيزيقية ضخمة وهامة، ربما كانت موضع جدل طويل.١٩
ومن الملائم تمامًا الاستشهاد بلفجوي وكتابه «سلسلة الوجود الكبرى» الذي ما فتئ كون يؤكد في كل موضع أنه ترك التأثير الأعظم على تفكيره. ولفجوي في هذا الكتاب يعرض تاريخًا للفكر الفلسفي لا بوصفه أشخاصًا أو مذاهب متعاقبة، بل سلسلة من الوحدات الفكرية الكبرى أو المراحل، تأخذ برقاب بعض وتؤكد الدور الذي تلعبه المفاهيم الكبرى في تطور الفكر العام، وسيطرة بعض أنماط التفكير في شتى حقول الحياة العقلية والاجتماعية في حقبة ما، أو عند جماعة ما، وضرورة النفاذ إلى فحواها الأخير.٢٠ وليس يصعب إدراك كيف ألهم هذا توماس كون، بتصور تاريخ العلم كسلسلة من النماذج الإرشادية المتعاقبة، التي سنراها مركز فلسفته للعلم المعروضة في أبحاثه، وعلى رأسها بالطبع كتابه الذائع الصيت والواسع الانتشار «بنية الثورات العلمية».

كل صفحة من صفحات هذا الكتاب بمثابة البيان المبين عن إيجابيات تسلح فلسفة العلم بالوعي التاريخي، وعن خصوبة التناول التاريخي حين يتم في الأطر الفلسفية. وهذا هو ما تعكسه خطوط فلسفة كون للعلم، فهي لا تترسم أصلًا إلا عبر مساحة زمنية معينة، مراحل تاريخية متعاقبة للمعرفة العلمية. ولئن كانت النظريات الأخرى لفلسفة العلم — بما فيها نظرية بوبر ذاته — تترسم مرة واحدة متكاملة متحاورة عن المعرفة العلمية بما هي كذلك، أي بما هي مواصلة لتاريخ التقدم، فإن فلسفة كون تقوم على أساس التمييز بين مراحل العلم العادي ومراحل الأزمة ومراحل الثورة.

وفي تبيان هذا نلاحظ قبلًا أن توماس كون في طليعة السائرين في ركاب الثورة على الوضعية المنطقية و— طبعًا — مفهومها الضد تاريخي لفلسفة العلم. ويسلم معنا بأن التقدم المستمر هو السمة المميزة للمعرفة العلمية، وأن دراسة تاريخ العلم تفصح عن زيف مفهوم «التراكم» إذا أخذنا به على خط مستقيم. ويؤكد مع بوبر على أن الثورة هي مفتاح هذا التقدم، لكنه يختلف عنه حين يرفض تطرف بوبر الثوري واعتبار كل تقدم علمي ثورة. وفي كل حال نجد أن إشكالية التقدم العلمي قد تمركزت الآن حول مصطلح الثورة/الدورة.

في البداية بحث كون نظرية كوبرنيقوس كمثال نموذجي للثورة العلمية.٢١ وكان هذا موضوع محاضراته في جامعة هارفارد، ثم صدر كأول كتاب له عام ١٩٥٧م. وبعد هذا بخمس سنوات صدر كتابه الأشهر «بنية الثورات العلمية» الذي يحمل فلسفته المتكاملة للعلم.
تقوم فلسفة كون على التمييز في مسار العلم أو تقدمه بين مراحل العلم العادي Normal Science الذي يسير في إطار النموذج القياسي الإرشادي Paradigm، وبين المراحل الثورية في هذا التقدم التي هي انتقال من نموذج إرشادي إلى آخر.

النموذج القياسي الإرشادي هو النظرية العامة التي يلتزم بها المجتمع العلمي في مرحلة ما، وبلوغ النظرية مرتبة النموذج الإرشادي يعني أنها أفضل من كل منافساتها، أي ثبتت ووجب التسليم بها وبكل مسلماتها ومناهجها ومفاهيمها العلمية وخلفياتها الميتافيزيقية، فتغدو النظرية بكل هذه الأبعاد بمثابة نموذج إرشادي يحدد مدلول الوقائع التجريبية، يطرح معايير الاختبار والتقويم والتنقيح، والتعديل إذا لزم الأمر. والأكثر فاعلية أنه يطرح المشاكل التي يجب دراستها وأنماط الحلول المطلوبة. المجتمع العلمي الناضج يسهل نسبيًّا تحديد نماذجه الإرشادية، وغني عن الذكر أن الرياضيات كانت أسبق العلوم طرًّا في اصطناع نموذج إرشادي واضح المعالم. ولا بد للنموذج الإرشادي أن يثير مشكلات للبحث، وإذا توقف عن هذا مع استمرار التسليم به لا يعود برنامج بحث علمي، بل هو مجرد تقنية خاصة بمهنة معينة.

إن مشكلات البحث العلمي مختلفة والنموذج الإرشادي لا يثير منها إلا الألغاز Puzzle التي تفسح المجال لإثبات قدرة الباحث الخلاقة ومهارته الخاصة في الوصول إلى حل لها. التسليم بنموذج إرشادي معين هو الذي يطرح ألغازًا، بمعنى أنه يهيئ للباحثين اختيار مشكلات يمكن الوصول إلى حل لها طالما نسلم بهذا النموذج.٢٢

هكذا نلاحظ أن العلم العادي لا يقوم باختبار النموذج ذاته أو محاولة تكذيبه كما يرى بوبر في ثورته الدائمة. فالعلم ينمو ويتقدم في مراحله العادية من خلال حل الألغاز التي يثيرها النموذج الإرشادي المسلم به، والمعرفة هنا تزداد دقة واتساعًا وتوالي إحراز أهدافها ليتمثل نجاح المشروع العلمي بصورة تدعو حقًّا للإعجاب، لكنها تخلو من الابتكارات الجوهرية والإبداع العظيم. وعلى هذا النحو تنمو المعرفة العلمية في إطار العلم العادي بصورة مطردة — صورة تراكمية.

ويظل الحال على هذا المنوال التراكمي حتى يظهر الشذوذ، أي ظاهرة لا يتوقعها النموذج الإرشادي المعمول به، لا يُتنبأ بها ولا يُهيأ الباحث للتعامل معها، فيبدأ الخروج عن أطر النموذج الإرشادي ومحاولات تعديله، وهذا عادة ما يلقى مقاومة ما في البداية. ولكن لنلاحظ مبدئيًّا كيف أن النموذج الإرشادي ذاته هو الذي يفتح الطريق للخروج منه والبحث عن نموذج جديد. وهذه هي صياغة توماس كون لخاصية التصحيح-الذاتي Self-Correction التي نتفق على أنها من خواص المعرفة العلمية.

ظهور الشذوذ تتلوه محاولة لاستكشاف مجاله، والمواءمة بينه وبين النموذج الإرشادي، ومحاولة تعديل أدوات النموذج. ولكن إذا بدا إسراف في هذا التعديل فها هنا أزمة. الأزمة تعني أنه قد آن الأوان للخروج من سياق العلم العادي وتعديل النموذج. المعرفة هنا ليست تراكمية بل ثورية، تمامًا كما تحدث الثورة السياسية حين يشعر أفراد المجتمع أن المؤسسات القائمة لم تعد كافية لحل المشكلات أو قادرة على هذا. الثورة العلمية تحدث نتيجة تغيرات لاستيعاب ظاهرة من نوع جديد من قبيل الأكسجين أو الأشعة السينية، ظاهرة خلقت أزمة. عن الأزمات تنبثق النظرية العلمية الجديدة التي تغير تقاليد البحث وأبعاد الرؤية الميتافيزيقية ومدلولات المفاهيم العلمية والوقائع التجريبية. فإن تغلبت النظرية الجديدة على منافساتها وأثبتت ذاتها يتم التسليم بها كنموذج إرشادي جديد، يطرح ألغازًا تحتاج لمهارة الباحثين … وهكذا دواليك.

وما ينتج عن الأزمة من انتقال إلى نموذج إرشادي جديد هو الثورة العلمية، التي تعني تغييرًا في النظرة إلى العالم. وهذا التغيير يبلغ حد اللامقايسة uncommensurability، أي عدم قابلية النظريات العلمية للقياس المتكافئ، للحكم عليها بنفس المقاييس وتقييمها بنفس المعايير. لكل نظرية إطارها ومفاهيمها وعالمها، حتى إن الحوار بين نظريتين في مرحلتين مختلفتين، أي في نموذجين إرشاديين متعاقبين هو بمثابة حوار بين الصم، لن يسمع أحدهما الآخر.٢٣ مفهوم الكتلة أو مفهوم الجاذبية عند نيوتن مختلف تمامًا عن مفهوم الكتلة أو مفهوم الجاذبية عند آينشتين، فكيف يتحاوران؟! الحكم على النظرية العلمية وتقييمها لا يكون البتة بالقياس إلى نظرية سابقة عليها أو تالية لها في صيرورة التقدم العلمي، بل فقط في إطار عصرها وتحدياتها وظروفها العلمية، مما يجعل لكل نظرية مقاييسها الخاصة في ضوء نموذجها الإرشادي الذي تعمل به. هكذا نجد مفهوم اللامقايسة أو عدم قابلية النظريات العلمية للقياس المتكافئ بمثابة بلورة للوعي التاريخي في فلسفة العلم، واعتبار النظرية العلمية فقط في ضوء الموقع الذي احتلته من تاريخ العلم، فلا تضاهيها نظرية أخرى في موقع تاريخي آخر.

اللامقايسة تكاد توازي مفهوم القطيعة المعرفية عند جاستون باشلار. اللامقايسة أو القطيعة مفاهيم تعبر عن فواصل وانفصالات في التقدم العلمي تنقض الاستمرارية الآلية والاتصال التراكمي الذي كان سائدًا في القرن التاسع عشر وسايرته الوضعية المنطقية. إنها تنكر الاتصال في العلم، بمعنى الطريق الممهد السائر قدمًا للبحث العلمي، وتؤكد الانفصالية من حيث تؤكد الوعي التاريخي، وتعيين المرحلة التاريخية للنظرية العلمية.

وبلغت حدة استشعار كون لأهمية الوعي التاريخي أن اهتم اهتمامًا كبيرًا بشأن المراجع العلمية أو كتب تدريس العلوم Textbooks؛ لينحو باللائمة على افتقادها للبعد التاريخي، وكأنه أخذ على عاتقه أن يحل الوعي التاريخي في كل أرجاء المعمورة العلمية!
إن هذه الكتب — فيما يرى كون — ذات هدف إقناعي تربوي هو تعليم وتدريب دارسي العلوم على مزاولة حرفتهم في إطار العلم العادي، فتعرض بنية المعرفة العلمية التي اكتملت وتم إنجازها، أي تسجل الناتج الثابت المستمر لثورات الماضي وتمثل الأساس لتقاليد العلم العادي الناتج عنها، ولا تعرض للثورة نفسها فتبدأ بوأد إحساس طالب العلم وباحث المستقبل بالبعد التاريخي لمبحثه، أو تكتفي بلمحات منه كمقدمة ومدخل، ولا تذكر من التاريخ إلا ما يؤدي في خط مستقيم إلى النموذج الإرشادي المعمول به. وكأن الانتقاص من قيمة التاريخ يكاد يكون متأصلًا في «أيديولوجيا الصنعة العلمية»، فما الحاجة «إلى بذل الجهد من أجل ما تم نبذه ورفضه وتجاوزه. والنتيجة هي عرض تاريخ للعلم يؤدي في خط مستقيم إلى النقطة التي أقف فيها — أي النموذج الإرشادي المعمول به — وهذا يفسد تصور طبيعة العلم».٢٤
هكذا يعرِّج كون على ما أسماه «أيديولوجيا المجتمع العلمي» ويهتم بها اهتمامًا بالغًا. ولئن كان المجتمع يغدو مجتمعًا وليس مجرد حاصل جمع آحاد من الأفراد عن طريق الأيديولوجيا، فإنه يمكن اعتبار النموذج الإرشادي بمثابة أيديولوجيا المجتمع العلمي التي تصنع تماسكه وتجانسه في الحقبة التاريخية المعنية. فقد صدر «بنية الثورات العلمية» عام ١٩٦٢م، وبعد فترة اختمار ومراجعة واستجابة لردود الفعل، أعقبه توماس كون بدراسة صدرت عام ١٩٧١م هي «أفكار لاحقة بشأن النماذج الإرشادية Second Thoughts on Paradigm» تدور حول مجموعتين من الأفكار التي نستكشفها بواسطة النماذج الإرشادية. فأولًا هناك العناصر المشتركة التي تفسر خاصية التواصل المهني في المجتمع العلمي الذي يسري بسهولة نسبيًّا بغير مشاكل، وإجماع العلماء على الأحكام التي يصدرونها بشأن النظريات وسواها. وهذا ما أسماه كون القالب الانضباطي Disciplinary Matrix. وثانيًا مجموعة من الأفكار حول ما يجعل المجتمع العلمي يقبل حلولًا عينية لمشكلة معينة قبولًا سلسلًا ومتآلفًا، فيما أسماه كون قالب المثلية Exemplar Matrix. وهاتان المجموعتان من الأفكار تُبرزان إلى أي حد يحمل النموذج الإرشادي أيديولوجيا تقولب المجتمع العلمي.
ومثل هذا الجنوح نحو «الأيديولوجيا» والتعويل عليها دفع جون واتكينز إلى إخراج دراسة بعنوان «ضد العلم العادي» فحواها أن كون خرج من أعطاف كارل بوبر، وبقدر ما ابتعد عن بوبر بقدر ما ضل الطريق. وانتهى واتكينز إلى أن العلم العادي يماثل — من المنظور البوبري — أداء العقول المغلقة في قلب المجتمع المغلق.٢٥ وبصرف النظر عن تفاصيل ردود كون على واتكينز،٢٦ فإن كون بعامة يبدو أكثر استيعابًا ومجاراة لتطور العلم في النصف الثاني أو الربع الأخير من القرن العشرين. فصحيح أن العلم الحديث منذ نشأته يتسم بطابع جمعي تعاوني، إلا أنه في الآونة الأخيرة تزايدت حدة هذا الطابع إلى درجة غير مسبوقة، بحكم تصاعد متوالية المعرفة ومدى الأبحاث العلمية واتساع نطاقها وارتفاع تكاليفها. وكما سنوضح حين نتوقف لاحقًا عند سوسيولوجية العلم التي يتحمل كون الآن أعباءها ويرفع لواءها، فقد انتهت تقريبًا صورة العالم الفرد المنعزل بأبحاثه وعبقريته العلمية، وأصبح الشكل العام للبحث العلمي الآن في صورة برنامج ضخم يعكف على إنجازه فريق من الفنيين والدارسين والباحثين والعلماء. قد يقودهم عالم أكثر عبقرية وقدرات عقلية تكون السبب المباشر في الإنجاز العلمي، لكن لا بد أن يعملوا جميعًا في إطار مؤسسة كبرى — جامعة أو مركز أبحاث أو شركة عملاقة أو هيئة قومية — قادرة على تمويل برنامج البحث وتوفير متطلباته.
والحق أن العلماء أنفسهم بهيئاتهم وأجهزتهم ومجالات عملهم وموضوعاته وأهدافه، يمثلون أهم مؤسسات الحضارة المعاصرة بالمعنى الاعتباري أو الاجتماعي لمفهوم مؤسسة Institution.٢٧ وكان توماس كون أشد فلاسفة العلم إدراكًا لهذا الطابع الجمعي الذي لازم العلم الحديث منذ نشأته وتزايد في الوقت الراهن. لم يعن كون كثيرًا — كما فعل كارل بوبر مثلًا — بدور العبقرية الفردية في خلق قصة العلم، وانصب اهتمامه على المجتمع العلمي أو الجماعة العلمية أو بالأحرى المؤسسة العلمية، التي تعمل في إطار النموذج الإرشادي المطروح، حتى نعتت فلسفته للعلم بأنها «عقلانية مؤسساتية» Institutionalized Rationality.٢٨
لا غرو إذن أن يمثل النموذج الإرشادي أيديولوجيا المجتمع العلمي أو المؤسسة العلمية، التي لا تقتصر على خلق نوع من الانسجام بين أفراد المجتمع أو الجماعة كما تفعل أية أيديولوجيا، بل يتسم المجتمع العلمي بدرجة فريدة من التآزر والتضافر والتكاتف إلى حد يكاد يميزه عن أي منشط إنساني آخر، فيهتف جاستون باشلار: «أي تفاهم ضمني يسود الحاضرة الطبيعانية.»٢٩ بمعنى مجتمع العلوم الطبيعية. إن هذا الإجماع على النتائج له تأثير كبير في المنزلة الفريدة التي يتمتع بها العلم، وهو الذي يجعل الناس يتصورون أن العلم هو الشكل الوحيد للمعرفة الحقيقية طالما أن هذا الإجماع لا يحدث في سواه، فتتواتر وقائع تاريخ العلم وكأنه — كما يقول بولكن هورن — سير القديسين، أو المصدر الشرعي الوحيد لأية معرفة بالحقائق. ومن يريد معتقدات قائمة على أساس صلب فعليه بالعلم الذي تجتمع كل الأطراف المعنية على نتائجه. هذا الإجماع على النتائج الذي ينفرد به العلم هو ما حاول توماس كون تفسيره بالقالب النظامي وقالب المثلية، مؤكدًا أن إجماع المجتمع العلمي قيمة فائقة الأهمية تضمحل معها احتمالات الصراع الذي يبدد الوقت والجهد، وسرعان ما يعيد القالب النظامي تنظيم وتوحيد مسار الجهد حول مجموعة محددة من القواعد لحل الألغاز.
من هنا يرى كون أن تفسير التقدم العلمي لا بد وأن يرسو في نهاية المطاف على عوامل سوسيولوجية وسيكولوجية وعلى توصيف لنسق القيم أو الأيديولوجيا، بمعية تحليل وتوصيف المؤسسات التي يتقدم العلم من خلالها. وإذا عرفنا قيم العلماء يمكن أن نتفهم المشاكل التي يضطلعون بها والحلول التي يرسون عليها. وينكر كون إمكانية طرح هذه العوامل الأيديولوجية والسوسيولوجية والسيكولوجية من أية إجابة عن سؤال التقدم العلمي.٣٠ فكان كون شديد العناية بهذه النواحي مؤكدًا تآخي العلم مع الظواهر الحضارية الأخرى. لقد قامت فلسفته للعلم — كما رأينا — على أساس التحقيب التاريخي للعلم عن طريق توالي النماذج الإرشادية، ويشير صراحة إلى أن مؤرخي المناشط الإنسانية كالآداب والموسيقى والفنون والتطور السياسي … قد سبقوه، فكثيرًا ما استعانوا بتحقيب تاريخ هذه الأنشطة عبر قطائع ثورية في الطرز والأذواق وبنية المؤسسات، وكان هذا التحقيب أداة أثيرة من أدواتهم المعيارية. وكل أصالة ينسبها كون إلى نفسه — كما يقول — فقط في أنه أول من طبق هذا على العلم الذي كان يظن أن تطوره في طريق مخالف تمامًا.٣١ إذن لا يقنع كون بأي خلاف جوهري بين التطور في الفنون والآداب والنظم السياسية والإنسانيات والتطور في العلم. وله صراحة دراسة حول العلاقة أو التشابه والتماثل بين هذا وذاك.٣٢

هكذا كان توماس كون شديد العناية بالنواحي الأيديولوجية والسوسيولوجية والسيكولوجية والالتزامات الخلقية وأصول التنظيم والإدارة … إلخ للظاهرة العلمية، من حيث هي — ببساطة — ظاهرة في عالم الإنسان. فتلك هي الأبعاد الحميمة للظواهر الإنسانية.

وقد لام كارل بوبر كون على كثرة انشغاله بهذه الأبعاد. وفي المقابل تمامًا لِيمَ كون على أن نظرته السوسيولوجية لم تكن شاملة بما يكفي، فقد قصر اهتمامه على ما أسماه الجماعة العلمية أو المؤسسة العلمية، واقتطعها عن سائر المجتمع الذي تحيا في سياقه الثقافي، فعزل اكتشافات الوقائع والابتكارات النظرية عما يحفز إليها في الواقع المتغير للمجتمع والثقافة، فأوشكت الجماعة العلمية أو المؤسسة العلمية أن تكون صومعة رهبان أو تكية للصوفية يديرونها بأنفسهم، ولا تختلف عنها إلا في أن الانقلابات والثورات تقع فيها بين الحين والآخر.٣٣

وحتى ينطلق النقد من مرميين متقابلين هكذا، فإن هذا يوضح عظم البوابة التي فتحتها فلسفة كون للعلم حين تدججت بالوعي التاريخي، وكيف أنها ستأتي بالوابل الغزير من أبعاد الظاهرة الإنسانية. وهو وابل رآه البعض — منهم كارل بوبر والوضعيون المناطقة — طوفانًا قد يطيح بركائز منزل فلسفة العلم، ورآه البعض الآخر فيضانًا حين نتحكم في منسوبه يعد فلسفة العلم بخصب ونماء ممتد. والواقع أن الطبيعة التقدمية المفطورة في بنية العلم، وبالتالي في بنية التفكير العلمي، تجعلنا نُرحب بكل تطور آتٍ، وبالتالي تجعل الاحتمال الثاني هو الأرجح. وهذا ما ستكشف عنه الصفحات المقبلة بشيء من التفصيل.

بداية، أخرج كون دراسته المذكورة في الهوامش «منطق الكشف أم سيكولوجية البحث»؛ ليحاول تبيان أن بوبر أيضًا يشاركه الانشغال بهذه الأبعاد، وأن فلسفته تستند عليها مثلما تستند فلسفة بوبر عليها. والجدير بالذكر أن هذه الدراسة في صلبها مناقشة نقدية لكارل بوبر، توضح ما أراد كون أن يضيفه أو يبدله في الطريق البوبري، مما يعني أنه مواصل بشكل ما لهذا الطريق.

إن بوبر حين فتح باب الخروج من أطر الوضعية والاقتصار على تحليلاتها المنطقية، وأكد أن المشكلة العلمية والمشكلة الفلسفية على السواء هي المشكلة الكوزمولوجية الشاملة؛ كان يمهد الطريق لعناية فلسفة العلم بتاريخه وبهذه الأبعاد الخارجية اللاإبستمولوجية. وإن تطرف المسار أكثر مما أراد بوبر فلنذكره بنظريته الرائعة في العالم ٣، المختلف عن العالم ١ عالم المادة والعالم ٢، عالم الذات والخبرات الشخصية، ففي العالم ٣ يستقل المنتج الذهني عن مبدعه ويخلق نواتجه ومشكلاته، ثم إن بوبر أنكر تمامًا البدء بالملاحظة وتعميمها، وأسرف في تأكيد أن منطلق البحث العلمي فكرة في ذهن العالم أو فرض ما يعمد إلى اختباره تجريبيًّا أو محاولة تكذيبه. وإذا سألنا بوبر: من أين يجيء الفرض، وهو اللبنة الأساسية للعلم وتقدمه؟ لعولت إجابته بصفة أساسية على عوامل سيكولوجية متعلقة بقدرات العالم المبدع ونصيبه من الذكاء وحُسن استيعابه للحصيلة المعرفية السابقة، أما منهج العلم ومنطقه فيستحيل أن يرسم الطريق إلى الفرض العلمي. فهل يمكن بعد هذا الزعمُ بأن بوبر يستبعد تمامًا العوامل السيكولوجية والسوسيولوجية وسواها من أبعاد لا إبستمولوجية خارجية، لكن حميمة تؤكد ببساطة أن العلم ظاهرة إنسانية ونشاط إنساني. وهذه بديهية غابت تمامًا عن العلم النيوتوني الحتمي الميكانيكي، ولم تتبدَّ إلا مع ثورة العلم في مطالع القرن العشرين، ثورة النسبية والكوانتم وما تلاهما. ولئن كان كارل بوبر رائدًا عظيمًا فلأنه في طليعة المتمثلين لهذه الثورة العلمية ولانعكاساتها التي تؤكد فعالية العقل الإنساني في صنع قصة العلم.

لقد اكتسبت فلسفة العلم مع توماس كون — جهارًا نهارًا — كل أبعادها الإنسانية كمحصلة منطقية لتسلحها بالوعي التاريخي. أو ليس التاريخ مجال التغير والصيرورة والفعل، فكان أخص خصائص الإنسان، الكائن الوحيد الذي يصنع تاريخًا، وكان علم التاريخ بدوره أبا العلوم الإنسانية، فكان الوعي التاريخي يفضي بفلسفة العلم إلى أنسنة الظاهرة العلمية، في فلسفة توماس كون التي حق اعتبارها تمثيلًا عينيًّا للوعي بتاريخ العلم.

وكما هو معروف، أثارت فلسفة كون جدلًا عاصفًا، وما زالت تثير المزيد حتى بعد رحيله، وعدت من العلامات الفارقة في تطور فلسفة العلم، وتباينت الآراء بشأن التأثير والتغير الذي أحدثته. والمنظور المطروح الآن أن استحضار الوعي بتاريخ العلم في صلب فلسفته مركز التأثيرات الموارة التي أحدثها كون.

رابعًا: ذروة الوعي التاريخي: إمري لاكاتوش

رافق توماس كون وأعقبه رعيل من المستقطبين لتلك التطورات الموارة، السائرين في هذا الطريق البوبري — الكوني اللاوضعي، معرضين عن منطق تبرير المعرفة العلمية، ومعنيين بمنطق الكشف والتقدم العلمي تأكيدًا وتوطيدًا لتيار الوعي التاريخي، وفي طليعتهم وأشدهم تجريدًا وتجسيدًا للوعي التاريخي في فلسفة العلم الفيلسوف المجري إمري لاكاتوش Imre Lakatos صاحب القول النافذ والشهير: «فلسفة العلم بدون تاريخه خواء، وتاريخ العلم بدون فلسفته عماء.»
وقد صاغه عن طريق تعديل قول إيمانويل كانط المتواتر: «إن المدركات الحسية بدون تصورات عقلية عماء والتصورات العقلية بدون مدركات حسية خواء.» وكأن وقائع تاريخ العلم محض مدركات عمياء، ونظريات فلسفة العلم محض تصورات عقلية فارغة، فلا معنى ولا جدوى ولا قيمة لأحدهما بدون الآخر. ذانك معًا في فلسفة كانط يفضيان إلى إدراك الطبيعة أو عالم الظواهر، وهذان معًا في فلسفة لاكاتوش يفضيان إلى إدراك ظاهرة العلم. وكما جاهر كانط في مقدمة الطبعة الثانية لعمله الأكبر «نقد العقل الخالص» العالم لا يعرف من الطبيعة إلا ما يفرضه عليها، وليس المقصود بما يفرضه مجرد الافتراض العلمي أو التفسير المؤقت، بل أيضًا «إعادة بناء الظاهرة وإضفاء الصورة العقلية والصنعية عليها»٣٤ عن طريق مقولات العقل أو تصوراته القبلية. وبالمثل تمامًا سوف يجاهر لاكاتوش بأن المؤرخ لا يعرف من تاريخ العلم إلا ما يفرضه عليه، بمعنى إعادة بناء تاريخ العلم وإضفاء الصورة العقلية والصنعية عليه عن طريق فلسفة العلم أو نظرياتها الميثودولوجية.

رحل لاكاتوش فجأة إثر حادث سيارة مروع بعد أن استقر في إنجلترا في مدرسة الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة لندن، التي كان بوبر أستاذ المنطق ومناهج البحث بها، وكان لاكاتوش من أنجب تلاميذه وأخلصهم، وجيد الاستيعاب للدرس البوبري.

أخذ عن بوبر أن فلسفة العلم هي نظرية المنهج أو «الميثودولوجيا»، لكن بعد أن اكتسبت الميثودولوجيا مع لاكاتوش فعالية وحركية تاريخية، أما النظريات العلمية ذاتها فهي عند لاكاتوش برامج أبحاث تذكرنا بالنماذج الإرشادية عند توماس كون وأيضًا الاستراتيجيات العقلية عند ستيفن تولمن. لذلك فإن فلسفة العلم هي «ميثودولوجيا برامج الأبحاث العلمية»، وهذا هو عنوان كتابه الرئيسي.

أخذ عن بوبر أيضًا أن التكذيب هو الخاصية المميزة للعلم، من حيث إنه القوة المفسرة للتقدم العلمي المتوالي، مبقيًا ومصدقًا على جبهة افتراق الفلسفة التكذيبية عن الوضعية المنطقية التحققية الاستقرائية. وهذا الافتراق يتمثل فيما أسماه المنطقي المتميز ويلارد كوين بالمنحى النافي أو الطبيعة النافية للتكذيب، على أساس أن البينة التجريبية قد تفند الفرض، ولكن ملايين البينات التجريبية لا تثبته، أو تثبته فقط بمعنى سلبي نافٍ هو غياب التفنيد.٣٥
ولكن توقف لاكاتوش أمام نقطة مقلقة أثارت كثيرًا من الجدل، فإذا افترضنا أن كل البجع أبيض، فإن بجعة واحدة سوداء سوف تُكذب الفرض. هذا صحيح منطقيًّا، ولكن هل ينمو العلم بهذه الطريقة البسيطة؟! واقعة نافية أو بينة تجريبية معارضة تُكذب نظرية على حدة بصورة مستقلة؛ ليتم رفضها هي فقط في حد ذاتها، ويستبدل بها أخرى تُعرض بدورها على محكمة التكذيب؟! هذا ما يؤكده بوبر. بينما يرى بيير دوهيم ومن بعده كوين أن المعقبات أو النواتج Consequences التي تلزم الفرض العلمي الجديد، والتي تكون محكًّا للاختبارات التجريبية والتكذيبية، لا تخص الفرض الجديد وحده، بل تخص النسق المعرفي بأسره الذي انتمى إليه الفرض، وهذا ما يُعرف «بأطروحة دوهيم-كوين Duhem-Quine Thesis»، وهي من المقولات الهامة في فلسفة العلم، وتنص على أن التجارب الفيزيائية هي ملاحظة للظواهر مصحوبة بتأويل لها في ضوء النسق المعمول به؛ لذلك فإن الفيزيائي لا يخضع فرضًا منفردًا لمحكمة التجريب، بل مجموعة فروض معًا، وبالتالي لا يمكن أن يعد الدليل التجريبي في حد ذاته تكذيبًا حاسمًا للفرض.٣٦ وليس هناك «تجربة حاسمة» بصورة قاطعة. والواقع أن أطروحة أو مقولة دوهيم-كوين تبلور الفارق بين فلسفات العلم الإخبارية، الاستقرائية والتكذيبية على السواء، وبين فلسفات العلم الأداتية. في الجانب الأول عولجت مشكلة العلاقة بين الفكر والواقع من حيث هي مشكلة العلاقة بين الفرض والملاحظة. أما مع الأداتية فقد اتخذت هذه المشكلة شكلًا جديدًا، وأصبحت مشكلة العلاقة بين النسق العلمي ككل وبين العالم التجريبي ككل الذي نفترض أن النسق ينطبق عليه ويحاول إقامة روابط بين ظواهره. وتبعًا للأداتية ليس هناك فارق بين الفرض أو القانون أو أية عبارة علمية في حد ذاتها؛ لذلك تكون معالجتها في إطار معالجة النسق ككل، كما تنص مقولة دوهيم-كوين، يرفض بوبر الاتجاه الأداتي، ويرفض هذه المقولة تمامًا على أساس أن اختبار الفرض على حدة وبصورة منفصلة مسألة جوهرية لتقدم العلم وقياس ما يُضاف إليه حقيقة. والتجربة الحاسمة واقع ماثل في هذا الصدد.

وأمام هذا الإصرار من بوبر أثير كثير من الجدل حول التعامل مع الفرض أو العبارة العلمية بصورة منفردة. بدا هذا وكأنه تبسيط للأمور يخل بواقع العلم وبأبعاده المنطقية على السواء، ولعله يعود في جانب منه إلى إغفال الدلالة الكاملة لتاريخية تنامي الأنساق العلمية. وهو على أية حال يمثل زاوية افتراق لاكاتوش عن رائده بوبر.

وعبر تحليلات مسهبة بيَّن لاكاتوش قصور التعامل مع النظرية بصورة منفردة؛ لأن الوحدة الوصفية Descriptive Unit للإنجازات العظمى في العلم ليست النظرية على انفراد، بل هي برنامج متكامل للبحث، مما يعني أن لاكاتوش يعمل بأطروحة دوهيم-كوين، على الرغم من أنه بوبري وليس أداتيًّا، ويؤكد أن التقدم العلمي لا يتأتى من نظرية معينة أو حتى مجموعة نظريات، بل بالانتقال من برنامج بحث علمي أصبح متدهورًا إلى برنامج بحث آخر يبدو تقدميًّا. ثم طرح لاكاتوش نظريته الجميلة حقًّا في برامج الأبحاث العلمية، أو نظريتها المنهجية.
في برنامج البحث العلمي ليست كل النظريات أو العبارات العلمية سواء، هنالك أولًا النواة الصلبة hard core للبرنامج، لا تخضع في حد ذاتها للتكذيب ولا تقبل التفنيد، فهي فرضيات عامة جدًّا هي اللب أو الصلب الذي على أساسه ينمو برنامج البحث ويتطور. النواة الصلبة في الفيزياء الكلاسيكية مثلًا هي فرض الجاذبية العام وقوانين نيوتن الثلاثة، كثيرون — منهم أخلص أتباع لاكاتوش وهو الآن موسجريف — رفضوا أن تكون النواة الصلبة غير قابلة للتفنيد بأي إجراء أو قرار منهجي داخل برنامج البحث ذاته، على أساس أن هذا غير مفيد من الناحية الميثودولوجية، فضلًا عن أن تاريخ العلم لا يصدق عليه كثيرًا.٣٧ ومع هذا أصبح «مصطلح نواة صلبة» واردًا ودارجًا في أدبيات فلسفة العلم المعاصرة، سواء اتفقت مع تفاصيل فلسفة لاكاتوش أم لا، فقد أظهر هذا المصطلح فعالية جمة في التناول الفلسفي للنظرية العلمية، إنه تعيين لها حين تُصاغ بدقة كموضوع مثالي تتضح سماته الأساسية التي تحدد برنامج البحث العلمي.٣٨
وكان بوبر قد ناقش مشكلة التحصين ضد التكذيب، فمن الممكن دائمًا التملص من التكذيب بأن نضيف للنظرية فروضًا جديدة تتلافى مواطن الكذب. وفي مواجهة هذا رأى بوبر أن نميز بين الفروض العينية المغرضة Ad hoc Hypothesis، وبين الفروض المساعدة Auxiliary Hyp. الفرض العيني هو الذي يُوضع بغرض تفسير ظاهرة معينة أو حدث بعينه وليس له ما يُؤيده غير هذه الظاهرة أو ذاك الحدث الذي يُكذب النظرية. إنه يحمي النظرية من التكذيب دون أن يضيف إلى مضمونها المعرفي وقواها التفسيرية فيؤدي إلى إضعافها. وفي مقابلة الفرض المساعد الذي يمكن اختباره في حد ذاته وتؤيده أمور أخرى غير التي وُضع لتفسيرها فيزيد من مضمون النظرية وقوتها؛ لذا نرحب بالفروض المساعدة، بينما ينبغي رفض الفروض المغرضة حرصًا على دفع الطاقة التقدمية للبحث العلمي.
ومثلما التقط توماس كون من الكنز البوبري أيقونة الثورة، التقط لاكاتوش منه أيقونة الفروض المساعدة التي تحصن ضد التكذيب، بعد تطويرها عن الصورة البوبرية لتصبح مرتبطة بالنسق ككل أو بالأحرى برنامج البحث ككل تبعًا لقاعدة دوهيم-كوين. فذهب لاكاتوش إلى أن العبقرية العلمية تلحق بالنواة الصلبة فروضًا مساعدة هي بمثابة الحزام الواقي لها protective belt. الحزام الواقي هو الذي يصطلي بنار الاختبارات التجريبية التكذيبية، ويتحمل التفنيدات والتعديلات والتصويبات، بل حتى قد يُستبدل به حزام واقٍ آخر؛ ليحمي ويصون النواة الصلبة لبرنامج البحث الذي يزداد قوة وصلابة بفضل كل هذا. أما النواة ذاتها أو اللب الصلب فلا تتعدل ولا يعين فيها خطأ، فقط تهجر حين يستنفذ دورها، أو حين تنسحق تحت شروط معينة هي منطقية وتجريبية — كما رأى بوبر، وليست جمالية كما كان الحال مع بيير دوهيم.٣٩ وهنا ينتهي برنامج البحث العلمي بأسره، ويتم الانتقال إلى سواه. في هذا الإطار العام يتم الانتقال من نظرية علمية مفندة إلى أخرى؛ لذلك يقال: إن لاكاتوش أحرز تقدمًا ذا اعتبار بشأن طبيعة التكذيب في العلم وأعطى توصيفًا أكثر تحديدًا للنشاط العلمي، يفسر بقاء النظرية التي لا تتمتع بتوافق تام مع الملاحظة فثمة النواة الصلبة التي ترتكز عليها والحزام الواقي الذي يصونها.
وفضلًا عن النواة الصلبة والحزام الواقي، يحتوي برنامج البحث أيضًا على موجه مساعد على الكشف heuristic، يعين القواعد المنهجية ويرسم مسار عمل العلماء. وكان وليم هيوول العظيم قد استخدم مقولة الموجه المساعد على الكشف فيما أسماه فن الكشف Art of Discovery الذي يعني شيئًا قريبًا من الميثودولوجيا، لكن لاكاتوش جعله ينقسم إلى موجه إيجابي وموجه سلبي، الموجه الإيجابي هو التصميم العام لبرنامج البحث، يساعد العلماء على تحديد المشكلات التي ينبغي حلها، والموضوعات المطروحة للبحث والقواعد العامة والطرق المعتمدة … ربما يبالغ لاكاتوش إلى حد ما في تقدير قيمة وفعالية الموجه الإيجابي، لكن هناك أيضًا الموجه السلبي الذي يدافع عن النواة الصلبة، إنه يؤدي إلى تكون منظومة الفروض المساعدة التي تشكل الحزام الواقي، ويحول دون تسرب نظريات لا علمية أو ضعيفة أو متناقضة مع برنامج البحث المعمول به. ويضرب لاكاتوش مثلًا على هذا بالميتافيزيقا الديكارتية، حيث افترض ديكارت أن العالم كساعة مهيبة ونسق من الدوامات، يرى لاكاتوش أنها كانت موجهًا سلبيًّا للكشف بالغ الفعالية في مراحل تأسيس العلم الحديث، أحبطت وناوأت نظريات ضد علمية كالنظرية الحيوية ونظرية التأثير عن بُعد وسواها من نظريات لا تتسق مع برامج العلم الحديث. وبنفس القدر كانت الميتافيزيقا الديكارتية موجهًا إيجابيًّا بشأن نظرية نيوتن. وبعبارة موجزة، الموجه الإيجابي يرشد العلماء إلى ما ينبغي أن يحتذوه، والموجه السلبي يرشدهم إلى ما ينبغي أن يتجنبوه. وفي إطار هذا وذاك تبقى النواة الصلبة، بينما يتعدل ويتكيف الحزام الواقي أو يُستبدل به. وبرنامج البحث ناجح ويظل تقدميًّا بقدر ما يكشف كل تعديل فيه — أو بالأحرى في حزامه الواقي — عن تنبؤات جديدة، ويسفر عن طرح مشاكل أخرى أبعد مرامًا. إذا كف برنامج البحث العلمي عن هذا، وزاد محيط الظواهر الشاذة التي يعجز عن تفسيرها مهما زودنا حزامه الواقي بفروض مساعدة، فإنه يصبح برنامج بحث تقهقريًّا متدهورًا، وهنا تبرز الحاجة إلى تغيير النواة الصلبة ذاتها، أي ترك برنامج البحث بأسره والانتقال إلى آخر تقدمي، نشأ في محيط تلك الشذوذات، ولكنه استطاع أن يحولها إلى أمثلة معززة، فالموجه الإيجابي المساعد على الكشف فيه يفتح طرقًا لاستيعاب تلك الظواهر الشاذة.

على هذا النحو يترسم تاريخ العلم مع إمري لاكاتوش عبر انتقالات متوالية من برنامج بحث أصبح تقهقريًّا متدهورًا إلى آخر تقدمي واعد. تلك هي نظرته لتاريخ العلم الداخلي عبر حركية برامجه، أو هي محاولة لاكاتوش لإعادة بنائه من حيث هو معرفة عقلانية متنامية. فكل فلسفة للعلم — فيما يؤكد لاكاتوش — بمثابة إعادة بناء عقلانية لتاريخ العلم الداخلي.

بينما تركز اهتمام توماس كون على دور تاريخ العلم في فلسفته، تميز لاكاتوش بأنه اهتم بهذا، واهتم أيضًا بدور فلسفة العلم في تاريخه، أو بالأحرى في تأريخه، أي أنه اهتم بالعلاقة التبادلية بين الطرفين.

تبين لاكاتوش جيدًا أن فلسفة العلم — أو ميثودولوجيته بمصطلحاته — لم تعد قواعد وطرقًا لحل المشاكل العلمية كما كان يأمل فلاسفة القرن التاسع عشر، ولم تعد مجرد تبرير للمعرفة العلمية، إنما هي نظريات في العقلانية العلمية ومعايير لتمييز العلم أو تعريفه، ومحكات لقبول ورفض النظريات العلمية٤٠ تحاول أن تعطي صياغة لنمو المعرفة العلمية الموضوعية، أي للتطور العقلي الخالص؛ لذلك كانت فلسفة العلم أو ميثودولوجياته صياغة لعقلانية التقدم العلمي، أي نموه الإبستمولوجي الذي هو تطور عقلاني خالص.

ولما كانت فلسفة العلم تزودنا بتفسير عقلاني لنمو المعرفة الموضوعية العلمية، فهي إذن تزودنا بنظريات منهجية أو ميثودولوجية معيارية تشكل إطارًا نظريًّا، في حدوده يستطيع المؤرخ إعادة بناء التاريخ الداخلي للعلم الذي هو تاريخ العقلانية. كل فلسفة للعلم هي ميثودولوجيا، هي محاولة لإعادة بنائه عقلانيًّا، هي خطوط معيارية ترشد مؤرخ العلم وتوجه خطاه. وانكب لاكاتوش على تخطيط عام واستعراض للميثودولوجيات أو المذاهب الأربعة الكبرى في فلسفة العلم، أي الصياغات الرئيسية لعقلانية التقدم العلمي بوصفها برامج بحث في تاريخ العلم، تحدد للمؤرخ المنظور الذي يتخذه والمعالم التي يتوقف عندها وانتقاءه أحداثًا معينة.

هناك أولًا النزعة الاستقرائية، أي المذهب الاستقرائي Inductivism الذي يضوي تحت لوائه التجريبية المتطرفة والوضعية المنطقية، حيث يتحول التاريخ الداخلي للعلم إلى وقائع تجريبية صلبة تعقبها تعميمات استقرائية. وهناك — ثانيًا — مذهب الاصطلاحيين Conventionalism والأداتيين ليتحول تاريخ العلم إلى تشييد لأنساق مفتوحة، حيث النظرية تحل محلها نظرية أخرى أبسط منها تبعًا لولع الاصطلاحيين بمعيار البساطة. وخلاصته أن أبسط تفسير يتفق مع الملاحظات المتعلقة بالموضوع هو الصحيح على الأرجح، وهو المفضل عن سواه. كانت البساطة من مسلمات التفكير العلمي وفلسفة العلم بصفة عامة، إلا أنها تكتسب أهمية خاصة عند الاصطلاحيين والأداتيين كما رأينا، حيث تعني القدرة على تبسيط الظواهر التي هي معقدة. والتبسيط هنا لا يخلو من مغزى أستطيقي جمالي. وكما أشرنا إبان الحديث عن الأداتية، تحتكم المدرسة الاصطلاحية إلى معايير منطقية وجمالية، أما الوقائع التجريبية ذاتها فتُقبل أو تُرفض بقرار منهجي تبعًا لتلك المعايير. ومن هنا نتفهم ولع الأداتيين بمعيار البساطة في المفاضلة بين النظريات، إنه يلبي المطلبين المنطقي والجمالي. لكل ذلك يذهب إمري لاكاتوش إلى أن تاريخ العلم معهم سوف يصبح تاريخ انتصارات معيار البساطة. أما عند الفريق الثالث، وهم التكذيبيون البوبريون، فإن التاريخ الداخلي العقلاني للعلم هو تاريخ الحدوس الجريئة وتصويبها لتكتسب محتوى متزايدًا، والأهم اللحظات الدراماتيكية الكبرى لتكذيبها وتفنيدها، وظهور حدوس أجرأ وأغزر في المحتوى المعرفي … إلخ، ثم يجعل لاكاتوش مذهبه الخاص به — أي ميثودولوجيا برامج الأبحاث العلمية — ممثلًا للاتجاه الرابع والأخير، وهو اتجاه يؤكد على المنافسة طويلة المدى نظريًّا وتجريبيًّا بين برامج الأبحاث ومتغيرات المشاكل التدهورية والتقدمية، ثم النصر الذي يبزغ رويدًا رويدًا لبرنامج بحث تقدمي على آخر تدهوري.
كل واحدة من هذه الميثودولوجيات الأربع — وسواها — تعطينا نمطًا معياريًّا للنمو العقلاني للمعرفة العلمية. إنه التاريخ الداخلي الإبستمولوجي الخالص، ويستحيل أن يكون كاملًا شاملًا. التاريخ الفعلي للعلم دائمًا أكثر ثراء وحيوية؛ لأن البشر ليسوا كائنات عقلانية خالصة، بل تتنازعهم عوامل أخرى لا عقلانية، لا إبستمولوجية، تجعل الأبحاث في نظرية مندل الوراثية — مثلًا — تختفي تمامًا من روسيا السوفيتية في الخمسينيات، أو بعض الأبحاث ذات الأغراض العرقية العنصرية تزدهر في أماكن أخرى من العالم الغربي. ويمكن أن نبحر إلى مدى أبعد ونتوقف عند دور الكنيسة الكاثوليكية في تثبيط حركة العلم إبان العصور الوسطى.٤١

والواقع أن دور العوامل الخارجية اللاعقلانية في ترسيم تاريخ العلم الفعلي أكبر مما نتصور. وتكفي الإشارة إلى أن علم الفلك نشأ عن التنجيم، مثلما نشأت الكيمياء عن السيمياء أو محاولات تحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب. لذلك فإن أية فلسفة للعلم — أي أية ميثودولوجيا لإعادة بنائه العقلاني — لا بد من تزويدها بالتاريخ الخارجي للعلم الذي هو التاريخ التجريبي المعني بالجوانب الاجتماعية والنفسية لظاهرة العلم، أو ما يسميه لاكاتوش بالتاريخ السوسيوسيكولوجي للعلم. نعم، التاريخ الداخلي الإبستمولوجي هو الأولى والمبدئي والأكثر حسمًا، والتاريخ الخارجي ثانوي وفي منزلة أدنى، لكنه ضروري لكي تتكامل النظرة إلى العلم — أو لبرامج أبحاثه بتعبير لاكاتوش.

إن التاريخ الداخلي العقلاني الإبستمولوجي المعياري يؤول أحداث التقدم العلمي، ثم يعطي التاريخ الخارجي التجريبي السوسيوسيكولوجي تفسيرًا — ليس عقلانيًّا — لتسارعها أو تباطؤها أو حلولها في مكان معين أو حدوثها دون سواها … إلخ. وأيضًا حين تختلف بعض جوانب التاريخ الفعلي للعلم عن محاولة إعادة بنائه عقلانيًّا — أي عن فلسفته أو نظريته الميثودولوجية — يمكن للتاريخ الخارجي أن يُفسر هذا الاختلاف.

وكما هو معروف، الحياد المطلق مستحيل في التأريخ. ولما كان المؤرخ — أي مؤرخ — ينزع إلى إعادة ترتيب الأحداث … إلى إعادة بناء موضوعه، كان من العسير أن يشرع أحد في التأريخ للعلم بدون فلسفة للعلم … بدون نظرية في إعادة بنائه العقلاني، سواء أكان المؤرخ على وعي بهذا أم لا. وكما أوضح لاري لوضان، ربما كان تاريخ العلم كوقائع حدثت مسألة محايدة، لكن المؤرخ يسجلها على أساس فلسفي، ولإحراز أهداف فلسفية.٤٢ ويلاحظ لوضان أن لاكاتوش يفترض إمكانية المقارنة بين التاريخ الواقعي الفعلي وبين إعادة بنائه عقلانيًّا، فيتساءل: هل من الضروري إذن تلفيق تاريخ العلم لكي نفهمه؟! ولكن ليست المسألة تلفيقًا بل هي تعامل وتحاور مع وقائع غفل كمدركات كانط الحسية، مع مادة خام، من أجل تنميطها وتفسيرها والاستفادة منها واستخلاص دلالة التقدم، حتى اعتبر لاكاتوش الميثودولوجيا «نظرية فيما وراء التاريخ Metah historical»، إنها كما أوضحنا برنامج بحث في تاريخ العلم وإطار لترسيمه، بمصطلح لاكاتوش الحرفي: محاولة لإعادة بنائه عقلانيًّا.

وما دامت فلسفة العلم «الميثودولوجيا» تضطلع بهذا الدور المحوري والعبء في تأريخ العلم، حق إذن قول لاكاتوش: إن تاريخ العلم بدون فلسفته أعمى أو عماء، إنهما وجهان لعملة واحدة كي تظل صالحة للتداول وأداء الوظائف المنوطة بها.

وإذا انتقلنا إلى الوجه الآخر للعملة، أي دور تأريخ العلم في فلسفته والذي بدونه تصبح هذه الفلسفة خواء، لوجدنا لاكاتوش يؤكد أن تاريخ العلم هو محك اختبار الميثودولوجيات؛ أي نظريات فلسفة العلم، إن تقويم الميثودولوجيتين المتنافستين والفصل بينهما يكون عن طريق تاريخ العلم الذي استطاعت الميثودولوجيا المعنية أن تخضعه لتأويلها العقلاني؛٤٣ وكلما نجحت في تأويل قطاع أكبر من تاريخ العلم الفعلي تأويلًا عقلانيًّا؛ أي بوصفه تاريخًا داخليًّا إبستمولوجيًّا، كلما كانت أفضل. الميثودولوجيا الضعيفة هي التي تلقي بكثير من الأحداث في إطار التاريخ الخارجي التجريبي أو السوسيوسيكولوجي. لذلك يرى لاكاتوش أن الخط الفاصل بين التاريخ الداخلي والتاريخ الخارجي يختلف من ميثودولوجيا لأخرى. الميثودولوجيا في حد ذاتها يصعب نقدها لأسباب عديدة، لكن يمكن نقدها على أساس هذا المحك التاريخي.
وبالفعل انكب لاكاتوش على تطبيق المحك التاريخي في نقد الميثودولوجيات الأربع الكبرى، أركان فلسفة العلم، ويخلص إلى أن نظريته — ميثودولوجيا برامج الأبحاث العلمية — هي الأفضل! لأنها تنجح في تفسير القطاع الأعظم من الوقائع والأحداث في إطار التاريخ الداخلي العقلاني. فإذا كانت البوبرية التكذيبية تفوق الاستقرائية في هذا، فإن ميثودولوجيا برامج الأبحاث العلمية تفوق البوبرية؛ لأن هذه الأخيرة، أي البوبرية ترى — مثلًا — أن التشبث بنظرية ثم تفنيدها مسألة لا عقلانية، فتنأى به البوبرية عن الإبستمولوجيا، وتلقي به في التاريخ الخارجي للعلم، ولكن هذا يمكن أن يتحول في ميثودولوجيا برامج الأبحاث العلمية إلى تاريخ داخلي هو دفاع عقلاني عن برنامج بحث لا يزال واعدًا. ولعل لاكاتوش يقصد بهذا المثال النظرية الماركسية بالذات، فموقفه منها ذو شئون وشجون.٤٤

وخلاصة القول: إن معيار قبول نظرية فلسفة العلم أو الميثودولوجيا إنما هو في قدرتها على إرشاد مؤرخ العلم، والنظرية الأفضل هي التي تتمخض عن إعادة بناء أشمل لعقلانية العلم، أي لتاريخه الداخلي.

وها هنا تجدر إشارة تفيد في إيضاح الصورة العامة لتفكير لاكاتوش وإطار فلسفته. إنه منذ البداية يطرح قضاياه ومعالجاته لفلسفة العلم في حدود أربع ميثودولوجيات تمثلها، هن أولًا الاستقرائية التحقيقية، وثانيًا الاصطلاحية والأداتية، وثالثًا التكذيبية البوبرية. ورابعًا وأخيرًا المذهب الخاص به وهو ميثودولوجيا برامج الأبحاث العلمية. وفي هذا لا يمكن تجاهل دراسة رائده كارل بوبر الهامة «ثلاث وجهات للنظر بشأن المعرفة الإنسانية»،٤٥ وهذه الرؤى الثلاث كما حددها بوبر، هي أولًا نظرية العلم — أو الميثودولوجيا بمصطلح لاكاتوش — الجاليلية التي سادت بفضل جاليليو منذ القرن السابع عشر وبلغت ذروتها في القرن التاسع عشر، وترى هدف العلم في الوصول إلى نظريات هي توصيفات صادقة ويقينية عن طريق تعميم الملاحظات التجريبية، أي إنها المذهب الاستقرائي، وإن كان بوبر ينحو به نحو ما أسماه الماهوية Essentialism (راجع [الفصل الأول: العلم بين فلسفته وتاريخه – أولًا: علاقة متوترة بين فلسفة العلم وتاريخ العلم])، أي بلوغ ماهيات الأشياء وحقائقها الثابتة. والمذهب الثاني هو الأداتية الاصطلاحية، وبوبر يشبعهما مقارنات وتحليلات وتمحيصًا ونقدًا وتفنيدًا. أما خصمه الخصيم، أي الوضعية المنطقية، فهي موزعة بين هذين الاتجاهين، فهي استقرائية لكن ليست ماهوية. وبعض الوضعيين المناطقة أخذوا بالاتجاه الأداتي. وبوبر بعد أن أشبع الاستقرائية والأداتية الاصطلاحية تمحيصًا ونقدًا، يعرض لوجهة النظر الثالثة بشأن المعرفة الإنسانية وهي النظرة الخاصة به، أي التكذيبية. فلا غرو من أن يسير لاكاتوش على نفس المسار ويضع بجوار هذه النظريات الثلاث نظرية رابعة هي الخاصة به — ميثودولوجيا برامج الأبحاث العلمية — ويحاول إثبات أن نظريته تضوي تحت لواء التاريخ الداخلي العقلاني مساحة من وقائع وأحداث تاريخ العلم، أوسع من المساحة التي تستطيعها التكذيبية البوبرية. فهكذا يتصور أنه صاحب أنجح فلسفة للعلم، حتى مثل تقدمًا عن رائده كارل بوبر.
وبطبيعة حال الفلسفة تعرض لاكاتوش للنقد والأخذ والرد. رفض كثيرون اعتبار الخط الفاصل بين التاريخ الداخلي والتاريخ الخارجي للعلم متحركًا هكذا، ورفض آخرون أن تكون الميثودولوجيا إبستمولوجية ومنطقية معيارية، ثم تتخذ التاريخ محكًّا لها ومعيارًا لتقويمها، لم يمهله رحيله المفاجئ للرد عليهم جميعًا. ولكن يكفي تمامًا أنه مع لاكاتوش تمايزت ثلاثة مقومات جوهرية في اعتبار الظاهرة العلمية، وهي:
  • أولًا: المعايير المنطقية والميثودولوجية.
  • وثانيًا: التاريخ الداخلي أو نمو المعرفة الموضوعية العقلانية، أي التقدم الإبستمولوجي.
  • وثالثًا: العوامل الإمبيريقية السوسيوسيكولوجية الخارجية، التي ليست بعوامل عقلانية.
لقد نجح لاكاتوش في هدفه، كما حدده لنفسه، وهو إيضاح كيف يمكن لفيلسوف العلم أن يتعلم من تاريخه، مثلما يلزم على مؤرخ العلم أن يصغي بانتباه لفلسفته، ويعين النظرية الفلسفية التي سوف يرتكز عليها في تأريخه، مع ملاحظة أن كل ميثودولوجيا يجب أن تفصل بأساليبها الخاصة بها بين التاريخ الداخلي والتاريخ الخارجي للعلم. ومؤرخو العلم وفلاسفته على السواء عليهم أن يستفيدوا لأقصى درجة من التفاعل النقدي بين عوامل التاريخ الداخلي وعوامل التاريخ الخارجي للعلم. وفي النهاية يُذكر لاكاتوش القارئ بدعابته المفضلة، وهي أن تاريخ العلم صورة كاريكاتورية من إعادة بنائه العقلانية التي هي بدورها صورة كاريكاتورية لتاريخه الفعلي،٤٦ وهذه الدعابة تجسد إلى أي حد لم تعد المسألة مجرد حلول الوعي التاريخي، بل هي توشج وتشابك تاريخ العلم مع فلسفته، حتى أصبحا وجهين لعملة واحدة يحيل كل منهما للآخر. فحق اعتبار فلسفة لاكاتوش ذروة الوعي التاريخي في فلسفة العلم.

خامسًا: انطلاقة الوعي التاريخي: باول فييرآبند … والطريق الجديد

انتشر في أوساط فلسفة العلم وعمَّر أرجاءها فلاسفة كثيرون، أجادوا استيعاب الدرس التاريخي الذي كثفه إمري لاكاتوش، واصلوا المسار البوبري — الكوني الضد وضعي؛ ليدعموا المرحلة التالية من فلسفة العلم، المتحررة من قصورات الوضعية المنطقية وتطرفاتها وحيوداتها التي ترتد إلى حد كبير لنزعة الوضعية اللاتاريخية، ومؤكدين لمنطق الكشف والنماء والتغير والتقدم والثورة، لا مكرسين لمنطق تبرير المعرفة وإثبات الصحة، وقد تأدى هذا إلى رفع لواء النسبية أو بالأحرى النسبوية Relativism التاريخية للمعرفة العلمية، لا مطلقيتها المنطقية، والنظرة التكاملية لفلسفتها لا المحض إبستمولوجية، تأكيدًا لأنسنة الظاهرة العلمية.
وربما كان أهم هؤلاء وأكثرهم بروزًا واستحقاقًا للذكر، فيلسوف العلم الثائر المشاغب باول فيبرآبند P. K. Feyerabend (١٩٢٤–١٩٩٤م) الذي يُمثل ظاهرة فريدة حقًّا في فلسفة العلم والفلسفة بأسرها والحضارة الغربية ذاتها، يريد أن يحمي العلم من شوفونية الروح العلمية وطغيانها، والفلسفة من أساتذتها المحترفين إياها، والحضارة الغربية من توجهها الغربي! ومهما أثارت جنوحاته الشاردة من دهشة، ومهما تكشفت كتاباته المندفعة عن تفاصيل يصعب قبولها — بل يصعب التوفيق بينها! وتثير جدلًا لا ينتهي، فإنه يظل من أهم شخوص فلسفة العلم في مرحلتها الراهنة، ويهمنا من أمره أنه وضع المسمار الأخير في نعش النظرة اللاتاريخية للعلم، وبلغ الوعي التاريخي بالعلم معه انطلاقة لا تحدها حدود.

بادئ ذي بدء، لا بد من محاولة لتوضيح المقصود من أن فييرآبند قد وضع المسمار الأخير في نعش النظرة اللاتاريخية للعلم.

في هذا نلاحظ مجددًا ما بيناه سابقًا من أن هذه النظرة اللاتاريخية هي ذاتها الانشغال بمنطق تبرير المعرفة العلمية كمنجز راهن، وهذا التبرير يكمن أصلًا في العلاقة بين الملاحظة التجريبية والنظرية العلمية، وهي علاقة يمكن أن تحكمها خطوات المنهج العلمي. ومن ثم شاع التصور آنذاك أن فلسفة العلم هي ذاتها نظرية المنهج المعنية بخطواته. وكان هذا المنهج هو الاستقراء الذي يبدأ بالملاحظات أو الوقائع التجريبية ليعممها ويصل منها إلى القانون العلمي.

ثم كان تطور نظرية المنهج على يد كارل بوبر ليمثل المسمار الأول في نعش النظرة التبريرية اللاتاريخية، حين انتقل بالمنهج من منطق التبرير إلى منطق الكشف والتقدم. كثف بوبر جهوده تكثيفًا لقلب النظرة الاستقرائية رأسًا على عقب، وأسرف في التأكيد على أن البدء ليس بالملاحظة التجريبية وأصبح المنهج التجريبي هو المنهج الفرض الاستنباطي الذي يبدأ بالفرض ثم يختبره عن طريق التجريب، كما سبق أن بشر هيوول. وكان هذا انقلابًا من النقيض إلى النقيض، فانحلت كثير من الإشكاليات المنهجية التي تجسدها مشكلة الاستقراء، أي استحالة تبرير القفزة التعميمية من ملاحظات محدودة إلى قانون كلي. ثم واصلت فلسفة العلم مسارها بتصورات من قبيل النموذج الإرشادي مع توماس كون وميثودولوجيا برامج البحث مع إمري لاكاتوش، والاستراتيجيات العقلية مع ستيفن تولمن … وهي تصورات توضح كيف أن الوقائع التجريبية لا تتحدد إلا في ضوء النظرية العلمية، والنظرية بدورها لا تتعين بدون الوقائع، بمعنى أن قطبي الموقف العلمي — الوقائع التجريبية والنظرية العلمية — ليسا طرفين متقابلين، نضع كلًّا في وادٍ ثم نبحث عن العلاقة بينهما وأيهما يؤدي إلى الآخر وأيهما الأسبق. إنهما كل واحد متعضون في إطار متكامل، قد يُقبل هذا الإطار، أو يُرفض ويتم الانتقال إلى إطار آخر أكثر تقدمية. والحق أن واقع البحث العلمي الآن يؤكد هذا. ويضرب بولكين هورن مثالًا يوضحه وهو اكتشاف الجسيمين الذريين Z وW وهما وسيطان في القوى النووية الضعيفة. وكان ثمة اثنان من زملاء بولكين هورن الباحثين في فيزياء الجسيمات الأولية هما كارلو روبيا C. Rubbia، وسيمون فان دير مير S. V. Der Meer، عملا في إطار فريق بحثي كبير، استخدم مصفوفة واسعة ومترابطة من الكواشف الإلكترونية للنشاط الإشعاعي، وتحليلات الكومبيوتر هي التي يمكنها تقييم ما تشير إليه هذه الكواشف. إنها معطيات الملاحظة الحسية أو المادة التجريبية الخام، بيد أنها في حد ذاتها لا تعني شيئًا البتة، ولا تدل على شيء محدد، وما كان يمكن الإعلان بأن هنا الجسيم W وهناك الجسيم Z إلا عن طريق تأويل لمعطيات الملاحظة التجريبية، تأويلًا يستخدم أفكارًا فيزيائية معينة، هي فرض وجود هذين الجسيمين الذي تقدم به العالمان المذكوران عام ١٩٨٤م، ونالا عنه جائزة نوبل.٤٧ هكذا نجد أنه لا معنى لملاحظات في حد ذاتها، وأيضًا لا معنى للفرض في حد ذاته، إنهما كلٌّ متكامل أو كيانٌ واحد.

وبهذا يسفر تطور نظرية المنهج العلمي عن صيرورة جدلية، فقد كانت الاستقراء الذي يبدأ بالملاحظة، ثم انقلبت إلى النقيض الذي يبدأ بالفرض. وعلى مشارف القرن الحادي والعشرين اتخذت نظرية المنهج العلمي صورة المركب الجدلي الذي يجمع خير ما في هذين النقيضين ويتجاوزها إلى الأفضل، إلى نظرة ترى الفرض والملاحظة كلًّا متكاملًا.

وبهذا؛ فإن سؤال التجريبية التقليدي عن المنهج العلمي، وكيفية الانتقال من الملاحظة إلى النظرية أو العكس، قد بدا وكأنه وجد إجابته، وآتت أكلها، فاستنفد ذاته ولم يعد مطروحًا.

لعل هذه هي الدلالة العميقة جدًّا، الكامنة في الأعماق والمطمورة، لكتاب فييرآبند البالغ الخطورة «ضد المنهج: مخطط تمهيدي لنظرية فوضوية في المعرفة»، صدرت طبعته الأولى عام ١٩٧٥م ليحدث بلبلة شديدة، وتتوالى طبعاته وترجماته إلى لغات عديدة، وهي الدلالة التي تجعلنا نعتبره بمثابة المسمار الأخير في نعش تلك النظرة التبريرية اللاتاريخية للمعرفة العلمية وسؤالها المركزي.

الدعوى الأساسية لهذا الكتاب تأكيد لتلك المحصلة، وهي أن السؤال عن المنهج سؤال زائف، وأن العلم لم يكن أبدًا أسير منهج واحد محدد، بل هو مشروع فوضوي Anarchic Enterprise، أي لا يعترف بأية سلطة، وكل المناهج يمكن أن تجدي فيه،٤٨ تبعًا لشعار فييرآبند الشهير: كل شيء مقبول Anything goes. وكانت أسانيد فييرآبند الأساسية في فحص تسلسل الأحداث الكبرى التي شكلت تاريخ العلم ليوضح أنها لم تأت عن طريق منهج واحد محدد، بل مناهج عديدة، وانكب فييرآبند على تأكيد التعددية المنهجية، كل منهج مقبول على الرحب والسعة طالما يلائم طبيعة المشكلة المطروحة للبحث، فيؤدي إلى حلها والإضافة إلى رصيد العلم. أما تكبيل البحث العلمي بمنهج واحد محدد، فهذا ضد الإبداع يخنق روحه الضرورية للإنجاز في العلم، والإجماع على رأي واحد — بشأن منهج واحد — يناقض طبيعة نشاط عقلاني على الأصالة كالعلم التجريبي.

من هنا كانت نظرية فييرآبند الميثودولوجية هي «التعددية المنهجية» التي هي ذاتها الفوضوية أو اللاسلطوية المعرفية، فإن شئنا عنوانًا لفلسفته للعلم فهو «العقلانية الفوضوية» التي ترفض بشدة تنصيب السلطة المعرفية لمنهج محدد، وترفض أيضًا تنصيب السلطة المعرفية للعلم بالذات! على أساس أن التقدم المعرفي يأتي عن طريق إطلاق طاقات الإبداع والخلق والابتكار، وليس البتة بالتشديد على اتباع منهج معين، أو اقتفاء خطى نظام معرفي محدد دون سواه.

وكما يؤكد فييرآبند — بجرأة يُحسد عليها — ليس العلم نظامًا معرفيًّا مقدسًا يستلزم الكفر بكل ما عداه أو خالفه، إنه نظام عقلاني وجب أن ينمو ويزدهر وسط الأنظمة المعرفية الأخرى. وعلى الرغم من أن العلم ليس البتة دينًا، فإننا نعامله من منطلق الإجلال الديني، من نظرة تقديسية تنظر إليه وكأنه كيان لا يُدانيه إلا الحق المطلق والخير المطلق، بل أيضًا — ولا ينبغي أن نندهش — الجمال المطلق! فتمثيل العلم للجمال المطلق دعوى مرفوعة منذ فيثاغورث وحتى أبرزتها المدرسة الاصطلاحية التي تُعامل النظرية العلمية بالمعايير الأستطيقية الجمالية، لكنه الجمال الذي لا يتذوقه إلا الذكاء العلمي بتعبير هنري بوانكاريه.

هذه النظرية التقديسية للعلم ازدادت جمودًا وتحجرًا على يد فلسفات العلم الوضعية الضد تاريخية، التي ترفع العلم فوق التاريخ. ثم أوتي فييرآبند الجرأة على هتك الحجاب المقدس الذي طالما اتشح به العلم الحديث، وكأنه ليس نشاطًا إنسانيًّا وليس واحدًا من إنجازات حضارية عديدة. ولم يكن هذا الهتك من أجل نفي العلم، كما تفعل الفلسفات الضد علمية كالرومانتيكية مثلًا، بل من أجل استبصار أعمق لمضامين العلم ووظائفه وحدوده وإطلاق الطاقات التقدمية فيه … إلى آخر هذه المهام التي لا يضطلع بها إلا فلاسفة العلم المحترفون، المخلصون له أكثر من سواهم.

وفي هذا الإطار، كان فييرآبند شديد التحمس للنسبوية في العلم، وكان عمل فييرآبند البارز «ضد المنهج» ليقوض تصور المنهج العلمي الواحد الثابت دائمًا، وإذا كانت المناهج ذاتها نسبية أو نسبوية — أي بالنسبة لطبيعة المشكلة المطروحة للبحث — فلا غرو أن يؤكد فييرآبند على أن كل شيء في العلم نسبوي،٤٩ مثلما أكد توماس كون على أن الأحكام العلمية نسبوية، أي بالنسبة للنموذج الإرشادي المعمول في إطاره. وفييرآبند يقر صراحة أنه أخذ بهذه النسبوية حين تعلم من توماس كون — ومن آخرين — أن يتناول الموضوع تناولًا تاريخيًّا وليس تناولًا منطقيًّا. هكذا نلاحظ ربط فييرآبند بين النسبوية وبين الوعي التاريخي، وهو في هذا وذاك يحاول التوصل إلى بعض البنيات الثابتة٥٠ التي تذكرنا بنماذج كون الإرشادية.
وكان تتابع النماذج الإرشادية يفضي إلى اللا مقايسة Uncommensurability أي عدم قابلية النظريات العلمية للقياس المتكافئ للحكم عليها بنفس المعايير. واللامقايسة ترتبط هي الأخرى بالوعي التاريخي، وقد اعتبرناها من أقوى تجسيداته، وهي فكرة رفضها كارل بوبر تمامًا ولم يرحب بها إمري لاكاتوش، فقد أخذا بالنظرة البوبرية لموضوعية المعرفة المشتركة بين الذوات أجمعين في كل زمان ومكان، وطالما انفصلت المعرفة عن مبدعها، أي عن العالم ٢، وانتمت إلى العالم ٣، فهي واحدة أمام الجميع، ولو قُدر لأي عالم من أي عصر أن يطلع على أي تراث علمي أسبق لأدرك أنه أقل تقدمًا، وأقل إحرازًا لأهداف العلم، وبالمثل لو تمكن أي عالم من تفهم الحصيلة في عصر لاحق لأدرك أنه أكثر تقدمًا. وعلى أساس هذا الزعم يرفض بوبر ومعه لاكاتوش نسبوية المعرفة العلمية واللامقايسة.
أما فييرآبند — النسبوي حتى النخاع — فقد جن بمقولة اللامقايسة وانطلق معها إلى أقصى الحدود، وعايشها وامتزج بها حتى نجد مواضع في كتاباته توحي بأنها من وضعه، وإن كان يشير في مواضع أخرى، وأحيانًا في نفس المواضع «!» إلى فضل توماس كون وآخرين. وليس غريبًا أن يناقض فييرآبند الواقع أو يناقض نفسه، فهو يفعل هذا كثيرًا، ولكنه في كتاباته المبكرة، الأكثر رصانة وموضوعية يؤكد أن اللامقايسة ليست أطروحة فلسفية، بل هي تلخيص لإجراء علمي واسع الانتشار كثيرًا ما يثبت نجاحه، والهجوم عليها ليس هجومًا على موقف فلسفي معين، بل هو هجوم على العلم ذاته.٥١ واضح أن هذا على أساس النظرة إلى العلم المتسلحة بالوعي التاريخي؛ لأن اللامقايسة قرينة التناول التاريخي للعلم ونتيجة من نواتجه، ومن ثم يتقد دفاع فييرآبند عن كليهما معًا.

وبعد هذا يزعم فييرآبند في عمل متأخر له أنه لا يروم من اللامقايسة إسهامًا إيجابيًّا، بل هي أساسًا لنقد وتبيان الخطأ في تصور شائع للتفسير العلمي ورد العلوم إلى الفيزياء؛ هذا لأن اللامقايسة تشير إلى جوانب في التغير العلمي والتقدم لا يمكن الإحاطة بها عن طريق تلك النظرة في الرد — وهو يقصد نظرة الوضعية المنطقية. ويؤكد فييرآبند أن اللامقايسة لا تُمثل أية مشكلة للعلوم المختلفة ولا لسواها، إنها مشكلة فقط بالنسبة لبعض فلسفات العلم المفرطة السذاجة — وهو يقصد العقلانية الخالصة والعقلانية النقدية كفلسفة بوبر! ثم إن اللامقايسة — والحديث ما زال لفييرآبند — استشرت بصورة رهيبة وأصبحت ملمحًا أصيلًا من ملامح كل فكر مبدع خلاق، ومن ناحية أخرى سرعان، ما أصبحت تستخدم لتعليل افتقاد التفاهم بين الثقافة العامة وبين العلم. ويزعم فييرآبند أيضًا أن هذا محض هراء. بيد أن مزاعم فييرآبند المتأخرة لا حد لها، ولا ينبغي أخذها جميعًا مأخذ الجد، والحق الصراح أنه أكثر الجميع تأكيدًا على اللامقايسة، وتطرفًا فيها، فلم تعد معه فقط بين نموذجين متتاليين في تاريخ العلم، بل أصبحت بين أي نظريتين.

ومعنى هذا أن كل نظرية يجب أن تحتفظ بمكانها في تاريخ العلم وفي الوعي العلمي، والحكم عليها فقط بالنسبة لظروفها وتحدياتها التاريخية. ويؤكد فييرآبند على قدرة النظريات القابعة في تاريخ العلم على إخصاب الواقع العلمي الراهن وطرح مداخل ومنظورات مختلفة لحل المشاكل المطروحة للبحث، مما يعني دور تاريخ العلم في توسيع وإخصاب الأفق الإبداعي للعلم.

ثم يواصل فييرآبند المسير بمقولة اللامقايسة ليصبح من أقوى وأجرأ نقاد الحضارة الغربية العلمية العلمانية، حين يجعل اللامقايسة ليست بين النظريات فحسب، بل بين الأنماط المعرفية ذاتها. فلا يعود ثمة مبرر لادعاء الأفضلية المطلقة للعلم الغربي بالذات على أشكال المعرفة الإنسانية الأخرى، إنه مجرد تقليد معرفي ضمن تقاليد معرفية عدة، ويجاهر فييرآبند صراحةً برفضه لفلول موقف الحضارة الغربية الاستعماري حين تجعل من العلم كلمة حق يُراد بها باطل، أي ذريعة لفرض نموذجها الحضاري وقهر ووأد الثقافات الأخرى، لا سيما ثقافات العالم الثالث، فتحرم البشرية من خصوبة وثراء وتعدد جوانب، إن نعمت بها تنعم بالعلم أكثر. فهل العلم الغربي المجيد مبرر أو مطية للخواء والإجداب؟!

إن هذا الاحترام لكل الأشكال الثقافية نتيجة منطقية للنسبوية المستقاة من النظرة التاريخية، التي تجعلنا ننظر إلى البنية المعرفية بالنسبة لتاريخها وظروفها، وليس في إطار معايير مطلقة. وبفضل هذه النسبوية سبق أن تغيرت نظرة علماء الأنثربولوجيا للبدائية فلم يعودوا يعتبرونها وجودًا متخلفًا انتهى أمره أو يجب أن ينتهي ولا شأن لها بالحضارة والعلم، بل أصبحوا ينظرون إليها كمراحل أولية قامت بدورها التمهيدي في إطار ظروفها وعصرها فاحتلت موقعها في بدايات قصة الحضارة. هذا عن البدائية، فما بالنا بالمراحل الأسبق من الحضارة، والبنيات الأسبق للعلم، بالطبع لا بد وأن يحفظ لها دورها. إن الوعي التاريخي كفيل بإضفاء الخصوبة والثراء الباذخ من كل الجوانب.

لقد بدأ فييرآبند بوبريًّا يستن خطى بوبر في فلسفة العلم، وهو مثله نمساوي قضى صدر الشباب في جامعة فيينا — الحاضنة الرءوم لفلسفة العلم — ثم هاجر إلى أمريكا، بينما سبقه بوبر في الهجرة إلى إنجلترا. في أعمال فييرآبند المبكرة الرصينة، وهي «بحوث فلسفية ١٩٨١م» في مجلدين: الأول بعنوان «الواقعية والعقلانية والمنهج العلمي»، والثاني بعنوان «مشكلات التجريبية»، نجده يدور حول محاور أرساها بوبر، وينطلق من عناصر الفلسفة البوبرية بوصفها مبادئ الإبستمولوجيا العلمية المعاصرة، ولا ضير في أن يعمل على نقدها، فهذا في حد ذاته بوبرية أصيلة، ولكنه في أعماله المتأخرة، خصوصًا «ثلاث محاورات في المعرفة ١٩٩٢م» الذي اختلط بقدر غير يسير من خطوط العبث واللامعقولية نجده ينقلب ليتنصل من بوبر ويهاجمه بضراوة وتهور.

أما إمري لاكاتوش فهو صديق فييرآبند الفكري وزميله في الفوضوية والتعددية، وظل رفيقه الأثير حتى آخر العمر. كان لاكاتوش قد انتحى به جانبًا في حفل عام ١٩٧٢م، وقال له: «إنك — أي باول — لديك أفكار مدهشة، لماذا لا تسجلها وأكتب أنا ردًّا عليها، وننشر هذا وذاك في عمل واحد، وأعدك بأنه سيكون مبعث سرور لكلينا.» ففعل فييرآبند وأرسل المخطوطة إلى لاكاتوش في لندن، لكنها ضاعت لأسباب مجهولة، أعادها الإنتربول وراجعها فييرآبند، وفور انتهائه من صياغة جديدة لها عام ١٩٧٤م اختطف حادث السيارة إمري لاكاتوش وأجهض التشارك المزمع بينهما٥٢ فصدرت هذه الأفكار في كتاب «ضد المنهج» بصورته المعروفة لفييرآبند الذي ظل دائمًا يرفع آيات الثناء الجميل لذكرى رفيقه. وقد رأينا هذا الرفيق — إمري لاكاتوش — تلميذًا مخلصًا لبوبر، قيل عنه: إنه في بعض الجوانب «أكثر بوبرية من بوبر نفسه»،٥٣ أما توماس كون فإن دراسته «منطق للكشف أم سيكولوجية البحث؟» مكرسة لتبيان أواصر القربى بينه وبين بوبر وتماثلهما في المنطلقات وتشاركهما المبدئي في رفض الموقف الوضعي، وأن اختلافات الطريق في بعض الشعاب لن تنفي هذا أبدًا.

كان هذا الفاصل البيوجرافي عن سير الشخصيات ضروريًّا؛ ليلقي الضوء على خلفية من العلاقات المتشابكة تساهم في إبراز هذا الرباعي الإبستمولوجي العظيم: كارل بوبر وتوماس كون وإمري لاكاتوش وباول فييرآبند، كفريق عمل متكامل، على الرغم من خلافات جمة في تفاصيل فلسفاتهم — استبينت فيما سبق. إنهم الأربعة الكبار، ممثلو الصف الأول للإبستمولوجيا، للنظرة إلى العلم من الداخل كعقلانية تواصل تقدمها. وقد شكلوا بصفة أساسية معالم فلسفة العلم في المرحلة التالية لسيادة الوضعية المنطقية، لا سيما في الثلث الأخير من القرن العشرين، تحررت فيها فلسفة العلم من القصورات والحيودات الوضعية، وأصبحت أكثر تكاملًا، فأصبح العلم ذاته ظاهرة إنسانية حين انفتحت البوابة أمام الوعي التاريخي ليحتل موقعه بعد طول غياب. والوعي التاريخي بدوره يعني الوعي بالظاهرة العلمية ليس كمحض نسق منجز ومنتهٍ بمنهج متعين وخصائص منطقية محددة، بل أيضًا الوعي بالعلم كفاعلية متغيرة ومتنامية ومتقدمة عبر الزمان، مما يعني أن المتغيرات الزمانية السوسيوسيكولوجية — أي العوامل الخارجية للنسق العلمي — هي قوة فاعلة وناجزة لا بد أن تُؤخذ في الاعتبار.

وانضم إلى هذا الرباعي العظيم آخرون، من رجالات الصف الثاني لفلسفة العلم في أواخر القرن العشرين وخواتيمه؛ ليأخذوا الوعي التاريخي مأخذًا جادًّا، ويعالجوا الأبعاد الحضارية والسوسيولوجية والسيكولوجية للظاهرة العلمية وسواها من موضوعات ما كانت الوضعية تسمح بمعالجتها من قبل. ونذكر في هذا الصدد جون واتكينز J. Watkins وقد رأيناه نصيرًا للبوبرية، وهانسون N. R. Hanson وخصوصًا كتابه «أنماط من الكشف» وماري هيس M. Hesse، وسواهم من فلاسفة العلم المعاصرين … لعل أبرزهم ستيفن تولمن وميشيل بولاني.

يجمع تولمن الخير من طرفيه، فهو أداتي بارز فيسهل عليه تأكيد أن صدق المعرفة العلمية في حد ذاته ليس موضع الاهتمام، ثم يلتقي مع بوبر بعد ذلك حين يؤكد أن الاهتمام فقط بنمو المعرفة وتطورها، ويلتقي معه أكثر وأكثر حين يرى المعرفة تنمو في ضوء النقد الموجه لها. ولكنه أكثر من بوبر وعيًا بتاريخ العلم، فهو يصغر بوبر بعشرين عامًا تمثل مزيدًا من تقدم فلسفة العلم نحو الوعي بتاريخه. رأى تولمن — بحكم أداتيته — أن تاريخ تطور معالجات المشكلة المطروحة للبحث، أهم بالنسبة للعالم الباحث من الانشغال بقضايا المحتوى المعرفي وإشكالية الصدق.

وتولمن شديد العناية بنقد الوضعية المنطقية وتوضيح قصوراتها، استند في هذا على ضرورة النظرة التاريخية للعلم، وأن الوضعية المنطقية في تناولها لفلسفة العلم ابتعدت عن تغير التصورات الذي هو التقدم الحقيقي للعلم، وحذفوا من الممارسات الفلسفية كل ما يتعلق بهذا وبعوامله.

ويرفض تولمن تمامًا النظرة إلى العلم من الداخل، إذا كانت مقتصرة على علاقاته المنطقية وأسسه المنهجية، بحيث إن الجديد تنحصر جدته داخل الحدود والمصطلحات المطروحة. وفي مقابل هذا، ينبغي على العلماء أن يدركوا أفق تاريخ العلم، ولا يتجاهلون أن نظرياتهم أتت في سياق نظريات أخرى سابقة هي محاولات ناجحة، تمثل معالم بارزة في تاريخ العقل وتاريخ الحضارة وتاريخ الثقافة. إن العلم — كما ينتهي تولمن — هو أولًا وأخيرًا كيان تاريخي ونشاط اجتماعي.٥٤
ويُعد ميشيل بولاني M. Polanye صاحب أقوى نزعة علمية ضد وضعية في بحثه عن الصفة الشخصية للمعرفة العلمية، كما يعبر عنوان كتابه في فلسفة العلم «المعرفة الشخصية ١٩٥٨». ويستحق ميشيل بولاني اهتمامًا خاصًّا؛ لأن فلاسفة العلم لم يهتموا كثيرًا بدعاويه الجادة، ربما لأنه كان منغمسًا في عمله كعالم كيمياء فيزيائية ولم يثبت حضوره بما يكفي في أوساط فلاسفة العلم، هذا على الرغم من أنه سبق فييرآبند وسحب فلسفة العلم إلى موقف نقدي من الحضارة الغربية، مؤكدًا أن تمجيد المجتمع العلماني العقلاني بمعية قيم عصر التنوير هي التي أدت بالحضارة الغربية إلى العدمية والنزعات الشمولية من قبيل الفاشية والنازية والشيوعية،٥٥ وبالنسبة لفلسفة العلم أتى بولاني بفكرة بالغة الأهمية حين أكد على الطابع الشخصي للمعرفة العلمية. فصحيح أن العلم يبحث في عالم فيزيقي لا شخصي، إلا أن العلم ذاته نشاط ذو سمة شخصية، فلا يمكن تتبع نمو المعرفة العلمية إلا كسلسلة من أفعال أشخاص وإنجازاتهم وأحكامهم وكشوفهم، جميعها تتطلب تعهدًا والتزامًا شخصيًّا بوجهة ما للنظر، وقابلية العلم المستمرة للاختبار والتكذيب والتصويب تعني أن هذه الوجهة من النظر قد تكون خاطئة، وثمة فرض ما يجب استبعاده. وفي هذا — كما يؤكد بولاني — لا توجد قواعد محددة يمكن برمجتها في حاسب آلي، لكنها أيضًا ليست مسألة هوى شخصي، أو مزاج خاص، فهي لا تتم إلا في إطار مجتمع من العلماء قد تم إعدادهم إعدادًا خاصًّا ولهم مقصد كلي عام. كل هذا لا يُقرأ مباشرة من المعطيات التجريبية، بل يتضمن وثبة عقلية خلاقة. هكذا نجد أن تفسير بولاني لظاهرة العلم يتقدم بتوازن حصيف بين جانبين هما: البصيرة الفردية لخيال العالم من ناحية، ومن الناحية الأخرى تقبل المجتمع العلمي لهذه الرؤية ودوره النقدي بإزائها. ومن الأهمية بمكان تتبع حركية العلم في إطار التوازن بين هذين الجانبين — كما يؤكد الفيزيائي بولكين هورن.

ونلاحظ أن ذاك الرباعي العظيم فضلًا عن هؤلاء التالين لهم من فلاسفة الصف الثاني ينطلق من قلب القارة الأوروبية إلى الجزر البريطانية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، أي إنهم ممثلون لمجمل فلسفة العلم في العالم الغربي. وعرضنا السابق استضاف معهم من روسيا فيلسوف العلم شفيريف الذي يتميز عرضه بالعمق والإحاطة.

وفي هذا، يظل الخط الفرنسي جديرًا بالعناية، لم نغفله فيما سبق. فقد رأينا جاستون باشلار من أئمة الثورة/الدورة، يتقدم بمفهوم القطيعة المعرفية التي تناقض التراكم واتصالية التقدم العلمي وتبرز أكثر من سواها المنظورات التاريخية للعلم. وينبغي الآن إيضاح كيف أن باشلار قد رأى المعرفة العلمية تسير دائمًا عبر عقبات وقهرها، حين يتحقق الانتصار على العقبة تكون القطيعة المعرفية والانتقال الكلي إلى عقبة جديدة، ثم انتصار جديد وإنجاز جديد وقطيعة أخرى، ثم عقبة … وهكذا دواليك في متوالية التقدم العلمي التي لا تتوقف أبدًا. وتكتسب العقبة دورًا محوريًّا في خلق قصة التقدم العلمي بهذا التلاحم بينها وبين «القطيعة»، العقبة أو العائق أو أزمة النمو العلمي «تتضمن إعادة نظر كلية في منظومة المعرفة»٥٦ تذكرنا بمفهوم اللامقايسة، حتى يعرض باشلار لتكوين العقل العلمي عبر سلسلة من العقبات، وجود العقبة أو العائق يؤذن دائمًا بتحول جديد في المعرفة يعني قطيعة بالنسبة للمعرفة السابقة.
هكذا تحدث التحولات الأساسية التي تطرأ على العلم عندما يعيد النظر في مفاهيمه الكبرى، مما يجعل البنية الإبستمولوجية لفرضية علمية مختلفة تمامًا عن بنية الفرضية التالية لها في تاريخ العلم في جدليات ناشطة حقًّا،٥٧ إن الفكر العلمي فكر قلق، يبحث عن فرص جدلية ليخرج من ذاته ويكسر أطره الخاصة، وقوام البنية العلمية ليس بالتراكم، ليس لكتلة المعارف تلك الأهمية الوظيفية المفترضة،٥٨ الأهمية الفعلية للقطيعة، للانتصار على العقبة الذي يتحقق — كما يؤكد باشلار — بالصراع مع القديم ورفضه، بتصحيح الأخطاء فيه ورفض مواطنها، بتعبير كارل بوبر بتكذيب النظرية التفسيرية المقبولة، بالصراع مع نموذج توماس كون الإرشادي حين يكشف عن شذوذات، بالانتقال مع لاكاتوش من برنامج بحث أصبح تدهوريًّا إلى آخر يبدو تقدميًّا. وتلتقي القطيعة المعرفية لباشلار مع التعددية المنهجية لفييرآبند أكثر وأكثر، فعن طريقها يؤكد باشلار أن العلم حين يغير مناهجه يصبح أكثر منهجية، فالروح العلمية تأمل دائمًا في استنفاد إمكانيات المنهج المعمول به لتعلن انتهاءه، فيظهر منهج جديد في سلسلة من القطائع المنهجية والاستحداثات المستمرة دومًا.

ولكل هذا رفض باشلار تمامًا إهمال المتغيرات التاريخية أو اعتبار العقل العلمي ثابتًا يتدفق عبر الزمان، وأكد أن الذات في العلم ذات تاريخية؛ لأن المعرفة العلمية ليست إلا قوة متطورة عبر التاريخ. رفض باشلار كل صور الوضعية وأولاها وضعية مواطنه أوجست كونت مؤكدًا أننا لا نحيا في مرحلتها أبدًا، بل ربما في مرحلة رابعة لمراحل كونت الثلاث، فهي مرحلة قطع فيها العلم صلته بالحس المشترك ومعرفة الخبرة العادية التي كانت متفقة مع وضعية كونت، وفي كل هذا كان باشلار صاحب فضل كبير في إنهاء النظرة إلى تاريخ العلم أو ماضيه كسجلات لإزاحة الجهل، وعلمنا كيف أن تاريخ العلم مقدمة لفهم الظاهرة العلمية، مقدمة ضرورية لفلسفته.

ويبقى جان بياجيه J. Piaget (١٨٩٦–١٩٨٠م) من أهم الذين واصلوا المسير في مثل هذا الطريق، لم تتسع له المعالجة السابقة ولا نستطيع أن ننهيها مغفلين ذكره. وبياجيه بعقليته المتعددة الأبعاد، ينتمي بجدارة إلى فئة العالم/الفيلسوف، إنه رائد علم النفس الارتقائي وعلم نفس الطفل. بحث تطور إدراك الأطفال للمفاهيم والتصورات العلمية، أولًا الرياضية، وثانيًا الفيزيائية، وثالثًا البيولوجية والسوسيولوجية والسيكولوجية. بحث تطور مفاهيم الرمز والعدد والهندسة وتمثيل الفراغ، الزمن والحركة والسرعة، العلية والصدفة والحكم والاستدلال، الصورة الذهنية والحكم الخلقي … إلخ عبر مرحلتي الطفولة الباكرة والمتأخرة. ثم رأى أن نمو إدراك هذه المفاهيم بمثابة صورة مصغرة للتوجهات الأساسية في نماء المعرفة البشرية، فربط بينها وبين فلسفة العلم المسلحة بتاريخه، ونزع إلى أن تكون الإبستمولوجيا علمًا مستقلًّا، لكن مرتبطًا ببقية العلوم، ودرس في كتابه «الإبستمولوجيا التكوينية ١٩٥٠م» المعرفة العلمية في تاريخها ومسار تشكلها الاجتماعي، المستند بدوره إلى أصول سيكولوجية، ثم أسس المركز العالمي للإبستمولوجيا التكوينية في جامعة جنيف، حيث عمل معه متخصصون في علم النفس والبيولوجيا والرياضة والمنطق لبحث ارتقاء المفاهيم العلمية، وخرجت الأبحاث في «دراسات في الإبستمولوجيا التكوينية ١٩٧١م».

في كتابه «حكمة الفلسفة وأوهامها ١٩٦٥م» يحاول تحديد العلاقة بين الفلسفة والعلم، ويقول إن أكبر المشاريع في تاريخ الفلسفة تكونت من التفكير في المشروع العلمي المطروح في عصرها، مما يعني أن فلسفة العلم هي أخصب فروع الفلسفة، وعليها النظر إلى العلم في نموه وارتقائه، فإذا كانت المعرفة العلمية تتشكل وتتكون، فكيف ننظر إلى المنجز الراهن كثابت منتهٍ ونغفل أصوله التاريخية؟! إن المنجز الراهن — كما يؤكد بياجيه — محض وضع تاريخي يختلف عن سابقه، وسوف يختلف عنه لاحقه؛ لذلك ينبغي العناية بارتقاء هذه العملية المتوالي، الذي يتضمن تحولًا مستمرًّا وإعادة تنظيم مستمرة. لكل هذا تتدخل العوامل التاريخية والاجتماعية والسسيكولوجية … كعوامل بالغة الأهمية، إذا رمنا تفهمًا حقيقيًّا لطبيعة المعرفة العلمية، ولم يفت بياجيه التأكيد على اختلاف هذه النظرة تمامًا عن النظرة التي تبحث عن تبرير المعرفة العلمية ومعايير صحتها، بيد أنه اختلاف في اتجاه التكامل والتطور. لقد دارت بينه وبين جورج مور مناقشات حادة يحاول فيها إثبات عقم التحليلات الخالصة وأهمية أنظمة العمليات. الذكاء نفسه مجرد نظام عمليات. والرياضيات بأسرها هكذا، ولا جدوى من النظرية التحليلية السكونية، والإبستمولوجيا دائمًا في حاجة إلى النظرة الحركية، التي تبلغ أقصى انطلاقتها عبر التطور التاريخي.

إذن فقد بلغ الوعي التاريخي مع فييرآبند أقصى انطلاقة، بعد أن عم وساد في أرجاء فلسفة العلم.

سادسًا: هذا التطور في فلسفة العلم وآفاقه

هكذا قطعت فلسفة العلم في القرن العشرين طريقًا شاقًّا وطويلًا ذا مراحل متتالية، من وضع بلغ حالة ضد تاريخية إلى وضع يتسلح بالوعي التاريخي ويستقبل على الرحب والسعة المنظورات التاريخية للعلم، بكل ما سيحمله هذا من خصوبة ورحابة آفاق مستقبلية.

لقد ترددت — بفعل اندفاعات فييرآبند وسواه — أراجيف بشأن انتهاء سؤال المنهج أو بلوغه طريقًا مسدودًا، والواقع، كما يقول جوزيف ماجوليس بعبارته الرصينة والعميقة حقًّا، إن سؤال المنهج قد سقط من الاعتبار فقط بوصفه شفرة مدونة تعبيرًا عن الولاء لفئة فرعية من المعتقدات انبثقت عن العقيدة العلمية المركزية — أي التجريبية — معتقدات تشكلت في مرحلة أسبق من العلم الحديث، واستنفدت الآن مبرراتها. إذا صح هذا ينبغي أن نعمد — والحديث ما زال لمارجوليس — إلى استغلال مميزات الموجة المساعد على الكشف الكامنة في استحضار المناقشات الأسبق، بغير أن نقع في شراكها الاصطلاحية،٥٩ وهذا ما فعلناه في تحليلاتنا السابقة التي خلصت إلى أن سؤال المنهج لم ينته، بل واصل سيره حتى أصبح نظرة إبستمولوجية، شاملة وليس مجرد خطوات سائدة — كشفرة رمزية. ومهما يكن الأمر فسوف نرى كيف أن انبثاقة الوعي التاريخي قد بعثت حياة دافقة في شرايين فلسفة العلم، أكسبتها حيوية ونضارة وشبابًا متجددًا، يطرح أمامها مستقبلًا رحيبًا حاملًا دوائر يتوالى اتساعها لتساؤلات مستجدة لا تنتهي … ومتى كانت النهاية تلحق بعنقاء الفلسفة؟!

بدايةً، إذا كان الوعي التاريخي يعني الوعي بالظاهرة العلمية، ليس كمحض نسق منجز ومنتهٍ، بمنهج متعين وخصائص منطقية محددة، بل أيضًا الوعي بالعلم كفعالية إنسانية متنامية ومتغيرة عبر تيار الزمان، فلا شك أن هذا التطور في فلسفة العلم يرتد — في جانب منه — إلى ما تزامن معه من تسارع التقدم العلمي وتصاعد معدلاته تصاعدًا غير مسبوق، بلغ الذروة بتسخير الكومبيوتر بإمكانياته الجبارة كأداة عملاقة في يد العبقرية العلمية المبدعة، التي بدا واضحًا الآن أنه لا حد ولا نهاية لإمكانياتها المتوالية. فهذا هو الذي علَّم فلاسفة العلم اللاحقين أن العلم لم يعد البتة بناء مشيدًا من المعرفة المنجزة المثبتة، تبحث الفلسفة في تبريرها وتبرير صحتها ومصداقيتها، بل العلم فعالية منطلقة وكشوف متوالية تصوب ذاتها وتتجاوزها بثورات/دورات مظفرة، لا تهدأ ولا تسكن أبدًا.

وكما رأينا، كانت الوضعية المنطقية بنزعتها الضد تاريخية أقوى المدافعين وآخرهم عن منطق التبرير الذي يقتصر على بحث العلاقة بين النظرية والملاحظات التجريبية ورفضت بشدة منطق الكشف على أساس أنه متعلق بعوامل لا منطقية ولا تحليلية. وكان انتقال فلسفة العلم إلى موقف الوعي التاريخي مرتهنًا بانتقالها من منطق التبرير إلى منطق الكشف والتقدم والثورة، فيما يُعد تقويضًا لأسس النظرة الوضعية السكونية التبريرية الضد تاريخية، تقويضًا لعوامل نفي البعد التاريخي، ليتسع له المجال فيما بعد.

ولما كان كارل بوبر صاحب الفضل السابغ في الانتقال من منطق التبرير إلى منطق الكشف والتقدم، كان بدوره الرائد الجسور الذي أنجزت فلسفة العلم تحت رايته هذا العبور العظيم إلى الضفة الأخرى من القناة؛ ليواصل الزحف من بعد بوبر قواد آخرون لألوية في جيوش فلسفة العلم، تصل إلى العمق الاستراتيجي للوعي بتاريخ العلم، وتحصن مواقعها، فلا تقبل معاهدة ولا تطبيعًا مع جيوش الضد تاريخية المدحورة.

لم تعد أوساط فلسفة العلم الآن ترحب بنظرية تفشل في الاشتباك مع الوعي بتاريخ العلم، وأصبحت كل فلسفة لا تاريخية للعلم هي فلسفة عاجزة عن أداء مهامها باقتدار، أو هي — بتعبير لاكاتوش — خواء. فمضامين النظريات العلمية ذاتها، فضلًا عن مفاهيمها ومصطلحاتها — ومن قبل ومن بعد مناهجها — مرتبطة ومتكاملة مع تطورها التاريخي، ونحن في حاجة إلى فلسفة لتاريخ العلم، تنظر إليه بوصفه مستودعًا زاخرًا بالتصورات والرؤى التي تعين الفلسفة على تفهم حركية العلم، وتقوم بتوظيف تاريخ العلم كأداة تحليلية ونقدية للمفاهيم العلمية في نشأتها ونموها وتطورها عبر صيرورة التقدم العلمي. وصحيح أن العلم أولًا وقبل كل شيء نشاط عقلاني نظري، لكن ليس هذا كل ما في الأمر، العلم نمط من الممارسة المعرفية للإنسان، ممارسة ككل ممارساته لا تتأتى في جزائر منعزلة، بل في سياق جمعي مؤسسي. فلم يعد مرغوبًا النظر إلى العلم فقط بوصفه محض نشاط نظري عقلاني معرفي خالص، يحكمه أولًا وأخيرًا تعقب مزيد من الصدق. النظرية لا تنفصل عن إطارها، أو بتعبير توماس كون، نموذجها الإرشادي، وظروف وشروط نشأتها، بل وأهدافها وأغراض البحث الذي تمخض عنها حتى يمكن وصف العلم بأنه نشاط غائي يهدف إلى تحقيق غاية مسبقة.٦٠ والإبستمولوجيا التي استأثرت بالميدان طوال عهود غياب البعد التاريخي لم تعد كافية إذا رمنا تفسيرًا شاملًا للظاهرة العلمية وتقدمها المتوالي. المطلوب لتحقيق هذا فلسفة تاريخية تنظر إلى العلم كتنامٍ إبستمولوجي، وبوصفه نشاطًا إنسانيًّا اجتماعيًّا متغيرًا ومتطورًا. ويعني هذا ضرورة استيعاب الإبستمولوجيا وتجاوزها إلى أنطولوجيا للعلم — إن جاز التعبير — تستلزم فلسفة تاريخية وتاريخًا فلسفيًّا للعلم.٦١

ومن الناحية الأخرى أو الوجه الآخر للعملة، تغيرت النظرة إلى تاريخ العلم، فلم يعد مجرد سلسلة متوالية من الإجراءات الناجحة والكشوف المتعاقبة أو سير لشخصيات عظيمة وسجلٍّ زمني لتتابع مكتشفات العلماء، أو مجرد ترتيب زمني لوقائع متعلقة بكل هذا، بل هو رؤى تتخلق وتنمو وتتطور وتتبدل وتتعدل، وكأننا بإزاء أحداث الدراما الكبرى للفكر الإنساني، وقد تبوأ العلم دور البطولة المعرفية بلا منازع. وكان إنجاز توماس كون العظيم في تمثيل تاريخ العلم كتاريخ رؤى للعالم تفرضها النماذج القياسية الإرشادية المتوالية. لذا فكل تاريخ للعلم لا يتسلح بنظرة فلسفية هو تاريخ مصاب باعتوار قاتل، بل هو — كما أوضحت تحليلات إمري لاكاتوش — تاريخ أو تاريخ مستحيل أصلًا.

يمكن اعتبار هذه الأطروحة وقد لاقت تطبيقها في دراسة جوزيف أجاسي J. Agassi نحو أصول لتأريخ العلم Towards a Historiography of Science الصادرة عام ١٩٦٣م مع دراسة جرينباوم A. Grünbaum عن نظرية النسبية الخاصة كحالة أو مثال يوضح مدى أهمية فلسفة العلم بالنسبة لتاريخه. فقد انكبا على تبيان أن كل تأريخ للعلم مثقل بافتراضات فلسفية، في تطبيق أكثر عينية للخطوط العامة التي حملتها معالجة لاكاتوش للميثودولوجيات المختلفة. مثلًا إذا تبنى المؤرخ التجريبية المتطرفة الاستقرائية ورأى الوقائع الملاحظة تفصل القول في النظرية، انصب تأريخه على التجارب الفاصلة في تاريخ العلم، بينما يهتم آخر بالإشكاليات النظرية وأوجه التناقض ومناقشات المجتمع العلمي، وكأننا بإزاء فيلسوف التاريخ الشهير بندتو كروتشة B. Croce (١٨٦٦–١٩٥٢م) وهو يؤكد أن كل مؤرخ فيلسوف شاء أو أبى. وقد كان أجاسي أكثر توفيقًا في إثبات أن أي تصنيف لوقائع التاريخ العلمي يفترض قبلًا معايير فلسفية عن خصائص العلم التي تجعل الواقعة علمية، ومعيارًا واضحًا للتقدم العلمي يصنف على أساسه واقعة معينة بوضعها في سياق التطور العلمي. أما إذا انتقلنا من تأريخ التاريخ إلى تفسير تاريخه فبديهي أن دور المعايير الفلسفية سيصبح أشد وضوحًا وأكثر فعالية، إن لم تستأثر بالميدان.
أجل! تاريخ العلم وفلسفته مبحثان مختلفان ومتمايزان، لكنهما بنفس القدر يتكاملان. ولئن كان «يظن فيما مضى أن تاريخ العلم يبحث في وقائع وأحداث التطور العلمي، أو كيف كان العلم، أما الفلسفة فهي تبحث في معيار تقويمي لهذا التطور وكيف ينبغي أن يكون العلم، فقد اتضح الآن أنه لا تعامل مع وقائع بدون معيار، ولا تقويم بدون أحداث.٦٢ إنه شعار لاكاتوش الشهير «فلسفة العلم بدون تاريخه خواء، وتاريخ العلم بدون فلسفته عماء»، والذي ألقى ضوءًا كاشفًا على التمييز بين التاريخ الداخلي للعلم وتاريخه الخارجي.
هكذا أعادت الأوساط المعنية بالظاهرة العلمية ترتيب أوراقها، بحثًا عن نسيج لحمته فلسفة العلم وسداه تاريخه، بعد أن تجلت العلاقة التكاملية التبادلية الوثيقة بينهما، هذا بغير أن تتماوه الحدود بين النظرة إلى العلم من الداخل والنظرة إليه من الخارج. وقد اهتم فيلسوف العلم الفرنسي جورج كانجيم G. Canguilhem بإبراز التقابل بينهما. النظرة الداخلية internal الإبستمولوجية معنية بالعلم كفاعلية تخصصية مستقلة، كعقلانية إبستمولوجية — أو ما أسماه لاكاتوش الميثودولوجيات، تنصب على الأدوات الداخلية للنسق العلمي كدور الرياضيات والملاحظة والتجربة والفرض، والتنبؤ والتفسير … إلخ. وهي تحمل الشروط الضرورية لكنها ليست كل الشروط. هناك شروط أخرى، غير كافية بمفردها لكنها فعالة، نجدها في النظرة إلى العلم من الخارج، النظرة الخارجية external إلى العلم كنشاط إنساني يتأثر بأبعاد الحضارة الإنسانية ويؤثر فيها، ها هنا العوامل الاجتماعية والسيكولوجية والاقتصادية والسياسية والتقانية والبيئية … إلخ لا تتدخل مباشرة في المحتوى المعرفي أو في صميم مساره، لكنها تؤثر تأثيرًا فعالًا في تسارع أو تباطؤ التقدم العلمي، وقد تكون عامل بعث أو عامل وأد، كما نتبين — خصوصًا — من تحليل نشأة وانهيار الحضارات الكبرى في التاريخ.
إن العلم لا يتقدم، ولا ينفسح المجال أصلًا للجهود الإبستمولوجية، ما لم ينشأ في بيئة ثقافية متساندة تملك بواعث هذا التقدم؛ «لأن العلم لا يعمل وحده في فراغ، بل هو يفلح أرضًا مهدتها الثقافة السائدة من قبل أو تركتها صعيدًا زلقًا»،٦٣ إنه كما يقول جون ديوي يعمل في نطاق مؤسسة ثقافية تستوعب كافة الشئون الثقافية التي كانت قد استقرت حتى يمكن أن يتقدم العلم ذاته. والدور الأساسي للعبقرية الفردية في الكشف العلمي لا ينفي بحال أن العلم ليس البتة ظاهرة منعزلة تنمو بقدرتها الذاتية أو قوة دفعها الخاصة أو لا تخضع إلا لمنطقها الداخلي البحت، فتفاعل العلم مع المجتمع حقيقة لا سبيل لإنكارها،٦٤ ولا جدوى من هذا الإنكار.

إن العوامل الاجتماعية علة فاعلة وناجزة حتى في أبعد العلوم عن الواقع الاجتماعي وعن علم الاجتماع، ولعلها الرياضيات والفلك. الرياضيات هي ذاتها النظرة الصورية المجردة عن أي تشكل متعين، وناهيك عن التشكل الاجتماعي. وعلم الفلك يتعامل مع كيانات هي — بتعبير هنري بوانكاريه الطريف — بعيدة جدًّا عن الصراعات الانتخابية، ولا يحتمل أبدًا أن تدلي بصوتها أو تشارك فيها بحال ولن ينفق الساسة الناجحون أموالًا طائلة على الأبحاث الفلكية. فهل الرياضيات والفلك ينفصلان حقًّا عن الواقع الاجتماعي؟

أما الرياضيات — فمثلًا — إنجاز العرب البارز فيها وعلى مفترق الطرق بين الحساب والهندسة وبين الحساب والجبر لا يمكن فصله عن احتياج الحضارة الإسلامية الملح للتقاويم وتحديد مواقيت الشعائر واتجاه القبلة، وطرق الحجيج والتجار، والتوفيق بين التقويم الهجري القمري الذي تعمل به الدولة الإسلامية والتقويم الميلادي الشمسي الذي يحدد مواسم الحصاد، وبالتالي أوقات جباية الزكاة والضرائب والجزية في الأمصار الزراعية التي دانت للدولة الإسلامية، وحساب نفقات كل هذا، ونفقات الجيوش الجرارة وتوزيع أنفالها ونفقات المشاريع العمرانية الضخمة ومشاكل المساحة تقسيم الأراضي ثم نظام المواريث المعقد والدقيق في الشريعة الإسلامية، وحساب أثمان الجواري والعبيد الذين هم القوة الإنتاجية التي يُستثمر فيها المال، ولكن يتناقص الثمن تدريجيًّا كلما تقدم بهم العمر. وبالمثل، الإنجازات الفلكية التي شكلت العمود الفقري للعلم الحديث منذ الثورة الكوبرنيفية وقوانين كبلر وكشوف جاليليو حتى إنجاز نيوتن العظيم … فهذا لا يمكن فصله عن اكتشاف العالم الجديد واتساع حركة الملاحة العالمية وانشغال العصر باكتشاف خطوط وطرق ملاحية جديدة.

لذا أكد كارل مانهايم K. Manheim (١٨٩٣–١٩٤٧م) أن كل العلوم حتى المتخصصة جدًّا يمكن النظر إليها بوصفها قابلة للتشكل اجتماعيًّا، فضلًا عن عبثية محاولة الوصول إلى أية حقيقة بصورة مستقلة عن المعاني الاجتماعية والتاريخية.٦٥ يعد كارل مانهايم مؤسس علم اجتماع المعرفة Sociology of Knowledge، والذي انبثق عنه علم اجتماع العلم أو سوسولوجية العلم، وقد لامسنا حدودها مع توماس كون.
تنقسم سوسولوجية العلم إلى سوسيولوجيا معرفية Cognitive وسوسيولوجيا لا معرفية non-Cognitive للعلم. هذه الأخيرة اللامعرفية تبحث أثر العوامل الاجتماعية في التشكلات الخارجية للظاهرة العلمية، أسباب ومبررات نشأة معامل ناجحة في مكان ما، ارتفاع نسبة العلماء في تخصص معين في زمان ما، نمو واضمحلال التخصصات العلمية، احتياج ومتطلبات العلم من حيث هو مؤسسة، نزاهة أساليب منح ومنع الجوائز والبراءات، المسارات المتغيرة لمستقبل العلماء … وأمثال هذه الظواهر العلمية التي شكلت موضوعات مدرسة الدراسات الاجتماعية للعلوم في أمريكا، والتي ارتبطت على وجه الخصوص بأعمال روبرت مرتون R. Merton.
أما سوسيولوجيا العلم المعرفية، فهي تبحث في أثر العوامل الاجتماعية في تشكيل تصورات العلماء ومفاهيمهم، جذورها وأصولها الاجتماعية، كيف تكونت ولماذا دعمها المجتمع، خصوصًا المعتقدات التي لا تكفي العوامل الإبستمولوجية والقرارات الميثودولوجية — أي العقلانيات — لتبريرها. وتتفاعل سوسيولوجيا العلم مع فلسفة العلم وتتكامل معها إلى أقصى الحدود. في السوسيولوجيا اللامعرفية أكد روبرت مرتون على دور العالم الفرد، لكن في سياق عالمية العلم. العالمية تعني الحكم على الإنجازات العلمية بمعايير موحدة في أي مجتمع علمي في العالم أجمع. حاول مرتون تحديد هذه المعايير٦٦ في إشاعة النتائج بين الباحثين، والنزاهة والأصالة، بمعنى أن يكون الإنجاز العلمي إبداعًا أصيلًا للباحث وليس مسروقًا أو منحولًا أو ملفقًا، وأيضًا معيار الشك المنهجي الذي يذكرنا بالاختبارية ومحاولات التكذيب، على الإجمال تماثل هذه المعايير ما بحثه توماس كون تحت عنوان القيم التي هي محكات لتقويم الإنجازات العلمية والمفاضلة بينها، وتسهل ملاحظة كيف أن معايير مرتون وقيم كون على السواء تتشارك معًا في شغل منطقة وسطى، لن تملأها القيم الاجتماعية بمفردها، ولا المعايير المنهجية الفلسفية بمفردها.
أما الفرع الآخر من سوسيولوجيا العلم، وهو السوسيولوجيا المعرفية، فأكثر اتصالًا بفلسفة العلم ويشتبك معها مباشرة بحيث يمثل رافدًا لها. مثلًا صدرت عام ١٩٦١م في مجلة Science دراسة إمبيريقية رصينة لعالم الاجتماع برنارد باربر B. Barber ذي النزعة الوضعية التجريبية الحادة، موضوعها «مقاومة العلماء للكشف العلمي»، حاولت استكشاف العوامل التي تجعل عالمًا يميل لرفض مكتشفات وأفكار جديدة. وكشفت الدراسة عن عوامل تكاد تكون الصورة المعاصرة لأوثان فرنسيس بيكون. وقد وضع برنار النظرة المنهجية والنظرة اللاهوتية بوصفهما اثنين من أهم العوامل التي تدفع العالم إلى الوقوف في وجه الأفكار الجديدة. وليست تتكامل هذه الدراسة مع أوثان بيكون في القرن السابع عشر فحسب، بل من السهولة بمكان تصورها وهي تتكامل أكثر وأكثر مع المقولات الإبستمولوجية الحديثة، من قبيل التحصين ضد التكذيب وما تلقاه باكورة محاولات الخروج عن النموذج الإرشادي من مقاومة. وكد العلماء لطرح فروض مساعدة تشكل حزامًا واقيًا للنواة الصلبة في برنامج بحثهم وتدعيمها كي يواجه الشذوذات المستجدة …
هذا المثال يوضح إلى أي حد تغذي سوسيولوجيا العلم في جانبها المعرفي فلسفة العلم، وتتكامل معها إلى حد أن يتداخلا في بعض المواقع، وفلسفة العلم؛ إذ تستفيد من هذا المبحث فإنها مدينة بقدر ما هي دائنة له، فكما قيل بحق: «ظهور البرنامج القوي في الدراسات الاجتماعية للعلوم لا يمكن أن يحسب له حساب دون الرجوع إلى التطورات التي صاحبت ذلك في مجال فلسفة العلوم — التي لم تعد تضع أية حواجز أمام التفسيرات المبنية على الدراسات الاجتماعية.»٦٧
وكان الوعي التاريخي لا سواه هو الذي أزال تلك الحواجز، فضلًا عن أن أي تطبيق للتحليل الاجتماعي على تاريخ المعرفة العلمية يستلزم قبلًا تطور التاريخ العقلاني للعلم الذي تنجزه فلسفته٦٨ وبخلاف الوعي بتاريخ وفلسفة العلم، يضيف توماس كون عوامل أخرى أدت إلى تنامي الاهتمام بسوسيولوجيا العلم مؤخرًا، عوامل من قبيل دراسات التاريخ العام وعلم الاجتماع الألماني والفلسفة الماركسية …٦٩

والحق أن توماس كون شخصيًّا من أقوى هذه العوامل، وإذا استعرنا المصطلحات السابقة، يمكن القول إن سوسيولوجيا العلم تبحث في العوامل الاجتماعية للعلم من الخارج، من حيث علاقاته بالبنية الاجتماعية ككل وبوصفه إحدى — أو حتى أهم مكوناتها. أما توماس كون، فقد وجه الانتباه إلى أهمية سوسيولوجيا العلم من الداخل، شبكة العلاقات والعوامل التي تحكم مجتمع العلماء من حيث هو مؤسسة، والتي حاول كون أن يؤطرها بالقالب المبحثي وقالب المثلية.

وأصبح البحث في سوسيولوجيا المؤسسة العلمية مطلبًا ملحًّا بعد أن تعاظم شأنها في الواقع الراهن، حتى قيل إن عدد العلماء أو المشتغلين بالبحث العلمي الآن ثلاثة أرباع الذين اشتغلوا بالبحث العلمي طوال تاريخ البشرية! أما نسبتهم إلى إجمالي عدد السكان فلا تُقارن بأي عصر مضى، فضلًا عن تعقد لغتهم الرمزية وارتفاعها تمامًا عن مستوى الفهم العام بدون إعداد دراسي طويل يستغرق خير سني العمر، ومعداتهم وأجهزتهم بالغة التعقيد باهظة التكاليف، وصميم العمل الذي يؤدى في البحث العلمي، وهو عمل ذو كم وكيف، وبالتالي نتائج وآثار ومردودات لا تضاهى. فبات العالم المعاصر وبين ظهرانيه أمة من العلماء تفوق عددًا وعدةً وعتادًا وإعدادًا أممًا أخرى كثيرة، لا بد أن لها هي الأخرى قوانينها ومنظوماتها الاجتماعية.

لقد تأخر ظهور البعد السوسيولوجي في فلسفة العلم كثيرًا، ربما بسبب تأخر نمو علم الاجتماع ذاته، بينما كان هذا البعد يستلزمه منذ البداية الطابع الجمعي التعاوني الذي صاحب العلم الحديث منذ نشأته، بل منذ أن بشر فرنسيس بيكون بهذا في «أطلانطس الجديدة» عام ١٦٢٧م المدينة العلمية الفاضلة، حتى تم اعتماده رسميًّا بنشأة الجمعيات العلمية إبان القرن السابع عشر وأولها «أكاديمية التجربة العلمية» التي أنشئت في فلورنسا بإيطاليا عام ١٦٥٧م، وأهمها «الجمعية الملكية» في لندن عام ١٦٦٢م، ثم الأكاديمية الفرنسية في باريس عام ١٦٦٦م. وتلتهما أكاديميات أخرى كأكاديمية سان بطرسبرج الروسية عام ١٦٢٩م وأكاديمية برلين عام ١٧٤٤ …٧٠ وكان أحد انعكاسات هذا في القرن الثامن عشر أن تكاتف علماء فرنسا أجمعين بريادة العلماء ذوي الاستبصارات الفلسفية لإنجاز الموسوعة التي تهدف إلى تجميع المعارف المتفرقة، فلم يعد العلم إنجازًا شخصيًّا أو معرفة فردية. وبمرور الأيام وتواتر التقدم العلمي يزداد العلم إمعانًا في طابعه الجمعي التعاوني، بحكم العوامل الراهنة من قبيل التطور المعرفي الذي تسارع بمعدلات رهيبة بفعل الكومبيوتر وسائر التجهيزات المعملية المتقدمة وارتفاع تكاليف البحث العلمي وتعقد آلياته وضخامة برامجه، حتى برز التخطيط كقيمة كبرى في البحث العلمي، ودخلنا عهد التنظيم والإدارة والبحوث المستمرة التي تمولها المؤسسات الكبرى أو الدول. وأمام هذا الوضع لم يعد ممكنًا بحال أن تغفل فلسفة العلم أبعاده السوسيولوجية، فقد انزوت تمامًا صورة العالم يعكف وحيدًا مترهبنًا متصومعًا في معمله، الذي قد يكون مشيدًا بقبو منزله أو في أطراف حديقته، وهي صورة العالم منذ هيروفيلوس السكندري قبل الميلاد حتى جابر بن حيان في القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي وابن الهيثم وابن النفيس وصولًا إلى جاليليو ووليم جلبرت في القرن السادس عشر، وروبرت هوك في القرن السابع عشر، وبريستلي في القرن الثامن عشر وكلود برنار ولوي باستير في القرن التاسع عشر، وحتى بواكير القرن العشرين كانت ماري كوري لا تزال تحتفظ ببعض ملامح هذه الصورة التي اندثرت مع النماء والتطور المعاصر. والآن كما علمنا توماس كون الرائد ينبغي النظر إلى البحث العلمي من حيث هو برنامج ضخم يعكف على تنفيذه فريق من الباحثين في إطار مؤسسة كبرى.

فهل يمكن بعد كل هذا أن تظفر الفلسفة بتفهم حقيقي للظاهرة العلمية بصرف النظر عن أبعادها الاجتماعية؟ لقد فرضت الأبعاد السوسيولوجية نفسها على فلسفة العلم من حيث فرضت نفسها أيضًا الأبعاد السيكولوجية والسياسية والاقتصادية والتخطيطية والإدارية والبيئية والقيمية. على الإجمال أبعاد الظاهرة الإنسانية، جميعها انفتحت لها البوابة حين خرجت فلسفة العلم مدججة بالوعي التاريخي.

وفي هذا نلاحظ إلى أي حد نجد الوعي التاريخي كفيلًا بأنسنة النظرة العلمية والروح العلمية، كما لاح للمبشرين الرواد الذين آمنوا بقيمة الدراسة المنهجية الأكاديمية لتاريخ العلم، وعلى رأسهم وليم كليفورد W. K. Clifford (١٨٤٥–١٨٧٩م)، وجورج سارتون G. Sarton (١٨٨٤–١٩٥٦م) وهذا الأخير رأيناه في الفصل الأول رائدًا عظيمًا يرسم خطوط نزعة إنسانية جديدة تشتجر مع البعد العلمي على أساس من تاريخ العلم الذي يصور العلم كفاعلية إنسانية أصيلة ونبيلة.
وفي النهاية تتجلى في الضوء الكاشف للوعي التاريخي أطروحة بالغة الأهمية تؤكد ببساطة أن العلم «ظاهرة إنسانية»، إنها حقيقة أشد وضوحًا من شمس النهار، وتحت غيوم المطلق النيوتني، الزمان والمكان المطلقين، غابت هذه الحقيقة عن أنظار العلم الكلاسيكي وفلاسفته، الذين رأوا العلم نسقًا مغلقًا معقلنا مجردًا يقينيًّا حتميًّا، هو محض صورة إبستمولوجية لواقع أنطولوجي يلاحظه الباحث بحياد مطلق وموضوعية موهومة؛ ليعمم الملاحظات التي استقرأها في قوانين ضرورية الصدق، تلغي دور الفاعلية الإنسانية والإبداع الإنساني في خلق قصة العلم المثيرة والرائعة. ثم تقوضت هذه الصورة بفعل انهيار المطلق النيوتوني الحتمي الآلي الميكانيكي، باقتحام عالم الذرة وما دون الذرة، وبزوغ ثورتي الكوانتم والنسبية مع مطالع القرن العشرين. وقد ارتدت في نظرية المنهج الفرضي الذي يبدأ بفرض يبدعه العالم ثم يهبط إلى وقائع التجريب، وفي نهاية القرن يتكامل الفرض والتجربة، وتجلت الحقيقة الساطعة وهي أن العلم صنيعة إنسانية وإبداع إنساني، ونشاط إنساني وفعالية إنسانية ومغامرة إنسانية. وكما يقول مارجوليس في عمله الجاد المحيط المذكور آنفًا: «علم بغير وحدة: إصلاح ذات البين للعلوم الإنسانية والطبيعة» حيث يقول: «… إن مشاريع العلم هي بصورة حاسمة إنجازات إنسانية، الصفة الجذرية للعلم بعد كل شيء أنه نشاط إنساني. كل أنظمته الجديرة بالإعجاب نصونها نحن البشر، تحت الشروط والظروف التي تجعلها أكثر في الإعجاز والروعة؛ لذلك فكل العلوم هي علوم إنسانية من زاوية إنجازها الفعلي فلا يمكن تعيين خصائصها بمعزل عن ملامح الثقافة الإنسانية والتاريخ الإنساني واللغة الإنسانية، والخبرة الإنسانية والاحتياجات والاهتمامات الإنسانية.»٧١ لذلك فحتى العلوم الفيزيائية ذاتها لا تعدو أن تكون مشاريع ومغامرات إنسانية، وإذا كانت تفترض وجود عالم فيزيقي مستقل فإنها أولًا وأخيرًا تقبع داخل تساؤلات باحثين من البشر المثقلين بالأبعاد الثقافية.٧٢ ويقول مارجوليس إنه في هذا يأخذ تمامًا برأي توماس كون بأننا يمكن أن نتساءل عن عالم مستقل، ولكننا لا يمكن أن نقيم طبيعته بوصفه مستقلًّا عن تساؤلاتنا.
وبالطبع ليست المسألة تصورًا لتوماس كون أو مارجوليس أو سواهما، بل هو تصور لطبيعة العلم أدت كل العوامل إلى رجحان كفته، لا سيما بعد أن تغلغل فيها الوعي التاريخي، هذا التصور هو أنسنة الظاهرة العلمية، حتى انتقلت من وضع المطلق الثابت اليقيني الحتمي الضروري الأليق بأحكام الألوهية، إلى وضع النسبوية التي هي سمة كل موقف إنساني، والتي قد تبلغ حد اللامقايسة. إن النسبوية مهما تطرفت لا تقلل بحال من شأن المعرفة العلمية، ولا تمس من القيمة الموضوعية للتقدم؛ لأنها تصادر على أن التقدم العلمي مثل التطور البيولوجي، هو تسلسل لا يقبل الارتداد أو الانعكاس، أي إنه متصاعد دائمًا. ويتأكد وجود الإنسان ودوره المحوري في كل مرحلة وكل خطوة من خطوات العلم. وكما يقول عالم الفيزياء النووية الرائد الذي قاد ثورة الكوانتم الثانية بمبدئه الشهير في اللاتعين، ألا وهو فيرنر هيزنبرج: «إن بناء أو نظريات العلم في أية مرحلة ليست سوى حلقة من السلسلة اللامتناهية لحلقات الحوار بين الإنسان والطبيعة، ولم يعد من الممكن أن نتحدث ببساطة عن طبيعة بحد ذاتها. علوم الطبيعة إذن تفترض وجود الإنسان. وعلينا كما يقول نيلز بور N. Bohr أن نأخذ في الحسبان أننا لسنا المشاهدين، بل الممثلين في مسرح الحياة.»٧٣

وإذا كان عالم نيوتن، تلك الآلة الميكانيكية العظمى التي تسير وفقًا لقوانينها الذاتية وبفعل عللها الداخلية في زمان ومكان مطلقين، إزاء أي مراقب في أي وضع كان وبأية سرعة كانت، وكل ما عليه فقط أن يراقبه من وراء ستار إذا كان هذا هو عالم نيوتن، فإن عالم النسبية ليس هكذا البتة ولا بد من خلق أو على الأقل تحديد منظور وسرعة المراقبة. ولا تتأتى الملاحظة أصلًا في العالم الكمومي أو عالم الإلكترونات والجينات بغير فرض يفترض العقل ويستنبط منه وقائع الملاحظة. هكذا أصبحت فصول المسرحية العلمية تنبثق من قلب الواقع الإنساني بحدوده المعرفية ومتغيراته التاريخية، وأصبح العلماء كما أشار نيلز بور، ليسوا فقط مراقبين أو مشاهدين، بل هم أيضًا الممثلون والمخرجون والمؤلفون. فكأن العمل العلمي كالعمل المسرحي محض صنيعة للإنسان، وإن تميزت الصنعة العلمية بخصائصها ومميزاتها وفعالياتها وإيجابياتها الخاصة جدًّا جدًّا، التي تجعل العلم بلا جدال أنبل صنائع الإنسان طرًّا، وتاريخه أروع فصول حضارة الإنسان.

وفي النهاية ترتد أنسنة الظاهرة العلمية في هيمنة الوعي التاريخي على أجواء فلسفة العلم في الثلث الأخير من القرن العشرين. والمحصلة أن انتقلت من محض تحليلات منطقية إلى نظرة منهجية شاملة إلى فلسفة إبستمولوجية هي فلسفة الفعالية المعرفية والهم العقلي للإنسان، فأصبحت فلسفة العلم في النهاية فلسفة إنسانية حية خفاقة، لا تستغني طبعًا عن رصانة المنطق، وتظل دائمًا تنطلق من المحور المركزي الإبستمولوجي، لكن تستوعبه لتتجاوزه، فلم تعد قاصرة حتى على المشكلة الكوزمولوجية — التي رامها بوبر في تفجيره لطاقات الميثودولوجيا، بل أصبحت مشكلة فلسفة العلم أيضًا أنطولوجية وأكسيولوجية وسيكولوجية وسوسيولوجية واقتصادية وسياسية وتقانية وتخطيطية وإدارية وبيئية … بعبارة موجزة، أصبحت فلسفة العلم في القرن الحادي والعشرين تعني تكامل النظرة إلى العلم من الداخل مع النظرة إليه من الخارج. وبرز علم الذكاء الاصطناعي وتقنيات الحاسب الآلي لتؤكد أهمية النظرة المنطقية من الداخل، بينما تبرز العوامل الإنسانية الحضارية أهمية النظرة من الخارج. لذا يمكن القول: «إن النظرة المنطقية تفلسف علم الكومبيوتر أما النظرة التاريخية فتفلسف علم الإنسان».٧٤
ومن جراء تفاعل كل هذه العوامل تخلق الآن علم العلم Scientology٧٥ ليضم كل فروع الدراسات التي تؤدي إلى الإحاطة بظاهرة العلم، أولها بالطبع تاريخ العلم لا سيما من حيث هو رافد قوي لفلسفته التي أصبحت الآن مستعينة بسوسيولوجية العلم وسيكولوجيا البحث والإبداع العلمي، قيم البحث وقيم المجتمع العلمي الكائنة وما ينبغي أن تكون، علاقة العلم بالأطر الأيديولوجية وبالأنظمة السياسية، اقتصاديات العلم والدراسة المقارنة للمؤسسات العلمية والأسس التخطيطية لنشأتها، وتحديد أهدافها والأساليب المثلى لإدارتها، والتوظيف الأمثل لنظم المعلومات وبرامج الحاسوب وشبكة الاتصالات العالمية «الإنترنت» والإعلام العلمي على إطلاقه، أي مقروءًا أو مسموعًا أو مرئيًّا، والأشكال الأخرى لعلاقة العلم بالمجتمع، وقضية الثقافة العلمية، والاهتمام الخاص بمناهج وأساليب تدريس العلوم وإعداد العالم، وسائر أبعاد تنمية المناخ المهيئ للعطاء العلمي.

ومهما ابتعدت أو استقلت بعض فروع هذه الدراسات من الفلسفة، فإن فلسفة العلم تظل حاجة ملحة، كبوتقة ضامة تتكثف فيها كل الجهود الرامية لتفسير وتفهم ظاهرة العلم من الداخل ومن الخارج.

والخلاصة التي ننتهي إليها أن الوعي التاريخي لم يكن مجرد عامل مستجد أو حدث طارئ في مسار فلسفة العلم، بل كان ضرورة لا بد وأن تستجيب لها لتواصل النماء والتقدم، فقد جعل الفلسفة تنظر إلى العلم في ضوء تطوره التاريخي، وبالتالي عبر تفاعله مع البنيات الحضارية والاجتماعية والثقافية بأبعادها الشتى، ومن هنا دفع الوعي التاريخي بفلسفة العلم إلى فتح قوقعة اللؤلؤة الإبستمولوجية، وإلى أن تكف عن حصر نفسها بين أصدافها الصلدة التي تصون كيانها الجوهر.

وأدرك الرواد اللاحقون أن قلائد فلسفة العلم إذا أرادت أن تحتل موقعها اللائق على الصدر الراهن، فلا بد وأن تعمل على التكامل والتناظم بين هذا اللؤلؤ الإبستمولوجي بأضوائه المنطقية والمنهجية الوهاجة وبين فرائد أخرى للنظرة العلمية.

أجل، لا مماراة البتة في قيمة اللؤلؤ المكنونة المصونة على الدوام، بيد أن نهايات القرن العشرين تجاوزت مرحلة الافتنان والانبهار بالعلم وسر عظمته إلى مرحلة حسن تشغيله وتوجيهه، وتطويعه وترويضه لمواجهة مشكلات مستجدة بفعله، من قبيل المشكلة الإيكولوجية — مشكلة البيئة — واستنفاد الموارد ومصادر الطاقة المخزونة وتراكم النفايات والتكنولوجيات الترفيه الفارغة ومشروع الجينوم البشري وأخلاقيات الاستنساخ والتحكم في الصفات الوراثية للإنسان التعاظم المتوالي لأسلحة الدمار الشامل التي لا تُستخدم إلا في استنفاد موارد الدخل القومي … إلخ.

إن القرن الحادي والعشرين هو عصر توظيف وتشغيل المعلومة والنظم المتكاملة والتخصصات المتداخلة والبرامج المركبة … تتعاون جميعها لسد حاجات معرفية ملحة ومتزايدة …

واللؤلؤ وحده لم يعد يكفي.

١  شفيريف، المعرفة العلمية كنشاط، ترجمة طارق معصراني، دار التقدم، موسكو، ١٩٨٩م، ص٨٧. هذا الكتاب عرض تطبيقي جيد لضرورة المنظور التاريخي في كل القضايا التي تثيرها فلسفة العلم ومنهجه. صدر قبيل انهيار الاتحاد السوفيتي بشهور، فلا يخلو من خطوط التفسير المادي للتاريخ، ومع هذا له قيمة إبستمولوجية عميقة إلى أبعد الحدود.
٢  المرجع السابق، ص١٠٣.
٣  Larry Laudan, Progress And Its Problems: Toward a Theory of Scientific Progress, Routledge & Kegan Paul, London, 1977, P. 125.
٤  A. Polikarov, Science And Philosophy, Pulishing House of The Bulgarian Academy of Science, Sofia, 1973, PP. 29-30.
٥  أبو بكر بن عبد القادر الرازي، مختار الصحاح، المطبعة الأميرية، القاهرة، ١٩٥٠م، ص١٠٤، وأحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي، المصباح المنير، المطبعة الأميرية، القاهرة، ١٩٢٢م، ص٥٢.
٦  Bernard Cohen, William Whewell And The Concept of Scientific Revolution, In: Essays in Memory of Imre Lakatos, op, cit., P. 55.
٧  د. فؤاد زكريا، باشلار (جاستون)، مادة في: معجم أعلام الفكر الإنساني، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ١٩٨٤م، ص٨٣٨–٨٤٠.
٨  جاستون باشلار، تكوين العقل العلمي، ترجمة د. خليل أحمد خليل، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الثانية، ١٩٨٢م، ص١١.
٩  جاستون باشلار، الفكر العلمي الجديد، ترجمة د. عادل العوا، مراجعة د. عبد الله عبد الدائم، منشورات وزارة الثقافة والسياحة والإرشاد القومي، دمشق، ١٩٦٩م، ص٩٣.
١٠  السابق، ص١٤٥-١٤٦.
١١  باشلار، تكوين العقل العلمي، ص١٥.
١٢  باشلار، المرجع السابق، ص١٥.
١٣  Louis Althusser, Politics And History, Trans by Ben Brewser, NIB, Bristol, 1972, PP. 13 et, Seq.
١٤  K. Popper, Logic of Scientific Discovery, p. 52.
١٥  كارل بوبر، عقم المذهب التاريخي، ترجمة د. عبد الحميد صبرة، ص٣٩.
١٦  Karl Popper, The Open Society And Its Enemies, Vol, I: The Spell of Plato, (1943), Routledge & Kegan Paul, London, 1992, P. VII.
١٧  تكثر في ثنايا أعمال بوبر المحاولات الرائدة لإعادة تاريخ النظريات الفلسفية الكبرى فتغدو في صورة قشيبة تمامًا، نذكر على وجه الخصوص محاولته العميقة والمبتكرة حقًّا لإعادة تاريخ نظرية المثل الأفلاطونية وتصور أفلاطون للصور والأشكال والأفكار، لندرك أنها كانت محصلة الخطوط السابقة عليها للنزعة التاريخية التي تزعم سير التاريخ في مسار محتوم، وأدت بأفلاطون إلى سوسيولوجيا وصفية وتصور لبرامج الحكم … كانت لا سواها المقدمة التي أفضت في العصر الحديث إلى أيديولوجيات المجتمع المغلق المضادة للمجتمع الليبرالي المفتوح للرأي والرأي الآخر والتنافس بين الأفكار المطروحة للوصول إلى أفضل حل ممكن للمشكلة المعينة … هذه الأيديولوجيات المغلقة التي بلغت ذروتها في الماركسية — حسبما يرى بوبر — هذا هو موضوع المرجع السابق The Open Society And Its Enemie vol, I.
١٨  Thomas S. Kuhn, The Structure of Scientific Revolutions, The University of Chicago Press, 2nd enlarged ed., 1970, PP. V: VII.
ولهذا الكتاب ترجمة عربية جيدة: بنية الثورات العلمية، ترجمة شوقي جلال، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، ديسمبر ١٩٩٢م، سبقتها ترجمة أخرى قام بها د. ماهر عبد القادر بعنوان: «تركيب الثورات العلمية»، دار النهضة العربية، بيروت، ١٩٨١م، الطبعة الثانية ١٩٨٩م.
١٩  آرثر لفجوي، سلسلة الوجود الكبرى، ترجمة د. ماجد فخري، دار الكاتب العربي، بيروت، ١٩٦٤م، ص٥٠.
٢٠  المرجع السابق، من مقدمة للمترجم، ص١٤.
٢١  Thomas S. Kuhn, The Copernican Revolution, Harvard University Press, Cambridge, 1957, p. 4.
٢٢  Thomas S. Kuhn, The Structure of Scientific Revolutions, P. 37–63.
٢٣  فكرة اللامقايسة رائعة حقًّا. إن تفكرنا فيها مليًّا فلن نجدها تفسيرًا لبعض مظاهر التقدم العلمي فحسب، بل أيضًا لجوانب أخرى عدة في شتى مظاهر الحياة. وهذا ما سيلاحظه فييرآبند فيما بعد. إن خطوط فلسفة العلم المعاصرة تسير بعامة نحو إثبات أن العلم هو الحياة، هذا طبعًا بخلاف قيمة فكرة اللامقايسة في تفسير طبيعة التقدم العلمي، وفي فلسفة العلم بصفة عامة، مع هذا لاقت نقدًا من جهات شتى، كشأن كل الأفكار الفلسفية.
٢٤  T. Kuhn, The Structure of Scientific Revolutions, P. 138.
٢٥  John Watkins, Against Normal Science, In: I. Lakatos & Allan Musgrave (eds), Criticism And Growth of Knowledge, Cambridge University Press, 1979, PP. 25–37, P. 27.
٢٦  T. Kuhn, Reflections on My Critics, in: Criticism And Growth of Knowledge, PP. 231–277, P. 236.
٢٧  يضع قاموس المورد كمعنى المؤسسة الاجتماعية Institution: التي هي نمط منظم من سلوك الجماعة راسخ الجذور ومعدود جزءًا أساسيًّا من حضارة أو ثقافة كالزواج أو الرق. وهذا بالضبط هو المعنى المقصود والمطلوب إسباغه على «العلم» كمؤسسة، أو على «المؤسسة العلمية».
٢٨  W. H. Newton Smith, The Rationality of Science, Routledge & Kegan Paul, London, 1981, P.
٢٩  جاستون باشلار، العقلانية التطبيقية، ترجمة د. بسام الهاشم، دار الشئون الثقافية، بغداد، ١٩٨٧م، ص٣٠.
٣٠  T. Kuhn, Logic of Discovery or Psychology of Research, in Criticism And Growth of Knowledge, pp. 1–23, p. 21.
٣١  T. Kuhn, The Structure of Scientific Revolutions, P. 208.
٣٢  Thomas Kuhn, Comment on The Relation of Science And Arts, in: Comparative Studies in Philosophy And History, N. XI, 1969, PP. 403–412.
٣٣  د. صلاح قنصوة، فلسفة العلم، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة، ١٩٨١م، ص١٠٠.
٣٤  د. سالم يفوت، فلسفة العلم والعقلانية المعاصرة، دار الطليعة، بيروت، ط١، ١٩٨٢م، ص٢٢.
٣٥  W. V. Quine, On Popper’s Negative Methodology, In: P. A Schipp (ed.), The Philosophy of Karl Popper, Open Court Publishing, IIIinois, 1971, Vol, 14, I, P. 218.
٣٦  Robert Audi (ed.), The Cambridge Dictionary of Philosophy, 1955, P. 211-212.
٣٧  Alan Musgrave, Method or Madness, In: Essays in Memory of Imre Lakatos, PP. 457–491.
٣٨  شفيريف، المعرفة العلمية كنشاط، م. س. ص١٢٤.
٣٩  I. Lakatos, The Methodology of Scientific Research Programmes, Cambridge University Press, 1978, P. 48-49.
٤٠  Ibid, P. 103.
٤١  I. Lakatos, The Methodology of Scientific Research Programmes, P. 114.
٤٢  Larry Laudan, Progress And Its Problems، P. 168.
٤٣  I. Lakatos, The Methodology of Scientific Research Programmes, P. 102.
٤٤  بصرف النظر عن أن رائده بوبر من أقوى نقاد الماركسية، نلاحظ أن لاكاتوش بعد أن تولى في وطنه المجر منصبه الرفيع في وزارة التعليم، قضى أربع سنوات (١٩٥٠–١٩٥٣) بالسجن في حبس انفرادي، وهذا بتهمة وُجهت للكثيرين من راغبي إصلاح الماركسية المخلصين لها، أمثال أنطونيو جرامشي، وهي تهمة المراجعية Revisionism، أي إعلان الولاء للماركسية من أجل التسلل إلى صفوف الطبقة العاملة وإشاعة التشكيك في مبادئ الماركسية.
٤٥  Karl Popper, Three Views Concerning Human Knowledge: in his: Conjectures And Refutations: Growth of Scientific Knowledge, PP. 97–119.
وبوبر في مستهل هذه الدراسة يوضح أنها تتوقف على قيمة ما اكتسبناه أخيرًا من أن نفكر تفكيرًا تاريخيًّا historically، Learned at last to think.
٤٦  I. Lakatos, The Methodology of Scientific Research Programmes, P. 138.
٤٧  J. Polkinghorne, Beyond Science, P. 5.
٤٨  Paul Feyerabend, Against Method, Revised Edition, Verso, London, 1992, P. 9.
٤٩  دفاع فييرآبند الحار عن النسبوية من كل الجوانب في دراسته Relativism Notes on في: Paul k. Feyerabend, Farewell to Reason, Verson, London, 1987, PP. 19–89.
٥٠  Paul K. Feyerabend, Three Dialogues On Knowledge, Blackwell, Oxford, 1992, P. 156.
٥١  Paul k. Feyerabend, Philosophical Papers, Vol, I: Realism, Rationalism And Scientific Method, Cambridge University Press, 1981, p. 15.
٥٢  P. K. Feyerabend, Against Method, P. VII.
٥٣  Bryan Magee, Karl Popper, P. 61.
٥٤  S. Toulmin, Foresight and: Understanding: An Enquiry Into The Aim of Science, 1982, P. 110.
٥٥  B. L. Silver, The Ascent of Science, P. 50 n.
٥٦  جاستون باشلار، تكوين العقل العلمي، ترجمة د. خليل أحمد خليل، ص١٥.
٥٧  جاستون باشلار، العقلانية التطبيقية، ترجمة د. بسام الهاشم، م. س. ص٤١.
٥٨  جاستون باشلار، الفكر العلمي الجديد، ترجمة د. عادل العوا، ص٥٣.
٥٩  J. Margolis, Science Without Unity, P. xix.
٦٠  M. W. Wartofsky, The Relation Between Philosophy of Science And History of Science, P. 718.
٦١  Ibid, P. 737.
٦٢  Larry Laudan, Progress And Its Problems, P. 156.
٦٣  د. صلاح قنصوة، فلسفة العلم، م. س. ص٧٢.
٦٤  د. فؤاد زكريا، التفكير العلمي، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، ط٣، ١٩٨٨م، ص٢١٧.
٦٥  كارل مانهايم، الأيديولوجيا واليوتوبيا: مقدمة في سوسيولوجيا المعرفة، ترجمة وتقديم د. محمد رجا الدريني، تقديم د. خلدون النقيب، شركة المكتبات الكويتية، الكويت، ١٩٨٠م، ص١٤٩.
٦٦  Robert K. Merton, Sociology of Science: The Theoretical and Empirical Investigations, University of Chicago Press, 1973, P. 260.
٦٧  تريفور بنش، دور الجماعات العلمية، في تنمية العلوم، ترجمة د. محمد أمين سليمان، في: مجلة العلم والمجتمع، اليونيسكو، فبراير ١٩٩٠م، ص٣٧–٤٤، ص٤٠.
٦٨  L. Laudan, Progress and its Problems, P. 221.
٦٩  Thomas Kuhn, The History of Science, P. 76.
٧٠  د. فؤاد زكريا، التفكير العلمي، ص١٧٠-١٧١.
٧١  Joseph Margolis, Science Without Unity: Reconciling The Human And Natural Sciences, P. 23.
٧٢  Ibid, P. 17.
٧٣  فيرنر هيزنبرج، الطبيعة في الفيزياء المعاصرة، ترجمة د. أدهم السمان، دار طلاس، دمشق، ١٩٨٦م، ص٢١.
٧٤  D. Gillies, Philosophy of Science in Twentieth Century, P. 68.
٧٥  شوقي جلال، على طريق توماس كون، المكتبة الأكاديمية، القاهرة، ١٩٩٧م، ص٤٤ وما بعدها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١