الفصل الأول

مولد سَفَّاح

«ثم كانت تظهر بَثْرَة على أفخاذهم أو على أعضادهم … كانت هذه تصيب الجسم بأكمله، فكان المريض يتقيأ دمًا بشدة. كان هذا التقيؤ للدم يستمر بلا انقطاع طِيلَة ثلاثة أيام، ولم توجد وسيلة لعلاجه، ثم يَلْقَى المريض حَتْفَه.» هكذا وصف الراهب الفرنسيسكاني مايكل من بلدية بياتسا كرب أولى ضحايا الموت الأسود.

في أكتوبر عام ١٣٤٧، كان كل ما يعرفه الأشخاص الذين عاشوا في هذا الزمن هو أن مرضًا مُعْدِيًا فَتَّاكًا وغيرَ معروف مِنْ قَبْلُ قد ظهر من العَدَم في جزيرة صقلية. ولم يَكُنْ بمقدورهم أن يجدوا سبيلًا لفَهْم طبيعة خَصْمِهم.

كان حجم الكارثة غيرَ مسبوق؛ إذ لم يَكُنْ يوجد أي علاج، وكان كل شخص يُصاب بالعدوى يموت ميتة شنيعة بحق. كان هذا أول ظهور لطاعون من شأنه أن يدمر أوروبا على مدار الثلاثمائة عام التالية، ويحصد أرواح ملايين لا حصر لها من الضحايا؛ أكبر سَفَّاح على مرِّ العصور وأكبر حادث مأساوي في تاريخ البشرية.

(١) قصة الضحايا الأوائل

إن الروايات المعاصرة عن أول ظهور للطاعون تتحدث إلينا عبر القرون، ناقلة شيئًا من الرعب والإحباط الْمُطْلَقَيْنِ اللذين ابتُليت بهما شعوب بأكملها. وصف الراهب مايكل من بلدية بياتسا كيف أن ١٢ سفينة قادمة من مدينة جنوة الإيطالية، قيل إنها خرجت من القرم، قد دخلت ميناء مسينة في صقلية، وأطقمها الذين حملوا مثل هذا المرض المعدي «في عظامهم حتى إن كل شخص تحدث إليهم فحسب كان يُصاب بمرض مُهْلِك يستحيل معه الفرار من الموت. انتقلت العدوى إلى كل شخص تعامل مع المريض بأي شكل، وقد شعر المصابون بألم يخترق كل أنحاء جسدهم.»

يبدو أن أطقم السفن كانوا أصِحَّاء ولم تظهر عليهم أية أعراض، ومع ذلك خرَّ أهل مسينة صَرْعَى سريعًا. عندما أشارت السلطات بأصابع الاتهام إلى السفن، باعتبارها المسئولة عن جلب هذا المرض المخيف، طردوها من الميناء وأجبروا أطقمها على الإبحار مرة أخرى. أما أطقم البحارة، الذين كانوا لا يزالون يتمتعون بوافر الصحة، فلا بد أنهم كانوا في حَيْرة وسُخْط.

قيل إنهم أبحروا من هناك إلى جنوة، ولدى وصولهم بدأت نوبةُ تفشٍّ جديدة للوباء المميت، حيث انتشر المرض سريعًا، تقريبًا في نفس الوقت الذي رست فيه السفينة. مرة أخرى، تشير التقارير إلى أن أفراد الأطقم نَجَوْا من الطاعون، ومع ذلك:

ظهرت العدوى في جنوة في أبشع صورها بعد يوم أو يومين من وصول السفن، «مع أنه لم يَكُنْ أيٌّ من أولئك الموجودين على مَتْنها يعاني من الطاعون» لأننا نعلم أنه لم تَكُنْ توجد حالات طاعون على مَتْن السفن، مع أن هواء أو رائحة القادمين الجدد بَدَتْ كافيةً لتلويث هواء جنوة ونقل الموت إلى كل جزء في المدينة في غُضون أيام قلائل.

من الواضح أن هذه التقارير انطوت على مبالغة كبيرة، وقد خلصنا إلى أن الوباء كان قد تفشَّى بالفعل بحلول الوقت الذي وصلت فيه السفن إلى مسينة. ونظرًا لأن أطقم السفن كانوا يتمتعون بوافر الصحة بعد رحلة دامت على الأقل شهرًا، بالإضافة إلى الرحلة الأبعد إلى جنوة، فمن المستحيل أنهم كانوا يحملون العَدْوَى. ومجرد وصولهم في الوقت الذي أدرك فيه أهل مسينة أنهم يتعرضون لوباء كان حَتْمًا مجرد صدفة بَحْتَة. ونخلص من هذا إلى أنه كان يوجد في الغالب ضحايا لم يُتَعَرَّف عليهم ماتوا من الطاعون في مسينة على مدار بضعة أسابيع قبل وصول السفن.

في غَمْرة آلام الوباء الناتج، رأى أهل مسينة أن أدنى اتصال مع المصاب يضمن سرعة حدوث العدوى. كتب الراهب مايكل قائلًا:

سرعان ما مَقَتَ الناسُ بعضهم بعضًا بشدة؛ لدرجة أنه إذا ما هاجم المرض ابنًا، فإن أباه ما كان ليعتني به، وإذا حدث — وبالرغم من كل المخاطر — وتجرأ ودَنا منه، فإنه كان يُصاب بالعدوى في الحال، ولا مفرَّ من الموت في غُضون ثلاثة أيام. لم تَكُنْ هذه نهاية المطاف؛ فكل أولئك الذين يخصُّونه أو يقيمون في المنزل نفسه، حتى القطط والحيوانات الداجنة الأخرى، كانوا يتبعونه إلى القبر. وفيما تزايدت أعداد الموتى في مسينة، تمنى كثيرون أن يعترفوا بخطاياهم للكهنة، وأن يحرروا وصاياهم وشهاداتهم الأخيرة، إلا أن القساوسة والمحامين والوكلاء القانونيين رفضوا الدخول إلى منازل المرضى، فإذا ما وَطِئَ أحدُهم بقَدَمه مثل هذا المنزل ليُحَرِّر وصية أو لأية أغراض أخرى، حُكم عليه بالموت المفاجئ. الرهبان المنتمون إلى رهبنة الإخوة الأصاغر (الفرنسيسكان) والرهبان الدومنيكان وأعضاء الرتب الدينية الأخرى الذين استمعوا إلى اعترافات الْمُحْتَضَرِين، كان يقعون فريسة للموت في الحال، بل إن البعض ظلوا في غرف الْمُحْتَضَرِين.

وسرعان ما كانت الجثث ترقد مهملة في المنازل، فلا قس ولا ابن ولا أب ولا أي ذي صلة قرابة كان يجرؤ على أن يقترب منها، لكنهم كانوا يدفعون أجورًا كبيرة للخدام لدفن الموتى. وظلت منازل المرضى مفتوحة بكل مقتنياتها الثمينة والذهب والمجوهرات؛ فمتى قرر أحد الدخول لم يَكُنْ يوجد مَنْ يمنعه؛ لأن الطاعون شن هجمة شرسة لدرجة أنه سرعان ما حدث نقص في أعداد الخدم، ولم يَتَبَقَّ أحدٌ في نهاية المطاف.

قد يكون بعض أجزاء هذه الرواية مبالغًا فيه، إلا أنها تنقل بصورة حية الرعب والفزع الذي انتاب كل شخص عندما ضرب هذا الطاعون الجديد أول ما ضرب. لقد رزحوا تحت وَطْأَة ضراوة هذا المرض الغامض الذي كان يفوق تمامًا نطاق خبرتهم في الحياة. ثمة شيء واضح وضوح الشمس — وهو خيط مهم — ألا وهو أنهم أدركوا في الحال أن انتقال العدوى يحدث مباشرة من شخص لآخر.

مع موت المئات وحدوث العدوى المؤكَّدة مع أضعف احتكاك بالمرضى، تَمَلَّكَ الذُّعر أهل مسينة المتبقين وفَرُّوا. لكن فيما ظنوا أنهم يتمتعون بوافر الصحة، فإنهم لم يكونوا على دراية بأنهم يحملون الطاعون معهم دون أن يَدْرُوا.

استقرت مجموعة من اللاجئين في حقول وكروم جنوبي صقلية، إلا أن كثيرين منهم خَرُّوا صَرْعَى في الطريق ولَقُوا حَتْفَهم. التمس آخرون اللجوء إلى الميناء المجاور، ويدعى كاتانيا، حيث جرت رعايتهم في المستشفى إلى أن صَرَعَهم الموت، إلا أن أهل كاتانيا سرعان ما أدركوا الخطأ الذي وقعوا فيه؛ فما كان يجدر بهم أن يستقبلوا هذه العدوى المروِّعة في بلدتهم، وسرعان ما طُرحت الجثث في خنادق خارج الأسوار، وجرى فرض القيود الصارمة على الهجرة إليهم.

يروي الراهب مايكل أن «أهل كاتانيا كانوا أشرارًا وكان يتملكهم الخوف لدرجة أنه لم يَكُنْ أحد منهم يتعامل مع اللاجئين أو يتحدث إليهم، إنما كل كان يفِرُّ سريعًا لدى اقتراب هؤلاء اللاجئين». سواء أكانت هذه علامة على «الشر» أم تصرفًا بَدَهِيًّا مَحْضًا، فقد سَبَقَ السَّيْفُ الْعَذَلَ واجتاح الموتُ الأسودُ البلدة: «فقدَتْ بلدة كاتانيا جميعَ قاطنيها ليطويها النسيان في نهاية المطاف.» على الأرجح كان الراهب مايكل يغالي مرة أخرى، إلا أن الصورة واضحة.

لقد فرَّ أهل مسينة في هَلَع جنوني، ناشرين الطاعون في كل أنحاء صقلية. كان تعداد الوَفَيَات كبيرًا في سيراقوسة، ويُقال إن ميناء تراباني أصبح خاليًا من السكان.

(٢) أعراض الطاعون

كيف كانت أعراض الإصابة بالموت الأسود؟ فيما يلي وصف الراهب مايكل لأعراض الطاعون، وهذا وصف لا يصلح لضعاف القلوب:

ظهرت «تَقَرُّحات حارقة»، وتكونت الْبُثُور في أجزاء مختلفة من الجسم: عند البعض على الأعضاء التناسلية، وعند آخرين على الأفخاذ أو الأذرع، وعند فريق ثالث على الرقبة. في البداية كانت هذه البُثور في حجم البُنْدُقة وكان المريض تَسْتَبِدُّ به نوباتُ رَعْشة عنيفة، سرعان ما تتركه في حالة هُزال شديد حتى إنه لم يكُنْ يَقْوَى على الوُقوف، إنما كان يُضْطَرُّ إلى الاستلقاء في الفراش، تَنْهَشُه حُمَّى عنيفة ويَرْزَح تحت وَطْأَة الْكَرْب الشديد الذي أصابه. بعد قليل تكبر البثور لتصيرَ في حجم ثمرة الجَوْز، ثم في حجم بَيْضة الدجاجة أو بَيْضة الإوَزَّة، وهي مؤلمة للغاية وتؤدي إلى تهَيُّج الجسم؛ فيتقيأ دمًا من خلال إتلاف العصارات. كان الدم يرتفع من الرئة المصابة إلى الحَلْق فيُحدث تعَفُّنًا، وفي نهاية المطاف تَأْثيرًا تحليليًّا في الجسم بأكمله. كان المرض يدوم ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع — على أقصى تقدير — يموت المريض.

ربما يكون ممكنًا تكملة هذه الرواية بالوصف الآتي الذي قدمه عالم الإنسانيات الفلورنسي جيوفاني بوكاتشيو عندما اجتاح الطاعون فلورنسا:

على عكس ما شُوهد في الشرق حيث النزف من الأنف نذير للموت، شهدنا نحن هنا أورامًا في منطقة أعلى الفخذ أو منطقة الإبْط، بعضها في حجم التفاحة الصغيرة وبعضها في حجم البيضة، بعدها تغطي بُقَع أُرْجُوَانِيَّة معظم أجزاء الجسم: في بعض الحالات تكون كبيرةً وقليلةَ العدد، وفي حالات أخرى تكون صغيرةً وكثيرةَ العدد، وكان كلا النوعين نذيرين معتادَيْن للموت. لم يَكُنْ لكل من المعرفة الطبية وقوة العقاقير أي تأثير في علاج هذا المرض … جميع المصابين تقريبًا لَقُوا حَتْفَهم في اليوم الثالث من بَدْء ظُهور الأعراض، كان البعض يموت أسرع من البعض الآخر، وكان ذلك يحدث دون الإصابة بأي نوع من أنواع الحمى أو أية أعراض ثانوية أخرى. ما جعل هذا الطاعون فتاكًا، أنه لمَّا كان ينتقل من المرضى إلى الأصحاء، فإنه كان ينتشر بصفة يومية … ليس فقط من خلال مجرد التحدث إلى المريض أو الاقتراب منه، لكن حتى من خلال لمس ملابسه.

سرعان ما أصبح جَلِيًّا أنه لم يَكُنْ يوجد علاج: فما إن تظهر الأعراض المخيفة، حتى كانت النهاية المؤلمة تبدو حتمية، فعندما كانت «أمارات الرب» — بُقَع نزفية ناتجة عن تسرب الدم من الأوعية التالفة تحت الجلد — تظهر على الجسم، فإنها كانت بمنزلة شهادة الموت وبداية أربعة أو خمسة أيام من الآلام الْمُبَرِّحة والهِياج والهَذَيَان. وكان عطش الضحايا لا يُروى حتى إن بعضهم كان يجري عاريًا في الشوارع وهو يصرخ ثم يلقي بنفسه في صهاريج المياه. آخرون كانوا يفقدون صوابهم بالكامل من الألم، بل كانوا يُلْقُون بأنفسهم من النوافذ. كان يحدث نزيف داخلي، وفي الأيام الأخيرة كانت أعضاء الجسم الحيوية تبدأ في الذوبان. كان الموت عتقًا رحيمًا لهم بحق.

(٣) انتشار الذعر في أنحاء إيطاليا

منذ بداية الطاعون وهو ينتقل إلى الخارج من خلال وسيلتين: السفن، حيث يمكنه أن يقطع أميالًا عديدة ليظهر في ميناء جديد تمامًا، وسيرًا على الأقدام حيث يزحف ببطء لكن بشكل مؤكد على الأرض.

figure
وصول الموت الأسود إلى مسينة في جزيرة صقلية وانتشاره بعدها في أنحاء مدن البحر المتوسط عن طريق السفن.

تحتل جزيرة صقلية موقعًا محوريًّا في البحر المتوسط، وكان كل من مينائَيْ مسينة وكاتانيا محطة توقف مهمة للتجارة البحرية. كانت التجارة هي السبب في انتشار الطاعون، ومن صقلية انتشر المرض إلى شمال أفريقيا عن طريق تونس، وإلى جزر البليار وقبرص، وإلى كورسيكا وسردينيا. لو أن الطاعون اقتصر على هذه المناطق، فلربما اندثر بل لربما أغفله التاريخ، إلا أن الطاعون شنَّ بعض الضربات الحرجة في الوقت نفسه تقريبًا.

وصل الطاعون إلى جنوة، ميناء إيطاليا الشمالي، في يناير عام ١٣٤٨ (بعد مرور نحو ثلاثة أشهر على رُسُوِّ السفن في مسينة). كما أنه قفز قفزة قصيرة عبر المضيق إلى جَنُوبِيِّ إيطاليا.

في يناير عام ١٣٤٨ وصل المرض البندقية أيضًا ربما عن طريق البحر من صقلية. يفيد أحد التقديرات المعاصرة أن تعداد الوفيات كان ١٠٠ ألف نسمة، مع أن هذا رقم مبالغ فيه على الأرجح. كتب أحد أهل البندقية قائلًا:

أجرى شخص معين عملية فَصْدٍ لِدَمِي، فانفجر الدم في وجهه. في اليوم نفسه سقط مريضًا، وفي اليوم التالي وافَتْه الْمَنِيَّةُ؛ وبنعمة الله نجَوْتُ أنا. أسجل هذا لأن مجرد التواصل مع المريض كان ينقل الطاعون المميت إلى الشخص السليم … من أجل ذلك كان الأصحاء يحرصون بشدة على تجنب المرضى. حتى الكهنة والأطباء كانوا يفرُّون من المرضى في خوف، والجميع كانوا يتحاشَوْنَ الموتى. وفي أماكن ومنازل كثيرة، عندما كان يموت أحد قاطِنِيها، سرعان ما يلحق به الباقون واحدًا تِلْوَ الآخر. وكانت أعداد الموتى هائلة بحق، حتى إنه تعين تخصيص مدافن جديدة في كل مكان.

هل يمكن أن يستوقفنا شيء هنا؟ أكان الرجل الذي فُصِدَت دماؤه يعاني من الطاعون ومع ذلك شُفِيَ؟

يُعتقد أن شخصًا غريبًا (على ما يبدو هو شخص مصاب فعليًّا بالعدوى) قد جلب المرض إلى بادوفا، وكان الدمار الناتج هائلًا؛ فقد مات ثلثا السكان، وهو عدد صاعق؛ فكان إذا مرض أحد أفراد الأسرة، سرعان ما تلحق به الأسرة بأكملها. أكان هذا خيطًا مهمًّا لفهم طبيعة المرض؟

ضرب الطاعون بيزا، في الغالب عن طريق ميناء ليجهورن، في مارس عام ١٣٤٨. من هناك انتشر الطاعون شمالًا إلى توسكانا وجنوبًا إلى روما. لقد كانت إيطاليا مُدَمَّرة بحق.

في تلك الآونة كانت أوروبا فعليًّا تخوض حربًا مع الطاعون، وعلى ما يبدو كان هذا الصراع ميئوسًا منه؛ إذ كان هذا المرض يفوق قدرة الأفراد بالكامل على الاستيعاب أو تجاربهم في الحياة. كان العدو خفيًّا ولم يكن أحد يدري متى وأين سيظهر بعد ذلك. وعندما كان يوجه ضربته، لم يكن بمقدور الناس الدفاعُ عن أنفسهم وكان الكثيرون يسقطون أمامه، وكلما انتابهم الهلع وهربوا، ازداد انتشار المرض. كانت الغلبة للطاعون دائمًا.

من جنوة انتقل الطاعون إلى بياتشنزا التي تبعد نحو ٦٠ ميلًا (١٠٠ كيلومتر) إلى الشمال الشرقي، كتب جابرييل دي موسي، أحد قاطني بياتشنزا، الذي كان يعمل كاتب عدل:

لكن بصفتي أحد قاطني بياتشنزا طُلِبَ مني أن أكتب المزيد عنها، لعله يتضح ما حدث هناك عام ١٣٤٨. بعض من أهل جنوة الذين فرُّوا من الطاعون المتفشي في مدينتهم ارتحلوا شمالًا وسكنوا في بوبيو، وهناك باعوا السلع التي جلبوها معهم. وسرعان ما كان المرض يضرب الشاري هو وكل أفراد عائلته وكثيرٌ من جيرانه ليموتوا جميعًا. تمنى أحد هؤلاء أن يحرر وصيته؛ فاستدعى كاتبَ عَدْل والكاهنَ الذي يعترف له بخطاياه والشهودَ اللازمين، وفي اليوم التالي دُفن كل هؤلاء معًا. اشتدت الْبَلِيَّةُ لدرجة أنه سرعان ما سقط كل سكان بوبيو تقريبًا ضحايا للمرض، ولم يَتَبَقَّ في المدينة سوى الأموات.

في ربيع عام ١٣٤٨ قَدِمَ فرد آخر من أبناء جنوة المصابين بالطاعون إلى بياتشنزا. لقد قصد صديقَه فولتشينو ديلا كروتشا الذي استضافه في منزله، بَيْدَ أنه مات بعدها مباشرة، وسرعان ما مات فولتشينو أيضًا هو وكامل عائلته وكثيرون من جيرانه. رأى جابرييل دي موسي بوضوح أن هذا المرض ينتقل مباشرة من إنسان إلى آخر. استطرد جابرييل قائلًا:

كان الطاعون قد انتشر في كل أنحاء المدينة خلال فترة زمنية قصيرة. لا أعرف من أين أبدأ: النحيب والعَوِيل في كل مكان، معدل الوَفَيَات كان هائلًا جدًّا؛ ومن ثم تملَّك الناسَ رعبٌ شديد. أعداد الموتى أصبحت لا حصر لها، والأحياء حسبوا أنفسهم في تعداد الهالكين واستعَدُّوا للقبر.

توضح روايته لنا حجم الكارثة المرعب:

عَجَزَتِ المدافن عن أن تَسَعَ جثثًا أكثر من ذلك، فتَعيَّن حفر الخنادق لدفن الموتى. كثيرًا ما كان يُلقى بعائلات بأكملها معًا في نفس الحفرة. لم يختلف الحال عن المدن والقرى المجاورة. استدعى شخص يُدعى أوبيرتو دي ساسو — الذي كان قد وفد من أحد الأماكن المصابة إلى كنيسة رهبنة الإخوة الأصاغر (الفرنسيسكان) ليحرر وصيته — كاتب عَدْل، وشهودًا، وجيرانًا. كل هؤلاء ومعهم ستون آخرون ماتوا في غضون فترة زمنية قصيرة.

كانت فلورنسا، التي تبعد ٤٠ ميلًا (٦٠ كيلومترًا) من بيزا، واحدةً من أعظم المدن في أوروبا، ومركزًا ديمقراطيًّا للثقافة والفنون والتعلم، ومن ضمن كنوزها أعمال دانتي وجوتو. لم تفلت فلورنسا؛ إذ ضربها الموت الأسود ضربة قاسية، على الرغم من اتخاذ كل الاحتياطات الحكيمة والتوسلات إلى الله. كتب بوكاتشيو في كتابه «ديكاميرون» رواية مهمة عن فلورنسا إبَّان هذه الفترة:

عزل البعض نفسه تمامًا عن الناس وتجنب أشكال التواصل الاجتماعي كافة وجميع أنواع التَّرَف، في حين احتسى البعض الآخر الخمرَ وغنَّى وعَرْبَدَ بِحُرِّيَّة معتقدًا أن هذه الطريقة في العيش هي العلاج القوي والفعال لمثل هذه الكارثة الهائلة.

تجنب المواطن أخاه المواطن، وقليلون هم من أبْدَوْا أي مشاعر تعاطف مع غيرهم، وعزل الناس أنفسهم عن الآخرين؛ فلم يلتقوا أقاربهم قَطُّ، بل «الأدهى من ذلك، الذي يكاد لا يصدقه عقل، أن الآباء والأمهات هجروا أطفالهم تاركين إياهم بلا عناية ليواجهوا مصيرهم، كما لو كانوا غرباء.»

ما من امرأة مهما، كانت جميلة أو حسنة المنظر أو عريقة النسب، كانت تَعْزِف عن تلبية كل ما يطلبه من يحاول علاجها لدى إصابتها بالمرض، ولا يهم إذا كان من يعالجها شابًّا أم كهلًا، كما أنها لم تكن تتورع عن كشف كل جزء من جسدها له دون أن يعتريها الخجل، كما لو كانت تتعرى أمام امرأة؛ من شدة ما تعانيه من مرض.

كثيرون لَقُوا حَتْفَهم أثناء النهار أو الليل في الشوارع العامة، أما رحيل الكثيرين الذين ماتوا في منازلهم فلم يكن الجيران يَدْرون به غالبًا إلى أن تنتشر الرائحة النتنة للجثث المتعفنة، ونتيجة للجثث المنتشرة في كل الأرجاء صار المكان بأكمله بمنزلة قبر.

كان من عادة معظم الجيران، الذين كان يحركهم الخوف من التلوث الناجم عن الجثث المتعفنة أكثر من الإحسان إلى المتوفين، أن يَجُرُّوا الجثث إلى خارج المنازل ويُلْقُوها أمامها، ثم كانوا يُحضِرون النُّعوش أو الألواح الخشبية التي يُسجى عليها الموتى، حين يكون هناك نقص في النعوش.

كان حاملو الجثث، أو ما يُطلق عليهم عاملو المقابر، يؤدون خدماتهم بالأجرة، وكانوا يحملون النُّعوش بسرعة إلى المدافن. كانوا يحفِرون خنادق هائلة «يُلقون فيها الجثث بمجرد وصولهم، مئات الجثث في المرة الواحدة، مكدِّسين إياهم بنفس الطريقة التي تُحفظ بها البضائع في مخازن السفن، طبقة فوق الأخرى، وكل جثة مغطاة بقليل من التراب، إلى أن يصبح الخندق غير قادر على تحمل المزيد من الجثث.»

ولم يكن عاملو المقابر بأناس لُطَفاء، فعلى ما يبدو أنهم كانوا وحوشًا مجردة من الإنسانية يقومون أيضًا بدور أكثر شرًّا؛ مما ساعد في استفحال البؤس العام؛ إذ كانوا يقتحمون منازل الأشخاص الذين لا يزالون على قيد الأحياء ويَجُرُّونهم لينضموا إلى صفوف الموتى ما لم يدفع الرجال لهم أموالًا من أجل سلامتهم وما لم تدفع النساء من عِفَّتهنَّ.

بلغت الوَفَيَات في فلورنسا ما بين نحو ٤٥ ألف نسمة و٦٥ ألف نسمة، وهي نسبة تعادل على الأرجح ٥٠ بالمائة من وَفَيَات مدن وبلدات إيطاليا. مرة أخرى تكررت الرواية من جديد؛ فإبَّان طاعون سيينا، وصف أنيولو دي تورا (الذي دفن خمسةً من أبنائه) كيف كان الأب يهجر أبناءه، وهكذا يموتون واحدًا تِلْوَ الآخر. لم يكن ممكنًا العثور على شخص ليدفن أكوام الموتى الضخمة في الحُفَر العميقة، إنما كان يُنثر التراب عليها لدرجة أن الكلاب كانت تجُرُّهم إلى الخارج وتنهش أجسامهم. يا لها من صورة مرعبة.

واجَهَ الشاعرُ بتْرارْك الطاعونَ في بارما ووصفه في خطاباته. حاول السكان إقامة حَجْر صحي حول أنفسهم لمنع أي تواصل مع البلدان التي كانت مصابة بالفعل، ولم يصل الطاعون إلى هناك حتى يونيو عام ١٣٤٨. لكن عندما وصل، وقعت نفس الأحداث الْمَقِيتة؛ بلغت الوَفَيَات نحو ٤٠ ألف نسمة في غُضون ستة أشهر.

استشرى الوباءُ في إيطاليا لمدة بلغت نحو عام قبل أن يبدأ في الانحسار. كتب بتْرارْك في أسًى شديدٍ إلى أخيه، الناجي الوحيد من بين خمسة وثلاثين شخصًا بأحد الأديرة بمونريو:

خيم الحزن على كل الأرجاء، وكان الخوف في كل مكان. ليتني لم أُولد قَطُّ يا أخي، أو على الأقل ليتني متُّ قبل أن أرى هذه الأيام. كيف ستصدق ذريَّتُنا أنه أتى زمانٌ أصبح العالَمُ بأكمله تقريبًا غيرَ مأهولٍ بالسكان؟

متى سُمِعَ أو شوهد أيُّ شيء مثل هذا؛ في أي حَوْلِيَّات قُرِئَ قَطُّ عن أن المنازل تُركت غير مأهولة، والمدن مُقْفِرة، والبلاد مهمَلة، والحقول صغيرة للغاية عن أن تَسَعَ الموتى، وسادت عزلة مخيفة وعامة في كل أنحاء الأرض؟

هل ستصدق الأجيال القادمة هذه الأمور، في الوقت الذي يصعب علينا نحن الذين شهدناها أن نصدقها؟ كنا سنظن أننا كنا نحلم لو أننا لم نَرَ بِأُمِّ أعيننا المدينةَ وهي في حِداد جنائزي عند خروجنا من المنزل، ونجدها خاوية لدى عودتنا؛ فنعلم أن ما نتحَسَّر عليه واقعٌ فِعْلِيٌّ.

لعلنا اكتشفنا خيطًا مهمًّا هنا: أخو الشاعر بتْرارْك كان الناجيَ الوحيدَ في مجتمع رَهْبَنة مغلق، ومع ذلك فلا بد أنه كان على مقربة كبيرة من زملائه الرُّهبان، فكيف تحاشَى العدوَى؟ هل هذا دليل على أن بعض الأشخاص في أوروبا أظهروا نوعًا من المقاومة لهذا المرض اللعين؟

(٤) اجتياح فرنسا

بعد أن ضرب الطاعونُ فرنسا في أواخر عام ١٣٤٧ أو مطلع عام ١٣٤٨، ربما يكون تقدير الوفيات بنحو ٥٧ ألف نسمة في مارسيليا وما حولها مبالغًا فيه، إلا أن أحداث الرعب والوفيات هناك هي ما توقعناه تمامًا. دوَّن سيمون دو كوفينو، وهو طبيب من باريس، ذكرياته عام ١٣٥٠، وهي تقدم قراءة باعثة على الانقباض:

صارت الوجوه شاحبة، والهلاك الذي يهدد الناس كان موصومًا على جباههم. كان يكفي أن تنظر في وجوه الرجال والنساء لتقرأ فيها أن الْبَلِيَّة أوشكت أن تحدث؛ إذ كانت تَعْلُوها صُفرة مميزة تنبئ بِدُنُوِّ العدو، وقبل يوم الهلاك، كان حكم الإعدام يُكْتَب بوضوح على وجه الضحية. لم يَبْدُ أن أي مُناخ له أدنى تأثير في هذا المرض الغريب؛ فما من حرارة أو برودة أَمْكَنَها أن تَرْدَعه، فالبيئات الصحية المرتفعة عُرضة له مثلها مثل البيئات الرطبة المنخفضة. كان ينتشر في برد الشتاء بنفس القدر من السرعة التي ينتشر بها في حرارة الصيف.

يمكننا معرفة بعض الأمور المهمة عن طبيعة هذا المرض من هذه الرواية القيِّمة. لاحظ كوفينو أيضًا أن الطاعون بَدَا مُعْدِيًا للغاية لدرجة أن نَفَسًا واحدًا من المصاب، أو قطعة من ملابسه، كافية لنقل المرض.

انتشر الطاعون غربًا من مارسيليا إلى مونبلييه، ونربونة، وبيربينيا، وقرقشونة التي وصلها في مايو عام ١٣٤٨، ومن هناك انتقل إلى تولوز، ومونتوبان، وهكذا وصل إلى ميناء بوردو على الساحل الأطلسي في الفترة ما بين يونيو وأغسطس عام ١٣٤٨. كان متوسط معدل انتشاره بين ميل وخمسة أميال (٢–٨ كيلومترات) في اليوم؛ مما يوحي أنه كان ينتقل في المقام الأول عن طريق الأفراد المصابين المسافرين سيرًا على الأقدام وليس على صَهْوَة الجياد.

انتشر الموت الأسود شمالًا أيضًا من مارسيليا، ووصل أفينيون في مارس ١٣٤٨، حيث ضرَبها بوحشية. عدد الوفيات المُسَجَّل، مع أنه رقم مبالغ فيه بكل تأكيد، هو عدد صاعق: ١٨٠٠ نسمة خلال ثلاثة الأيام الأولى، وإجمالي ١٥٠ ألف نسمة في المدينة وضواحيها الريفية. فرَّ كثيرون من المدينة، إلا أن البابا كليمنت السادس ظل في عزلة على مقربة، محيطًا نفسه بألسنة النيران الهائلة التي كان من المفترض أنها تنقي الهواء.

كتب أحد الكهنة المجهولين خطابًا إلى أصدقائه يروي فيه القصة الكاملة للطاعون في أفينيون. استهل الكاهن خطابه بتقديم وصف قيِّم لمسار تطور المرض ومَجْرَيَات التحقيقات التي أمر بها البابا:

يمكن أن يظهر المرض في ثلاثة أشكال مختلفة: في الشكل الأول، يعاني الأفراد من آلام في الرئة وصُعوبة في التنفس، ولا ينجو هؤلاء الضحايا حتى لو كان المرض قد هاجمهم هجومًا طفيفًا، ولا يعيشون بأي حال من الأحوال أكثر من يومين. أجرى الأبحاثَ أطباءٌ من مدن كثيرة بإيطاليا، وأيضًا في أفينيون، بِنَاءً على أمر من البابا للوُقوف على منشأ هذا المرض. فتح الأطباء الكثير من الجثث وشرَّحوها، ووجدوا أن جميع الذين قَضَوْا نَحْبَهم فجأة بهذه الطريقة قد أُصيبت رِئاتُهم وكانوا يبصقون دمًا. الطبيعة المُعْدِيَة للمرض هي حقًّا الأكثر بشاعة؛ لأنه فيما يموت أي مصاب، فإن كل من رآه في مرضه، أو زاره، أو دخل معه في أية تعاملات تِجارية، أو حتى حَمَلَه إلى القبر، سرعان ما يلحق به إلى هناك، ولم تَكُنْ توجد سُبُلٌ معروفة للوقاية منه.

ثمة شكل آخر من أشكال المرض، يستكمل دورته بالتزامن مع الشكل الأول؛ بمعنى أن أورامًا معينة تظهر في الإبْطين، وسرعان ما يموت الأفراد نتيجة لذلك. الشكل الثالث للمرض — على غرار الشكلين السابقين — يصيب الأفراد من كلا الجنسين بأورام أعلى منطقة الفخذ، وهذا النوع يُفْضِي سريعًا إلى الموت أيضًا.

افترض الكاهن، كالجميع، أن هذا المرض مُعْدٍ عن طريق الاتصال المباشر وكرَّر ما كتبه الآخرون:

تفاقم الوباء بالفعل لدرجة أن الطبيب كان لا يزور المريض خوفًا من العدوى، حتى لو أعطاه المريض كل ما يملك عن طِيب خاطر، ولم يكن الأب يزور ابنه ولا الأم ابنتها. في الحقيقة لم يَكُنْ أحد يزور أحدًا مهما كانت صلة قرابتهما إلا إذا كان مستعدًّا للموت معه، أو اللحاق به سريعًا.

على ما يبدو فإن التجنُّب التامَّ حتى لأقرب الأقربين كان السلوك السائد، وما من أحد شكَّك في فكرة أن المرض كان معديًا نتيجة الاتصال المباشر. استطرد الكاهن قائلًا:

قَضَى نصفُ أو أكثرُ من نصف سكان أفينيون نَحْبَهم بالفعل. يوجد الآن أكثر من ٧ آلاف منزل مغلق بداخل جدران المدينة، لا أحد يقطن هذه المنازل، فكل قاطِنيها رحلوا، والضواحي شبه خاوية من السكان. اشترى البابا حقلًا قريبًا من كنيسة «سيدتنا العذراء مريم صانعة المعجزات» ودشَّنه لدفن الموتى، فدُفن فيه ١١ ألف جثة. هذا بخلاف أولئك الذين دُفنوا في مدافن مستشفى سانت أنطوني، والمدافن التابعة للهيئات الدينية، والمدافن الأخرى الكثيرة الكائنة في أفينيون. وفيما يتعلق بالمناطق المجاورة، أود أن أشير إلى أن كل بوابات مارسيليا، باستثناء بوابتين صغيرتين، مغلقة الآن؛ لأن أربعة أخماس السكان لَقُوا حَتْفَهم.

من الواضح أن تعداد الوفيات كان مرتفعًا في فرنسا مثلما كان مرتفعًا في إيطاليا.

لا يختلف الحال في مدن وبلدات منطقة بروفنس. لقد عَبَرَ المرض بالفعل نهر الرون، واجتاح كثيرًا من المدن والقرى البعيدة التي تماثل في بُعدها تولوز. إنه يزداد ضَراوة وهو يتقدم. يوجد خوف كبير من الموت لدرجة أن الناس لا يجرءون على التحدث حتى إلى أي شخص مات له قريب؛ لأنه كثيرًا ما لُوحظ أن العائلة التي يموت فيها فرد، يلحق به كل أقاربه تقريبًا بلا استثناء. هذا اعتقاد شائع بين الناس. لا يقوم على رعاية المرضى الآن أقاربُهم. يُعامل المرضى معاملة الكلاب؛ إذ يوضع الطعام لهم بالقرب من الفراش ليأكلوا ويشربوا، وبعد ذلك يسرع الأصحاء إلى مغادرة المنزل. وعندما يقضي رجل نَحْبَه يحضر بعض الرجال الأفظاظ — الذين يُطلق عليهم عاملو القبور — إلى المنزل، وبعد تقاضي مكافأة كبيرة بما يكفي يحملون الجثة إلى القبر. لا يزور الأقارب ولا الأصدقاء المريض، بل لا يستمع الكهنة إلى اعترافاتهم ولا يناولونهم القُربان المقدس، إنما كل شخص لا يزال سليمًا يعتني بنفسه. من المشاهد المتكررة يوميًّا أن يحمل هؤلاء الأوغاد ثَرِيًّا يحتضر إلى القبر دونَ مصابيح، ودون أن يتبعه أحد سوى هؤلاء النادِبين المأجورين. عند حمل جثة في الشوارع يُهْرَع الجميع إلى منازلهم. حتى «عاملو القبور» المذكورون قبلًا، بالرغم من كونهم أقوياء، فلم يَنْجُوا من المرض؛ فقد أُصيب معظمهم بالعَدْوَى بعد فترة من الزمن وماتوا.

من الظاهر أن الأفراد بحثوا عن كِباش فداء للطاعون؛ لأن الكاهن يقول:

بعض البؤساء قُبض عليهم وبحوزتهم نوع معين من المساحيق، ووُجهت إليهم تهمة تسميم المياه، ووحْدَهُ الله الذي يعلم هل كانت هذه التُّهَم عادلة أم جائرة، وامتنع الناس في خوف عن شرب المياه من الآبار، فكثيرون أُحرقوا من أجل هذه الجريمة، وتوالى حرق المتهمين بصفة يومية.

كان ذلك بحق ظلمًا للأبرياء. ويختتم الكاهن كلامه ببعض النصائح البدَهِيَّة:

أكتب إليكم يا أصدقائي لعلكم تعرفون المخاطر التي نعيش فيها. وإن كانت لكم رغبة في حماية أنفسكم، فإن أفضل نصيحة هي أن تعتدلوا في المأكل والمشرب، وإياكم والبرد. عليكم أن تتجنبوا الإفراط في أي نوع، وفوق كل شيء عليكم أن تقَلِّلوا من الحديث مع الآخرين ولا سيما في هذه الآونة، باستثناء القلة القليلة ذات النفس الحلو. وإن كان من الأفضل أن تلزموا منازلكم إلى أن يزول هذا الوباء.

استمرت الهجمة الشرسة للطاعون على أفينيون طوال صيف عام ١٣٤٨ الطويل حتى الشتاء. تبعثرت الأجساد في الشوارع، وامتلأت المدافن عن آخرها؛ لدرجة اضْطُرَّ معها البابا كليمنت السادس إلى خلع القدسية على نهر الرون وأُلقيت الجثث فيه. لا يمكن تخيل مدى بشاعة الروائح النتنة التي كانت تنبعث من الجثث وحجم التلوث الناشئ عن تحللها. وإليكم ما هو أسوأ: كثيرون من المرضى، الذين أصبح مؤكدًا أنهم سيموتون لا محالة، دُفنوا أحياء.

في تلك الأثناء، واصل الطاعون قبضته المرعبة وزحف شمالًا حيث وصل ليون في مطلع الصيف، ثم باريس. يصف جيوم دو ناجي في سرده التاريخي وباء باريس قائلًا:

كانت أعداد الوفيات هائلة من كلا الجنسين، وكان الموت يحصد أرواح الصغار أكثر من الكبار. لم يكن يتوافر في كثير من الأحيان أماكن لدفن الموتى من فَرْط عددهم. علاوة على أنهم غالبًا ما كانوا ليمرضوا أكثر من يومين أو ثلاثة، وكثيرًا ما كان بعضهم يموت على حِينِ غِرَّة؛ لدرجة أن الرجل الموفور الصحة اليوم، يُحمل إلى القبر جثة هامدة في اليوم التالي … جموع الناس التي ماتت في غضون عامي ١٣٤٨ و١٣٤٩ كانت كبيرة للغاية، على نحو لم يُسمع بمثله أو يُرَ أو يُقرأْ عنه في العصور الماضية. وغالبًا كان نفس هذا الموت أو المرض ينبع من الخيال، أو من المجتمع والعدوى من الآخر؛ لأنه غالبًا ما كان لينجو رجل سليم يزور مريضًا من الموت. وهكذا في بلدان كثيرة، الصغير منها والكبير، ترك الكهنة رُتبهم الكهنوتية من الخوف، تاركين مهمة تقديم القُربان المقدس للمرضى لكهنة أكثر جراءة. باختصار، في بقاع كثيرة، كان بالكاد يعيش شخصان من بين كل عشرين شخصًا (أي معدل الوفيات كان يصل لنسبة صاعقة تبلغ ٩٠ بالمائة). كان معدل الوفيات هائلًا في فندق أوتيل ديو في باريس، حتى إنه لفترة ليست بالقصيرة كان يُحمل كلَّ يوم أكثر من خمسين جثة على عربات إلى الخارج لتُدفن … دام الطاعون في فرنسا معظم عامي ١٣٤٨ و١٣٤٩، وبعد ذلك ظلت منازل في العديد من البلدات الصغيرة والمناطق الريفية والمدن الكبيرة غير مأهولة بالسكان.

يدعم هذا التسجيلُ التاريخي الرأيَ القائل بأن حجم الكارثة كان غير مسبوق؛ لم يَرَ شخصٌ شيئًا مثله من قبلُ قَطُّ. سرعان ما كان الموت يعقب ظُهور الأعراض.

كتب رئيس دير سانت مارتن الذي يقع في بلدة تورناي عن بلدات الأشباح التي بقيت بعد انحسار الوباء:

يستحيل أن تصدق معدل الوفيات في كل أنحاء البلاد بأكملها. يصف المسافرون والتجار والحجاج وغيرهم ممن مرُّوا بها كيف وجدوا الماشية تَجُول بلا رُعاة في الحقول، والبلدة مهجورة، والأرض بلا زُرَّاع، والمنازل خاوية من السكان، ولا يوجد سوى عدد محدود من الناس. كانت أعداد الوَفَيَات هائلة؛ لدرجة أن مُدُنًا وبلدات وقرى كثيرة كان يبلغ تعداد سكانها من قبل ٢٠ ألف نسمة، أصبح لا يتجاوز تعداد سكانها ألفي نسمة، ومدنًا ومناطق ريفية كثيرة كان تعداد سكانها من قبل ١٥٠٠ نسمة، لم يتبَقَّ فيها غالبًا سوى ١٠٠ نسمة. وفي مناطق كثيرة مختلفة، بارت الأراضي والحقول.

واستطرد يقول إن العُصور اللاحقة سيصعب عليها أن تصدق الرعب الذي سببه الطاعون.

تحرك الموت الأسود من باريس نحو الشمال الغربي حيث الساحل الذي وصله في أغسطس عام ١٣٤٨. مرة أخرى أبطأ الشتاءُ عنفَ العدوى (هل حصلنا على خيط جديد هنا؟)، إلا أنه عاد إلى كامل شراسته وعُنْفُوانه. قدَّر شاهد عيان في مدينة روان معدل الوفيات بنحو مائة ألف نسمة — مرة أخرى قد يكون هذا الرقم مبالغًا فيه — ووهب دوق نورماندي أرضًا لاستخدامها كمدافن جديدة.

في بلدية لاجريفري، التي تبعد أربعة أميال (ستة كيلومترات) من بلدية فير، «تحللت جثث الموتى وتعفنت على النقَّالات حيث لفظوا أنفاسهم الأخيرة». حلق علَم أسود فوق الكنيسة كما حدث في كافة قرى نورماندي الأكثر تضررًا.

(٥) سقوط إسبانيا

في تلك الأثناء، ضمنت السفن التجارية نشر المرض في كل أنحاء البحر المتوسط. كان معدل الوفيات في الموانئ هائلًا جدًّا حتى إن الجثث كانت تُلقى في البحر مباشرة. ضرب الطاعونُ قبرصَ بشراسة مدمرة. ولمَّا وجد القبرصيون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع الفاجعة، جمعوا كافة العبيد والسجناء المسلمين، وخصصوا فترة ظهيرة كاملة حتى مغيب الشمس لذبحهم؛ خشية أن يُحْكِمَ المسلمون قبضتَهم على الجزيرة، حيث كان مسيحيون كُثُر يموتون أو يُوَلُّونَ الأدبارَ في هلَع.

أثار الموت الأسود ذُعر الملك بيدرو الرابع ملك منطقة أراجون عندما وصل الطاعون جزيرة ميورقة في أبريل عام ١٣٤٨. أصدر بيدرو أوامره للحُكومة باتخاذ الخطوات اللازمة لوقف زحف المرض، إلا أن قادة الجزيرة كانوا لا حول لهم ولا قوة، وبلغت الخسائر في الأرواح نحو ١٥ ألف نسمة في شهر واحد، وهو رقم مهول. قيل إن ٨٠٪ من سكان الجزيرة قَضَوْا نَحْبَهم، وسرعان ما صارت الحكومة تشكو من أن الناس أوْهَنها المرض بشدة؛ لدرجة أنهم لم يعودوا قادرين على حماية أنفسهم من هجمات القراصنة وهجمات والي تُونس المُلقب بلقب باي تونس. بل أُمر حاكم ميورقة في يونيو عام ١٣٤٩ أن يرسل قوات إلى جزيرة منورقة المجاورة، حيث كان الخراب أعظم؛ لمساعدتها في دَرْء هجمات الأعداء.

غزا الطاعون شبه الجزيرة الإيبيرية عبر موانئ برشلونة وفالنسيا في البحر المتوسط، حيث وصل إلى هناك في مايو عام ١٣٤٨. في البداية انتشر المرض ببطء إبَّان الخريف والربيع مُودِيًا بحياة نحو ٧٠ فردًا في اليوم الواحد. زحف المرض جنوبًا إلى العرب الذين كانوا يهاجمون ألفونسو الحادي عشر ملك قشتالة؛ مما روع صفوفهم، وقد دون فيليب زيجلر في كتابه «الموت الأسود» أن خيبة الأمل أصابت كثيرين منهم لدرجة أنهم فكروا في اعتناق المسيحية كنوع من العلاج الوقائي، لكن سرعان ما تفشى المرض في صفوف قوات قشتالة، وعندما «علموا أن الطاعون طال المسيحيين حينئذٍ، تلاشت نواياهم الحسنة وعدلوا عن رأيهم.»

نجا جيش قشتالة سالمًا في منطقة جبل طارق ثم بعدها ضربه الطاعون في مارس عام ١٣٥٠. اقترح ضباط الجيش أن يترك الملك ألفونسو القوات ويسعى إلى السلامة في العزلة، إلا أنه رفض أن يترك مكانه، وهكذا مات إبَّان تفشِّي الوباء. وقد كان الملك الحاكم الوحيد الذي يَلْقَى حَتْفَه إبَّان الموت الأسود، وإن كان الملك بيدرو قد فقد زوجته وابنته الصغرى وابنة أخيه.

وفي آخر المطاف جرى خرق القانون في إسبانيا، وجالت عصابات قطَّاع الطُّرُق في أنحاء الريف، ونُشِرَ مرسوم يأمر بإنزال أشد العقاب بكل من يُقْبَض عليه أثناء قيامه بنهب منازل ضحايا الطاعون.

(٦) ثلاث سنوات من الدمار

اندفع الموت الأسود بلا هَوَادة شمالًا في أنحاء أوروبا كموجة عملاقة. استغرق الأمر ثمانية أشهر من الضربة الأولى كي يُبيد الوباء كل مدينة يدخلها، ولم يُرْخِ قَبْضته قَطُّ. وكان تقدُّمه أكثر سرعة في المراحل الأولى من ديسمبر ١٣٤٧ إلى يونيو ١٣٤٨، وهو الوقت الذي انتشر فيه في إيطاليا وجزء كبير من فرنسا، وإسبانيا والبلقان. وبعد أن عَبَرَ جبالَ الألب وجبالَ البرانس، واصل زحفه شمالًا حيث وصل في آخر المطاف إلى السويد والنرويج ودول البلطيق بحلول ديسمبر عام ١٣٥٠.

الغريب أن بضعة أماكن نَجَتْ تمامًا من المرض، منها مدينة ميلانو ومدينة لييج ومدينة نورنبرج الألمانية، ومنطقة صغيرة شرق بلدة كاليه الفرنسية، ومنطقة كبيرة في شمال فيينا، ومنطقة صغيرة في الطرف الشمالي الغربي من جبال البرانس (على الرغم من أن المرض كان موجودًا في أنحاء بقية السلسلة الجبلية).

figure
انتشار الموت الأسود الأشبه بالموجة في أنحاء أوروبا جهة الشمال من عام ١٣٤٧ إلى عام ١٣٥٠.

ساد الهلع في كل أنحاء أوروبا لأن الطاعون غطى مساحة واسعة، مُهْلِكًا كل شيء في طريقه. لم يعرف أحدٌ طريقةً لتجنب الطاعون سوى الفرار. لا بد أن الفرار أمامه بَدَا استراتيجية دفاعية واضحة، إلا أنها لم تجلب معها كثيرَ نَفْعٍ، بل أدت في الغالب إلى استفحال الجائحة. الشيء المأساوي أنه لو أن كل شخص مكث مكانه فلربما اقتصر الطاعون على إيطاليا وجنوبي فرنسا ولربما جرى التخلص منه.

حان الآن دور البلدان المنخفضة (بلجيكا ولوكسمبورج وهولندا) لتذوق كأس المعاناة، وكما هو متوقع تمامًا، تسبب الموت الأسود في حالة من الهلع والدمار كعادته. كتب جيل لي ميوسي:

يكاد يستحيل تصديق معدل الوَفَيَات في كل أنحاء البلاد بأكملها. يفيد المسافرون والتجار والحجاج وغيرهم ممن مرُّوا بها بأنهم وجدوا الماشية تَجُول بلا رُعاة في الحقول، والبلدة مهجورة، والأرض بلا زُرَّاع، والمنازل خاوية من السكان، ولا يوجد سوى عدد محدود من الناس … وفي مناطق كثيرة مختلفة، بارت الأراضي والحقول.

وصل الموت الأسود تورناي، الكائنة في بلجيكا حاليًّا، في صيف عام ١٣٤٩، وكان الأسقف من أوائل الذين سقطوا صَرْعَى، ثم سادت فترة سُكون قبل أن يُكَشِّر الوباء عن أنيابه.

في كل يوم كانت تُحْمَل أجساد الموتى إلى الكنائس، خمس جثث، ثم عشر جثث، ثم خمس عشرة جثة، وفي أَبْرَشِيَّة سانت برايس في بعض الأحيان، كان يسقط عشرون أو ثلاثون جثة في المرة الواحدة. وفي كل كنائس الأَبْرَشِيَّة، يقرع الخوريون والخُدَّام العلمانيون وخدام الكنيسة الأجراس الجنائزية صباحًا ومساءً وليلًا كي يحصلوا على أجورهم، فما كان من سكان المدينة بأكملهم رجالًا ونساءً على حد سواء إلا أن يتملكهم الرعب.

تصرف مجلس المدينة بصرامة لاسترداد ثقة الجمهور؛ فمنع قرع الأجراس في الجنازات، وحظر لبس الملابس السوداء، وكذلك منع التجمعات في منازل الموتى، وخُصِّصَت مدافن جديدة خارج جدران المدينة كان يُدفن فيها كل الموتى مهما كانت مكانتهم في المدينة.

وهكذا واصل الطاعون زحفه بلا هوادة شمالًا في أنحاء ألمانيا؛ فكان يجلب معه خسائر فادحة في الأرواح على نفس المنوال، وكان يتسبب في بعض الأحيان في انهيار القانون والنظام والمسئوليات المدنية. تضمنت الخسائر المريعة في الأرواح ٢٠٠٠ نسمة خلال ٧٢ يومًا في فرانكفورت إم ماين: ما يزيد على ٥٠ بالمائة من سكان هامبورج، و٦٠٠٠ نسمة في ماينتس، و١١ ألف نسمة في مونستر. لقي نحو ١٢ ألف نسمة حَتْفَهم في إرفورت ونحو ٧٠٠٠ في بريمن، ربما ما يعادل ٧٠ بالمائة من السكان. علاوة على أنه قيل إن ٢٠٠ ألف بلدة ريفية صغيرة في ألمانيا مَحَا الطاعونُ كل سكانها. وكان رعب وفزع أولئك الذين واجهوا الموت المحقَّق يفوق الخيال.

يقول السجل التاريخي لبلدية نويبرج المُدَوَّن في نوفمبر من عام ١٣٤٨:

منذ أن استشرى هذا الوباء الفتاك في كل الأنحاء، صارت المدن التي كانت عامرة بالسكان حتى هذه اللحظة خَرِبَة. محا الطاعون سكانها بأعداد مَهُولة؛ لدرجة أن أولئك الذين ظلوا على قيد الحياة، أوصدوا أبوابهم، وراقبوا في حماس لئلا يسرق أحد ممتلكات من قَضَوْا … وصل الوباء اللعين إلى كارينثيا، ثم أحكم قبضته على ستيريا تمامًا؛ لدرجة أن أهلها لمَّا استسلموا لليأس هاموا على وجوههم كما لو كانوا قد فقدوا صوابهم.

تأكدت الطبيعة المعدية والمرعبة للطاعون من جديد:

انبعثت الروائح الوبائية من عدد كبير جدًّا من المرضى، فكانوا ينقلون العدوى إلى من يزورونهم أو يخدمونهم، وكثيرًا ما كان يموت أحد أفراد العائلة فيلحق به كل أفرادها واحدًا تلو الآخر … ونتيجة لهذا البلاء الهائل، تُرِكَت الماشية تَهِيم على وجهها في الحُقول دون حراس؛ لأنه لم يكن أحد ليفكر في المستقبل، وهكذا قَدِمَتِ الذئابُ من الجبال لتهاجمها. تحاشى الجميع بحذر بالغ الممتلكات، سواء المنقولة أو غير المنقولة التي تركها المرضى في وصيتهم كما لو كانت موبوءة هي الأخرى.

ضرب الموت الأسود فيينا في ربيع عام ١٣٤٩، ويُقال إنه في كل يوم من أيام الصيف الطويل كان يموت ما بين ٥٠٠ إلى ٦٠٠ ضحية، وفي أحد الأيام المرعبة لقي قرابة الألف شخص حَتْفَهم. وإجمالًا تُوُفِّيَ نحو نصف السكان — على الأرجح — بسبب الوباء.

كالعادة، دُفِنَت الجثث خارج المدينة في حفر عميقة احتوى كلٌّ منها على ٦٠٠٠ جثة، وبسبب رائحة الجثث وحالة الفزع الشديد التي أثارتها، منعت الكنيسة الدفن في مدافن الكنيسة، فحالما يموت أحد الأفراد يُحمل جسده إلى خارج المدينة ليُدفن في أحد المدافن العامة التي يُطلق عليها «مدافن الله». كانت الحفر الواسعة العميقة هناك سرعان ما تمتلئ عن آخرها بالموتى.

(٧) أراضي الفايكينج

ثمة رأي سائد يرى أن الطاعون انتقل إلى النرويج في صيف عام ١٣٤٩ على متن قارب قادم من لندن، لكن الأرجح أنه صَنَعَ تلك القفزة القصيرة عبر المضيق من كوبنهاجن، ثم سرعان ما انتشر المرض «في كل أنحاء النرويج»، ووردت أنباء عن وصوله إلى أرخانجلسك، وهو ميناء على البحر الأبيض في شمال غرب روسيا جنوب الدائرة القطبية الشمالية مباشرة. والمذهل أنه يُقال إن ثلثي سكان النرويج قَضَوْا نَحْبَهم؛ حيث أصبحت قرًى كثيرة خاوية من السكان واختفت.

يروي فيليب زيجلر في كتابه «الموت الأسود» الرواية القديمة التي تقول إنه عندما وصل الطاعون إلى برجن فرَّ الكثير من العائلات البارزة إلى تيوسديدال (يوستيدال) على سفح الجبال، حيث شرعوا في بناء مدينة على أمل أن يكونوا في مأمن، لكن لم يُقدَّر لهم هذا؛ ففي الغالب كان أحدهم مصابًا بالفعل؛ ما أدى إلى تفشي الوباء وموت المجتمع بأكمله باستثناء فتاة واحدة. اكتُشفت الفتاة بعدها بسنوات وهي لا تزال تعيش في المنطقة، إلا أنها كانت تتصرف بوحشية وتُعْرِض عن رفقة البشر. ومع ذلك، عادت في آخر المطاف إلى المجتمع وتزوجت في سعادة، وآلت إليها جميع الأراضي التي كانت قد استحوذت عليها جماعتها، وصارت عائلتها من بين كبار ملاك الأراضي في الجوار لقرون عديدة.

عندما اكتشفنا هذه القصة أصابتنا الحَيْرَة من السؤال الذي طرح نفسه: لماذا نَجَتْ هذه الفتاة من العدوى؟ حتمًا كانت هذه الفتاة تحتَكُّ احتكاكًا مباشرًا بعائلتها وأفراد المجتمع الآخرين وهم يموتون فردًا تلو الآخر، وغالبًا تعين عليها أن تدفن بعضهم. لقد رأينا هذا من قبل وتعجبنا إن كان هذا مثالًا آخر على شخص كان مقاومًا للمرض.

في الغالب وصل الطاعون السويد عام ١٣٥٠ عن طريق العبور من الدنمارك، وأيضًا عن طريق رحلة بحرية عبر بحر البلطيق من ميناء جدانسك حيث كان الوباء متفشيًا. أعلن الملك ماجنوس الثاني ملك السويد أن الله ضرب العالم بعقاب عظيم في شكل موت مفاجئ، وأن معظم الناس القاطنين غرب بلاده لَقُوا حَتْفَهم: «هو يخرب الآن النرويج وهولندا ويقترب من مملكتنا السويد.» وقد أمر شعبه في أيام الجمعة بالإمساك عن الطعام عدا الخبز والماء، وأن يسيروا إلى كنائسهم حُفَاةً، وأن يطوفوا حول المدافن حاملين الرُّفَات المقدس لتهدئة الغضب الإلهي. مرة أخرى، لم يحقق ذلك نفعًا؛ فعندما وصل الوباء العاصمة، كانت الجثث مبعثرة في الشوارع من جديد، وأصبح كلٌّ من هاكون وكنوت، شقيقي الملك، من بين الضحايا.

لقد انتشر الموت الأسود في أنحاء أوروبا القارِّيَّة في غضون فترة لم تتجاوز ثلاث سنوات مرعبة. لسوء حظ هؤلاء الرجال والنساء التعساء، كانت أوروبا في طريقها لأن تصبح موطن الوباء ومرتعه على مدار القرون الثلاثة التالية. ومع ذلك، كان هناك المزيد من الأراضي التي لا تزال أمامه ليقهرها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١