الفصل السادس عشر

استتار الموت الأسود في مَكْمَنه

ما دام الناس كانوا يعتقدون أن الموت الأسود كان نوبة تفشٍّ للطاعون الدَّبْلِي، فلا غموض بشأن منشئه إذن؛ فقد افترضوا أنه لا بد أن يكون آتيًا من غرب آسيا، بالتأكيد عبر تلك السفن الشهيرة القادمة من القرم كما رأينا في الفصل الأول.

لكن الآن بعد أن صِرْنا على يقين من أن الموت الأسود كان موجةَ تفشٍّ لمرض فتَّاك تنتقل عَدْواهُ مباشرةً من إنسان إلى آخر، فإننا أمام مشكلة جديدة تمامًا: مِنْ أين جاء فِعْلِيًّا هذا المرض المريع؟ لا يمكن أن يظهر مرض فيروسي مكتمل التطور من العَدَم. إذا كان قد جاء من العالم الغربي المعروف آنذاك، فبكل تأكيد كانت الوَفَيَات المرعبة ستُلاحظ وتُسجل.

(١) منشأ الموت الأسود

دَعُونا نبدأ بحثنا عن منشأ الموت الأسود بتتبع وُصوله إلى جزيرة صقلية. لعلنا نتذكر أن القصة التقليدية تخبرنا كيف أن أطقم البحارة الأصِحَّاء على متن سفن جنوة كانوا قد جلبوا المرض لدى وُصولهم إلى مسينة. كان البحارة في البحر لأسابيع عِدَّة وقد رَسَوْا ومعهم شهادة صحية تثبت خلوهم من الأمراض. وعندما نزلوا من مَتْن سُفُنهم، راح الطاعون يصيب كل شخص يلتقون به على الفور.

تتنافى هذه الرواية تمامًا مع سُلوك أي مرض مُعْدٍ، وإن كان هناك أي شيء من الصحة في هذه القصة، فهو أن السفن لا بد أنها كانت قد وصلت إلى الميناء في مسينة في نفس الوقت الذي كان الوباء في صقلية قد اجتاز بالفعل مرحلته الأولى، وكان على وشك أن يبلغ ذروته. لقد اتحد كل من عنصر الخرافة، والرغبة في العثور على كبش فداء، وغياب المعرفة الطبية، وسَرْد الروايات المبالغ فيها، معًا لتوجيه إصبع الاتهام نحو البحارة الأبرياء. من المؤكد أن الوباء بدأ قبل وصول البحارة بأسابيع في الصيف.

إلا أنه ثمة احتمال كبير أن الموت الأسود قد بدأ في الأساس عن طريق شخص مصاب أو أكثر وصلوا بالمراكب؛ فأولًا وأخيرًا فإن مسينة وكاتانيا، وهما ميناءان على الساحل الشرقي لجزيرة صقلية، كانتا نقطتي دخول مهمتين للمراكب التِّجارية الآتية من شرق البحر المتوسط وساحل شمال أفريقيا.

لكن أين نشأت العَدْوَى؟ ثمة اعتقاد قديم بأن سفن جنوة قدمت من القرم حيث كان أحد أنواع الطاعون منتشرًا، فهل بدأ الطاعون النزفي في القرم؟ بحثْنا في الأدبيات المكتوبة عن الطاعون في منطقة المتوسط في القرن الرابع عشر، وتوصلنا إلى أنه يوجد مكانان محتملان عام ١٣٤٧ من الممكن أن يكون الموت الأسود أتى منهما، وهما القرم وبلاد الشام؛ فقد توصلنا إلى الكثير من سجلات أوبئة الطاعون في بلاد الشام الواقعة على الخط الساحلي لشرق المتوسط لما قبل وبعد الموت الأسود. كان المرض قد اجتاح سوريا والعراق فعليًّا في القرنين الثامن والتاسع، وقد خلصنا إلى أن موجات التفشي ظهرت بشكل متقطع في هذه المنطقة على مدار سنوات كثيرة جدًّا. على ما يبدو كانت الأراضي المحيطة بمصر وسوريا بؤرةً نشِطة للطاعون وقادرة على أن تنشر أذنابها لتدَمِّر الحضارات الأوروبية لأكثر من ١٠٠٠ عام قبل الموت الأسود. إلا أن هذا الاستنتاج الهام يقودنا مباشرة إلى المعضلة التالية: كيف أرسى الطاعون قاعدته في بلاد الشام في المقام الأول؟ لنجيب عن هذا السؤال لا بد أن نرجع إلى الأصول القديمة للإنسان في شرق أفريقيا.

(٢) إثيوبيا بلد المنشأ

يحتمل أن أسلافنا من فصيلة القِرَدة العُليا التي تضم الإنسان الحديث قد ظهروا في شرق أفريقيا الوسطى، وأن مهد تطور الإنسان كان في «الوادي المتصدع الكبير» (أخدود أفريقيا العظيم) الذي يمتد مما يُعرف الآن بموزمبيق إلى إثيوبيا شمالًا حتى البحر الأسود. وكان قد عُثِرَ على بقايا حفرية لقرد منقرض من أشباه البشر يُعرف بالأسترالوبيثكس في شرق أفريقيا، وبالأخص في إثيوبيا وكينيا. وأغلب الظن أن جنس الهومو تطور من الأسترالوبيثكس، وعندئذ انتشر الهومو إيريكتوس (الإنسان المنتصب) من أفريقيا تدريجيًّا، حيث راح يتحرك شمالًا على طول «وادي النيل» أو الوادي المتصدع الكبير باتجاه أوروبا وآسيا.

figure
أصول الطاعون النزفي في الوادي المتصدع العظيم. انتقل الطاعون على طول وادي النيل وأرسى قاعدته في بلاد الشام، ومن هناك حقق ثلاث ضربات تاريخية كبرى: طاعونا أثينا وجستينيان والموت الأسود.

تطور نوعُنا نحن، الهومو سابيانس، من الهومو إيريكتوس في أفريقيا منذ فترة تتراوح ما بين ١٠٠ ألف سنة إلى ٢٠٠ ألف سنة. وقد قُدِّر له أن يستوطن كل قارَّات العالم باستثناء أنتاركتيكا، وفي الغالب بدأ بتتبع مجرى النيل شمالًا باتجاه مصر وسوريا، ومنهما تفرع شرقًا نحو آسيا وغربًا نحو أوروبا.

كان هؤلاء الأسلاف الأوائل من الصيادين وجامعي الطعام الذين تحولوا تدريجيًّا — منذ حوالي ١٠٠٠٠ عام — إلى نمط حياةٍ يعتمد على الزراعة على مساحات متباعدة. وقد كانوا يعانون الأمراض المعدية بنحو عشوائي، إلا أنهم كانوا في مأمن من الأوبئة الخطيرة التي لا تستوطن إلا في الأماكن التي تعيش فيها أعدادٌ غفيرة من الأفراد معًا.

أرجعتْ مجموعة من الكتابات التي تعود إلى القرن الخامس قبل الميلاد الطَّوَاعِين إلى إثيوبيا. تذكر العديد من المصادر العربية استمرار الطاعون في هذه المنطقة الواقعة في شرق أفريقيا منذ القرن السابع الميلادي، وتشير إلى الكيفية التي انتشرت بها الأوبئة من خلال تجارة القوافل من هناك إلى السودان، ومنها إلى مصر وشمال أفريقيا.

أهِيَ مجرد مصادفة مَحْضَة أن البشر وهذه الطَّوَاعِين نشئوا على ما يبدو في نفس المنطقة من أفريقيا؟ يعتقد دبليو إتش ماكنيل الذي ألف كتاب «الطَّوَاعِين والناس» عام ١٩٩٧، أنها ليست مصادفة؛ فهو يشير إلى أن أفريقيا تأوي أكبر عدد من مسبِّبات الأمراض للإنسان؛ وذلك ببساطة لأن هذا هو المكان الذي تطور فيه الإنسان وعاش فيه لأطول فترة من الزمن.

(٣) نشأة الطاعون النزفي من أفريقيا

إن معظم الأمراض التي ظهرت فجأة في القرن العشرين نشأت في الحيوانات؛ عادةً الثدييات أو الطيور. قد نرجح على سبيل التجريب السيناريو التالي: في البَدْء أصاب الطاعون النزفي رئيسياتٍ أخرى، لكن بنحو غير مدمر، وإلا لماتت كافة عوائله. في الغالب لم تتأثَّرِ الرئيسيات من الناحية الظاهرية، ولربما كانت العَدْوَى تنتقل إلى أسلافنا من فصيلة القِرَدَة العُلْيا من حين إلى آخر، ولربما قد تسبب في موتهم وربما لم تفعل. في جميع الأحوال، ما كانت العدوى لتنتشر لمسافات بعيدة في هذه المجتمعات البدائية والمتفككة المشتتة من البشر الأوائل، وما كانت بضعة حالات وفاة لتخلف عواقب وخيمة. وكان الفيروس — الذي يتكاثر بثبات وهو في مأمن في مستودعه الحيواني — يظل بعيدًا عن أي عوامل مؤثرة على الإطلاق، وكان يستمر في التكاثر بغزارة.

مع تطور البشر، زادت المسافات الفاصلة بينهم وبين العوائل من الحيوانات. وعندما غادرت مجموعات البشر أفريقيا لاستعمار أوروبا وآسيا وأخيرًا لتؤسس الحضارات العظيمة والدويلات وما بينها من حركة مرور كثيفة، خلقت الأجواء المثالية لإرساء ونشر أوبئة مدمرة. ومن حُسن حظهم أن مصادر الطاعون كانت في تلك الآونة على بُعد مئات الأميال، ويفصلها عنهم البحر المتوسط الشاسع.

ومع ذلك، كانت هناك أوقات عديدة عبر التاريخ طال فيها الطاعون النزفي تلك الحضارات؛ إذ يُفترض أن أفريقيًّا أو أكثر قد التقطوا عدوى من حيوان عائل ثم انتقل الفيروس عن طريق مصابين مسافرين عبر وادي النيل؛ فأرسى المرض لنفسه قاعدة في بلاد الشام، وعندئذ صار على بُعد رحلة بحرية طويلة فحسب من مراكز الحضارات.

ومن ثم باتت الْمِنْطقة المحيطة بشرق المتوسط محورية تلعب دورًا محوريًّا في قصتنا، فلعها كانت لمئات السنين بمنزلة مستنقع للعدوى الآتية من أفريقيا الشرقية أو أفريقيا الوسطى، ونقطة انطلاق لنقل العدوى المستمرة إلى الحضارات الغربية.

(٤) طاعون أثينا في القرن الخامس قبل الميلاد

لطالما ناقش كثيرٌ من العلماء الوباءَ المدمر الذي ضرب أثينا عام ٤٣٠ قبل الميلاد، ومع ذلك يظل الوباء أحد الألغاز الطبية الكبيرة في العصور القديمة.

كانت حضارة أثينا في أوج مجدها حينذاك، إلا أنها كانت تصب جامَ تركيزها على سلسلة كبيرة من الحُروب مع إسبرطة — الحرب البيلوبونيسية — التي كانت صراعًا على الأرض وصراعًا أيديولوجيًّا دام ما بين عامي ٤٣١ و٤٠٤ قبل الميلاد. كانت أثينا تنادي بالديمقراطية من جانب، وعلى الجانب الآخر كانت إسبرطة، المعروفة بحكم الأقلية الذي حصر الامتيازات على بضعة أفراد. في عام ٤٤٣ قبل الميلاد ظهر بريكليس قائدًا سياسيًّا وعسكريًّا وثقافيًّا لأثينا، وقد أصبح مهندس استراتيجياتها العسكرية.

ظهرت حالات الطاعون الأولى في بيريوس التي كانت ميناءً ومحطة لكثير من المسافرين والتجار الذين جلبوا المرض من الخارج. سرعان ما انتشر المرض إلى عَلْيَاء المدينة حيث لَقِيَت عائلات بأكملها حَتْفَها، وكان معدل الوَفَيَات بين الأطباء وآخرين مِمَّن كانوا مصاحِبين للمرضى مرتفعة بدرجة واضحة.

كان ثوسيديديس كاتبًا أثينيًّا من الطبقة العليا، أُصيب بالطاعون وتعافى، ويَذِيع صِيته الآن بسبب الكتاب الذي ألفه، وهو بعنوان: «تاريخ الحرب البيلوبونيسية». خطَّ بعدها رواية شاهد عِيان بالغة القِيمة عن تلك الأيام المرعبة، وكان غرضه الواضح أن يقدم وصفًا دقيقًا للمرض حتى يمكن التعرف عليه إذا عاود الظُّهور مرة أخرى.

يروي ثوسيديديس أن الأفراد كانوا يَشْكُونَ فجأة من آلام حادَّة في الرأس وتلتهب أعينهم ثم يبدءون في السُّعال دمًا. كان يعقب هذا سعال وعطس وآلام في الصدر، ثم تقلصات في المعدة، وقيء وإسهال شديدان وظمأ لا يُروى. كان الجلد يَحْمَرُّ، وتطفح عليه بُثور صغيرة وتقيُّحات مفتوحة، كما كان الضحايا يعانون من حمى شديدة ولم يكونوا يتحملون الغطاء، مُؤْثِرين أن يظلوا عُراة. ولما أضْناهم الظمأ، انتابتهم رغبة عارمة في الإلقاء بأنفسهم في المياه الباردة، وقفز كثيرون في صهاريج المياه العمومية. معظمهم فقد صَوابَه، ومات في اليوم السابع أو الثامن من بَدْء هذه الأعراض. ومن بين الذين تَعافَوْا، فقد كثيرون أطرافَهم أو ذاكرتهم أو بَصَرَهم.

كان الأثينيون على دِراية تامة بأن المرض مُعْدٍ؛ فقد تحاشى الأصحاءُ المرضى، ولم يقيموا شعائر الدفن المعهودة للعائلة والأصدقاء، وتُركت أجساد الموتى في الشوارع والمعابد.

يشبه وصف ثوسيديديس بشكل ملحوظ روايات شُهود عِيان الموت الأسود، وهي قطعًا ليست أوصاف الطاعون الدَّبْلِي، ولا أي مرض آخر من أمراض اليوم. من المحتمل أن هذه كانت موجة تفشٍّ مبكرة لشكل من أشكال الطاعون النزفي.

نظرًا لأن بريكليس كان يخشى هجمات الإسبرطيين، فإنه أمر الناس في الريف المحيط بأن ينتقلوا إلى داخل جدران المدينة الحصينة. احتشد هؤلاء الناس بداخل مدينة مكتظة بالفعل بعدد كبير من السكان، ولم يكن لهم مكان للعيش. كان الصيف حارًّا، وكانت المدينة تحت الحصار، وهي ظروف مثالية لانتشار العدوى.

واصل المرض زحفه بمعدل منخفض طوال عام ٤٢٩ قبل الميلاد — عندما لَقِيَ بريكليس حَتْفَه منه — ثم عاد بقُوَّة في صيف عام ٤٢٨ قبل الميلاد، خلال حصارٍ آخرَ من الإسبرطيين. خمد المرض منذ شتاء عام ٤٢٨ قبل الميلاد حتى صيف عام ٤٢٧ قبل الميلاد، إلا أنه عاود التفشي مرة أخرى وأخيرة في خريف ذلك العام.

(٥) طاعون جستينيان في القرن السادس الميلادي

وَفْقًا لِما جاء عن المؤرخ بروكوبيوس، فقد بدأ طاعون جستينيان بالقرب من إثيوبيا، ثم انتقل إلى جنوب وادي النيل سنة ٥٤١ ميلاديًّا، قاطعًا الطريق إلى ميناء الفرما على البحر المتوسط في مصر، ومن هناك اندفع بقوة عبر مصر باتجاه الشمال إلى سوريا وفلسطين. وحينئذ «بدا أنه انتشر في كل أنحاء العالم [المعروف]، وكانت هذه الكارثة هائلة جدًّا، لدرجة أن الجنس البشري بَدَا على حافَة الاندثار.» اتبع الطاعون في المقام الأول طُرُقَ التجارة على الأرجح، التي من الواضح أنها وفرت سبلًا «لتبادل العدوى بالإضافة إلى البضائع.»

أضاف بروكوبيوس أن المرض دائمًا ما كان يبدأ من الساحل ثم كان ينتقل إلى الجزء الداخلي من البلدة، ومن الواضح أنه عادة ما كان يصل على مُتون المراكب. وقد بدا أنه يتحرك «بترتيب ثابت ويمكث لفترة معينة في كل بلدة»، أي إن الأوبئة، على غرار كافة الأمراض المعدية، اتبعت نمطًا ومسارًا زمنيًّا مميزَيْنِ.

عندما وصل الطاعون إلى القسطنطينية عام ٥٤٢ ميلاديًّا، وضع نهاية كارثية لحُلم الإمبراطور البيزنطي جستينيان بإعادة تأسيس الإمبراطورية الرومانية. استمر الوباء في حالة الذروة لحوالي ٤ أشهر وارتفع معدل الوَفَيَات من ٥٠٠٠ فرد في اليوم إلى ١٠٠٠٠ فرد في اليوم، وقيل إن ٣٠٠٠٠٠ شخص قد تُوُفُّوا في القسطنطينية في السنة الأولى وَحْدَها، مع أنه ربما تكون هناك مبالغة في هذه الأرقام. أنهكت مهمة التخلص من الجثث المسئولين؛ فقد حفروا الخنادق، لكنها سرعان ما امتلأت بالجثث عن آخرها وفاضت، وانتشرت رائحة نتنة كريهة في أجواء المدينة.

ثم نشرت السُّفن التِّجارية والقوات المحاربة الطاعون إلى أنحاء العالم الغربي المعروف، وقد تفشى مِرارًا وتَكرارًا على مدار الخمسين سنة التالية مما أسفر عن معدلات وفيات هائلة. يروي بروكوبيوس أن الناس كانوا مرعوبين؛ إذ كانوا يفطنون إلى أن الطاعون سوف يصيبهم دون سابق إنذار. كان أول عرَض يظهر على الضحايا هو الحمى الخفيفة، إلا أنه كان يتبعها الأورام الدَّبْلِية في خلال الأيام القلائل التالية. عقب ظُهور الأورام، كان معظم المصابين إما يدخلون في غيبوبة عميقة أو في حالة هَذَيَان عنيفة كانت تصل في بعض الأحيان إلى ذُهان جُنون الاضطهاد والإقدام على الانتحار. عندما كان الأطباء يفتحون الأورام، كانوا يجدون خُرَّاجًا بداخلها. كانت البُثور السوداء — التي لا يزيد حجم كلٌّ منها عن حبة العَدَس — تنتشر في أجساد بعض الضحايا الذين كانوا يموتون دائمًا في خلال ٢٤ ساعة. وكان يغلبهم الظمأ، وكان كثيرون يُلْقُون بأنفسهم في البحر. وكان معظم الضحايا يتقيئون دمًا ويموتون في غُضون بضعة أيام من ظُهور الأعراض. كانت البُثور السوداء تعتبر علامة أكيدة على الموت الوشيك، لكن بخلاف هذا لم يستطع الأطباء التنبؤ بسهولة بمسار المرض، أو نجاح وسائل العلاج المختلفة التي كانوا يحاولون تطبيقها. وعلى ما يبدو لم تُتَوَفَّ جميع الضحايا.

من الظاهر أن الاحتكاك بالأفراد الذين كانت تظهر عليهم الأعراض لم يَكُنْ يشكِّل خطرًا. يتفق هذا مع النتيجة التي توصلنا إليها بشأن الطاعون النزفي التي تفيد أن احتمالات انتقال العدوى ترتفع خلال بداية الفترة المعدية وليس أثناء الأيام الأخيرة بعد ظُهور الأعراض الأولى.

على خلاف طاعون أثينا، استمر طاعون جستينيان لسنوات عدة، مع تفشي الأوبئة مِرارًا وتَكرارًا. ومن المثير أنه كان يعاود الظهور في دورات تراوحت مدة كل منها من ٩ سنوات إلى ١٢ سنة، وبلغ الانخفاض في معدل سكان منطقة المتوسط في الفترة ما بين عامي ٥٤١ ميلادية و٧٠٠ ميلادية حوالي ٥٠ بالمائة تقريبًا من السكان. ذكر أحد المؤرخين في كتاباته عن نوبة تفشٍّ ثانية عام ٥٥٨ ميلادية أن الوباء لم يتراجع قَطُّ بعد نوبة الوباء الأولى، كل ما هنالك أنه تحرك من مكان إلى آخر، وهي قصة شبيهة بقصة الطاعون النزفي في فرنسا. وهكذا فمن الممكن أن المرض كان يتنقل من مكان إلى آخر بواسطة السُّفن التِّجارية البطيئة التي كانت سائدة في ذلك الحين طول فترة الحضانة. ومجددًا، بالتأكيد لم يكن ذلك طاعونًا دَبْلِيًّا.

ثمة أوجُه تشابه مذهلة بين هذا الطاعون وطاعون أثينا — الذي وقع قبله بألف عام تقريبًا — والطاعون النزفي، وهي النشأة المفترضة في إثيوبيا، وأورام العُقَد الليمفاوية، والهَذَيان، والحمى، والبُثور السوداء، وانتقال العدوى من شخص إلى آخر، وقصر فترة ظُهور الأعراض قبيل الموت، والعطش الشديد. يشير كل شيء إلى أن هذه كانت موجات تفشٍّ مبكرة للطاعون النزفي.

(٦) قاعدة الطاعون النزفي في بلاد الشام

كان الطاعون معروفًا لدى شُعوب الشرق الأوسط قبل الموت الأسود بوقت طويل؛ ومن ثَمَّ أدرك الناس المرض لدى معاودته الظُّهور في منتصف القرن الرابع عشر. كان طاعون جستينيان إحدى الضربات المبكرة. بإمكان المسلمين تذكر التاريخ المرعب للمرض من فُتوحاتهم للشرق الأوسط في القرن السابع. تذكر السجلات التاريخية أنه حدثت خمس فاشيات كبرى في التاريخ الإسلامي، وبدأت الضربة الأولى عام ٦٢٧ ميلاديًّا. وقضَى نحو ٢٥٠٠٠ جندي مسلم نحبهم عام ٦٣٨ ميلادية في الوباء الثاني الذي كان منتشرًا في سوريا وممتدًّا حتى العراق ومصر. أُطلق على ضربة الطاعون التالية الطاعون العنيف لأنها اجتاحت البصرة «كالطوفان» عام ٦٨٨ ميلادية، وضرب الطاعون الرابع الكبير هذه المدينة مرة أخرى عام ٧٠٦ ميلاديًّا. عانت العراق وسوريا من «طاعون النخبة» عام ٧١٦ ميلاديًّا. وكانت سوريا تتعرض لموجات تفشٍّ أخرى كلَّ عشر سنوات تقريبًا في الفترة ما بين عامي ٦٨٨ و٧٤٤ ميلاديًّا.

عندما اجتاحت الأوبئة الإمبراطورية الإسلامية الأولى، استجاب المسلمون للخطر، فسَعَوْا إلى تفسير هذه الأوبئة ومعالجة الضحايا. كان للأوبئة دلالات دينية خاصة بسبب تنبؤ النبي محمد بها، حتى إنها حددت التوجهات الثقافية للمجتمع الإسلامي التقليدي. تكشف السجلات التاريخية لهذه الجائحات أنها كانت مشابهة للموت الأسود (الذي تفشى بعدها ﺑ ٦٠٠ عام) من حيث انتقال عدواها ومن حيث العواقب الاجتماعية والاقتصادية ومعاودة الظهور الدورية.

من الواضح أن الطاعون النزفي كان موجودًا ونشطًا ويقوم بعمله على أكمل وجه في معقِله ببلاد الشام والشرق الأوسط لمئات السنين قبل الموت الأسود. وكما هو الحال دائمًا، كان ينتقل عن طريق التجارة.

(٧) الطاعون الأصفر الغامض

ضرب وباء فتاك يُعرف باسم «الطاعون الأصفر» أوروبا في القرن السادس الميلادي، ثم عاود الظُّهور في القرن السابع واستمر لسنوات عديدة. وقد استشرى في جنوب إنجلترا عام ٦٦٤ ميلاديًّا، وقد انتقل منه في آخر المطاف إلى نورثمبريا وأيرلندا. جدير بالذكر أن هذا الطاعون كان ينشط أثناء أشهر الصيف. ثمة أيضًا روايات معاصرة عنه في إيطاليا وفرنسا وإسبانيا. لا يوجد كثير من الحقائق عن هذا الطاعون، لكنه حَتْمًا استمر لوقت طويل (ربما ﻟ ٦٠٠ عام)، مع أنه يبدو أن الأوبئة في إنجلترا كانت تحدث على فترات متقطعة. ولعل هذا المرض كان مستوطنًا في جنوب أوروبا القارِّيَّة، وفقط كان يعبر القنال الإنجليزي من حين إلى آخر كي يبدأ موجات التفشي في الصيف في إنجلترا.

هل كان طاعونا أثينا وجستينيان، وطواعين الإمبراطورية الإسلامية الأولى، وأشكال الطاعون الأصفر، من الطَّوَاعِين النزفية؟ إذا كان الأمر كذلك فهل تسببت تلك الطواعين (وبالأخص الطاعون الأصفر) في زيادة تكرارية حُدوث طفرة سي سي آر ٥-دلتا ٣٢ بالتدريج لتصل إلى نسبتها التي تبلغ فردًا واحدًا في كل ٤٠٠٠٠ فرد قبل ظُهور الموت الأسود؟ يبدو هذا في نظرنا سيناريو محتملًا.

(٨) ثوران الطاعون النزفي في القرم

لم يتوقف الطاعون عند بلاد الشام كما رأينا؛ فقد كان يزحف باستمرار شمالًا إلى أنطاكية، ومن هناك يواصل المسير عبر تركيا وآسيا الصغرى وأوكرانيا، ويضرب الإمبراطورية الإسلامية بانتظام.

في عام ١٢٦٦، شيَّد أهل جنوة مدينة كافا (يُطلق عليها الآن فيودوسيا) في القرم وأصبحت الميناءَ الرئيسي لسُفنهم التِّجارية العظيمة. وأُسِّسَت صناعة ملاحة ساحلية إلى بلدة تانا (يُطلق عليها الآن آزوف في روسيا) على نهر الدون، واستمرت التِّجارة عبر هذا الطريق المائي إلى وسط روسيا، ومن هناك إلى مدينتي سراي من خلال طرق القوافل.

بِحُلول أربعينيات القرن الرابع عشر (قبل الموت الأسود مباشرةً) كانت كافا مدينة مزدهرة، ومحصنة بشدة داخل جدارين متَّحِدَيِ المركز: الجدار الداخلي يسوِّر ٦ آلاف منزل والجدار الخارجي يسوِّر ١١ ألف منزل. اشتمل السكان، الذين كانوا مزيجًا من مختلف الأمم، على أفراد من جنوة والبندقية ويونانيين وأرمن ويهود ومغول وأتراك.

حاصر المغول كافا وتانا عام ١٣٤٣. وفرَّ التجار الإيطاليون الموجودون في تانا إلى كافا حيث دام الحصار حتى شهر فبراير عام ١٣٤٤، وذلك عندما قتلت إحدى قوات الإغاثة الإيطالية ١٥ ألف شخص من القوات المغولية ودمرت آلات الحصار. جدد المغول حصار كافا عام ١٣٤٥، إلا أنهم اضْطُرُّوا بعد عام إلى رفع الحصار لأن وباءً فتاكًا دمَّر قواتهم.

figure
انتقالات الطاعون النزفي في أنحاء بلاد الشام والقرم قبل وأثناء الموت الأسود.

أتينا بالفعل في الفصل الأول على ذِكْر كاتب العدل جابرييل دي موسي أحد أهالي مدينة بياتشنزا. كتب جابرييل أيضًا عن أحداث القرم، مع أنه في الغالب لم يَكُنْ شاهد عِيان. وقد وصف كيف أنه في عام ١٣٤٦ في بلاد المشرق، أصاب مرضٌ غامض يسبب الموت المفاجئ أعدادًا لا حصر لها من التتار والمسلمين، وكان التتار قد حاصروا كافا لمدة تقارب الثلاث السنوات، إلا أن مرضًا ما أصاب هذا الجيش «وراح يقتل الآلاف والآلاف كل يوم.» وبالتأكيد هذه مبالغة؛ فقد كان الجنود يموتون حالما تظهر أعراض المرض على أجسادهم: من أورام في منطقة تحت الإبْط أو أعلى الفخذ، متبوعة بحمى العفن (اسم قديم لحمى التيفوس).

وضع التتار جثث رفقائهم في المجانيق وقذفوها بداخل جدران كافا؛ على أمل أن تقتل الرائحة النتنة التي لا تُطاق الجميع هناك، فما كان من المسيحيين بداخل المدينة المحاصرة إلا أن ألقَوْا أكبر عدد ممكن من الجثث في البحر، إلا أن الجثث النتنة سرعان ما لوثت الهواء وسممت موارد المياه.

أغلب الظن أن هذا الشكل البدائي للحُروب البيولوجية الذي شنه التتار لم يسهم في نشر الوباء، إلا أنه سرعان ما سقط كل شخص في المنطقة تقريبًا ضحية للمرض الغامض. «يكفي أن ينظر المصاب إلى الأماكن والأشخاص فحسب حتى يصيبهم بالمرض وينقل السم إليهم.» لقد سمعنا بمثل هذه النوعية من التعليقات قبلًا.

هرب بعض البحارة الذين أُصيبوا بالمرض من كافا بالمراكب، البعض اتجه إلى جنوة، فيما اتجه آخرون إلى البندقية. لدى وصول البحارة إلى هناك، «تسممت كل الأماكن بالطاعون المعدي ومات قاطنوها على حِين غِرَّة.» وعندما كان يُصاب فرد واحد بالمرض كان يسمم عائلته بأكملها «حتى وهو يموت.» من المفترض أن هذه قصة أخرى لوصول الموت الأسود إلى شمال إيطاليا عام ١٣٤٨.

(٩) هل جاء الموت الأسود من القرم؟

يتضح أيما وضوح من الوصف الذي قدمه جابرييل دي موسي أن هذا الوباء الغامض الذي ضرب المنطقة المحيطة بالقرم لم يكن موجة تفشٍّ للطاعون الدَّبْلِي، فهل كان طاعونًا نزفيًّا؟ إنَّ أخْذ المغالاة المعتادة والتقارير الوصفية بعين الاعتبار، على الرغم من نُدرتها، يشير بقُوة إلى أنه كان طاعونًا نزفيًّا، ويربط دي موسي بوضوح بين الوباء وظُهور الموت الأسود في شمال إيطاليا.

إذن هل جاء الموت الأسود من كافا مباشرة في أعقاب إنشاء شبكة الطرق التِّجارية القوية؟ إن وجه الاعتراض الأول هو طول الرحلة. قام جراهام تويج بدراسة خاصة لحركة الملاحة في هذا الوقت، وخَلُصَ إلى أن السفن ما كان بمقدورها أن تتمِّم الرحلة من القرم إلى جنوة عبر صقلية في أقل من أربع أو خمس أسابيع، وربما استغرقت ثلاثة أشهر. نرى أن هذه مدة طويلة للغاية حتى بالنسبة لمرض معدٍ تستغرق فترة حضانته ٣٢ يومًا.

إنما يزيد احتمال أن الوباء في كافا عام ١٣٤٦ قد انتشر عبر البحر الأسود ووصل إلى القسطنطينية بعدها بعام في ربيع عام ١٣٤٧. وعندئذ تكون الرحلة أقصر فيستطيع أن يقفز إلى صقلية، جالبًا الموت الأسود إلى مسينة بعدها بستة أشهر في أكتوبر عام ١٣٤٧، مع أنه ربما يكون قد انتقل عبر اليونان. هذا السيناريو أكثر إقناعًا فيما يتعلق بتوقيت الأحداث.

بالتالي نستطيع أن نَحْبُكَ ترتيب الأحداث إبَّان وباء جنوبي غرب آسيا المريع. على ما يبدو بدأ هذا الوباء بالقرب من بحر قزوين في مدينة أستراخان وسراي عام ١٣٤٥، أي قبل ظُهور الموت الأسود بعامين. انتقل الوباء إلى تانا في ربيع ١٣٤٦، وسرعان ما انتقل إلى كافا. كانت هاتان المدينتان تخضعان لحصار التتار الذين سرعان ما تساقطوا قتلَى جَرَّاء الإصابة بالمرض الذي انتشر انتشار النار في الهَشِيم بين قواتهم. لَقِيَتْ أعداد كبيرة حَتْفَها لدرجة أن التتار فَكُّوا الحصار في آخر المطاف، وفي الغالب عزَّزت حركة اللاجئين والقوات انتشارَ الوباء في أنحاء المنطقة.

على مدار العام التالي، انتقل هذا المرض الفتاك عبر البحر الأسود إلى القسطنطينية في الربيع وإلى طرابزون في خريف عام ١٣٤٧. في الوقت نفسه انتقل باتجاه الجنوب من أستراخان إلى تبريز في إيران الحالية، حيث وصل هناك في شتاء ١٣٤٦-١٦٤٧، ثم واصل مسيره من هناك حيث ظهر في بغداد على نهر دجلة في وقت غير محدد من عام ١٣٤٧. من الواضح أن هذا المرض استطاع أن يقطع مسافات كبيرة على طول الطُّرُق التِّجارية، ومرة أخرى أؤكد أنه قطعًا لم يَكُنْ طاعونًا دَبْلِيًّا.

لربما تمكن الموت الأسود من الوصول إلى مسينة عن طريق السُّفن التِّجارية القادمة من القسطنطينية، ربما عن طريق اليونان. إلا أن بعض الروايات تحدثت عن وجوده في ميناء الإسكندرية أيضًا في سبتمبر عام ١٣٤٧، أي قبل وصوله إلى صقلية بحوالي شهر.

لا زال لدينا أسئلة لا يمكن الإجابة عنها، فهل جاء الموت الأسود إلى صقلية من القسطنطينية أم من الإسكندرية؟ وهل موجة التفشي في الإسكندرية كان منشؤها القسطنطينية أيضًا؟ يستحيل أن نَبُتَّ في هذا الأمر، لكن الوباء في مصر لم يقف بلا حَرَاكٍ؛ فقد اتبع مساراته المعتادة عبر الطُّرق التِّجارية، ووصل عام ١٣٤٨ إلى دمشق شمالًا، وإلى مكة في شبه الجزيرة العربية جنوبًا. كان الطاعون يغطي مساحات شاسعة في أوراسيا خلال فترة الثلاث السنوات من عام ١٣٤٥ إلى ١٣٤٨، وبحُلول عام ١٣٥٠ كان قد وصل إلى الدائرة القطبية الشمالية.

بعد عام ١٣٤٨، يبدو أن المرض قد اندثر من جنوب غرب آسيا إلى الأبد؛ فقد تكسرت سلاسل انتقال العدوى — ربما أثناء الشتاء — وتوقفت الأوبئة ولم تظهر مرة أخرى.

(١٠) ما بعد الموت الأسود

تشير الدلائل إلى أنه بعد الموت الأسود استمر الطاعون النزفي في بلاد الشام، بنسبة متغيرة ولكنها منخفضة بصفة عامة. في مصر وَحْدَها كان يُبَلَّغ عن ظُهور الطَّوَاعِين كلَّ خمس سنوات على مدار ١٥٠ عامًا بعد الموت الأسود.

بالطبع بلغت كثيرٌ من موجات تفشي الطاعون النزفي إيطاليا عبر الموانئ، وكما رأينا كانت السلطات الصحية الحَذِرَة للدويلات الشمالية تأخذ حِذْرها من المراكب الآتية من الشام، ومن الواضح أنهم أدركوا خطر طاعون نزفي قوي قادم من هذه المنطقة.

ربما يستمر الوباء الواحد في المُناخ الدافئ هناك لمدة حوالي ثلاث أو أربع سنوات، إلا أن القطاع الساحلي لكل من سوريا ولبنان وإسرائيل ومصر صغير نسبيًّا؛ لذا كان الوباء يندثر في النهاية. ومن ثم، لو كانت هذه المنطقة اعتُبِرت خطرًا دائمًا، فإن ذلك يرجع في الغالب إلى الأوبئة المتكررة المتقطعة هناك، التي كان كل منها يبدأ من جديد عن طريق وُصول مُصاب من وادي النيل.

إلا أن طول نهر النيل يبلغ حوالي ١٥٠٠ ميل (٢٤٠٠كم)، وعليه، فلم يكن انتقال المرض ممكنًا — على الأرجح — خلال فترة حضانة مصاب واحد للمرض، حتى لو كان مسافرًا بالقارب في اتجاه مجرى النهر، إنما بالأحرى كانت هناك سلاسل لانتقال العدوى والأوبئة التي كانت تتحرك باستمرار على طول الوادي جيئةً وذَهابًا عبر المراكب أو القوافل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠