الفصل الثامن عشر

مخاطر الأمراض الناشئة

لطالما استخدمنا باستمرار في كل أجزاء هذا الكتاب لفظة «الطاعون»، مع أنها في الواقع ليس لها تعريف محدد. وقد تم استخدامها للإشارة إلى مجموعة كبيرة من الأحداث الكريهة بَدْءًا من استخدامها لوصف ضربة الجراد «طاعون الجراد» في العهد القديم ووصولًا إلى جائحة الإنفلونزا التي حدثت بين عامي ١٩١٧–١٩١٩. تشكل اللفظة جزءًا من الأسماء الشائعة لبعض الأمراض (مثل «الطاعون الدَّبْلِي») كما تستخدم أيضًا للإشارة بشكل محدد إلى تسلسل من الأوبئة في أوروبا في أعقاب الموت الأسود.

إلا أنه ثمة فئة مثيرة ومهمة من الأمراض التي تتوافق إلى حدٍّ ما مع فكرتنا البديهية عن الطاعون، ألا وهي الأمراض الناشئة التي عرضنا لها في الفصل الخامس عشر.

بمجرد قَبولنا أن الموت الأسود لم يكن ناتجًا عن الطاعون الدَّبْلِي، يصبح جليًّا أنه لم يكن ناتجًا عن عاملٍ مُعْدٍ معروفٍ، وأنه لم يكن سوى مرض واحد ضمن سلسلة طويلة من الأمراض الناشئة — مع أنه بالطبع أكثرها بشاعة — التي أصابت البشرية منذ فجر الحضارة. تظهر هذه الأمراض المعدية الفتاكة من العدم بنحو غامض، وتأخذ مسارها ثم تختفي، وأحيانًا تستطيع أن تعاود الظُّهور.

عندئذ لا بد أن نقبل الاحتمالية المرعبة التي تشير إلى أن الموت الأسود يستطيع أن يعاود الظهور، أيًّا ما كان المكان المتواري فيه؛ فمِثْل هذا الحدث قد يقضي على حضارتنا.

كان جليًّا لنا أننا لا بد أن نفحص الآن بيولوجيًّا الأمراض المعروفة التي نشأت في عوائل حيوانية في القرن العشرين فحصًا متمَعِّنًا. لقد سمعنا جميعًا عن تفشي فيروس نقص المناعة البشرية أو الإيدز الذي يستحيل ردعُه، وقد اكتشفنا ظُهور أمراض كثيرة أخرى جديدة تمامًا على مدار الثلاثين عامًا الأخيرة. إذا كان هناك أي احتمال لمعاودة الموت الأسود — أبشع مرض فتاك ضرب البشرية على مدار تاريخها — الظُّهور مرة أخرى، ينبغي علينا أن نكون مستعدين.

(١) خطر الأمراض الناشئة المستتر

نقدم في هذا الفصل نظرةً عامة عن بعض الطَّوَاعِين التي أصابت البشرية بعد الموت الأسود. لا تزال الأمراض الناشئة تظهر اليوم بتواتر متزايد مثير لأقصى درجات القلق. ما خصائصها البارزة؟ قبل الإجابة على هذا السؤال دَعُونا نضع في اعتبارنا بعض الأمثلة الشهيرة للأمراض المعدية التي «ليست» طواعينَ.

إن أمراضًا مثل الحصبة موجودة منذ زمن طويل. الحصبة مرض شديد العدوى، وتنتشر موجات فاشياتها الوبائية انتشار النار في الهشيم بين الأطفال المعرَّضين للإصابة، وهي لا تمثل خطرًا على الأطفال الذين يحصلون على التغذية الجيدة في البُلدان المتقدمة، لكن في القرون الماضية — وفي البلدان الفقيرة اليوم — ربما كانت ١٥٪ من حالات الإصابة قاتلة، وإذا تعافى طفل مصاب، تصير لديه مناعة من المرض، ولا يُصاب به مرة أخرى. يمكن اعتبار هذا الفيروس طفيلًا ناجحًا يتعايش في توازن مع عائله؛ وهو الإنسان. ما دام ثمة أطفال يولدون على الأرض، فسوف يتعايش الفيروس مع الإنسان إلا إذا أُبِيدَ ببرنامج تطعيمي للطفل.

ربما كان الجدريُّ في أول ظُهوره مرضًا حميدًا نوعًا ما؛ كونه يأتي من الحيوانات الداجنة، إلا أنه تحوَّر نحو عام ١٦٣٠ ليصبح أكثر فتكًا، وقد كان أكثر الأمراض المرعبة في أوروبا بعد اختفاء الطاعون. وكما هو الحال مع الحصبة، يؤدي التعافي منه إلى اكتساب مناعة؛ ومِنْ ثَمَّ لم يَكُنْ يُصاب به سوى الأطفال، وقد كان أقلَّ قدرة على العدوى من الحصبة، إلا أنه أكثر فتكًا.

أمكن التغلب على الجدريِّ بالتدريج، أولًا عن طريق التطعيم بجرعة من الفيروس الحيِّ نفسه ثم عن طريق التطعيم بنسخة مُضْعَفَة منه، ثم ظهرت طفرة أخرى مميتة من المرض في أوروبا عام ١٨٦٩ أدت إلى معدل وَفَيَات مريع بالرغم من الحُصول على التطعيم. وأخيرًا قُضِيَ على الجدريِّ عن طريق برنامج تطعيم خاضع لرقابة مشددة على مستوى العالم. إلا أنه الآن، وبعد أن أصبح التطعيم غير إجباريٍّ، إذا انطلق الجدريُّ — سواء بشكل غير متعمد أو بفعل إرهابيين — فإن نسبة ضئيلة فقط من السكان هي التي سيكون لديها مقاومةً أو مناعة ناجحة ضده.

مرض الكوليرا هو عدوى قاتلة تصيب الجهاز الهضمي، وينتقل عن طريق شرب الماء الملوث، وهو يُودِي بحياة الكثير من الأشخاص في معسكرات اللاجئين اليوم، وكانت الخسائر في الأرواح جرَّاء الإصابة به في القرن التاسع عشر مرعبة؛ إذ لَقِيَ ١٠٪ من سكان مدينة سانت لويس بالولايات المتحدة حَتْفَهم بسببه في خلال ثلاثة أشهر عام ١٨٤٩، ونصف مليون شخص في ولاية نيويورك عام ١٨٣٢. والكوليرا مرض لا يشوبه الغُموض؛ فهو لا ينتقل من شخص إلى آخر، ولا يظهر من العدم، ويتوقف الوباء بتوقف تناول الماء الملوث.

أُصِيبَ خُمْس سكان لندن عام ١٦٦٥ بالسُّلِّ النشط، واستمرت المعدلات في الارتفاع. لم تكن لندن مكانًا صحيًّا بالمرة. جلب المهاجرون المرض إلى الولايات المتحدة، وقد أحكم قبضته على المدن الشمالية تزامنًا مع اندلاع الحرب الأهلية. وقد تسبب المرض في معدل وفيات هائل في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية في القرن التاسع عشر، ولا يزال يفعل ذلك في البلدان الفقيرة. إن السُّلَّ ليس مرضًا شديد العدوى ولا يسبب أوبئة حقيقية، وقد قُضي عليه تقريبًا بتحسن التغذية وظُروف المعيشة حتى قبل اختراع المضادات الحيوية، إلا أنه عاد إلى التزايد مرةً أخرى.

على الرغم من خُطورة بعض من هذه الأمراض، فإنها لا تُعتَبَر طواعين، وهي تستمر في البقاء عادةً بين السكان بنسب منخفضة، مع ظهور أوبئة عارضة، وهي موجودة منذ وقت طويل، وطرقها في العدوى مفهومة جيدًا. لقد تعلمنا كيف نتعايش معها، وقد هزمناها في بعض الحالات عن طريق برامج التطعيم، إلا أن بعضها يمثل أسلحةً محتملةً للهجمات الإرهابية البيولوجية.

(٢) كيف نستطيع أن نميز الطَّوَاعِين الفتاكة الناشئة؟

على العكس تمامًا، تتميز الطَّوَاعِين الناشئة بالخصائص التالية: تتميز بقدرة عالية على الإماتة، قد تقترب غالبًا من ١٠٠٪، ويبدو أنها تظهر من العدم — مع أنه بحُلول النصف الثاني من القرن العشرين بات علماء الأوبئة قادرين على تحديد الأصول الحيوانية المحتملة — وتنتقل عدواها مباشرةً من شخص إلى آخر، وهي عادةً ما تكون فيروسية، وغالبًا ما تتسبب في حالات تفشٍّ وبائية.

عادة ما تُنسَب طواعين القرن العشرين الناشئة إلى أُصول حيوانية، وهنا يكمن مفتاح نجاحها. لمَّا كانت هذه الطَّوَاعِين تقتل عائلَها البشري، فإنه يمكن اعتبارها طفيليات فاشلة من الوهلة الأولى؛ فأي وباء ينتهي حالما تموت جميع الضحايا وعندئذ تموت الطفيليات أيضًا لا محالة، لكن في حالة الأمراض الناشئة، يستمر العامل المعدي، وفي الوقت نفسه يعيش في تناغم في عائله الحيواني ولا يؤثر عليه إلا بمقدار طفيف، وهذا مثال على الطفيل الناجح حقًّا؛ يرقد هذا المرض خاملًا في مستودعه (هنا يكمن الخطر على الإنسان) ويكون قادرًا في الغالب على الهجوم مرة أخرى إذا اتصل إنسان بمحض المصادفة اتصالًا مباشرًا بحيوان عائلٍ للطفيل.

(٣) مرض التعرق الغريب

في خريف عام ١٤٨٥ ظهر مرض غريب في إنجلترا، قيل إنه وصل إلى هناك عن طريق المرتزقة الذين كانوا عائدين لِتَوِّهِمْ من فرنسا. استمر المرض طَوال الخريف وأوائل الشتاء، وصار معروفًا في أوروبا باسم «التعرق الإنجليزي» بسبب شدة قابلية الأفراد للإصابة به في إنجلترا.

عاود مرض التعرق الغامض الظهور أربع مرات أخرى — في عام ١٥٠٨، وفي ١٥١٧، وفي ١٥٢٨، وفي ١٥٥١ — واختفى بعدها من إنجلترا إلى الأبد. معظم الروايات الباقية عن موجات التفشي الوبائية هذه قاصرة على لندن، باستثناء الوباء الأخير، الذي بدأ في بلدة شروزبري بمقاطعة شروبشير، ثم انتقل إلى لندن حيث «أسفر عن معدل وفيات هائل.» إلا أنه بتحليل سجلات ٦٨٠ أَبْرَشِيَّة تبين أن هذا المرض كان في حقيقة الأمر مرضًا ريفيًّا في الأساس، قادرًا على الانتقال السريع جدًّا عبر الطرق الرئيسية، وكان يُودِي بحياة ٣٠٪ من سكان البلدات التي كان يضربها.

على ما يبدو كان التعرق يصيب الأثرياء على وجه الخصوص؛ فقد أُصيب به الكاردينال وولسي ثلاث مرات عام ١٥١٧، لكنه نجا. وسقط كثيرون في بلاط هنري الثامن مرضى بالتعرق؛ فانتاب الملكَ خوفٌ قهريٌّ من المرض لدرجة أنه كان يغيِّر مقرَّ إقامته كلَّ يومين في محاولة لتحاشي الاتصال بأولئك الذين أُصيبوا في بلاطه.

كان هجوم مرض التعرق يبدأ دونَ سابق إنذار، وعادةً ما كان ينتشر في الليل أو الصباح الباكر، وكان المصاب به يشعر ببُرودة ورجفة يعقبها حمى التهابية حادَّة مع تصبب عرق غزير، وغالبًا ما كان يصاحبه طفح جلدي، كما كان يعاني من آلام مفاجئة في الرأس وألم العضلات وصُعوبة في التنفس. لم يكن يستمر أكثر من ٢٤ ساعة، وإذا حالف الحظ الضحية، فإن العرق كان يقل ويحل محله التبول بغزارة، وتتماثل الضحية للشفاء التام خلالَ أُسبوع أو اثنين. بخلاف هذا سرعان ما كان يعقب آلامَ الرأس الشديدة والتشنجاتِ الدُّخولُ في غيبوبة ثم الوفاة. لَقِيَ كثير من الضحايا حَتْفَهم بعد بضع ساعات من ظُهور الأعراض، مع أن معظم الضحايا كانوا يَبْقُونَ على قَيْد الحياة لمدة ٢٤ ساعة. لم يكن مرض التعرق يصيب الرضع أو الأطفال الصغار أو الطاعنين في العمر، ولم يَكُنِ التعافي من المرض ليضمن اكتسابَ مناعةٍ ضده.

في عام ١٥٢٨ كتب السفير الفرنسي لدى البلاط الإنجليزي:

أُصيبت خادمة من خادمات السيدة بولين يوم الثلاثاء بمرض التعرق؛ فغادر الملك في عُجالة شديدة وابتعد لمسافة اثني عشر ميلًا … هذا المرض هو أسهل مرض في العالم يمكن أن يموت المرء منه؛ فالمرء يشكو آلامًا خفيفة في الرأس والقلب، وفجأة يبدأ في التصبب عرقًا. ولا داعي لإحضار الطبيب؛ لأنه إذا كشفْتَ الغطاءَ عنك بأقل قدر ممكن، أو غَطَّيْتَ نفسَك أكثر قليلًا من اللازم، فستموت بلا معاناة. وصحيح أن مجرد إخراج يدك من تحت الفراش إبَّان الأربع والعشرين ساعة الأولى من شأنه أن يُودِيَ بحياتك.

كانت أوبئة مرض التعرق قصيرةَ المدة: «إذ كانت تهاجم جماعة بعينها ثم تختفي، وكان المرض يجتاح أَبْرَشِيَّة بأكملها في غضون أيام قليلة جدًّا، على الأكثر أسبوعين.»

أيًّا كان السبب وراء مرض التعرق، فإنه لم يَكُنِ الطاعون الدَّبْلِي، ولا الطاعون النزفي، الذي كان متزامنًا معه. لكن الأسئلة المثيرة هي: أين ذهب في السنوات التي تخللت الأوبئة، وهل كان له عائل حيواني في مكان ما؟

(٤) «موت أسود» في آسيا الوسطى

لفت جراهام تويج بكل دماثة انتباهنا إلى تقرير كان قد أعده الحاكمُ العامُّ لتُرْكستان ظهر في الصحيفة الطبية البريطانية عام ١٨٩٢. تغطي بلاد تُرْكستان مساحة شاسعة من آسيا الوسطى، ووفقًا لما جاء في التقرير «هاجم الموتُ الأسودُ المنطقة هجمةً عنيفة»، وكان الموت الأسود قد ظهر فجأة في عشق آباد في سبتمبر عام ١٨٩٢. أوضح الحاكم العامُّ قائلًا:

يعرِف الناسُ في غرب آسيا الموتَ الأسود منذ زمن بعيد باعتباره ابتلاءً أشد فتكًا من الكوليرا أو الطاعون [الدَّبْلِي]؛ فهو يظهر فجأة، مُجتاحًا مِنْطقة بأكملها وكأنها رياح سُموم طاعونية [رياح صحراوية حارَّة جافَّة]، فيأتي على الحيوانات والبشر على حد سواء، ثم يتلاشى فجأة كما ظهر، قبل أن يتوافر لديك الوقت لتتحقق من طبيعته أو طريقة تغلغله.

في عشق آباد، قتل الطاعون في ٦ أيام ١٣٠٣ أشخاص من إجماليِّ تعداد سكان بالغ ٣٠ ألف نسمة، ثم اختفى «دون أن يترك أي أثر على وجوده سوى جثث ضحاياه. أَنْتَنَتْ هذه الجثث سريعًا حتى إنه لم يمكن القيام بفحص تشريحي سليم للجثث.» كانت الإصابة تبدأ برعشة شديدة العنف؛ إذ كان المريض يرتجف فعليًّا من أعلى الرأس إلى أَخْمص القدمين، وكانت الرعشة تحدث كلَّ خمس دقائق لمدة ساعة، بعدها يشكو المريض من إحساس غير محتمل بالسُّخونة، وتتصلب الشرايين وتتزايد سرعة النبض، وفي الوقت نفسه ترتفع درجة الحرارة بانتظام. كانت التشنُّجات تتناوب مع نوبات إغماء، وكان المرضى يعانون من آلامٍ شديدة، وفجأة كانت الأطراف تتيبَّس وتصير باردة، وفي غضون ١٠ إلى ٢٠ دقيقة، يدخل المريض في غيبوبة سرعان ما كانت تنتهي بالموت. وفي الحال، بعد توقف الضحية عن التنفس، تتكون فقاعات سوداء كبيرة على الجسم سرعان ما تنتشر على سطح الجلد، ويتحلل الجسد في غُضون دقائق قليلة.

تُرى ماذا كان هذا المرض الغريب الذي ضرب آسيا الوسطى، والذي كان يظهر فجأة ثم يختفي بسرعة كبيرة بعدَها؟ ولماذا كانت الجثث تتحلل بهذه السرعة الكبيرة؟ فهل من الممكن أن يكون ذلك شكلًا طافرًا من الطاعون النزفي؟

(٥) أسوأ جائحة بعد الموت الأسود

الإنفلونزا هو مرض يصيب الحيوانات، ويمكن أن ينتقل إلى الإنسان، ويتحور سريعًا. وقد ظهرت سلالة من فيروس الإنفلونزا عام ١٩١٧. بعد أن بدأ الفيروس في الولايات المتحدة الأمريكية في شكل غير فتاك من الإنفلونزا. اجتاح العالم، لكنه لم يسفر إلا عن بضع حالات وفاة (معظمها بين الشباب). بَيْدَ أنه في أغسطس عام ١٩١٨ تحور الفيروس، مُطْلِقًا أكثر أوبئة الإنفلونزا فتكًا على مرِّ التاريخ. ظهر الوباء في ثلاثة موانئ في نفس الوقت تقريبًا حيث تجمعت قوات ومؤن من جميع أنحاء العالم وأُرسلت إلى الخنادق في الجبهة الغربية: مدينة بوسطن بأمريكا الشمالية، ومدينة فريتاون بسيراليون، ومدينة بريست بمنطقة بريتاني.

بمساعدة وسائل النقل السريعة في القرن العشرين، استطاع هذا الوباء أن يَودِيَ بحياة نصف مليون نسمة في الولايات المتحدة، وأبلغت بريطانيا عن سُقوط ٢٠٠٠ ضحية أُسبوعيًّا، وفي الهند، قضى ٢٠ مليون شخص. بلغ العدد النهائي للوفيات على مستوى العالم حوالي ٣٠ مليون شخص تقريبًا، فيما أُصيب بالمرض ٢٠٠ مليون شخص على الأقل، وفي وقت لاحق أوضحت اختبارات الدم أن المرض مسَّ الأغلبية العظمى من الجنس البشري. بدأ هذا الوباء المرعب في التراجع بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، وسرعان ما تلاشى تمامًا.

عادةً ما يكون معتَلُّو الصحة والصغار والطاعنون في السن أكثرَ عُرضةً من غيرهم للإصابة بالإنفلونزا، إلا أن الأمر المثير للغرابة أن هذا الوباء أصاب أكثر ما أصاب أشخاصًا أصحاء في العشرينات من العمر، وزاد على الأعراض المعتادة للإنفلونزا (من آلام بالرأس، وبرد شديد، وحمى، ورجفة، وألم في العظام والعضلات) مضاعفاتٌ مثل الالتهاب الرئوي الحاد، والتهاب الشعب القيحي، واضطرابات في القلب. اعتُبِرَت هذه السلالة أكثر فتكًا من الإنفلونزا العادية بمقدار ٢٥ مرة؛ إذ كانت فعليًّا تُغرق الضحايا بملء رئاتهم بالدماء.

تَنتُج سلالات الإنفلونزا الجديدة القادرة على إثارة أوبئة عن طفرات جينية جذرية تنشأ عادة في آسيا. تحدث هذه الطفرات في فيروس يصيب حيوانًا، وفي الغالب يكون هذا الحيوان إما بطًّا وإما دجاجًا وإما خنازيرَ، ثم يُمرر إلى البيئة وإلى الإنسان.

في عام ١٩٩٨، عُثر على بقايا فيروس الإنفلونزا في ضحايا جائحة عام ١٩١٨: في رئتَيِ امرأة كان جسدها محفوظًا بولاية ألاسكا، وفي رئات وأدمغة عمال مناجم الفحم بجزيرة شبيتسبرجن الذين دُفنوا في التربة الصقيعية. فكَّ العلماء شفرة التسلسل الكامل لأحد جينات الفيروس المهمة، الذي ثَبَتَ أنه يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالشكل الأساسي للإنفلونزا التي تصيب الخنازير.

هناك دائمًا خطر قائم، متمثلًا في ظُهور السلالة التي تسببت في وباء عام ١٩١٨ من جديد، ربما في شكلٍ له نفس القدرة على الفتك. وقد تبيَّن مؤخرًا أن فيروس إنفلونزا الطيور ينتقل من المرضى إلى العاملين بمجال الرعاية الصحية بهونج كونج، والشيء المقلق أن ثمة إشارة إلى أن هذا الاكتشاف ربما ينذر بفيروس «إنفلونزا جديد له قدرة على إطلاق تفشٍّ وبائي.»

في فبراير من عام ٢٠٠٣، أثار تفشي «إنفلونزا الطيور» في عائلةٍ بهونج كونج — كانت قد زارت مقاطعة فوجيان بجنوب الصين — المخاوفَ من أن البلدة سوف تكون مصدرًا لجائحة الإنفلونزا العالمية التالية. تنتاب المخاوفُ علماءَ الإنفلونزا لأن الممارسة الصينية المتمثلة في تربية أعدادٍ كبيرةٍ من مختلف الطيور على مقربة شديدة من البشر، تدعم ظُهور سلالات جديدة من المرض. زارت العائلة مقاطعة فوجيان للاحتفال برأس السنة الصينية، فضربتها فاجعة عندما مرِضت الابنة البالغة من العمر ٨ سنوات وتُوُفِّيَتْ، ثم مَرِض الأب وأحد الأبناء بأعراض شبيهة. تُوُفِّيَ الأب بعد رُجوع العائلة إلى هونج كونج بفترة وجيزة، واحتُجز الابن في المستشفى حيث شخصت السلطات الصحية مرضه على أنه فيروس إنفلونزا الطيور إتش ٥ إن ١.

أثار تفشي وباء إنفلونزا الطُّيور في العديد من دول شرق آسيا في مطلع عام ٢٠٠٤ مخاوفَ كبيرةً وذعرًا للمستهلكين، ومع أنه بحُلول منتصف فبراير، كان ١٨ شخصًا قد تُوُفُّوا، فمن حسن الحظ أن الفيروس لم يطوِّر بعد الطفرة التي من شأنها أن تسمح للإنفلونزا بأن تنتقل مباشرةً من إنسان إلى آخر.

ولا يُعرف سبب تحول الفيروس في بعض الأحيان إلى فيروس قاتل، لكن أسوأ موجات تفشٍّ للفيروس هي تلك التي تنطلق عندما يلتقط فيروس إنفلونزا بشري جينات جديدة من فيروسات إنفلونزا طيور، أو عندما ينتقل الفيروس مباشرة من الدجاج إلى البشر.

(٦) موجة تفشٍّ في بلدةٍ أفريقية نائية

إن حمى لاسا — التي ورد أول ذِكر عنها في خمسينيات القرن العشرين — هي مرض فيروسي حادٌّ ناشئ تتراوح مدته من أسبوع إلى أربعة أسابيع، وتختلف أعراضه في حِدَّتها ما بين لا شيء على الإطلاق إلى بالغ الخُطورة قد يؤدي إلى الموت، وهي تظهر الآن في غرب أفريقيا في الأساس حيث توجد باستمرار في بعض المناطق، وهناك ما بين ١٠٠ ألف إلى ٣٠٠ ألف حالة إصابة سنويًّا تسفر عن حوالي ٥٠٠٠ حالة وفاة.

تنتقل حمى لاسا إلى الإنسان من أحد القوارض البرية التي تُعرف باسم «الفئران عديدة الأثداء». تعيش هذه الحيوانات بالقرب من المستوطنات البشرية، وعادة ما تنتقل العدوى عن طريق الاتصال المباشر أو غير المباشر مع براز الفئران الذي يسقط على الأرضيات أو الفراش أو الطعام أو المياه. تتراوح فترة حضانة هذا المرض ما بين ٦ أيام و٢١ يومًا. تنتقل العدوى أيضًا من إنسان إلى آخر من خلال الاتصال المباشر بالدم أو افرازات الحلق أو البول أو الاتصال الجنسي.

(٧) فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز

إن فيروس نقص المناعة البشرية وباءٌ عالمي الآن، وله أهمية خاصة من وجهة نظرنا؛ لأنه كما رأينا — على غِرار الطاعون النزفي — يستخدم مستقبِل سي سي آر ٥ كممر دُخول إلى خلايا الإنسان. نشأ هذا المرض الناشئ الفتَّاك في الشمبانزي بغرب أفريقيا الوسطى، وكان الصيادون يتعرضون للدم المصاب بالفيروس أثناء قتل حيوانات الشمبانزي وتحضيرها. يُعرَف أيضًا أن قردًا واحدًا من بين ستة قرود من تلك التي تؤكل في الكاميرون كلحمِ أدغال يكون مصابًا بنسخةٍ مختلفةٍ من فيروس نقص المناعة البشرية، وقد أثار هذا مخاوفَ من إمكانية تطور سلالات جديدة من المرض.

يُعتقد أن فيروس نقص المناعة البشرية نشأ منذ أكثر من مليون سنة من اتحاد فيروسين كانا يصيبان أنواعًا مختلفةً من القرود. كان الفيروس على الأرجح يعيش بشكل غير مؤذٍ في الرئيسيات لمئات السنوات، ويعتقد العلماء أنه قفز إلى البشر في وقت ما بعد عام ١٧٠٠، ثم تحور إلى شكله الحالي نحو عام ١٩٣٠. وقد اقتضى تغير الأحوال الاقتصادية والاجتماعية في أفريقيا بَدْء انتشار فيروس نقص المناعة البشرية على نطاق واسع من خلال الاتصال الجنسي في ستينيات القرن العشرين وسبعينياته.

لم تَعُد أُصول المرض تحظَى بأي أهمية فعلية، وقد صارت في طَيِّ النسيان، وبات معظم الناس يعتبرونه مجردَ مرضٍ مُعْدٍ قاتلٍ يصيب البشر.

يختلف وباء فيروس نقص المناعة البشرية عن معظم موجات تفشي الأمراض الناشئة الأخرى؛ يُعزى هذا جزئيًّا إلى فترة حضانته الطويلة إلى حد استثنائي، وأيضًا إلى انخفاض معدل العدوى، إلا أن وسائل السفر الحديثة أتاحت للمرض الانتشار في أنحاء العالم. ومع ذلك، فحتى في أكثر المناطق إصابةً بالمرض، فإنه يتقدم ببطء شديد، ولا يُحْتَمَلُ أن يتوقف في المستقبل القريب. لطالما حاول العلماء على مدار عَقْدَيْنِ من الزمان تقريبًا إنتاجَ لقاح لمكافحة المرض، إلا أن كل المحاولات باءت بالفشل؛ إذ تَخيب آمالهم دائمًا أمام قدرة الفيروس على تغيير تركيبه. ومع ذلك فقد كان من الممكن الحد من انتشار فيروس نقص المناعة البشرية من الناحية النظرية، بالالتزام بالتدابير الطبية — مثل إبر الحقن المُعَقَّمة — والاحتياطات المناسبة أثناء الاتصال الجنسي.

بَيْدَ أن حوالي ٤٠ مليون شخص تقريبًا في العالم يعيشون الآن بفيروس نقص المناعة البشرية أو الإيدز، منهم ٢٫٥ مليون طفل تحت سن الخامسة عشرة. وكان هناك ٥ ملايين حالة إصابة جديدة، وما يزيد عن ٣ ملايين حالة وفاة عام ٢٠٠٣.

تظل منطقة جنوب الصحراء الأفريقية المنطقة الأكثر تضررًا، حيث يوجد بها ٢٧ مليون مصاب بفيروس نقص المناعة البشرية و١١ مليون طفل يتيم بسبب موت أحد أبويه من الإيدز. وقد أمكن تفادي خطر المجاعات والموت الجماعيين الذي يهدد جنوب أفريقيا نتيجة النقص الشديد في الطعام — حسبما أعلن رئيس برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة عام ٢٠٠٢ — وذلك نتيجة للتجاوب السريع من العاملين في المساعدات الإنسانية وهيئات المعونة، إلى جانب تقديم المتبرعين الدوليين تبرعاتٍ سخية. ومع ذلك، فإن أفريقيا تواجه الآن شيئًا مختلفًا تمامًا عن أي شيء شهده العالم مؤخرًا؛ فبوتسوانا تحتل أعلى معدل عدوى بفيروس نقص المناعة البشرية في العالم؛ حيث إن ٣٩٪ من سكانها حاملون للفيروس، وذلك فيما تضم جنوب أفريقيا أعلى أعداد مرضى: ٥٫٣ ملايين مصاب بالمرض، وتتوقع وزارة الصحة في زامبيا أن يموت نصف السكان من الإيدز، وحوالي ٢٥٪ من الأفراد في زيمبابوي مصابون بفيروس نقص المناعة البشرية. إن الجائحة مستمرة في الخروج عن نطاق السيطرة وتهدد بتمزيق نسيج المجتمع: المستشفيات ترزح تحت ضغط الأعداد الهائلة للمصابين، والأشغال تفقد العاملين، والإنتاج الزراعي يتهاوى.

في أغسطس ٢٠٠٣، أعلنت المنظمة الوطنية الهندية لمكافحة مرض الإيدز أن عدد المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية/ الإيدز في الهند قد ارتفع بنسبة نصف مليون فرد في العام الأخير وَحْدَهُ، وأن إجماليَّ عدد المصابين به ٤٫٦ ملايين شخص تقريبًا. لم يَعُدِ المرضُ قاصرًا على قاطني المدن الأكثر عُرضة للخطر، مثل متعاطي المخدِّرات عن طريق الحقن، لكنه بدأ في الانتشار إلى المناطق الريفية. تزداد الجائحة سوءًا بشدة في البلدان التي نَجَتْ بأقل الخسائر إلى الآن، وبالأخص الصين وروسيا وإندونيسيا، ويرجع ذلك بدرجة كبيرة إلى تعاطي المخدِّرات عن طريق الحقن الوريدي وممارسة الجنس غير الآمن.

بل إن التوقعات بعيدة المدى أكثر رعبًا؛ فقد أعادت الأمم المتحدة النظر في توقعاتها بشأن النمو السكاني العالمي؛ إذ تتوقع وفاة قرابة الثلاثمائة مليون شخص بسبب الإيدز في خلال نصف القرن التالي، وهو رقم يماثل تعداد سكان الولايات المتحدة الأمريكية. في عام ٢٠٠١، صرحت شعبة السكان التابعة للأمم المتحدة أنها كانت تتوقع زيادة سكان العالم من ٦ مليارات نسمة إلى ٩٫٣ مليارات نسمة بحلول عام ٢٠٥٠. إلا أنه من المتوقع الآن أن يصل التعداد السكاني إلى ٨٫٩ مليارات نسمة فحسب. تبيِّن جائحة فيروس نقص المناعة البشرية بكل وضوح المخاطر المريعة للأمراض الناشئة ما لم يتمَّ السيطرة عليها سريعًا لدى بداية ظُهورها. قد تكون التدابير الصارمة ضرورية.

ظهرت مؤخرًا ملاحظةٌ مثيرة للاهتمام بشأن فيروس نقص المناعة البشرية: يبلغ معدل الإصابة بالإيدز لكل فرد من السكان في المملكة العربية السعودية واحدًا في المائة من معدل الإصابة بالمرض في الولايات المتحدة الأمريكية. لا يُعَلَّل هذا بزيادة تكرار طفرة سي سي آر ٥-دلتا ٣٢ هناك؛ لأنه بين ١٠٥ من العرب المتبرعين بالدم المقيمين في السعودية، لم يكن لدى أي منهم الطفرة المزدوجة وشخص واحد فقط كان يحمل الطفرة المفردة. لا بد أن هناك تأثيرات واقية أخرى (غير معروفة في الوقت الحالي) مؤثرة، فهل يمكن أن يكون الطاعون النزفي ضرب السعودية منذ مئات السنوات، فنتج عن ذلك أنْ طوَّر الناس هناك مقاومة جينية ذات شكلٍ مختلف؟ وعلى كل حال، كان البشر الأوائل خلال ترحالهم شمالًا على طول الوادي المتصدع الكبير من إثيوبيا والسودان يمرون بشاطئ البحر الأحمر، وربما دخلوا شبه الجزيرة العربية عبر شبه جزيرة سيناء والعقبة، وقد رأينا بالفعل أن الطاعون النزفي اخترق شبه الجزيرة العربية في أربعينيات القرن الرابع عشر.

إضافة بشأن فيروس نقص المناعة البشرية: في خلال ما يزيد قليلًا عن اثني عشر عامًا انخفضت أعداد الأُسود الأفريقية من ٢٣٠ ألف أسد لتصل إلى ٢٠ ألف أسد اليوم؛ ذلك لأن أجهزتها المناعية تحطمت بفعل نسخة فيروس نقص مناعة الأُسود. هذا يأتي في صالح الحَمِير المخططة، لكن الأسود تواجه خطر الانقراض. وهكذا فإن الإنسان ليس وَحْدَه الذي يواجه خطر الفيروسات الناشئة.

(٨) أبشع طريقة لموت الإنسان اليوم

إن فيروسَيْ إيبولا وماربورج مرضان ناشئان فتاكان واسعا الانتشار، يَتَّسمانِ بعدوى الأنسجة وتلفها وبالنزيف والحمى. ظهر الفيروس الخيطي الإيبولا عام ١٩٧٦ في شمال زائير، حيث كانت هناك ٣١٨ حالة إصابة بمعدل إماتة ٩٠ بالمائة، ثم أودت الإيبولا بحياة ١٥٠ فردًا بين ٢٥٠ حالة إصابة في السودان. وتواصل موجاتُ تفشٍّ أصغر الظُّهورَ بشكل متكرر وبالأخص في شرق ووسط وجنوب أفريقيا. في عام ٢٠٠٢، حذرت المفوضية الأوروبية في بروكسل من أن الأعداد المتزايدة من السياح الوافدين من أفريقيا تجلب معها فيروس الإيبولا إلى أوروبا.

إن فيروس الإيبولا هو — كما يُزعم — أبشع طريقة للموت اليوم، وهو يشبه الطاعون النزفي إلى حد مخيف؛ إذ لا يتوقف المريض عن القيء، فيتقيأ سائلًا يُعرف بالقيء الأسود، وهو في الواقع مزيجٍ ملطخ من الأنسجة التالفة ودم شرياني أحمر جديد ناتج عن نزيف داخلي، ويكون القيء محملًا بالفيروس وشديد العدوى. وأقول مرةً أخرى: إن هذا الفيروس حيوانيُّ المنشأ أيضًا؛ يُشتبه أن مستودعه الحيواني إما الغوريلا أو الشمبانزي. في مارس عام ٢٠٠٣، انتشرت أخبارٌ عن موتِ ما يزيد عن ١٠٠ شخص في منطقة غابات نائية في جمهورية الكونغو في موجة تفشٍّ وبائي منتشرة لفيروس يُشتبه في أنه الإيبولا، يُعتقد أنه متعلق بتناول لُحوم قُرود مصابة. في محمية لوسي للغوريلات وَحْدَها، مات ما بين ٥٠٠ إلى ٨٠٠ حيوان. وفي محاولة للحدِّ من انتشار الفيروس، أُغلقت كافة المدارس والكنائس في المنطقة، وطُلِب من الأفراد التزامُ منازلهم، إلا أنه كان من الصعب تطويق المنطقة بأكملها بسبب شبكة مسالك الغابات الضيقة.

أودَى وباءٌ له أعراض شبيهة بأعراض الإيبولا بحياة ٦٣ شخصًا في مايو عام ١٩٩٩ في منطقة الحدود الشرقية لجمهورية الكونغو الديمقراطية المنكوبة بسبب الحرب، إلا أن السلطات المعنية بالأُمور الطبية أعلنت أن الحمى النزفية لم تَكُنْ بسبب فيروس الإيبولا. وكانت المنطقة قد عانت من موجات تفشٍّ شبيهة في وقت سابق بين عامي ١٩٩٤ و١٩٩٧. تمركزت موجة تفشٍّ عام ١٩٩٩، في بلدة تعدين الذهب دربا الواقعة بالقرب من الحُدود مع أوغندا والسودان. ويُعتقد أن معظم الضحايا كانوا من عمال المناجم غير الشرعيين الذين يعيشون في أوضاع غير صحية. على الأرجح كانت هذه فاشيات لمرض ناشئ آخرَ في أفريقيا.

(٩) المرض الأكثر ترويعًا في وقتنا الحاضر

تنتمي حمى القرم-الكونغو النزفية إلى فئة الحمى النزفية الفيروسية الكبيرة التي تُعَدُّ — بأعراضها المأسوية ومعدلات وفياتها المرتفعة — من أكثر الأمراض غُموضًا وأكثرها تَرْويعًا اليوم. هذا الفيروس — الذي شُخِّصَ للمرة الأولى في القرم عام ١٩٤٤ ثم اكتُشِف في الكونغو عام ١٩٥٦ — ينتشر عَبْر مساحات شاسعة من العالم عن طريق القُرَاد الذي ينقله إلى الإنسان والحيوانات الْمُجْتَرَّة. يمكن أيضًا أن يُصاب الإنسان بالعدوى عن طريق الاتصال المباشر بالدم أو غيره من الأنسجة المصابة من الماشية.

عادةً ما يُتَوَفَّى المريض بعد ستة أيام من بَدْء المرض، وتضم قائمة الأعراض مجموعة مألوفة: حمى، وآلامًا بالرأس، وقيئًا، وإسهالًا، وأورام الغدد الليمفاوية، ونزيفًا من الأنف والحَلْق واللِّثَة والقُولُون، ونزيفًا تحت الجلد؛ مما يسفر عن طفح جلدي نزفي شامل.

(١٠) الفيروس الغامض

تُعرف الآن المتعضية المحيرة التي ضربت السكان الأصليين لأمريكا عام ١٩٩٣ باسم فيروس «سين نومبري» (المعنى الحرفي: «عديم الاسم»). تطلَّب الأمر ثلاثة أشهر و٤٠ حالة وفاة قبل أن يتمكن الخبراء من فَهْم طريقة التعامل مع الموقف، حيث أثبتوا أن فأر الإِيَّل هو مستودع المرض. وقد قفز الفيروس من القوارض إلى الإنسان وصُنِّفَ على أنه فيروس هنتا.

الأمر المثير للقلق هو ظُهور فيروس هنتا جديد كلَّ عام، بعضه يستعمر المناطق الجغرافية التي كانت سالمةً من هذا البلاء فيما مضى. ويَحْتَمِل أن فيروس سين نومبري كان قد ظهر مِنْ قَبْلُ؛ إذ يَحكي الأدب الشعبي لأهل نافاجو (أحد شُعوب أمريكا الشمالية) عن وباءين غامضين ظهرا عامي ١٩١٨ و١٩٣٤ ويحذر من مخاطر الاقتراب الشديد من القوارض.

(١١) الوحش النائم

عندما بدأ البشر أول ما بدءوا العيشَ معًا على مسافات قريبة في المدن، وما بينها من طرُق تِجارية مزدحمة، وُجِدَت الظُّروف المثالية تمامًا للظهور الحَتْميِّ للأمراض الفتَّاكة حيوانية المنشأ، وقد تناولنا لِتَوِّنا بعضًا من أكثر الأمثلة بشاعة. في الولايات المتحدة، لطالما كان فيروس غَرْب النِّيل يمثل مشكلة لسنوات، وهو مستوطن حاليًّا في الكثير من أجزاء البلاد، وقد ظهر في أوغندا عام ١٩٣٧. تقوم طائرات القوات الجوية الأمريكية برش المياه الراكدة والمستنقعات حيث يعيش البَعُوض الذي ينقل الفيروس للحيلولة دون تفاقُم المرض. وتنشر الطيورُ المصابةُ العَدْوَى ومِنْ بعدِها البَعوضُ. أعلن العلماء بجامعة أكسفورد في خريف ٢٠٠٢ عن اكتشافهم لأجسام مضادة للفيروس في عدد من الطيور الميتة في إنجلترا، وهي علامة مؤكَّدة على العدوى سواء أكانت سابقة أم حاليَّة.

يزداد العالم تقاربًا في القرن الواحد والعشرين، وبدأنا نحن ننتقل إلى مزيد من المناطق التي لم يَطَأْها أحدٌ قبلًا. عندما تنخرط أعدادٌ كبيرة من الأشخاص في السياحة البيئية أو يدخلون إلى الغابات الْمَطِيرة لقطع الأشجار، فإنهم يَحْتَكُّون بآلاف الفيروسات التي لم يَسْبِقْ لها أنِ اقتربتْ من الإنسان من قَبْلُ. ومع أن الأغلبية العظمَى من هذه الفيروسات لن تستطيع تخطِّيَ الحاجزِ النوعي، فإن القليل منها سوف يتمكن من ذلك.

إذا كانت طَواعِينُ أثينا وجستينيان والإمبراطوريةُ الإسلامية الأولَى والطاعون الأصفر من أشكال الطاعون النزفي كما أشرنا؛ إذن فلا بدَّ أن الفيروس المسئول عن الموت الأسود ظل كامنًا في جماعات حيوانية لقُرون، متفشيًا من حينٍ إلى آخرَ على مدار أكثر من ألفَيْ عام؛ لذا، لا يوجد سبب للاعتقاد في أنه رحل إلى الأبد عام ١٦٧٠.

والآن ومع التزايد اللانهائي لأعداد المسافرين بسرعة كبيرة من مكان إلى آخر، أصبح الموقف حَرِجًا. لقد شهدنا منذ منتصف القرن العشرين ما يزيد عن ٣٠ مرَضًا مُرَوِّعًا يخرج من عائلِه الحيوانيِّ بمعدَّلِ تواتُرٍ مُثيرٍ للقلق، فماذا يكون بعدُ؟ هل يعود الموت الأسود؟

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠