الفصل السادس

صورة وباء

عرفنا المزيد والمزيد عن الطاعون وبدأت الأدلة تتراكم. وقد انبثقت شيئًا فشيئًا صورة أكثر وضوحًا حول خصائصه، بَيْدَ أن هذا نبع من تشكيلة هائلة من المصادر المتناثرة والمتبعثرة من كافة أنحاء أوروبا، التي اقترنت بروايات شهود العيان المختلفة. لقد عقدنا العزم على العودة إلى تحليلنا المفصل لسجلات أَبْرَشِيَّة بنريث لنرسم صورة أحد الأوبئة التي تعكس تمامًا الحال في البلدات الإقليمية في المملكة المتحدة، وربما في أنحاء أوروبا كلها أيضًا في القرنين السادس عشر والسابع عشر. لطالما تكرر كثيرًا هذا النمط من الأحداث وقصص الرعب والفجيعة والبطولة.

لم يكن الطاعون الذي تفشى في بنريث عام ١٥٩٧، والذي تناولناه في المقدمة، حدثًا منفصلًا؛ فقد كان واحدًا من سلسلة أوبئة اجتاحت شمال إنجلترا وكانت تنتقل على نحو متسلسل من إحدى بلدات السوق إلى البلدة التالية. لقد قررنا دراسة هذه النوبة الكبيرة، بعيدًا عن لندن، بالتفصيل كي نميط اللثام بالضبط عن كيفية انتشاره ومن أين جاء. بنهاية القرن السادس عشر كانت جميع بلدان أوروبا قد عايشت الطاعون لمدة ٢٥٠ عامًا، وكانت في حالة رعب مستمر من أنه يومًا ما سوف يَفِدُ إليهم مسافر مصاب، أو أن أحد أبنائهم سوف يعود من مكان ضَرَبَهُ الطاعون. وإذا حدث السيناريو الأسوأ، تجاوبوا بصرامة وبطريقة أكثر تنظيمًا من الهلع الأهوج الذي استقبلوا به الموت الأسود.

تذكرنا أن سجلات أَبْرَشِيَّة بنريث قد ذكرت أنه ظهر «طاعون مصحوب بقرح» في نيوكاسل ودرم ودارلينجتون عام ١٥٩٧، فكان من الواضح أن خطوتنا التالية ستكون فحص سجلات ومحفوظات الأماكن المذكورة لنرى كيف تصرفت إبَّان الطاعون.

(١) بداية الرعب

كانت نهاية القرن السادس عشر فترة ضَنْك ومجاعة عظيمة في شمال إنجلترا، وسُجِّلَت وفيات هائلة في العديد من الأبرشيات. كتب رئيس رهبان كاتدرائية درم في يناير عام ١٥٩٧ يقول:

زحف تأثير العَوَز والقحل إلى مقاطعات نورثمبرلاند وويستمورلاند وكومبرلاند، وبلغت نُدرة الطعام الحدَّ الذي اضْطُرَّ معه الأفراد إلى السفر من كارلايل إلى درم، مسافة ٦٠ ميلًا (١٠٠ كيلومترات) مجتازين بعضًا من أسوأ القرى الريفية في المملكة؛ من أجل شراء الخبز.

أول أنباء وردت عن ظهور المرض كانت في الميناء البحري لمدينة نيوكاسل في شمال شرق إنجلترا؛ مما يشير إلى أن الطاعون وصل عبر بحر الشمال من أوروبا القارية. إبَّان صيف عام ١٥٩٧، اجتاح الطاعون نيوكاسل، وإن كان لا يوجد أرقام بإجماليِّ عدد الوفيات.

في السادس والعشرين من مايو عام ١٥٩٧ اشتكى رئيس كاتدرائية درم مرة أخرى من أنه يوجد قحط كبير في درم، في بعض الأيام كان يصل عدد الأحصنة المحملة بالذرة المستوردة من الخارج في نيوكاسل إلى ٥٠٠ حصان، مع أن هذه البلدة وبلدة جيتشيد تفشى فيهما الطاعون على نحو خطير. وفي السابع عشر من سبتمبر، أُخبر اللورد بيرلي، وزير الدولة، أن الطاعون استفحل في نيوكاسل؛ ومن ثَمَّ «لا يمكن أن يقترب مفوضو الحكومة بعدُ من هذا المكان» (في حقيقة الأمر، لم تكن الجلسات تُعقد على الإطلاق بسبب الطاعون في نيوكاسل ودرم). كان التجار الأجانب يبيعون الذرة بسعر مرتفع إلى أن طرح بعض أعضاء مجلس المدينة مخزونًا للبيع بسعر أقل بمقدار شلن لكل بوشل (المكيال الإنجليزي للحبوب).

figure
الانتشار الجغرافي للطاعون من شمال شرق إلى شمال غرب إنجلترا عبر شعاب جبال بيناينز، ١٥٩٧-١٥٩٨. يحيط الخط المنقط بيابسة ممتدة على مساحة ٥٠٠ متر. يوضح الخط المكون من شُرط الطريق المحتمل الذي سلكه أندرو هوجسون.

تحرك الطاعون شمالًا عبر الطريق الشمالي الكبير (الذي أُطلق عليه لاحقًا إيه ١)، الذي يمتد إلى غرب جبال بيناينز وبلغ مدينة درم نحو منتصف صيف عام ١٥٩٧، وبحلول فصل الخريف كانت السجلات تحوي ما يزيد على الألف حالة وفاة. في تلك الأثناء كانت العدوى تقفز من مكان إلى آخر من جديد، فانتقلت نحو الجنوب وظهرت في الوقت نفسه في بلدة دارلينجتون بمقاطعة درم وريتشموند في صيف عام ١٥٩٧.

كانت ريتشموند بلدة في القسم الشمالي من يوركشير تُقام فيها سوق مركزية، وقد عانى أهلها مدة طويلة بلغت ١٦ شهرًا. كانت أعداد الوفيات النهائية ضخمة للغاية لدرجة أن فناء الكنيسة لم يكفِ، وتعين دفن الكثير من الموتى في أراضٍ مؤقتة في كاسل يارد وكلاركس جرين. خمد الوباء في فصل الخريف وترنح عبر الشتاء معاودًا الظهور في الربيع التالي مع بلوغ الوفيات أَوْجها في صيف عام ١٥٩٨، وأخيرًا زال بحلول شهر ديسمبر.

(٢) وصول الطاعون إلى بنريث

في الوقت نفسه لم يكن المرض ثابتًا في مكانه، وإنما سافر بطول طريق التجارة عبر جبال البيناينز من الشرق إلى الغرب، عن طريق الشعاب التي تربط منطقة ستينمور وأراضي بوز مور المستنقعية، مستشريًا في بنريث. كانت البلدة قد عانت من مجاعة شنيعة عام ١٥٩٦ مات على إثرها ١٥٣ شخصًا، ولم يكن المجتمع الصغير قد تعافى عندما تلقَّى ضربة مدمرة ثانية بوصول الطاعون في العام التالي. كما رأينا، جَلَبَ الطاعونَ أندور هوجسون الذي وفد على ما يبدو من ريتشموند أو ربما من مكان أبعد من ذلك مثل دارلينجتون أو درم، حيث كان الطاعون مستفحلًا.

يشير بوضوح القيد الذي أعقب قيد دفن هوجسون في السجلات إلى أن الكاهن وسكان البلدة أدركوا في الحال من العلامات التي ظهرت على الرجل الذي ينازع الموت أنه ثمة ابتلاء طاعون بين أيديهم، وقد كانوا على صواب. لا بد أن الذعر والهلع انتشرا سريعًا في أنحاء البلدة، ولا بد أنهم انتظروا بأنفاس لاهثة ليروا ما إذا كانت توجد أية حالات إصابة أخرى. لعل الحظ كان سيحالفهم وكانوا سينجون من وباء مكتمل الأطوار.

لم يحدث شيء على مدار ثلاثة أسابيع، وكان الأمل قد بدأ يدب في قلوبهم، إلا أن إليزابيث ريلتون ماتت بعدها وواجه المجتمع قَدَرًا محتومًا، ففي تعاقب سريع أُصيب أفراد أسرتها؛ مما يشير إلى معدل احتكاك مرتفع داخل الأسرة.

وصل الوباء إلى قمة محدودة في شهرَيْ نوفمبر وديسمبر، مع أن تسع عائلات فقط هم الذين أُصيبوا إجمالًا. ومنذ ذلك الحين فصاعدًا، اختفى تقريبًا الطاعون إبَّان بُرودة الشتاء الشمالي، ولم تحدث أية وَفَيَات بسبب الطاعون في شهر يناير، وحدثت حالة وفاة واحدة فقط في فبراير من عام ١٥٩٨.

إلا أن نوبة الطاعون انفجرت مجددًا خلال الظروف المناخية في شهر أبريل الأكثر دفئًا وارتفع عدد الوَفَيَات اليومي على نحو ثابت، بالغًا أقصى معدلاته في يوليو قبل أن يخبو شيئًا فشيئًا. تعين تخصيص مدفن مؤقت على التلة إبَّان فوضى الصيف ودُفن ٢١٣ جثمانًا هناك، ودُفن البعض في فناء مدرسة القواعد النحوية، والبعض الآخر في الحدائق الخاصة بمنازلهم. بلغ عدد الوفيات النهائي نحو ٦٤٠ شخصًا على الأقل، وهو ما يعادل أكثر من نصف السكان.

قدَّم فيرنس في كتابه «في تاريخ بنريث منذ أقدم السجلات حتى الوقت الحاضر» قصة الأحداث التي وقعت إبَّان الطاعون مع أنها معتمدة على الأرجح على روايات شخصية غير موثوق بها.

لا يمكن تخيل الحالة الفعلية لبنريث إبَّان هذا الوقت المرعب. لم تُسجَّل ولا حالة زواج واحدة إبَّان الصيف بأكمله. تجنب الناس تمامًا المنازل التي يُفترض أن بها عدوى، وعانى قاطنوها حتى الموت دون تلقي مساعدة. كاد الناس يخشَوْنَ حتى من نظرات بعضهم بعضًا. وكان للمساء — الوقت الذي كانت تحدث فيه عمومًا هجمات هذا المرض — مصدر رعب ووحشة إبَّان قدوم هذا الطاعون. كانت النوبة أو الفترة الأولى التي تضمنت المساء والليلة التالية، مميتة عادة. وكان اليومان الثالث والخامس في المجمل أخطرَ يومين، وإذا عاش الشخص لليوم الخامس واكتملت أطوار المرض، فعندئذ كان يُنظر إلى المريض بأنه قد تجاوز مرحلة الخطر تقريبًا. لم تكن كل هذه الملابسات معروفة جيدًا إلا في الأماكن التي تفشى فيها الطاعون لبعض الوقت. جَرَّدَ المشهدُ البائس والجنوني الذي صاحب المرض في مرحلته الأولى — التي كان ينبغي أن تثير الشفقة لحال المصاب — أولئك الذين شاءت الظروف أن يلتقوا بهؤلاء المرضى من المشاعر الإنسانية. وكان الترنح الناتج عن خَوَر القوة الشديد بمنزلة تحذير لجار المصاب ليفر هاربًا. كان المصاب الفقير يلجأ إلى منزله — ربما كان آخر أفراد أسرته — وكانت اللامبالاة بالتعافي وحدها، التي كانت تعد أحد أكثر الأعراض غير المحبَّذة، تخفف نوبات الهذيان الناجمة عن حالته اليائسة والموحشة.

(٣) تدابير الصحة العامة

وُضعت سياسة عزل جزئي قيد التنفيذ إبَّان الوباء المتفشي في بنريث، فلم يكن مسموحًا للمزارعين من خارج البلدة (وهو أمر واضح المغزى) الدخول أثناء تفشي الطاعون؛ إذ أُوقفت جميع الأسواق التي كانت تُقام بانتظام وأُقيم بدلًا منها أسواق مؤقتة في الضواحي. أورد فيرنس أن «قاطني الوديان، الذين كانت تَرْتَعِدُ فرائصُهم قطعًا أكثر من غيرهم، لم يتجاوزا قرية بولي.» (التي كانت تبعد نحو أربعة أميال). وكان سكان البلدة يدفعون نقود مشترياتهم من خلال رمي العملات في أحجار طاعون مجوَّفة تحتوي على مادة خام، من المفترض أنها سائل مطهِّر، وفي الغالب كانت خَلًّا. انتشر استخدام أحجار الطاعون إبَّان الوباء في إنجلترا ولا يزال أحدها محفوظًا في أحد الحقول في بنريث. بلا ريب، يُستدل من ذلك على أن الجميع اعتقدوا أن عدوى الطاعون تنتقل من خلال الاحتكاك المباشر بين الأفراد.

(٤) الضحايا يتكلمون

عُدنا مرة أخرى إلى أرشيف مكتب السجلات بكارلايل للعثور على وجهة نظر أخرى عن الأحداث إبَّان الأزمة في بنريث. كانت سو تستعين في هذه الحادثة بمعلومات من مصادرها الأصلية مباشرة حصلت عليها من فحص وصايا الأفراد الذين ماتوا في الوباء.

إن قراءة وصايا أولئك الذين ماتوا خلال الطاعون تتيح فهمًا عميقًا لسرعة زحف المرض المدمرة، كما أنها تُميط اللثام بالأخص عن مآسي العائلات التي ضربها الطاعون والتي واجهت القدر بعزَّة وجَلَد.

طِيلة كل هذا البؤس والخوف والمعاناة، واصل المواطنون حياتهم اليومية قَدْر استطاعتهم، فبالرغم من حقيقة أنهم كانوا على مشارف مواجهة موت مؤلم، فإن أولئك الرجال والنساء حرروا وصاياهم بكل دقة، مانحين اهتمامًا خاصًّا إلى حضانة أبنائهم لو قُدِّر لهم النجاة (مع أنهم قَلَّما نَجَوْا).

ولم يَنْسَوْا في وصاياهم فقراء الأَبْرَشِيَّة، فكثيرًا ما كانوا يتركون لهم كمية من أحد أنواع الشَّعِير الرديئة، وكان عدد منهم يترك النقود من أجل بناء وإصلاح الكباري في البلدة، وكثيرون وَرَّثوا لآخرين ممتلكات تركها لهم آباؤهم المتوفون بالفعل خلال الطاعون، لكنهم لم يكونوا قد تسلموها منهم بعد.

وحدهم فقط من يمتلكون مقتنيات ثمينة هم الذين حرروا وصايا إبَّان الطاعون. وكان جميع أعضاء البلدة موسري الحال — الذين كانوا في أغلبهم تجارًا ناجحين — تجمعهم روابط قوية بعضهم مع بعض وبينهم وبين شهودهم. وكانوا يمثلون مجموعة منفصلة عن طبقة الأعيان، الذين لم يَمُتْ منهم سوى ثلاثة أفراد في نوبة الطاعون؛ فقد ولَّى معظمهم الأدْبارَ بمجرد أن عاود الطاعون الظهور في الربيع. إليكم مقتطفات من بعض الوصايا التي حررها أولئك الذين ماتوا على إثر الإصابة بالطاعون.

تزوج مايكل دوبسون البالغ من العمر ٢٠ عامًا في العشرين من يوليو عام ١٥٩٨، إلا أنه لم ينعم بحياته الزوجية طويلًا، فحرر وصيته بعد مرور شهر واحد على زواجه في السابع والعشرين من أغسطس ١٥٩٨، ودُفن بعدها بخمسة أيام في الأول من سبتمبر. ترك دوبسون لزوجته إيزابيل (التي نجت من الطاعون) «جميع ما كان بحوزته من ممتلكات ومخازن غلال وأراضٍ وعقارات عقب وفاته».

حرر جون ستينسون وصيته في الثلاثين من أغسطس عام ١٥٩٨ ودُفن بعدها بثلاثة أيام في الثاني من سبتمبر. وقد ترك المنزل بأكمله — الذي كان ملكًا لأبيه — إضافة إلى ملحقاته، لابنه الأكبر توماس (الذي نجا على الأرجح من الطاعون) وقد آلت بقية ممتلكاته المنقولة وغير المنقولة لابنه ريتشارد وابنته مارجريت. الشيء المفجع أن ريتشارد دُفن بعد يومين من دفن أبيه، بينما ظلت مارجريت على قيد الحياة لفترة أطول قليلًا؛ إذ لَقِيَتْ حَتْفَها على إثر الإصابة بالطاعون بعدها بنحو ستة أسابيع. وتُرك جزء صغير من التركة لفقراء الأَبْرَشِيَّة، وهو ستة أرباع بوشل من دقيق الشوفان.

ضرب الطاعون عائلة آرثر جيبسون بقوة؛ إذ فقد ابنته إليزابيث في العاشر من يوليو ١٥٩٨، قبل أن يضرب الطاعون عائلته مرة أخرى بعدها بنحو عشرة أسابيع، ودُفنت إليزابيث على التل، ودُفن أحد أبنائه في التاسع عشر من سبتمبر ١٥٩٨ وحرر آرثر وصيته بعدها بيومين في الحادي والعشرين من سبتمبر. لقيت زوجته حَتْفَها في اليوم التالي وكان لديه طفلة أخرى (آن البالغة من العمر تسع سنوات) وافتها الْمَنِيَّةُ في الرابع والعشرين من سبتمبر. تمنى آرثر في وصيته قائلًا:

أود أن يُدفن جثماني بجوار جثامين زوجتي وأولادي، ومن ثَمَّ عندما يموت كثيرون منا في هذا الوقت، سوف يُدفنون بداخل فناء كنيسة أَبْرَشِيَّة بنريث … تئول جميع أراضيَّ وممتلكاتي إلى ابني الأكبر جون الذي نجا من الطاعون، ربما كان يعيش في الأرض الخاصة به بعيدًا عن المنزل … أهب جين ابنتي الكبرى البقرة الرقطاء، وأيضًا إذا تُوُفِّيَ جميع أبنائي باستثنائها، أهبها عشرين من الأغنام.

تُوصف جين بأنها خادمة ولعلها كانت تعيش بعيدًا عن المنزل. لقيت جين حَتْفَها عام ١٦٠٦ في عمر السادسة والعشرين.

كتب روبرت هولم وصيته في الخامس والعشرين من سبتمبر عام ١٥٩٨ ودُفن في الثالث من أكتوبر. إليكم بعض المقتطفات:

أهب وأترك ستة شلنات وأربعة بنسات من أجل بناية ساندجيت بريدج، وكذلك أربعة شلنات وثلاثة بنسات مدين بهما لويليام بومان لي، وثلاثة شلنات وأربعة بنسات من أجل صيانة كوبري ميدلجيت بريدج.

تئول ملكية كافة أراضيَّ ومنازلي وأرباحي وممتلكاتي إلى ابنتيَّ مارجريت وفرانسيس … لقد نَجَوَتا من الطاعون إلا أنهما كانتا في عمر الثالثة والعشرين والخامسة والعشرين، وربما غادرتا المنزل.

أهب زوجتي أجنيس بقرتين من أسمن أبقاري. (كانت أجنيس زوجته الثانية وغالبًا نجت من الطاعون.)

حرر ستيفن جاكسون وصيته في الثالث من يوليو عام ١٥٩٨ إلا أنه لم يَلْقَ حَتْفَه حتى الأول من أغسطس، فمن الواضح أنه بادر بالتعبير عن أمانيه بمجرد ظهور الطاعون بين أفراد عائلته لا عندما ظهرت لديه الأعراض أول ما ظهرت: دُفن ولده البالغ من العمر ثلاثة عشر عامًا في الثالث أو الخامس من يوليو ودُفنت زوجته دوروثي في الخامس عشر من يوليو، أي قبل أن يلقى هو حَتْفَه بنحو ١٧ يومًا، ونجا ابنهما جون. ولم يَأْتِ ستيفن على ذكر زوجته في الوصية، فمن الواضح أنه افترض أنها هالكة لا محالة. إذا كانت قد أظهرت الأعراض المميزة للطاعون في الثالث من يوليو، فإن معاناتها استمرت ١٢ يومًا.

حررت إيزابيل نيلسون العزباء وصيتها في الثالث والعشرين من يوليو عام ١٥٩٨ ودُفنت في اليوم التالي. لقد وهبت وتركت كل نصيبها في التركة المستحق لها بموجب الشهادة والوصية الأخيرة لوالدها الراحل ستيفن نيلسون. (من الواضح أنها لم تكن قد تسلمت إرثها بعد.)

حرر روبرت جيبون وصيته في الأول من أكتوبر عام ١٥٩٨ ودُفن بعدها بأربعة أيام. وقد كتب المطالب التالية:

وصيتي إلى أخوَيَّ جيلبرت جيبون وويليام جيبون أن يتكفلا برعاية وتعليم ابني أنطوني (البالغ من العمر ثلاث سنوات) وأعهد إليهما بمنزلي وفناء منزلي وملحقاته، إضافة إلى نصيب ابني أنطوني لعدم بلوغه السن القانونية (أي إلى أن يبلغ سن الرشد). وأوصي بأن يكون أنطوني هو المنفذ لوصيتي الأخيرة، وإذا وافتني الْمَنِيَّة أنا وابني تئول كافة ممتلكاتي إلى أخويَّ ويليام وجيلبرت.

دُفن روبرت جيبون وزوجته وابنهما الصغير أنطوني جميعهم في اليوم نفسه، في الخامس من أكتوبر ١٥٩٨. ولم تُكتب النجاة لأحد من العائلة.

حرر جيفري ستيفنسون وصيته في العشرين من أكتوبر، في نفس اليوم الذي دُفنت فيه ابنته إيزابيل، ولقي حَتْفَه بعدها بيومين. وقد وهب كل أراضيه ومروجه وكل ما يمكن أن يُورث من مقتنيات وجميع ممتلكاته المنقولة وغير المنقولة إلى ابنته إليزابيث. وقد نصبها منفذًا للوصية وعهد بمصاريف ابنته إليزابيث والوصاية عليها إلى أخويه أجنس ستيفنسون وجون ستيفنسون إلى أن تبلغ السن القانونية. قدم جيفري المزيد من التوجيهات في حال وفاة ابنته إليزابيث، ووزع حصص إرثٍ صغيرةٍ على النحو التالي؛ إذ كتب في وصيته يقول: «أهب سوزان إمرسون أفضل معطف وحذاء لدى زوجتي، وأهب مارجريت تود أفضل قبعة لدى زوجتي.»

دُفنت إليزابيث ستيفنسون في الثالث والعشرين من أكتوبر، في اليوم التالي لدفن والدها. ولم يَأْتِ جيفري على ذكر زوجته جانيت في وصيته، بل وهب بعضًا من أفضل ثيابها، مع أنها لم تكن قد دُفنت حتى الرابع والعشرين من أكتوبر. (هل ظهرت لديها بالفعل أعراض المرض في حين لم تظهر الأعراض على ابنتها إليزابيث، مع أنها ماتت سريعًا؟)

حررت إليزابيث براون، وهي أرملة، وصيتها في التاسع والعشرين من مايو ١٥٩٨. من الواضح أنها كانت تعاني من الطاعون، وكانت عائلة كروسبي تعتني بها؛ لأنها كتبت أن توماس كروسبي المذكور وزوجته سوف يتوليان رعايتها خلال محنتها. تركت إليزابيث الجزء الأكبر من مقتنياتها لعائلة كروسبي، إلا أنها وهبت إلينور كروس، قطعة ملابس واحدة، وملابس ابنتها جين، كما وهبت إليزابيث كروسبي حقيبة مصنوعة من الكتَّان مدرجة في البيان التفصيلي بقيمة ثمانية شلنات وأربعة بنسات. وقد نجا كل أفراد عائلة كروسبي الذين كانوا قد تَوَلَّوْا رعايتها من الطاعون.

حرر توماس ساتون، حائك الثياب، وصيته في تاريخ غير معروف ودُفن في الثاني والعشرين من يوليو عام ١٥٩٨. من الواضح أنه فَطِنَ إلى أن الطاعون قد يضرب زوجته، مع أنها في حقيقة الأمر لم تُدفن إلا بعد وفاته بشهر في الثاني والعشرين من أغسطس. وقد وزع حصص الميراث التالية:

أهب إلى فقراء الأَبْرَشِيَّة ١٠ شلنات ولمبنى ساندجيت بريدج ٥ شلنات في أي وقت.

أهب ابني توماس ساتون … منزلي في بنريث عقب وفاة زوجتي مابيل، وأهبها إيجار نصف قطعة الأرض التي أمتلكها.

أهب جون ساتون، الابن الأكبر لأخي جون، سيفي الفولاذي وسهامي التي استخدمتها في خدمة الأمير.

أما عن بقية أقواسي فأترك قوسي الثمين لجون نجل جون تيرنر مع ١٢ حربة وإلى … جَعْبَة سهامي بكل ما فيها من أسهم. وإلى ريتشارد سيل … صهري، معطفي الأزرق الأنيق وصدرية حفل زفافي، وإلى أخي … حلتي المصنوعة من الجلد.

أترك لروبرت ويلسون قوسي المصنوع من جلد النعاج، بالإضافة إلى سهام ورأس حربة … وحربة. وإذا ترأف الله عليَّ وعلى زوجتي أعطي روبرت المذكور صندوقًا.

وأترك لزوجتي الصندوق الكبير وما به من دقيق الشوفان، وإذا أخذ الله روحها، يُباع الصندوق والشوفان لتسديد ما عليَّ من ديون.

وإذا شاء الله أن يقبض روحي أنا وزوجتي في هذا الابتلاء … يقسم أصدقاؤها وأصدقائي بقية أمتعتي بالتساوي فيما بينهم.

أنوط إلى مابيل زوجتي بتنفيذ وصيتي.

أعطي لهنري إيري إذا مات كلانا ربع بوشل من الشعير وملء خمس عربات من فحم المستنقعات.

(٥) لماذا نجا البعض من العدوى؟

من المؤكد أنه لم يمت كل من اتصل بشخص مصاب؛ فقد رأينا إليزابيث براون تلك الأرملة التي تولت عائلة كروسبي رعايتها في أيامها الأخيرة، ونَجَوْا جميعًا. وثمة الكثير من الحالات التي نجا فيها من الطاعون فرد أو أكثر من أفراد العائلة؛ في الغالب كان طفلًا صغيرًا. ووجدنا أن كثيرين ممن شهدوا على وصية أحد ضحايا الطاعون الذين كانوا يعانون سكرات الموت نَجَوْا كذلك حتى لو كان الطاعون قد أصاب عائلاتهم هم أيضًا. لم يكن يوجد على ما يبدو أية صعوبة في إيجاد شخص لديه الاستعداد للتعرض للعدوى أثناء الشهادة على الوصية، بل توفر للبعض أكثر من ستة شهود. يشير هذا إلى أن بعض الأشخاص كانت لديهم مقاومة للعدوى في هذا الوباء، وهي نقطة أشرنا إليها في روايات الموت الأسود والطَّوَاعِين الأخرى.

مع أننا وجدنا أمثلة على أشخاص انتقلت إليهم العدوى بلا شك من شخص على فراش الموت، فإننا رأينا أنه عادة ما كان الشخص أقل قدرة على نقل العدوى بمجرد ظهور الأعراض. ربما يفسر هذا نجاة الكثير من الشهود.

وماذا عن الناجين في بنريث؟ على غرار الناجين من الموت الأسود الأول، عاود المجتمع الصغير الوقوف على قدميه سريعًا جدًّا؛ إذ أُقيمت الأسواق مرة أخرى ووفد الأفراد من المقاطعات المجاورة ليستحوذوا على الأراضي والمنازل الشاغرة ويغتنموا جميع الفرص الوظيفية. أظهرت الأبحاث التاريخية التي أجرتها سو سكوت أن المجتمع صار كأنه بلدة حدودية وارتفعت معدلات النغولة ارتفاعًا هائلًا. من يلومهم على ضرب الحيطة بعرض الحائط وهم الذين يناضلون من أجل إعادة بناء حيواتهم؟

اليوم تبرز المدافن المؤقتة على تلة بنريث على خريطة هيئة المسح البريطانية، إلا أنها مغطاة الآن بمنطقة سكنية. من السهل تخيل أن أشباح أولئك الذين ماتوا إبَّان ابتلاء الطاعون لا تزال تحوم هناك.

(٦) انتشار الوباء في أنحاء شمال غرب إنجلترا

كما رأينا من قبل، انتشر المرض بسرعة كبيرة من بنريث إلى كارلايل، حيث اتخذت السلطات المدنية تدابير في الصحة العامة أكثر صرامة. من الواضح أنه بحلول عام ١٥٩٧ كانت حتى البلدات الريفية النائية على دراية بما ينبغي فعله عندما ضربها الطاعون. سُجِّلَ ما يلي في أحد لقاءات مجلس المدينة:

في اليوم الثالث من نوفمبر ١٥٩٧، رأت الجهات المختصة أنه ينبغي حصر المرض في هذه المدينة بغية تجنب المزيد من التفشي لعدوى مرض الطاعون المشتبه في ظهوره هناك حينها، إن كانت هذه مشيئة الله كي يبارك مساعيهم الحذرة هناك.

كانت المنازل المصابة تُشَمَّع، وكانت تُرتب عملية إمداد قاطنيها بالمؤن، وكانت تُتَّخذ ترتيبات مُمَنْهَجة لإزالة الجثث والتخلص منها، وكان رجال أمناء محنَّكون يزورونهم يوميًّا لاكتشاف حالات مرضية.

فرض أحد القرارات التي اتُّخذت جمعَ تبرعات أسبوعية من كل شارع من أجل تخفيف معاناة كل مصاب فقير. من إجمالي ٢٠٩ جنيهات إسترلينية و٩ شلنات و١٠ بنسات، كان المبلغ الذي تبرع به المواطنون أنفسهم ١٤ جنيهًا إسترلينيًّا و٤ شلنات و١٠ بنسات فقط، أما المبلغ الأكبر فقد جاء من الصندوق العمومي ومن تبرعات قدمها العديد من أفراد الطبقة العليا. كان الفقراء يَتَلَقَّوْنَ الرعاية دونَ مقابل أو تكبُّد نفقات العلاج، إلا أن أولئك الذين كانوا في مستوى يسمح لهم بدفع تكاليف العلاج كان من المتوقع منهم فعل ذلك.

وُضعت بوابات المدينة تحت حراسة رجال أمناء يتعين عليهم منع دخول أي شخص معروف بأنه مصاب أو يُشتبه في إصابته أو جاء من أي مكان يُعتقد أن العدوى قد أصابته، وكان «الأجانب» والشحاذون المتشردون يُطردون من المدينة إبَّان ابتلاءات الطاعون، ولم يكن مسموحًا لأحد الدخول دونَ تصريح من المسئول القضائي بالمدينة، وكانت الحركة بداخل المدينة نفسها محدودة أيضًا.

كانت الطبيعة الْمُعدية للمرض مفهومة تمامًا، وكانت المنازل المصابة مميزة كالعادة بصليب أحمر، «وتظل هكذا إلى أن تُفْتَح مرة أخرى بموجب أمر قانوني». حُددت فترة الحَجْر الصحي بأربعين يومًا (كالمعتاد). كان أهل كارلايل على دراية بكل ما يتعلق بالطاعون. لقد أدركوا المخاطر المقترنة بوصول الغرباء واتخذوا تدابير وقائية سليمة لتقليل انتشار المرض بأقصى درجة ممكنة، مثل عزل المصابين في منازلهم.

أُجريت الترتيبات اللازمة لدفع رواتب المسئولين وخدام الكنيسة وحاملي الجثث ومتفقدي الجثث، وكان متفقدو الجثث يتقاضَوْنَ على ما يبدو تعريفة موحدة مقدارها ١٠ شلنات في الأسبوع. وكان يتقاضى مبلغًا مماثلًا أولئك الذين كانوا ينظفون المنازل التي مات جميع قاطنيها أو فرُّوا إلى الحقول حفاظًا على سلامتهم. كانت أيضًا تُقدم معونة للناجين من الفقراء، مع أنهم كانوا في حالة اتصال يومي مع المرضى، كما كانت تُقدم لأولئك المتعافِينَ من الطاعون.

يعزِّز هذا استنتاجنا المذكور سابقًا بأنه ليس كل من كانوا على احتكاك بالمصابين لَقُوا حَتْفَهم، فهل كانت لديهم مقاومة للعدوى؟ يشير هذا أيضًا إلى أن التعافي من هذا المرض لم يكن مستحيلًا.

لا يُعرف متى بدأت ممارسة نقل المصابين إلى بيوت الطاعون (التي كانت بمنزلة مراكز عزل بدائية) في كارلايل، بَيْدَ أن الممتلكات كانت تُنتزع للتعامل مع الطوارئ، وسُرعان ما بُنيت العديد من مستشفيات العزل خارج أسوار المدينة. وكانت تُنفذ أوامر صارمة بشأن دفن الموتى: كانت تُوفر نعوش خاصة لحمل الجثث، التي كان يتعين دفنها بين الساعة العاشرة صباحًا والرابعة مساءً. لم يكن يُنقل جثمان إلى أن يعلن قارع الأجراس أنه جرى تجهيز القبر، وكان الشَّمَّاس يسير أمام حاملي الجثمان ليعظ الناس وهو سائر.

ضرب الطاعون كيندال أول ما ضربها في نفس اليوم الذي ظهر فيه في كارلايل. لا تتوفر تفاصيل كثيرة عن الوباء هناك نظرًا لأن سجلات الأَبْرَشِيَّة غير مكتملة، لكن من الواضح أن نوبة التفشي في كيندال كانت عنيفة. في تلك الأثناء، توقفت أقسام وثائق التعميد والزواج والدفن من السجلات في الصيف، ولم تُستأنف حتى وقت عيد الميلاد. كانت مدة هذه الفجوة خمسة أشهر، وقبل هذه الفجوة ببضعة أشهر، كان هناك بعض أقياد الدفن المميز إلى جانبها في الهامش بحرف P أو Pla (الحرف الأول أو الحروف الثلاثة الأولى من كلمة طاعون، plague، بالإنجليزية).

أثناء الطاعون كان أهل البلدة يأتون بالطعام إلى كونيبدس، حصن على سفح جبل هاي، ويتركونه لسكان كيندال «حيث كان هذا احتكاكهم الوحيد أثناء تلك الفترة المدمرة.»

لم نعثر على أية سجلات للطاعون المتفشي في كزيك بشمال بحيرة ديستريكت، بَيْدَ أن بارنز، وهو مؤرخ محلي، حكى ما يلي عام ١٨٩١:

كان هناك عرف في كزيك أنه متى هاج الطاعون، ولم تُعقد الأسواق خشية العدوى، كان أهل الوِدْيان يأتون بغزْلهم ونسيجهم إلى حَجَر كبير، يكون واضحًا وضوح الشمس على إحدى الروابي المنخفضة لجبل أرمبوث، وهناك يلتقون بصفة دورية لمزاولة المعاملات التجارية مع التجار. ولا يزال يُطلق على هذا الحَجَر اسم «حَجَر النسيج». يقول لي السيد جيه فيشر من قرية كروستويت أنه سمع العجائز يقولون إنه متى ظهر طاعون في كزيك، كان أهل البلدة يَفِدُونَ إلى نبع «كادي بيك»، لكنهم لا يَعْبُرون الجدول الصغير. كان أهل كزيك يضعون النقود في الماء ثم يأخذها التجار الذين يضعون لهم منتجاتهم على الأرض ليأخذوها مقابل ما دفعوا من نقود.

كانت الأوبئة الكبيرة تتوغل فقط في بلدات ومدن الأسواق الكبيرة. أظهر تحليل السجلات المتاحة لأبرشيات وادي آيدن الصغيرة أنه لم تُسجل حالات دفن على إثر الإصابة بالطاعون إلا في أماكن معدودات، وفي بعض الحالات، بلغ إجمالي حالات الدفن أقل من اثنتي عشرة حالة. أكد هذا اعتقادنا بأن نوبة التفشي مكتملة الأطوار لهذا المرض لم تكن تحدث إلا في مجتمعات فوق حد أدنى لحجم معين، مثل بلدات ومدن الأسواق التي كانت مركزًا للتجارة المحلية والتي كان يزورها بانتظام الرعاة وتجار الصوف. كان الصوف، السيئ الجودة على نحو واضح، أحد الصادرات المهمة التي تُصنع في وادي آيدن.

في ووركوب (وهي قرية تبعد ١٥ ميلًا أو ٢٣ كيلومترًا، جنوب شرق بنريث)، بدا أن المرض مقصور على جزء واحد من الأَبْرَشِيَّة، وعلى عائلتين فحسب؛ فقد قضى آدم موس وولداه نَحْبَهم على إثر الإصابة بالطاعون «كما ظن الناس» في التاسع عشر من أكتوبر ١٥٩٧، وفي الرابع من نوفمبر، دُفنت مارجريت موس وأجنس لانكستر في حوش محاط بدير يقع في بلاتارين. حدثت حالات الدفن التالية في الخامس والعشرين من مايو ١٥٩٨ (من المفترض أنها نوبة تفشٍّ جديدة)، عندما لقي ريتشارد لانكستر وزوجته «حَتْفَيْهما في حالة يُرثَى لها بسبب الطاعون ودُفنا بفنائهما في بلاتارين على ما يُعتقد.» ذكر قيد آخر في السادس من يونيو ١٥٩٨: «وافت المنية توماس بن ريتشارد لانكستر من قرية بلاتارين وحُرق مخزن الغلال الذي تُوُفِّيَ فيه ودُفن جثمانه بعد ذلك.» ومع أن الطاعون لم يُذكر كسبب للوفاة، فإن حقيقة أن التطهير باستخدام النيران كان يُعد ضرورة تشير إلى وجود مرض شديد العدوى يرتعد منه الناس بشدة.

تَذْكُر سجلات الأَبْرَشِيَّة في بنريث أن الطاعون ضرب أيضًا بلدة أبلبي الواقعة عند الطرف الشمالي من وادي آيدن، ومن إدراجه بجانب كيندال وكارلايل نستنتج أن تلك كانت هجمة شرسة للطاعون. على ما يبدو أن نوبة التفشي حدثت قرب نهاية الجائحة، وفي الغالب وصلت العدوى مرة أخرى من ريتشموند.

بعد مضي وقت طويل تحرك المرض من كارلايل شمالًا ووصل بلدة دومفريس باسكتلندا بحلول شتاء عام ١٥٩٨. تسبب الوباء في عوائق للتجارة بل أدى أيضًا إلى ندرة الطعام؛ في أحد المواقف أُوقف رجلان، أُرسلا من دومفريس إلى منطقة جالواي، في بلدة السوق ويجتون وبحوزتهما ٣٨ رأس ماشية، وقد طُلب دفع تعويض لأن الماشية التي صُودرت صارت عجافًا.

(٧) معاناة الضحايا

لم نعثر على أية روايات تتناول الأعراض التي ظهرت على ضحايا الطاعون في بنريث وكارلايل، على أن ريتشارد ليك، «مبشِّر بكلمة الله في كيلنجتون في بارونية كيندال ومقاطعة وستمرلاند»، ألقى خُطَبه المزعومة بشأن الطاعون عام ١٥٩٨ أو عام ١٥٩٩ التي قال فيها:

شاء الله أن يُذِيق بلادنا خلال سنتين متصلتين (في الأجزاء الشمالية من الجزيرة) قُدرته على الدينونة، لمَّا أثارت خطايانا الكثيرةُ الهائلةُ غضبَه، لقد ضربنا بأوجاع كثيرة ومؤلمة، مثلما حدث عندما ظهرت في البداية الحمى الشديدة، وبعدها مشكلة النزيف، وآخرها وأكثرها رعبًا الوباء اللعين الذي أصاب الكثيرين ونشر الفزع والرعب في جميع أنحاء البلاد. ومع أنني لم أُصب ولم يُصَبْ أيٌّ من الأفراد الذين أتولى رعايتهم، فجميعنا كان مسئولًا عن هذا المرض بسبب قلوبنا المذنبة.

عانى الضحايا من الحمى الشديدة المعتادة التي كان يعقبها «مشكلة النزيف»، مع أنه لم يكن واضحًا مصدره. كنا على يقين من أن المرض المعدي نفسه كان المسئول عن هذه النوبة الوبائية مثلما كان مسئولًا عن جميع طواعين أوروبا الأخرى.

(٨) ظهور ملامح السفاح

كانت هذه إذن صورة وباء نمطية عن وباء شرس اجتاح المقاطعات. كان الطاعون قد تفشى من قبل في بعض البلدات الأكبر في الشرق مثل نيوكاسل ودرم، على أن بلدات السوق الأصغر في الغالب لم تتعرض لرعب الطاعون إلا نادرًا.

فحصنا الكثير من الأوبئة في الأقاليم باستخدام السجلات المعاصرة للأبرشيات، وتدريجيًّا صرنا أكثر دراية بالطاعون، وجمعنا الأدلة:
  • غالبًا كان تُسَجَّل نوبة تفشي الطاعون في سجل الدفن على أنه بدأ عن طريق مسافر أو غريب أو أحد قاطني المدينة الذي كان قد عاد من مكان كان معروفًا باشتداد الطاعون فيه. من الواضح أن هؤلاء الأشخاص أُصيبوا بالعدوى في مكان آخر. على سبيل المثال، تذكر سجلات بلدة السوق أوندل بمقاطعة نورثانتس أن الوباء الذي بدأ عام ١٦٢٥ كان قد وصل عن طريق ابنة ويليام آبلز «التي انحدرت من لندن» (حيث كان الوباء ثائرًا) لزيارة والدها ولَقِيَتْ حَتْفَها في الرابع عشر من يوليو، وكان برفقتها ابنتها التي وافتها الْمَنِيَّةُ بعدها بتسعة أيام.

  • كان الطاعون عدوى انتهازية وقد سلك في الأساس نفس الطريقة في كل نوبة تفشٍّ.

  • لكننا أدركنا نوعين من الوباء مختلفين تمامًا في إنجلترا، يحكمهما الحجم والكثافة السكانية:

    – أولًا: لم ينجح الطاعون مُطلقًا في القرى والأبرشيات المتفرقة. لم تكن العدوى تنتشر لمسافة بعيدة قَطُّ، مع أنها كانت تطيح بعائلات بأكملها إذا وجدت لها موطئ قدم في أحد المنازل. مع أن الطاعون ربما يكون قد كشَّر عن أنيابه لبضعة أشهر، فإن معدل الوفيات كان منخفضًا دائمًا. الأرجح أن الكتلة الحرجة للوباء كانت تبلغ نحو ١٠٠٠ ساكن.

    – ثانيًا: في البلدات الأكبر حيث كان يتكتل عدد كافٍ من السكان معًا، كان الوباء ينفجر في أشهر الصيف، وكان دائمًا ما ينتشر ببطء في البداية إلا أنه كان يزداد زخمًا بالتدريج.

  • كانت هذه الأوبئة المكتملة الأطوار التي تعكس ملامح الطَّوَاعِين الكبيرة تدوم لثمانية أو تسعة أشهر، من الربيع حتى شهر ديسمبر.

  • كان معدل الوفيات مرعبًا — في الغالب نحو ٤٠٪ من السكان — مع أنه ليس لدينا وسيلة لحصر عدد الأشخاص الذين كانوا قد وَلَّوُا الأدبارَ لدى رؤية الأَمارات الأولى على الاضطرابات.

  • كان المرض يشق طريقه في الشتاء بصعوبة، فالوباء الذي كان يبدأ في الخريف كان يسير بخطًى متعثرة وغالبًا ما كان يخمد تمامًا في الشتاء، الأمر الذي كان يخفف معاناة الأفراد دون شك.

  • حالما يوطِّد الوباء قدميه، كان المواطنون ينفِّذون الأوامر المتبعة إبَّان الطاعون، مع أن هذا كان يُحْدِث فارقًا طفيفًا في النتائج.

  • كان معدل انتقال العدوى هائلًا، فعلى سبيل المثال: كانت تُقطع مسافة تزيد عن المائة والخمسين ميلًا (٢٤٠ كيلومترًا) في نحو ستة أسابيع في نوبة الوباء في شمال غرب إنجلترا، وكانت العدوى تواصل زحفها بلا هوادة، ضاربة على نحو انتهازي في أي مكان يمكن أن توطِّد قدميها فيه.

  • كان الوقت الذي يتخلل ظهور الأعراض المخيفة والموت قصيرًا للغاية، ربما خمسة أيام في المتوسط.

ماذا كان نمط الأحداث وسط تجمع سكني هائل مثل لندن عندما كان الطاعون في أشد عنفوانه؟

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠