الفصل الأول

المنظر الأول

ميدان أمام منزل كلوديو
(سيليو – بيبو)
سيليو : هيه بيبو، أرأيت ماريان؟
بيبو : نعم يا سيدي.
سيليو : وبمَ حدثتك؟
بيبو : وجدتها على أشد ما عرفتها من تورع وكبرياء. حدثتْني عما اعتزمَت من مفاتحة زوجها بالأمر إذا لم يكفَّ سيدي عن طلبها.
سيليو : يا له من حظ عاثر! ليس لي إذن إلا أن أطلب الموت. آه ما أقساها امرأة! بمَ تنصحني بيبو، وأي سبيل أسلك؟
بيبو : بدء نصحي هو ألا تمكث حيث أنت الآن، فها هو ذا زوجها مقبل. (ينسحبان إلى قاع المسرح.)

المنظر الثاني

(كلوديو – تبيا)
كلوديو : عهدي بك خادمي الوفي، واليوم لي ثأر لا بد من أخذه.
تبيا : لك أنت يا سيدي؟
كلوديو : نعم، لي أنا، ما دامت تلك القيثار لا تستحي فتنحي نغماتها عن نافذة زوجتي، ولكن صبرًا والأيام بيننا دول (يلمح سيليو وبيبو).
تعال بنا إلى هذا الجانب، ها هو نفر من المارة أخشى أن يتسقط حديثنا، عليك أن تحضر لي هذا المساء الفارس الذي حدثتك عنه.
تبيا : وماذا تريد منه؟
كلوديو : يخيل إليَّ أن لماريان عشاقًا.
تبيا : أتظن ذلك يا سيدي؟
كلوديو : نعم نفذت إليَّ رائحةُ من يحوم منهم حول منزلي، حقًّا إنه لا يمر منهم أحد ببابي، ولكن السماء تمطر قيثارًا ورسائل خفية.
تبيا : وهل تستطيع أن تقصي من يريد أن يُسمع زوجتك أغاني المساء؟
كلوديو : لا، ولكني أستطيع أن أقيم خلف السياج فارسًا يطيح برأس من تسبق به قدم إلى هنا.
تبيا : لكن ما هذا القول؟ ألزوجتك عشاق؟ إذن فلي أنا أيضًا عاشقات؟
كلوديو : ولمَ لا يا تبيا؟ حقًّا إنك دميم الخلقة ولكنك لطيف الروح.
تبيا : هذا صحيح! هذا صحيح!
كلوديو : آه تبيا! أتسلِّم إذن بذلك، لم يعد في الأمر شك، وها أنا مضغة في الأفواه!
تبيا : أي أفواه؟
كلوديو : أفواه الجميع.
تبيا : ولكن زوج سيدي مضرب الأمثال عفةً في المدينة كلها، وقد احتجبت عن كل عين وما تغادر بيتها إلا للعبادة.
كلوديو : لا عليك من ذلك، وانا بعد كابح جماح غضبي، آه، أهذا جزاء ما قدمت إليها من عطاء؟ نعم تبيا، سأحيك الشباك محكمة الحلقات، وقد أوشك الألم أن يأتي عليَّ.
تبيا : آه! لا كان ذلك.
كلوديو : أرجوك أن تصدقني، كلما نفضت إليك أمرًا.

(يخرجون.)

المنظر الثالث

(سيليو)
سيليو : ويل لمن يسلم نفسه غض الإهاب إلى حب لا أمل فيه، ويل لمن يستسلم إلى الأحلام على غير بينة مما تقوده إليه ولا علم بما هو ملاقٍ جزاء ما يهب من حب. ومثله مثل من يستلقي في رخاوة بزورق يذهب به قليلًا قليلًا بعيدًا عن الشاطئ، فلا يصيب إلا لمحات من أودية مسحورة ومروج خضراء وسراب متهافت بأرض الأحلام، وقد حملته الأمواج قصيًّا حتى لتوقظه الحقيقة فإذا به بعيد عن غايته بعده عما خلف من شاطئ، فلا هو يستطيع مواصلة السير، ولا هو يستطيع العودة إلى حيث كان. (يسمع عزفًا) ما هذا الحفل؟ من القادم؟ أليس هو أكتاف؟

المنظر الرابع

(سيلو – أكتاف، وقد تنكر في عباءة مقدودة من الأمام وعلى رأسه قناع يمثل ذئبًا وبيده مطرقة.)

أكتاف (مخاطبًا من معه في حفل التنكر، الذين لا يرون من المسرح) : كفى أيها الإخوان، عودوا إلى منازلكم، كفى ركلًا اليوم (مخاطبًا سيليو وقد نزع قناعه) وأين أنت يا سيدي من أحزانك المشرقة!
سيليو : أكتاف، أبك مسٌّ؟ ما هذه الحمرة التي تُلطِّخ منك الخدود؟ وما هذه الأسمال التي تنكرت بها؟ أما تستحي ونحن في وضح النهار؟
أكتاف : وأنت سيليو أما بك مس بدورك؟ ما هذا البياض الذي يلطخ خديك؟ ومن أين لك بهذا الرداء الأسود الفضفاض؟ أما تستحي وسط هذا الحقل؟
سيليو : كنت في سبيلي إلى منزلك.
أكتاف : وأنا أيضًا في سبيلي إلى منزلي، وما أدري عن أمره شيئًا، وقد غادرته منذ ثمانية أيام!
أكتاف : لي عندك رجاء.
أكتاف : تكلم سيلو، تكلم ولدي العزيز، أتريد مالًا؟ لقد نفد كل ما أملك.
أتريد سيفي، هاك مطرقة! تكلم! تكلم! سلني ما تريد.
سيليو : وإلى متى تبقى بعيدًا عن بيتك؟ ثمانية أيام تبقى بعيدًا عن منزلك، سنأتي على حياتك يا أكتاف.
أكتاف : لن آتي عليها بيدي أيها الصديق، كلا لن يكون ذلك أوانه، لأهوَنُ على نفسي أن أموت حتف أنفي من أن أُجهز على حياتي.
سيليو : ولكن أليست الحياة التي تحياها ضربًا من الانتحار؟
أكتاف : مثلي مثل راقص فوق حبل بأرجله حذاء فضي وبين يديه عصا الاتزان، وقد علق بين الأرض والسماء، وحوله ميمنة وميسرة وجوه مسنة ضئيلة جعداء، وأشباح متهافتة شاحبة، وغرماء أيقاظ، وأهل، وداعرات، حُشدوا جميعهم في كتيبة من الوحوش، تتعلق بردائه، وقد أخذ كل يجذبه ناحيته فما لاتزانه من بقاء، وقد انتشر من حوله كل قول زائف وكل كلام مصطنع، فما يرى إلا سحبًا تتجهمه بكل نبوءة مخيفة حتى لكأنها طيور سوداء ترفرف بأجنحتها فوق رأسه، وأما هو فحاثُّ السير من شرق إلى غرب، وما أن ينطلق منه بصر إلى أسفل حتى تدور منه الرأس، وما أن يرتفع بصر إلى أعلى حتى يزل منه القدم، فهو أمضى من الريح، وما ليدٍ أن تمتد إليه، فتحمله على إراقة قطرة واحدة مما يشرب من نخب مرح. هذا مثلي أيها الصديق العزيز. هذه صورة حياتي.
سيليو : ما أسعدك بما أصابك من مس.
أكتاف : وما أحوجك إلى مس، تصيب به السعادة، ولكن قل لي ماذا ينقصك لتكون سعيدًا؟
سيليو : تنقصني راحة النفس، ينقصني ذلك الرضاء الذي يجعل من الحياة مرآة تنعكس عليها الأحداث برهة ثم تولي إلى غير رجعة. إن استدنت لاحقتْني وخزات الضمير، تلتمسون من الحب مزجيًا للفراغ وفيه شقاء حياتي وما لك علم أيها الصديق بمدى الحب، الذي يختلج في فؤادي، ها قد مضى شهر وأنا بعيد عن كتبي أهيم ليل نهار حول هذا المنزل. بأية نشوة أقود جوقتي الصغيرة تحت هذه الشجيرات، وقد أخذت أشعة القمر تطالعنا؟ جوقتي الصغيرة وقد قمت عليها أوقع ما تتغنى به عن جمال ماريان، ولكَمِ امتد بصري عبثًا يلتمس محياها من منفرج النافذة، ولكم وددت أن لو أسندت جبينها المشرق إلى حافتها!
أكتاف : ومن هي ماريان هذه؟ أتعني زوجة ابن عمي؟
سيليو : هي بعينها، زوجة شيخنا كلوديو.
أكتاف : لم أرَها في حياتي، ولكنها ولا شك زوجة ابن عمي، وكلوديو هو الرجل الذي يصلح لها، بصرني بلبانة نفسك سيليو.
سيليو : لقد أخفق كل ما احتلْتُ به لأبلغها أمر حبي، وقد نشأتْ بدير وهي تخلص الود لزوجها كما تحرص على واجبها، وقد أغلقت بابها دون شباب المدينة كلها؛ فما لأحد أن يجد إليها سبيلًا.
أكتاف : أهي جميلة؟ وفيمَ السؤال؟ ألست تحبها؟ دعنا نقدر للأمر!
سيليو : هل لي أن أصارحك القول؟ وهبْني فعلت، أتعدني ألا تسخر مني؟
أكتاف : دعني أسخر وصارحني القول.
سيليو : ما أظن بابها مغلقًا دونك وأنت من ذوي قرباها.
أكتاف : ذلك لا علم لي به، وهب الأمر كذلك، فلسنا كالحزمة المتماسكة، ولا صلة بيننا إلا أن تكون مراسلة، ولكن ماريان تعرفني اسمًا، أتريدني أن أكون لك عندها شفيعًا؟
سيليو : كم من مرة حاولتُ منها دنوًّا فتخاذلت مني المفاصل، ما رأيتها إلا تقطعت أنفاسي حتى لأحسب قلبي قد صعد إلى ما بين الشفتين.
أكتاف : وهذا إحساس تبينته في نفسي، ومثلنا عندئذ مثل صائد يطارد غزالًا ولى عنه بخطًى قصيرة فوق ما جف من أوراق غابة كثيفة، وقد أخذت الأغصان تنحدر في حفيف عن جوانبه فيما يشبه حفيف الثوب، وإذا بصائدنا يحبس من أنفاسه المتصاعدة وقد أمسك عن السير وسكن كل ما به، إلا قلب متلاحق الضربات.
سيليو : لمَ خلقت كذلك؟ ولمَ لا أحب تلك المرأة كما لو كان المحب أنت أو كانت المحبوبة غيرها؟ وفيمَ حزني وإطراقي مما تشرق له أسارير رجل مثلك ويتهلل محياه، وتنصرف إليه نفسه كما ينصرف حديد إلى قوة جاذبة؟ ولكن ما الحزم وما الإشراق وما الحقيقة إلا أشباح، وما تقديسها إلا خيال أو جنون، وما الجمال إلا جنون، وكلنا رجل يخطو مكسوًّا بهالة شفافة تشمله من رأس إلى قدم تهيئ له من عوالم الرؤيا غابات وأنهارًا ووجوهًا قدسية، حتى لكأن الكون رقعة سحرية تحليها ألوان لا عداد لما بينها من دقيق الفوارق، أكتاف، أكتاف، النجدة، النجدة.
أكتاف : ما أحبَّ غرامك إلى نفسي سيليو، وقد سرى بنفسك سريان بنت الدن، ها هي يدي أبسطها لنجدتك، أمهلني قليلًا، ها هو النسيم يخطر بوجهي فاستجم أفكاري، عهدي بماريان مبغضة لي وإن لم يسبق لنا لقاء وهي بعد دمية رقيقة لا تحفل بغير نزواتها كالطفل المدلل.
سيليو : أستحلفك ألا تضللني ولتفعل بعد ذلك ما تشاء، ومن اليسير تضليلي، وكيف لي أن أوقي نفسي الخديعة في أمر لا أريد أن آتيه بنفسي؟
أكتاف : وما الرأي لو نصحتك بتسلق الجدران؟
سيليو : وما جدوى ذلك ما دامت لا تحبني.
أكتاف : ولمَ لا تكتب لها؟
سيليو : لأنها تمزق رسائلي أو تعيدها إليَّ.
أكتاف : ولمَ لا تلتمس لحبك هدفًا غيرها؟
سيليو : كيف السبيل وأنفاس حياتي بين يديها، تنفث فيها النار من شفتيها إن أرادت، وتخمد وهجها إن شاء هواها، وإنه لأهون على نفسي أن أموت في سبيلها من أن أعيش لغيرها. هس ها هي خارجة!
أكتاف : دعني فإني سائر لحديثها.
سيليو : عجبًا أفي أسمال تسير إليها؟ أصلح من سيماك ونحِّ عنك غيرة الجنون هذه.
أكتاف (وهو يخلع عباءته) : ليكن ما تريد، وأنا بعد — عزيزي سيليو — والجنون صنوان، يعزني كما أعزه، فما ينهض بيننا نزاع، إن أمرته أطاع وإن أمرني أطعت، ولا تخشَ عليَّ من ذلك شيئًا، ومثلي مثل طالب يمرح في عطلة تراه يرقص عشية، يولي منه عقله حينًا ويعاوده حينًا، ولا عقل لي إلا نزوات نفسي، وسبيلي هو أن أسلم للحكاة قيادها فتسير في يسر، حتى لو أنه طلب إليَّ أن أحادث ملكًا لما حادثته بغير ما أنا محدِّث به متعة عينيك.
سيليو : لقد اختلطت مني المشاعر، لا، لا تحادثها.
أكتاف : ولمَ؟
سيليو : لست أدري لذلك سببًا ولكني أخشى منك الخديعة.
أكتاف : هذه يدي، وكيف لي أن أخدع أعز أحبابي، وما خدعت أحدًا في حياتي.

(يخرج سيليو.)

المنظر الخامس

(أكتاف – ماريان)
أكتاف : لا تصدفي عني ربة الجمال، لا تحرمي مولاك الخاشع من بعض لحاظك.
ماريان : من أنت؟
أكتاف : أنا أكتاف، ابن عم زوجك.
ماريان : وهل أتيت لرؤيته، تفضل بالدخول فهو عائد عما قريب.
أكتاف : لم آتِ لرؤيته، فليس لي أن أدخل الدار، وأنا بعد أن أخشى أن تخرجيني منها إن أخبرتك بما أتيت من أجله.
ماريان : إذن لا تخبرني به ودعني أواصل السير.
أكتاف : وكيف لي ألا أحدثك به ورجائي إليك هو أن تنصتي لي هنيهة، ما أقساك ماريان! لكم أنزلت لحاظك بالنفوس من آلام، ولكم خيبت عباراتك أملَ من ألتمس منها شفاء. وفيمَ القسوة على سيليو؟
ماريان : عمن تتحدث؟ وأي ألم أنزلت؟
أكتاف : لقد أنزلت أقسى الألم، ألمًا لا أمل في النجاة منه، ألمًا مبرحًا كلما نال من النفس ازدادت به ولعًا حتى لينجي بلسم الخلاص، ولو حملتْه أعز يد، ألمًا تذبل الشفاء سمومه، وسمومه أعذب من الرحيق، ألمًا يذيب أقسى القلوب دموعًا تتساقط كاللؤلؤ، ألمًا عز دواؤه وتقطعت عقول البشر دون برئه، ألمًا تغذيه الرياح المنطلقة وعطر الورود الذابلة وقرار الأغاني، ألمًا يستمد غذاءه من كل ما يحيط به، كما تجمع النحلة العسل من براعم روض.
ماريان : وما اسم هذا الألم؟
أكتاف : لينطق باسمه من هو أجدر مني بذلك، لتُحدثكِ عنه أحلام الليل وغصون البرتقال، لتحدثك عنه نفثات الربيع، ابحثي عنه تحت غلالة الليل وأنت واجدَتُه فوق شفتيك، وهو ألم لا يستقر اسمه إلا حيث تستقر حقيقته.
ماريان : أتراه من الخطر بحيث يخيف كل من ينطق به أو يدافع عنه؟
أكتاف : أترينه يا ابنة العم من الرقة بحيث تريدين أن أسمعك اسمه؟ لقد علمته سيليو.
ماريان : لئن صح ما تقول فما كان ذلك عن قصد، وأنا بعد أجهل اسمهما معًا.
أكتاف : ومنية النفس أن تعرفيهما، وألا تفرقي بينهما بعد اليوم.
ماريان : أصحيح ما تقول؟
أكتاف : سيليو أعز أصدقائي، لو أني أردت أن أوقظ منك الفؤاد لقلت إنه في جمال ضوء النهار، وإنه فتى نبيل، ولأصبت الحق فيما أقول، ولكني لا أريد اليوم أن أبعث فيك إلا الرحمة؛ ولهذا أخبرك أنه حزين حزن الموت منذ أن وقع بصره عليك.
ماريان : وهل الذنب ذنبي؟
أكتاف : وما حيلته مع جمالك وأنت مسرح أفكاره؟ وحول منزلك ينفق سويعاته في الطواف، أما تصعد نغمات غنائه إلى منفرج نافذتك، أما دفعت مصراعًا أو نحيت ستارًا في ظلام الليل؟
ماريان : ليغنِ من يريد وليطف من يشاء.
أكتاف : ولكلٍّ أن يحبك إن أراد، ولكن أحدًا لا يستطيع أن يخبرك بأمر هذا الحب، ما سنك يا ماريان؟
ماريان : ما أعجبه من سؤال! وهبْني كنت في الثامنة عشرة ماذا تريدني أن أفعل؟
أكتاف : إذن لبقي لك خمسة أو ستة أعوام لكي تصبحي هدفًا للحب، وثمانية أو عشرة تلتمسين فيها الحب، وما بقي فلعبادة الله.
ماريان : أحق ما تقول؟ إذن لوجب عليَّ أن أنفق أيامي في محبة كلوديو زوجي وابن عمك.
أكتاف : لن تجدي من زوجك وابن عمي إلا فقيهًا من فقهاء الريف، لا! إنك لا تحبين كلوديو.
ماريان : ولا سيليو، وفي استطاعتك أن تخبره بذلك.
أكتاف : ولمَ؟
ماريان : لم يبقَ إلا أن تسألني لمَ وقفت أستمع إلى حديثك، إل اللقاء يا سيد أكتاف، وكفى ما كان من مزاح.

المنظر السابع

(تبيا – كلوديو – أكتاف)
كلوديو (إلى تبيا) : أنت على حق.
أكتاف (إلى كلوديو) : عم مساءً يا ابن العم.
كلوديو : عم مساءً (إلى تبيا) أنت على حق.
أكتاف : عم مساءً يا ابن العم.
كلوديو : عم مساءً، عم مساءً.

المنظر الثامن

(تبيا – كلوديو)
كلوديو : أنت محق وامرأتي كنز من الطهر، وبمَ أصفها وهي مثال الفضيلة؟!
تبيا : أتظن ذلك يا سيدي؟
كلوديو : وهل في استطاعتها أن تمنع من يغني تحت نافذتها؟ وأما ما يبدو عليها من قلق فمصدره ما فطرت عليه من مزاج، ألم تر إلى والدتها كيف قالت بهذا الرأي نفسه عندما كاشفتها بالأمر؟!
تبيا : وفي أي أمر رأت ما رأيت؟
كلوديو : رأته في أمر من يتغنون تحت نافذتها.
تبيا : ما في الغناء من عيب، ولطالما انطلق به لساني.
كلوديو : ولكن إجادة الغناء فن عسير.
تبيا : عسير على مثلي أو على مثلك ممن لم تهبهم الطبيعة نعمة الصوت، ولم يغرسوها في نفوسهم، ولكن أما ترى إلى ممثلي المسرح بأي مهارة يجيدون هذا الفن؟
كلوديو : ولكنهم قوم يقضون أعمارهم في المسرح.
تبيا : وكم تحسب أجر كل منهم؟
كلوديو : أجر من؟ المستشارين؟
تبيا : لا، المغنين.
كلوديو : لست أدري! ولكني أعلم أن المستشار يتقاضى ثلث ما أتقاضى، ورؤساءهم الضعف.
تبيا : لو أني كنت قاضيًا وكنت متزوجًا وكان لزوجتي عشاق لقضيت فيهم بنفسي.
كلوديو : وبكم سنة كنت تقضي فيهم؟
تبيا : كنت أقضي فيهم بالموت، إذ ما أجلَّ أن ننطق بمثل هذا الحكم بصوت عالٍ.
كلوديو : ولكن الذي ينطق بالحكم هو كاتب الجلسة لا القاضي.
تبيا : ولكن لكاتب جلستكم امرأة جميلة.
كلوديو : بل للرئيس، ولقد تناولت معها العشاء أمس.
تبيا : وللكاتب كذلك، وعشيقها هو الفارس الذي سيأتي الليلة.
كلوديو : أي فارس؟
تبيا : الفارس الذي طلبته.
كلوديو : لا داعي لحضوره بعد الذي حدثتك به منذ هنيهة.
تبيا : وإلى أي حديث تشير؟
كلوديو : إلى حديثي عن زوجتي.
تبيا : ها هي مقبلة.

المنظر التاسع

(تبيا – ماريان – كلوديو)
ماريان : أتدري ما حدث لي وأنت تجول في الحقول؟ لقد زارني ابن عمك.
كلوديو : أي ابن عم تقصدين؟ اذكري اسمه.
ماريان : أكتاف، جاءني ينقل إليَّ حب سيليو، من هو هذا؟ أتعرف هذا الرجل؟ وهل لي أن أرجو منك أن تمنع كليهما من دخول منزلنا.
كلوديو : نعم أعرفه، هو ابن جارتنا هرميا، وبمَ أجبتِه؟
ماريان : لندع ذلك جانبًا ولتفهم ما رجوت منك، مر رجالك ألا يدعوا أحدًا منهما يلج بابنا، إني أتوجس منهما خيفة، وبودِّي تجنبهما.

المنظر العاشر

(تبيا – كلوديو)
كلوديو : ما رأيك تبيا في هذه المغامرة، أحسب أن شباكًا قد نصبت تحتها.
تبيا : أتظن ذلك يا سيدي؟
كلوديو : ولمَ لم ترد أن تخبرني بما أجابت به؟ إن فيما حدثت به لجرأة، ولا أقل من أن أعرف جوابها على ذلك، وما أحسب صاحب القيثار إلا ابن هرميا بعينه.
تبيا : إغلاق بابك دونهما هو خير وسيلة لإبعادهما.
كلوديو : دع الأمر بين يدي، وأنا محيط أم زوجي بما أستكشف من أمر.
تبيا : ها هي.
كلوديو : من؟ أمُّ زوجتي؟
تبيا : لا، بل جارتنا هرميا، ألم نتحدث عنها منذ هنيهة؟
كلوديو : نعم تحدثت عنها كأم لسيليو، وهذا حق يا تبيا.
تبيا : ليكن سيدي، وها هي قادمة وحولها ثلاثة من الخدم، إنها لسيدة جليلة.
كلوديو : إنها لموفورة الثراء.
تبيا : وأحسبها أيضًا على خلق، هل لسيدي أن يبادرها بالحديث.
كلوديو : أتظن ذلك؟ أيحق لي أن أحادث أمَّ رجل سأقيم له من يطعنه هذا المساء؟ أأحادث أمه، لا، إن هذا لا يتفق مع ما عهدته فيك يا تبيا من حرص على المواضعات، هلم تبيا لنعد إلى الدار.

المنظر الحادي عشر

(ملفوليو – هرميا – خادمان)
هرميا : أقُمتم بما أمرت به؟ أطلبتم إلى الموسيقيين الحضور.
ملفوليو : نعم سيدتي، سيكونون رهن أمرك هذا المساء وبالأصح.
هرميا : وماذا تعني بذلك، هل أعددتم العشاء كما أمرت؟ خبروا ولدي عن أسفي لعدم إمكاني رؤيته. ومتى خرج؟
ملفوليو : لم يخرج قط، وكيف له وهو لم يعد بعد إلى الدار طيلة الليل؟
هرميا : إن ما تقوله لهذر، لقد تناول ولدي العشاء معي مساء أمس، ثم اصطحبني إلى المنزل، هل حملتم إليَّ مكتبة اللوحة الزيتية التي ابتعتها هذا الصباح؟
ملفوليو : لو أن والده ما زال حيًّا لتغير الحال.
هرميا : لكن الأمر سيظل كذلك ما دامت أمه حية. من وكل إليك القيام على سلوكه يا ملفوليو، نصيحتي إليك ألا يلقى ولدي بطريقةِ وجه شؤم وألا يسمعك تتمتم بين شدقيك، وإلا فيا ويلكم إذ لن يُترك أحد منكم تحت سقف داره.
ملفوليو : ما تمتمت قط، وليس وجهي وجه شؤم، سألت أي ساعة خرج سيدي، فأجبتك أنه لم يعد إلى المنزل طيلة الليل، ومنذ شغله الحب لا نراه إلا لمامًا.
هرميا : وما هذا الغبار الذي يعلو كتب سيليو؟ وما لي أرى أثاثه مبعثرًا؟ وما لي لا أستطيع أن أعثر على ما أريد أو أبحث في كل مكان؟ وهل لك أن تقف دون إنجاز ما يطلب إليك، لتنفق ما تبقى لديك من جهد في التدخل فيما لا يعنيك من أمر، كفى، أمسك لسانك.

المنظر الثاني عشر

(هرميا – سيليو)
هرميا : أي ولدي، بم تمنِّي النفس اليوم؟
سيليو : أمانيَّ أمانيكِ يا والدتي.
هرميا (آخذة بيده) : عجيب أن تود مشاطرتي أمانيَّ، وأما أحزاني فلا! يا لها يا سيليو من قسمة ظالمة! لك أن تخفي عني بعض سرك، ولكن ما ينبغي أن تكتم عني ألمًا يرعى فؤادك، ألمًا يصرفك عن كل ما حولك.
سيليو : ليس لديَّ ما أكتمه عنك، ولو أني كنت أشكو ألمًا لسألت الله أن يجعله من تلك الآلام التي تحيلنا دمًى.
هرميا : عندما كنت في العاشرة أو في الثانية عشرة من عمرك كانت كل آلامك صغيرة أو كبيرة منوطة بي، وبنظرة قاسية أو مبهجة كنت أبعث في فؤادك الحزن أو السرور، ولكم ألقيت بجبينك المشرق إلى أحضان والدتك وكأنما علقت بشغاف قلبها، أما الآن فما أنا إلا كأخت لك، ولكني إن عجزت عن تبديد آلامك لا أعجز عن مشاطرتك إياها.
سيليو : أي أمي، وكنت أنت أيضًا مشرقة الجمال، ولطالما نظرت إلى قدك الممشوق وقد غشته غلالتك الرقيقة، فخُيِّل إليَّ أني أرى ملكة الجمال، أي أمي لقد أوحيت الحب ولطالما أرسلَتِ القيثار تنهداتها إلى نافذتك المنفرجة قليلًا، ولكم شققت سبيلك وسط الجموع الحافلة تلقين عليها نظراتك الهادئة المترفقة الجليلة وماء الحياة يجري قويًّا تحت إهابك، لم تحبي أحدًا، ولقد مات حبًّا من أجلك أحد أقرباء والدي.
هرميا : يا لها من ذكرى!
سيليو : أي أمي، أرجوك إذا لم يكن في ذلك ما يبعث الأسى في نفسك ويستدر الدموع من عينيك أن تقصي عليَّ ما كان، وأن تفصِّلي خبره.
هرميا : وا حزني! وفيمَ تحريك الرماد يا ولدي؟ ومن عجب أن تطلب إليَّ ما طلبت.
سيليو : حدثيني، أضرع إليك.
هرميا : ليكن ما تريد. لم يكن لي سابق معرفة بوالدك، وفي ذات صباح عهد الفتى أورسيني إلى والدك أن يطلبني له زوجة. وأتانا والدك زائرًا فتلقاه جدي وما يتفق ومكانته وأفسح له من مودتنا، وكان أورسيني زوجًا يطلب، ولكني رغم ذلك رفضت الزواج منه، ذلك أن والدك بتزكيته أورسيني لديَّ قضى على ما كنت أحمل له من حب قليل لم ينله إلا بعد جهد متواصل، وما كنت أدري مدى ما يحمل لي من هوى فتَّاك، حمل والدك إليه جوابي فوقع بين ذراعيه مغشيًّا عليه، ثم ترحل في سفرة طويلة عاد منها بثروة طائلة، وقلب حسبته أقل أسى، وإذا بوالدك يلعب دورًا غير دوره الأول فيطلبني لنفسه بعد أن فشل في محاولته الأولى، ولقد أخلصت له الحب، وكان فيما أوحاه إلى أهلي من تقديرٍ ما لم يدع مجالًا لترددي، وتقرر الزواج في نفس اليوم، وفتحت لنا الكنيسة أبوابها بعد ذلك ببضعة أسابيع، وعاد أورسيني من سفره إذ ذاك وأتى إلى والدك صاخبًا مؤنبًا، وقد اتهمه بخيانة ما ائتمنه عليه من ثقة، وبأنه قد كان السبب فيما لاقى من رفض، وأضاف: ستبلغ ما تريد إن كان حتفي هو ما قصدت إليه، هال والدك ما سمعه فخف إلى لقاء والدي يطلب إليه أن يعينه على تبصير أورسيني ببراءته مما اتهمه به، لكن وا أسفاه! كان السيف قد سبق العذل، إذ وجدوا فتانا البائس مضرجًا بدمائه في غرفته وقد طعن نفسه بسيفه.
سيليو : وهكذا كانت نهايته.
هرميا : نعم، ويا لها من نهاية قاسية.
سيليو : كلا يا أماه، فلا قسوة في موت ينجينا من حب لا أمل فيه، وكل ما أشفق عليه من أجله هو أنه اعتقد بخيانة صديقه.
هرميا : ولكن ما بك يا سيليو ولمَ تشيح برأسك؟
سيليو : وأنت والدتي ما هذا الانفعال الذي يبدو عليك، وا حزني، ما أحسب إلا أني كلفتك جسيمًا إذ طلبت إليك قص ما كان، وما أظنني إلا مخطئًا فيما فعلت.
هرميا : لا عليك من أحزاني، ما هي إلا ذكريات، وأحزانك أفعل بنفسي منها، وما أحسبها إلا مستقرة بقلبك الفتيِّ زمنًا مديدًا ما لم تحاول تحطيمها في نفسك ولست أسألك أن تحدثني عنها وأنا أراها بعيني رأسي.
وما دمت ترغب في مشاطرتي شجوني فهلم ندفع عن أنفسنا سويًّا، بالمنزل أصدقاء أوفياء دعنا نلتمس السلوى بصحبتهم، ولنحاول ولدي أن ننعم بالحياة ولنرسل نظرات مرحة أنا إلى الماضي وأنت إلى المستقبل، هلم يا سيليو، هات يدك.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠