الفصل الثاني

المنظر الأول

(بيبو – أكتاف)
أكتاف : تقول إنه قد تخلى عن قصده.
بيبو : وا أسفاه ما أجدره بالرحمة، وقد بلغ حبه أقصاه، ولكني أحسبه يحذرك كما يحذرني ويحذر كل ما يحيط به.
أكتاف : كلا وأستشهد بالسماء أنه لن يخيب له قصد، وها أنا أحس في نفسي من العناد قدر ما في نفس ماريان، ولي في هذا العناد نشوة، سينجح سيليو أو أكون أعجز الرجال.
بيبو : وهل لك أن تحمله على غير ما يريد؟
أكتاف : نعم هذا ما أريد، وإرادتي لن تخالف ذلك إرادته، ثم إني حريص على أن أطيح بالسيف رأس السيد كلوديو قاضي القضاة، وما أحمل له إلا البغض والمقت والاحتقار.
بيبو : لتخبره إذن بما تريد، ها هو قادم، أما أنا فنافض يدي من الأمر بعد اليوم.

المنظر الثاني

(أكتاف – سيليو)
أكتاف : أصحيح سيليو أنك متخلٍّ عن قصدك؟
سيليو (وبيده كتاب) : وماذا تريدني أن أفعل؟
أكتاف : أصحيح أنك تحذرني؟ وما لي أراك شاحب الوجه؟ من أين جئت؟
سيليو : من لدى والدتي.
أكتاف : وما سر حزنك هذا؟
سيليو : أوه لست أدري، أرجوك، أرجوك العفو، ليكن ما تريد، اذهب إلى ماريان وخبرها أنها خدعتني، أودت بي، وأن حياتي عالقة بلحاظها.
أكتاف : عجب! فيمَ التحدث عن الموت؟ ما الذي يسوقك إلى ذلك.
سيليو : لمَ لا وهو دائمًا نصب عيني؟
أكتاف : الموت؟
سيليو : نعم الحب أو الموت.
أكتاف : وما معنى ذلك؟
سيليو : الحب والموت صنوان، أكتاف، يسيران يدًا بيد، وكما يتفجر الحب بأرق أنواع السعادة كذلك يضع الموت حدًّا لأشق الآلام.
أكتاف : أكتاب هذا؟
سيليو : نعم، وأظنك لم تقرأه.
أكتاف : ربما، لكن ما دمنا قد قرأنا كتابًا، فلمَ لا نقرأ بقية الكتب؟
سيليو (قارئًا) : كل حب عميق يوهن القلب ويذبله حتى ليرغب في الموت، لمَ؟ ذلك ما لا علم لي به.
أكتاف : ولا أنا.
سيليو (يقرأ) : قد يكون ذلك لحداثة عهده بالحب، وقد يكون لأن بيداء الحياة تخيف نظرات المحب؛ ولأن الدنيا تلوح له غير جديرة باشتعال هذا المحب إذا عجز عن أن يعثر بتلك السعادة الجديدة الفذة المطلقة التي صورها له قلبه.
أكتاف : لكن ما مصدر هذا السخط؟
سيليو (قارئًا) : فالفلاح والعامل الخشن الذي لم يصل التهذيب إلى نفسه والبنت الحبيبة تراهم يرتعدون ما خطر الموت لهم بخاطر، فإذا تسرب حب إلى قلوبهم بلغت بهم الجرأة أن يستقر منهم البصر فوق قبر من القبور. والموت، أكتاف، سبيلنا إلى الله حتى لتتخاذل مني الأعصاب كلما ذكرته، عم مساء أيها الصديق العزيز.
أكتاف : إلى أين؟
سيليو : لديَّ ما يشغلني بالمدينة هذا المساء، إلى اللقاء ولتفعل ما تريد.
أكتاف : يخيل إليَّ أنك ملقٍ بنفسك إلى اليم، ولكن خبرني أتخشى هذا الموت الذي حدثتني عنه.
سيليو : كم وددت لو خلدت لي ذكرًا في النزال والمعارك، كم وددت أن لو حملت شعار ماريان أصبغه بدمائي. كم وددت أنه لو نهض من ينازعني حبها ولو كان جيشًا بأكمله، إذن لأسلمت حياتي ضحية بين يديها، ويدي قوية قدر عجز لساني، الذي عجز عن بث بنات صدري، وما أشك في أني مغادر الحياة قبل أن أستطيع حملها على الإيمان بحبي، ومثلي مثل سجين يقضي صامتًا بسجنه.
أكتاف : ما هذا سيليو؟ ما هذا الشطط؟ السماء تظل غير ماريان، هيا نتناول العشاء سويًّا ولنسخر من ماريان.
سيليو : إلى اللقاء، إلى اللقاء، لقد حان موعد الافتراق، وموعدنا غدًا أيها الصديق.

المنظر الثالث

(أكتاف وحيدًا)
أكتاف : اسمع عني سيليو، سنجد لك ماريان أخرى رقيقة وديعة وداعة الحمل، وفي الحق إن الأمر لعجيب، وأنا بعد غير يائس من النجاح، وما أنا إلا كرجل وهبته الطبيعة ملكة الفصاحة، وقد طلب إليه أن يوقف فصاحته على نفع إنسان آخر، ولكن أنى لي بالحظ المواتي، وإنه لأحب إلى نفسي أن أزج بهذا الصديق في مفاوز الهلاك من أن أخفق فيما عهد إليَّ به، ومثلي مثل المقامر يجازف بمال غيره فتضطرم منه النفس فوق اضطرامها كما لو كان المال ماله والخراب نازل به، ولكن ها هي ماريان خارجة، وأكبر الظن أنها ذاهبة لصلاة المساء، ها هي.

المنظر الرابع

(أكتاف – ماريان)
أكتاف : كيف يطيب لك النوم أيتها الحسناء وقد صدف قلب سيليو عنك إلى سواك وإلى نافذة أخرى. يصعد ما يعزف من أغاني المساء.
ماريان : وا أسفاه يا لسوء الطالع إن أفلت مني حب كهذا، ولكنها الأحداث تضافرت عليَّ وقد همت بحبه.
أكتاف : أحقًّا ما تقولين؟
ماريان : نعم أقسم لك بحياتي إنني كنت معتزمة حبه هذا المساء أو غدًا صباحًا أو يوم الأحد على أكثر تقدير، وكيف أشك في النجاح وأنت رسوله، يجب أن نفترض أن حبه لي كان حبًّا صينيًّا أو عربيًّا، وإلا فما حاجته إلى وسيط يفصح لي عن حبه كما لو كان معقود اللسان.
أكتاف : اسخري ما شئت فلم نعد نخشى منك شيئًا.
ماريان : أو أن حبه رضيع لم يغادر بعد ثدي أمه وأنت مرضعة، وقد أخذته للرياضة بأنحاء المدينة فسقط بظاهرها على رأسه.
أكتاف : لقد اكتفت مرضعته الحكيمة بأن تسقيه لبنًا كالذي سقيت بسخاء، وها أنا لا أزال أرى على شفتيك بعضًا منه يختلط بكلامك.
ماريان : وما اسم هذا اللبن الشهي؟
أكتاف : ركود الحس، أنت لا تعرفين حبًّا ولا بغضًا، فأنت كورد البنغال لا شذى لك ولا شوك.
ماريان : تشبيه رائع، ولكن قل لي أأعدته قبل المجيء، ثم لي عندك رجاء وهو أن تعطيني مسودات خطبك لألقنها ببغائي، وذلك إذا لم يكن من عادتك حرقها.
أكتاف : وأي تجريح لك في هذا التشبيه! الورود وإن حُرمت الشذى لا تعدم الجمال، بل إن الأمر لعلى عكس ذلك، وأجمل الورود ما خلقه الله بغير شذى؛ ولهذا يلوح لي أن شكواك لا موضوع لها.
ماريان : يخيل إليَّ يابن العم أنك لا تفطن إلى حرج موقف النساء، للنظر قليلًا إلى موقفي، حكم القضاء أن يبحني سيليو أو يعتقد ذلك، وبهذا الحب حدَّث سيليو أصدقاءه، وقرر أصدقاؤه أن لا بد لي من حبه أو ألقى حتفي، واجتمع رأي شباب نابلي على إرسالك لي كخير ممثل لهم لتحمل إليَّ ما تقرر من وجوب حبي لسيليو في ظرف أسبوع أمعن البصر في الأمر ثم خبرني أية امرأة تلك التي تصدع لأمر كهذا فيما حدد لها من زمان ومكان، وهبها فعلت أما نراها تصبح مضغة في الأفواه ويتردد اسمها كقرار لأناشيد الخمور، وهبها رفضت أما تتهم بأنها أقسى قلبًا من أضرى الوحوش وأبلد حسًّا من التماثيل وهب أحد المارة لقيها في سبيلها إلى الكنيسة وكتاب الصلوات بيدها أما له أن يستوقفها ليخبرها أنها كورود البنغال لا شذى لها ولا شوك.
أكتاف : يا ابنة العم، لا تغضبي يا ابنة العم.
ماريان : أليس في العفة والوفاء ما يضحك، وسلامة الخلق وكبرياء القلب الذي يؤمن بقدره ويحرص على احترام نفسه ليحمل الغير على احترامه، أليس كل هذا حلمًا باطلًا كالحباب يتبخر ما مسته تنهدات فتى من فتيان العصر.
أكتاف : لقد أخطأت الحكم على سيليو وعليَّ.
ماريان : ولكن ما المرأة في نظركم؟ تزجية فراغ، شبح باطل تتظاهرون بحبه وتتشدقون به، ما المرأة؟ سلوى لكم إذا مرت بكم قلتم ها هي متعة لنا، وإن قال قائل منكم همسًا «بل سعادة حياة كاملة» وقد نكس بصره دونها وتركها وسبيلها سخرتم منه وقلتم حديث عهد بالنساء (تخرج).

المنظر الخامس

(أكتاف – خادم فندق)
أكتاف : ترا … ترا … بم، بم … ترا – ديراه لا … لا، ما أعجبها امرأة. (ينادي خادم الفندق) هيه! هولا! (يخرج الخادم من الفندق) أحضر لي بهذه الخميلة زجاجة من شراب ما.
الخادم : وأي شراب تريد يا مولاي؟ أتريد شرابًا من دموع المسيح؟
أكتاف : فليكن، فليكن.

(يكتب بضع كلمات بالقلم الرصاص.)

أسرع بالبحث عن السيد سيليو في الطرقات المجاورة وهو يرتدي معطفًا قاتمًا وسترة أقتم، ولتخبره أن أحد أصدقائه يشرب وحيدًا من «دموع المسيح» ثم أذهب بعد ذلك إلى الميدان وأعط هذه (يعطيه ورقة من مفكرته) إلى المسماة روزالند، وهي امرأة حمراء الشعر لا تبرح نافذتها.

المنظر السادس

(أكتاف ثم كلوديو وتبيا – أكتاف وحيدًا)
أكتاف : لست أدري ما الذي يأخذ بخناقي وفي نفسي ما يشبه كآبة يوم غب عيد ربما كان من الخير أن أتناول عشائي هنا، وما أشعر بحاجة إلى النوم وهي مثل جمود الحجر.
(يدخل كلوديو وتبيا) آه ما أجملك قاضيًا يابن العم كلوديو، إلى أين تحث الخطى.
كلوديو : وإلامَ تقصد بذلك، سيدي أكتاف؟
أكتاف : بلغني أنت قاضي القضاة، إنك جميل الأوضاع.
كلوديو : أوضاع اللغة أم أوضاع الخلقة؟
أكتاف : اللغة، اللغة ورداؤك مشحون بلاغة وذراعاك قوسان ساحران.
كلوديو : أذكر عرضًا سيدي أكتاف أن أصابعك قد تآكلت على مطرقة بابي.
أكتاف : وكيف ذلك يا من كله حجا؟
كلوديو : بدقك إياها يا من كله إحساس.
أكتاف : ولتضف كلوديو بجسارة فرط احترامي لمطرقة بابك، ولكن باستطاعتك أن تجدد طلاءها دون أن أخشى تلطيخ أصابعي.
كلوديو : وكيف ذلك يا من كله نكات؟
أكتاف : بتجنبي إياها يا من كله سخرية.
كلوديو : ولكني ما عهدتك كذلك، وقد أمرت زوجتي خدمها بإغلاق بابها في وجهك في أول فرصة.
أكتاف : يخيل إليَّ أن منظارك قصير النظر أيها القاضي يا من كله لطف، وقد أخطأت مجاملتك هدفها.
كلوديو : لا غبار على منظاري يابن العم يا من كله بديهة، ألم تسمح لنفسك بإعلان الحب لزوجتي.
أكتاف : ومتى كان ذلك أيها القاضي النبيه؟
كلوديو : عندما تحدثت عن صديقك سيليو، أيها الرسول الميمون، ولسوء الحظ سمعت كل شيء.
أكتاف : وبأي أُذن أيها النائب النزيه؟
كلوديو : بأُذن زوجتي التي قصت عليَّ كل ما كان أيها العصفور الرشيق.
أكتاف : كل شيء أيها الزوج المعبود؟ وبمَ؟ بأذنها الساحرة؟
كلوديو : استبقت جوابها لها يا أنس الحانات، وهو ما كلفتني بإبلاغك إياه.
أكتاف : ولكني لست ملزمًا بسماعك أيها السجل الوقور.
كلوديو : إذن فليسمعك جوابها بابي إذا شئت أيها الظهر الممتطى.
أكتاف : وهذا ما أسخر منه أيها القضاء المحتوم، وما بي من حاجة إلى ذلك ليهنأ لي العيش.
كلوديو : لتهنأ بالعيش كما تريد أيها البوق المتواصل في ظلام الليل، أتمنى لك ألف سعادة.

(يخرج ومن خلفه تبيا.)

أكتاف : لا عليك من ذلك يا ترياس السجن، ونم مستريحًا كما تفعل بقاعة الجلسات.

المنظر السابع

(الخادم – أكتاف)
الخادم : الآنسة الحمراء غير موجودة بالنافذة، وإذن فلن تحضر.
أكتاف : إلى حيث ألقت وأنت معها.
الخادم : والسيد صاحب المعطف غير موجود بالطرقات المجاورة، ولكني لقيت خادمه وعهدت إليه بإحضاره (يدخل الفندق).
أكتاف : ملعونة أيتها الحياة، أهكذا أجبر على تناول العشاء وحيدًا، ما الحيلة (يحمل الخادم زجاجة من النبيذ وكأسًا ويضعها على المائدة ثم يعود إلى الفندق) عال، عال، هذا ما أريد (يجلس ويسكب النبيذ)، الآن أستطيع أن أغرق أحزاني في هذا النبيذ أو هذا النبيذ في أحزاني آه! آه! لقد انتهت صلاة المساء، ها هي ماريان قادمة.

المنظر الثامن

(أكتاف جالسًا وماريان)
ماريان : أما زلت هنا يا سيد أكتاف جالسًا إلى المنضدة، أما ترى ما يحزن في أن ترفع الكأس وحيدًا.
أكتاف : لقد ولى عني الكل وأصبحت أخادع البصر، فأنتزع من نفسي جليسًا لي.
ماريان : كيف ذلك؟ ألم يبقَ لك من صديق يشاطرك وقر الوحدة؟
أكتاف : أصارحك القول، لقد دعوت إحدى صديقاتي، أعني روزالند، فإذا بها تتناول العشاء بالمدينة كذوي الحيثية.
ماريان : وهذا لا ريب من نكد الطالع، وما أحسب إلا قلبك متألم لما خلفت من فراغ.
أكتاف : إنه لفراغ أعجز أن أعبر عن أثره بنفسي، وعبثًا أحاول أن أسكبه بكأسي هذه ورأسي يكاد ينشق لطول ما سمعت من عزف نواقيس المساء.
ماريان : لكن خبرني يابن العم؛ هذا النبيذ الذي تعبه أليس مما يباع دنًّا بقرش؟
أكتاف : لا تسخري من نبيذي، فإنه حقًّا «دموع المسيح» وإنه لمعتق.
ماريان : يدهشني ألا تشرب نبيذًا مما يباع دنًّا بقرش، عليك به، أرجوك.
أكتاف : ولمَ توصيني به؟
ماريان : جربه، وعندي أنه لا فرق بينه وبين ما تحتسي الآن.
أكتاف : بينهما من الفرق ما بين الشمس والمصباح.
ماريان : كلاهما سيان.
أكتاف : حفظني الله منه، لمَ هذه السخرية؟
ماريان : أتحسب أن بينهما فرقًا كبيرًا؟
أكتاف : لا شك.
ماريان : كنت أحسب أن النبيذ كالنساء، أي قلب غفل ذلك الذي تحمل، دعه يستوضح شفتيك ما يجب أن يفعل، تستنكف أن تشرب نبيذ العوام وتقبل على نسائهم، وروح هذا النبيذ الكريم ووحش شعر هذا الكأس الذهبي، ومزاج هذا العصير الطيب، الذي احتضنته حمم الفيزوف تحت حرارته المتقدة، كل ذلك قد يقودك إلى ما يشبه النشوة المبتذلة، ولو أنك حملت على احتساء مرتخص النبيذ لمجته شفاهك، شفاهك لا تقبل كل نبيذ، وقلبك يفتح لكل حب! عم مساء يابن العم ولتخف إليك روزالند تفرج من همك.
أكتاف : هل لك أن تسمعي مني أيتها الحسناء كلمات قليلة: كم من الزمن يجب أن أدلل هذه الزجاجة لأنال منها ما أشتهي، وبها — على حد قولك — روح قدسية، فهي لا تشبه نبيذ العامة إلا فيما يشبه خادم سيده، ومع ذلك ألا ترين ما هي عليه من وداعة؟ وما طلبتها ألا خفت إليَّ من مخبئها وما تمهلت أن تنفض عنها الغبار، بل أتتني حثيثًا تمنحني […]١ برهة ثم تنقضي. وسرعان ما تساقط تاجها المعطر ترابًا، ولست أكتمك أنها كادت تمر جميعًا بشفتي في حرارة القبلة الأولى.
ماريان : وهل تحسب أنها أعز من ذلك، وهبك فقدت سر نكهتها، أما تلمسته إن صدق حبك في آخر قطرة منها ولو كانت بفوهة بركان؟
أكتاف : لقد أنزلتها قدرها، وعناية الله لم تفجر نبعها بقمم الجبال العاتية ولا بأعماق الكهوف السحيقة، بل علقتها بقطوف العنب الدانية على السفوح الخضراء، وفي الحق إنها لشراب عزيز نادر، ولكنها لا ترفض أن تنال كما أنها لا تحتجب عن ضوء الشمس، ومن حولها تطن متلهفة أسراب النحل، صباح مساء، وإلى ظلال كرومها يأوى عابرو السبيل، ولقد جف ريقهم عطشًا، فتجود عليهم من خيراتها مغدقة مما يمتلئ به قلبها من عذب الدموع، آه ماريان! لكم فتك بالناس من وُهب الجمال، وما العفة التي تزين الجمال إلا ضرب من البخل، وإنا لنستشعر لضعفه من الرحمة فوق ما نستشعر لقسوته، عمي مساء يابنة العم، ألهم الله سيليو النسيان.

المنظر التاسع

(كلوديو – ماريان)
كلوديو : أتحسبينني شبحًا يقام ليخيف الطيور.
ماريان : ومن أين لك بهذه الفكرة الجميلة.
كلوديو : أتحسبين أن رجلًا في قدري يجهل مرمى الكلام، أو يمكن أن يُسخر من سذاجته كما يسخر من سذاجة راقص متجول.
ماريان : ما بك هذه الليلة؟
كلوديو : أتحسبين أني لم أسمع قولك، ليُغلَق بابنا دون هذا الرجل أو صديقه إن طرقه، وبعد ذلك تريدين ألا أرى ضيرًا في أن أراك تناقلينه الحديث تحت هذه الخميلة.
ماريان : تحت أي خميلة رأيتني؟
كلوديو : رأيتك بعينَي رأسي تحت خميلة هذه الحانة، وما لزوجة قاضٍ أن تتناول الحديث تحت خمائل الحانات، وإنه لمن العبث أن تطلبي إغلاق بابك دون من تبادلينه النرد متهتكة في وضح النهار.
ماريان : ومتى حظرت عليَّ الحديث إلى ذوي قرباك.
كلوديو : عندما يكون ذوو قرباي من عشاقك، وخليق بك عندئذ أن تتجنبيهم.
ماريان : من عشاقي أكتاف! أبك مس؟ لم يقل أحد إنه غازل كائنًا من كان.
كلوديو : إنه زير نساء، قعيد حانات.
ماريان : لو كان كذلك لما صح لك أن تقول إنه من عشاقي وإنه ليحلو لي أن أناقل أكتاف الحديث تحت خميلة حان.
كلوديو : لا تخرجيني عن طوقي، بإسرافك في القول، وفكري مليًّا فيما تفعلين.
ماريان : وهبك خرجت عن طوقك، ماذا أنت فاعل؟ خبرني، وإني لفي لهفة إلى معرفة ذلك.
كلوديو : سأحظر عليك رؤيته، ومناقلته الحديث، سواء أكان ذلك بمنزلنا أو بمنزل الغير أو في الخلاء.
ماريان : حقًّا، إن هذا لجديد تطالعني به، وأكتاف من ذوي قرباي حقًّا كما هو من ذوي قرباك، فلي أن أحادثه ما أردت في الخلاء أو في المنزل إن رغب في زيارتنا.
كلوديو : اذكري هذه العبارة الأخيرة واعلمي أني قد أعددت لك جزاءً قاسيًا إن لم تصدعي لأمري.
ماريان : دعني أساير أمر نفسي، ولتُنزل بي ما تريد من جزاء، فما أقيم له أي وزن.
كلوديو : ماريان، لنضع حدًّا لهذا الحديث، وأمامك أحد أمرين: إما أن تشعري بما في حديثك تحت الخمائل من استخفاف، وإما أن تثابري عليه فتحمليني على عنف يأباه جلال هذا الرداء.

(يخرج كلوديو.)

المنظر العاشر

(ماريان وحدها)
ماريان : آه، ها هو (توجه الخطاب إلى الخادم) اذهب وخبر هذا الشاب الذي تراه هناك يأتي أريد الحديث إليه، واسأله الحضور.
(يدخل خادم إلى الفندق) وهذا جديد، ماذا يظن بي، أي إثم اقترفت اليوم، ما هذا الثوب الخَلِق، إلامَ قصد «ستحمليني على العنف»، أي عنف؟! ليت أمي حضرت حديثنا! ولكنها دائمًا ترى ما يرى، بي حاجة إلى النزال، إنها لسذاجة مني! آه! لقد نبئت ذلك وكنت أعرفه وكنت أتوقعه، ولكن صبرًا صبرًا، لقد أعد لي جزاءً صارمًا؟ ترى ما هذا الجزاء؟! بودي لو علمت ما يعتزم.

المنظر الحادي عشر

(أكتاف – ماريان)
ماريان : ادنُ أكتاف، إن لي معك حديثًا، لقد فكرت فيما أخبرتني عن صديقك سيليو، قل لي لماذا لا يفصح بنفسه عما به.
أكتاف : لسبب بسيط، هو أنه كتب إليك فمزقت رسائله، وأرسل إليك رسولًا فألجمت لسانه، وتغنى تحت نافذتك فتركته بالعراء، أي وربي لقد أتعب نفسه وفيما فعل ما يفوق كل عناء.
ماريان : تعني … أنه التمس منك العون؟
أكتاف : نعم.
ماريان : إذن حدثني عنه.
أكتاف : أجادة أنت؟
ماريان : نعم، نعم جادة، وها أنا أنصت إليك.
أكتاف : ما أحسبه إلا عبثًا منك.
ماريان : يا لك من شفيع يرثى له، تكلم وما عليك من عبثي أو جدي.
أكتاف : فيمَ التطلع يمنة ويسرة، ما أحسب إلا أن الغضب آخذ بنفسك؟
ماريان : أريد أن أترسم خطى بنات العصر، فأتخذ فارسًا لخدمتي كما يقولون، وإن صح فهمي لما حدثتني به منذ قليل، ألست تلومني لأني أقسو على من يحاول الدنو مني وأنحي من يكلف بي؟ أليس هذا ما قصدت إليه بحديثك عن زجاجة النبيذ؟ ليكن ما تريد وها أنا متأهبة لسماع ما يقولون، لقد هددت وأهنت وإني لأسألك أأستحق كل ذلك؟
أكتاف : كلا وألف كلا، وعكس ذلك تستحقين.
ماريان : لا عهد لي بالكذب أو الخديعة؛ ولهذا لا أريد أن يستنزفني أحد، ولقد اعتاد الناس صغيرهم وكبيرهم أن يشقوا بحبهم دون أن تتهم محبوبتهم بإفك أو جرم. قلت إنه يعزف تحت نافذتي، وإنني أترك العازفين بالعراء ولسوف أتركهم ولكن لك عندي أن أفتح نافذتي وأن أعيرهم آذانًا مصغية.
أكتاف : أتسمحين أن أنقل إلى سيليو هذا الخبر؟
ماريان : لتنقله إلى سيليو أو إلى سواه إن أردت، ولكني أسألك النصح أكتاف، وإليك أكل أمري، تكلم وقد أفضيت لك بما أرغب، ورغبتي أن أستمع إلى أغاني المساء تتردد الليلة تحت نافذتي، ولننظر بعد ذلك من سيحظر عليَّ سماعها.

(تقدم إليه شريطًا من ثوبها.)

ها هو شعاري ليحمله من يريد.
أكتاف : ماريان الآن وقد تفتحت لي نفسك لأمر ما، فقبلت الاستماع إليَّ، فإني مستحلفك أن تستمري كذلك لحظة أخرى ولتسمحي لي بالكلام.
ماريان : وماذا تريد أن تقول؟
أكتاف : إن كان في العالم رجل جدير بأن يستمع إلى حديث نفسك، أن يعيش إلى جوارك، وأن يموت من أجلك، فهذا الرجل هو سيليو، وأنا بعد مقدر عجزي تمام قدره، وها أنا أعترف بأن ما كلفت الدفاع عنه من هوى، ولا يجد فيَّ ما يستحق من لسان مفصح، وأما أنت يا متعة الشباب هلا فطنت إلى ما أودع قلبك وقلبه من فيض السعادة، وقد أخذ ينبثق فجر حياتكما وينتشر نداها المقدس بما آخى الله بين نفسيكما، وأما آلامه وما به من عذاب الأسى الذي لا تزيده قسوتك إلا رقة، والذي سيفنى دونه، فذلك ما لن أحدثك عنه، وفي الحق ماريان إنه سائر لحتفه، بأي لفظ أوجه إليك الحديث وكيف السبيل إلى بلوغ ما أريد منك، وما لي علم بلغة الحب، فليس لي إلا أن أرجوك أن ترددي البصر في أعماق نفسك، ونفسك لا ريب ناقلة إليك لغة نفسه، وهل في قدرة بشر أن يصل إلى نفسك؟ وها أنا أسألك وقد اعتدت عبادة الله، هل من دعاء أستطيع أن أحمله بنات صدري.

(يركع أمامها.)

ماريان : انهض أكتاف إذ لو قدم قادم فرآك راكعًا واستمع إلى حديثك لظن بلا ريب أنك ما تزكي إلا نفسك.
أكتاف : ماريان، ماريان، بحق السماء لا تسخري ولا تغلقي قلبك دون الضوء وقد أخذ ينفذ إليه أول شعاع منه.
ماريان : أترى أنه لا ينبغي أن أبتسم.
أكتاف (ناهضًا) : إنك لعلى حق وما أجهل مدى الضرر الذي قد تحدثه صداقتي، وأنا خبير بنفسي، شاعر بكنهها، وما أحسب إلا أن حديثي هذا أشبه ما يكون بالعبث، ولكني أؤكد لك أن إحساسي بالعجز عن إيحاء الثقة لم يؤلمني في حياتي قدر ما يؤلمني الآن.
ماريان : ولم ذلك وقد أنصت إليك، وما يروقني سيليو، ولا أريد أن أكون له، حدثني عن غيره، وليكن ذلك الغير من تريد.
أكتاف : أيتها المرأة الأنثى لا يروقك سيليو ويروقك من عداه؟ لا يروقك رجل يحبك ويترسم خطاك، رجل يتمنى الموت راضيًا بكلمة يفتر عنها فاك، لا يروقك هذا الرجل، وهو يفيض شبابًا ويشرق جمالًا ويسبح في بسطة من العيش حتى ليحقق كل ما تأملين من رجل، لا يروقك هذا الرجل ويروقك كل من دونه.
ماريان : انزل عند رأيي، وإلا فلن تراني بعد اليوم.

(تدخل إلى المنزل.)

المنظر الثاني عشر

أكتاف (وحيدًا) : ما أجهلك ماريان، وما دلال غضبك إلا هدنة عذبة وأنا بعد منح كبريائي لأترك لحسي إدراك مغزاها، وسيليو الذي سيجني ثمار ذلك.

المنظر الثالث عشر

(أكتاف – سيليو)
سيليو : لقد طلبت إليَّ الحضور أيها الصديق وها أنا ذا، ماذا تريد؟
أكتاف : ألصق بقبعتك هذا الشعار وخذ سيفك وقيثارتك يا سيليو فقد دنونا من النجاح.
سيليو : بحق السماء لا تسخر مني يا أكتاف.
أكتاف : سيحلو المساء وسيطلع القمر بالأفق، وستقف ماريان وحيدة بنافذتها وقد قبلت أن تستمع إليك.
سيليو : قل لي أحق ما تقول؟ أخبرني وربك لئن كان الحق ما ذكرت كنت عندي يا أكتاف أعز من الحياة، وإلا فما أقساك!
أكتاف : ما حدثتك عنه هو ما اتفقنا عليه، أصلح من أوتارك وخذ رداءك الضافي وبيدك سيفك وعلى وجهك القناع، ولكن أعندك قناع؟
سيليو : لا.
أكتاف : لا! محب لا يملك قناعًا في عيد يتنكر فيه كل شاب؟! أين عقلك؟ هيا خذ عدتك.
سيليو : آه! ما لقواي تتخاذل؟!
أكتاف : تشجع أيها الصديق، إلى الأمام، ستحمد لي صنيعي عند عودتك، إلى الأمام إلى الأمام، فقد أظلم الليل، (يخرج سيليو) قواه تتخاذل، وأنا أيضًا، فما أتممت عشائي فلنتمه جزاء ما أنفقت من جهد (ينادي) هيه هيه، جيوفاني بيبو (يدخل إلى الفندق).

المنظر الرابع عشر

(تبيا وكلوديو وماريان في الشرفة – وفارسان)
كلوديو (للفارسين) : اتركاه يدخل حتى إذا وصل إلى هذه الخميلة هجمتما عليه (يخرج أحد الفارسين).
ماريان (بالشرفة لنفسها) : من أرى؟ زوجي وتبيا؟
تبيا (مخاطبًا كلوديو) : وهبه دخل من الجانب الآخر؟
كلوديو : من أي جانب يا تبيا؟! إذن لأخفق كل ما دبرت.
ماريان (لنفسها) : ماذا يقولان؟
تبيا : إلى هذا الميدان تنتهي عدة طرق ومن الممكن أن يأتي إليه القادم من اليمين أو اليسار.
كلوديو : هذا حق، ولكني لم أفكر فيه.
تبيا : وما العمل يا سيدي إن جاء عن اليسار؟
كلوديو : إذن لكان عليك أن تنتظره بركن الحائط.
ماريان (لنفسها) : يا ألله! ما هذا القول؟
تبيا : وهبه أتى عن اليمين؟
كلوديو : إذن … إذ … إذن لسلكت نفس المسلك.

(يخرج الفارس الثاني.)

ماريان (لنفسها) : كيف السبيل إلى تحذير أكتاف؟
تبيا : ها هو يا سيدي، انظر إلى هذا الظل الممتد، إنه لرجل رحب القامة.
كلوديو : لنتربص له جانبًا ولنطعنه عندما يمكننا الطعن.

المنظر الخامس عشر

(سيليو متنكرًا – وماريان بالشرفة)
سيليو (مقتربًا من الشرفة) : ماريان، ماريان، هل أنت هنا؟
ماريان : الفرار، الفرار يا أكتاف.
سيليو : يا ألله ما هذا الذي أسمع؟
ماريان : لقد ضرب القتلة نطاقًا حول المنزل إذ تسقط زوجي حديثنا، وسوف تلاقي حتفك إذا تلكأت.
سيليو : أفي حلم أنا أم قد بدلت شخصًا غيري؟!
ماريان : أكتاف، أكتاف، بحق الله لا تبطئ، وليكن من رفق الله أن تستطيع الخلاص وموعدنا غدًا بالحديقة، وقت الظهر سأكون هناك.

(تترك الشرفة.)

المنظر السادس عشر

(سيليو – تبيا، تبيا يتبعه متخفيًّا)
سيليو (ملقيًا قناعه شاهرًا سيفه) : أيها الموت تقدم إلى خلاصي، أكتاف أيها الغادر لتنزل بك تبعة دمي، ماذا تقصد وأي نفع ترجو من دفعي إلى هذا الشرك؟ ذلك ما أجهل، ولكني سأكشف عن الأمر وقد سرت إليه، ولتكن ما شاءت الأقدار، سأستطلع السر ولو لقيت بذلك حتفي. (يخرج ومن خلفه تبيا.)

المنظر السابع عشر

(أكتاف وحيدًا خارجًا من الفندق)
أكتاف : آه! أي سبيل أسلك؟ لقد عملت على سعادة الغير وما عساي ألتمس لنفسي الآن من لذة؟ وفي الحق أنها جميلة يندر أن نرى مثلها، وفي الحق أنها لامرأة جميلة، وإن في غضبها العذب لنشوة […]،٢ من أين جاءت؟ ذلك ما لا علم لي به، وفيمَ السؤال عما يواتينا به القضاء من خير وما […]٣ النرد من حكم: أولًا لا يليق بي أن أختلس من صديقٍ معشوقتَه وفي ذلك كل التبذل، ولقد كان لديَّ ما هو أهم: تناول العشاء، ومن البين أن سيليو على جوع، ولو أني أحببتك ماريان، لأبغضتني ولأغلقت بابك دوني، وما سبب كل ذلك، سببه إرادة القضاء، وما في هذا العالم سعادة أو شقاء، لقد كان سيليو في هذا الصباح أشقى الناس أما الآن …

(تُسمَع ضوضاء صامتة وقرقعة سلاح.)

ماذا أسمع؟ ما هذه الضوضاء؟
سيليو (بصوت مكتوم) : الغوث!
أكتاف : سيليو! الصوت صوته.
(عاديًا إلى السياج) افتحوا وإلا حطمت السياج.

المنظر الثامن عشر

(أكتاف – كلوديو)
كلوديو (وقد أخذ يظهر على المسرح) : ماذا تريد؟
أكتاف : أين سيليو؟
كلوديو : لا أظن أن من عادته المبيت بهذا المنزل.
أكتاف : لئن كنت قتلته، كلوديو، لألوين رقبتك بين يدي هاتين.
كلوديو : أبك مس أم هذيان؟ ابحث ما شئت بالحديقة، وأما المنزل فلم يدخله أحد، ولو أنه طُلب إليَّ أن أفتح بابي لقادم، لما فعلت.

(يدخل أكتاف)، (كلوديو يدنو من تبيا قائلًا):

هل انتهى كل شيء على نحو ما أمرت؟
تبيا : نعم يا سيدي، اطمئن فلهم أن يبحثوا كما يريدون.
كلوديو : والآن لنعنَ بزوجتي ولنرسل في طلب أمها.

(يخرجون.)

المنظر التاسع عشر

(ماريان وحيدة)
ماريان : لا شك فيما كان، ولا مجال للخديعة، وقد رأيت ما رأيت وسمعت ما سمعت، ومن خلف المنزل ومن خلال هذه الأشجار رأيت أشباحًا متناثرة هنا وهناك، وما هي إلا هنيهة حتى اجتمعت وانقضت عليه، وكانت قعقعة سلاح وصيحات احتضار وا أسفي عليك أكتاف، لقد خاتلوه حياته وساقوه غدرًا إلى الموت، وإلا لثبت لهم بقلب جريء يا لها من قسوة! أكان فيما أتى من جرم ضئيل ما يستحق عليه الموت، لقد جاوزوا كل حد، وما كنت أحسب أن تصدر قسوة كهذه من عقل في مثل هذا الضيق، ولقد لهوت بالأمر وعبثت بالحديث عبث جنون، لا أقصد منه غير المزاح ومطاوعة نزوات النفس، آه لا بد لي من رؤيته والعلم بكل ما كان.

المنظر العشرون

(ماريان – أكتاف)

(يدخل أكتاف وسيفه بيده وقد أخذ ينظر في كل وجهة.)

ماريان : من أرى؟ أأنت أكتاف؟
أكتاف : نعم أنا، ماريان، لقد قضى سيليو.
ماريان : سيليو؟ ماذا تقول؟
أكتاف : نعم قضى سيليو.
ماريان : يا ألله!
أكتاف : نعم قضى، لا تسلكي هذا السبيل.
ماريان : وإلى أين تريد أن أذهب، إني لسائرة إلى الهلاك، أكتاف، هيا نترك هذا المكان، هيا إلى الفرار، وما أظن كلوديو بالمنزل.
أكتاف : لا، لقد احتاطوا للأمر، اختفوا من أمامي.
ماريان : إني لعليمة به وما أحسب إلا أني سائرة إلى الهلاك، ولربما تبعتني إليه، هيا دعنا نغادر هذا المكان فإنهم لعائدون عما قليل.
أكتاف : غادريه أنت إن أردت، وأما أنا فباق، فإن عادوا وجدوني، مهما يكن من أمر فإني لمنتظرهم إلى جانبه في نومه الأخير.
ماريان : وأنا لا تتركني وحيدة، أما تدري إلى أي أخطار تسلمني، وقسوتهم لا تعرف حدودًا.
أكتاف : أنظر إلى هذا المكان خلف الأشجار وسط هذا الظلام، هنالك إلى ركن الجدار يرقد صديقي الوحيد، وعليه سأقوم وما أبالي من سواه.
ماريان : حتى ولا بحياتك وحياتي.
أكتاف : حتى ولا بذلك، انظري، قلت إلى هذا المكان، لم يعرفه أحد قدر معرفتي به، ولو أنني أقمت على قبره تمثالًا من المرمر وغشيته بغلائل الحداد السوداء لكان في ذلك أصدق صورة له، فلقد غشَّى حزن رقيق كمال نفسه المعذبة، وما كان أسعد امرأة تحظى بحبه.
ماريان : وهلا كان يدفع عنها إن داهمها خطر؟
أكتاف : نعم، كان يفعل ذلك ما في هذا ريب وما كنت أقدر منه على التفاني في الوفاء، ولو أنه حظي بحب المرأة التي يبغي لأوقف عليها حياته كما لاقى الموت من أجلها بقلب جسور.
ماريان : وأنت أكتاف أما كنت تفعل مثلما فعل؟
أكتاف : أنا؟ ما أنا إلا متهتك لا قلب له، وما للنساء عندي أي قدر، وما أوحى من حب إلا بمثل ما أحب نشوة عارضة كحلم قصير، وما مرحي إلا قناع وقد عقم مني القلب، آه، ما أنا إلا نذل، ودمه ما زال يطلب الثأر.

(يلقي بسيفه إلى الأرض.)

ماريان : وكيف تستطيع الثأثر له، وكلوديو شيخ لا يستطيع نزالًا وهو بالمدينة أعز جانبًا من أن يخشى منك ضيرًا.
أكتاف : لو أنني كنت القتيل من دونه وكان قتلي فداء له، لثأر لي، فلي احتفروا هذا القبر ولي شحذوا سيوفهم، وبه أنزلوا ما أعدوا لي من موت، وداعًا مرح الشباب وداعًا، بسطة النفس، وداعًا أيتها الحياة الحرة، المشرقة بسفوح الفيزوف، وداعًا ولائم المرح وأحاديث العشية، وداعًا أغاني المساء تحت الشرفات المذهبة، وداعًا أشواط القبس وخمائل الغابات، وداعًا وداعًا أيها الحب وأيتها الصداقة، لقد خلت مني الأرض.
ماريان : أواثق أنت من ذلك أكتاف، لمَ تودع الحب؟
أكتاف : لست أحبك يا ماريان، وإنما أحبك سيليو.
(ختام)
١  مطموسة بالأصل (الناشر).
٢  مطموسة بالأصل (الناشر).
٣  مطموسة بالأصل (الناشر).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠