مقدمة الليالي

أحب ألفريد دي موسيه الكاتبة الشهيرة جورج صاند حبًّا مبرحًا، وسافر معها في رحلة إلى مدينة البندقية بإيطاليا حيث سقط مريضًا، وعاده أحد الأطباء الإيطاليين، وإذا بجورج صاند تتعلق بهذا الطبيب وتهجر الشاعر المريض الذي عاد إلى باريس محطم النفس، وبعد فترة استرد الشاعر أنفاسه، فصاغ من هذه المحنة قصائده الرائعة المسماة بالليالي.

وها هي ثلاث من هذه الليالي، وهي التي اختار لها الشاعر صورة الحوار يجريه بينه كشاعر وبين إلهة الشعر.

ليلة أكتوبر

الشاعر : لقد تبدد الألم الذي أضناني كما تبدد الأحلام حتى لتشبه ذكراه البعيدة ما يبعث الفجر من ضباب خفيف يتطاير وندى الصباح.
إلهة الشعر : ما بك إذن شاعري؟ ما هذا الألم الخفي الذي أقصاك عني؟ حتى ما أزال أشقى به، ما هذا الألم الذي خفي عني وإن طال ما أبكاني.
الشاعر : كان ألمًا مبتذلًا مما يصيب الجميع، ولكننا نحسب دائمًا لخبلنا الجدير بالرحمة أن ما يتسرب إلى قلوبنا من ألم لم يتسرب مثله إلى قلب أحد سوانا.
إلهة الشعر : لا، ما في الألم من مبتذل إلا ألم نفس مبتذلة، دع عزيزي هذا السر ينطلق من فؤادك، افتح لي نفسك وتكلم واثقًا من أمانتي فإله الصمت أخ للموت ولكم شكا متألم ألمه فتعزَّى عنه، ولكم نجَّى القول قائله من وخزات الضمير.
الشاعر : إذا كان لا بد اليوم من الكلام عن ألمي فوالله ما أدري بأي اسم أسميه، أكان حبًّا، أم كان جنونًا، أم كان كبرياء، أم كانت محنة وما أدري من سيفيد من سماعه، وأنا بعد قاصٌّ عليك نبأه، وقد خلونا إلى أنفسنا في جلستنا هذه إلى جوار الموقد، خذي قيثارتك وتعالي إلى جانبي ثم أيقظي ذكرياتي بعذب نغماتك.
إلهة الشعر : شاعري أسائلك أولًا: أشفيت حقًّا من ألمك؟ وعليك أن تذكر اليوم أنك متحدث عنه في غير جفوة ولا هوى، كما عليك أن تذكر أني رسول السلوى، فليس لك أن تزج بي في شهوات نفسك التي أنزلت بها الخراب.
الشاعر : نعم شفيت من ألمي شفاء يحملني على الشك في أني ألمت يومًا ما. لا، لا تخافي. وما دام هذا وحيك، نستطيع أن يثق كل منا بأخيه، ما أعذب أن نبكي، وما أعذب أن نبتسم كلما ذكرنا آلامًا نستطيع أن ننساها.
إلهة الشعر : دعني أحنو بشفقة على قلبك، وقد أغلقته دوني، حنو الأم الحنون على مهد طفلها المحبوب. تكلم يا عزيزي، وها قيثارتي تنصت إلى جرس صوتك، فتصحبه بنغماتها الباكية المتهافتة، وأما أشباح الماضي فها هي تمر في فيض من الضوء كالرؤية المشرقة.
الشاعر : أيام جدي ما حييت غيرك! أيتها الوحدة المقدسة تباركت آيات الله أن عدت إليك، إلى معبد أفكاري! أيتها الجدران لطالما هجرتك، وتلك المقاعد علاها غبار الهجران، وأنت مصباحي الوفي. هذا قصري هذا عالمي الصغير.
إلهتي، إلهتي المقدسة تقدست رحمة الله إذ نعود فنغني سويًّا، نعم سأفتح لك نفسي، سأقص عليك كل ما كان لتعلمي مبلغ الألم الذي تستطيع أن تحدثه امرأة وأنتم تعلمون رفاق نفسي، أية امرأة تلك التي أذلت رقابي كما يذل العبد سيده، وما أبغضه من نير، لقد أضناني فذهب بقوتي وشبابي، ولكني لا أكذبكم أني لمحت السعادة إلى جوارها.

أذكر أننا كنا نسير عشية جنبًا إلى جنب فوق الرمال الفضية وأشجار الحور تُهدينا أشباحها عن بُعد، فأذكر جسمها الجميل وقد تعطف بين ذراعي والقمر يغمرنا شعاعه ثم، لننسَ كل ذلك، وهل كنت أعلم أين يقودني القضاء؟ من يُدرينا لعل غضب الله كان يلتمس له يومئذ هدفًا وإلا لماذا أنزل بي ما ينزل بالمجرم من عذاب؟
إلهة الشعر : لقد مرت بنفسك ذكريات مشرقة، فلمَ لا تعود إليها؟ وهل من أمانة القصص أن تنكر ما مر بك من أيام سعيدة؟ إذا كان القضاء قد تنكر لك يومًا ما أيها الشاب فلمَ لا تبتسم كما ابتسم لك من قبل عندما عمر قلبك بالحب.
الشاعر : لا، لا أريد أن أبتسم لغير آلامي، إلهتي قلت لك إني أريد أن أقص عليك — هادئ النفس من كل حفيظة — ما كان لي من آلام وأحلام وهذيان لتعلمي متى وأين وكيف نزل بي ما نزل.
أذكر — إلهتي — أننا كنا في ليلة محزنة من ليالي الخريف، ليلة تكاد تشبه ليلتنا هذه، وقد أخذت همسات الريح بحفيفها المطرد الممل ترنح في عقلي المضني حالك الآلام، وقفت في النافذة أنتظر عودتها وقد رهف مني السمع، فإذا بضيق شديد يأخذ بالنفس وينذرني بخيانتها، وكان الطريق قاتمًا موحشًا إلا من بعض أشباح مرت وبيدها مشاعل والريح تهب من حين إلى حين ببابي المنفرج قليلًا فيصل إلى نفسي ما يشبه أنين البشر، لست أدري عندئذ إلى أي الهواجس أسلمت نفسي، ولكن عبثًا حاولت أن أستجمع قواي المتخاذلة، ودقت الساعة فسرت بي رعدة قوية، ولكنها لم تعد، وظللت محني الرأس أقلب البصر بين الطريق وجدران المنازل، آه، ذلك أني لم أطلعك على تلك النار القاسية التي أضرمتها تلك المرأة اللعوب بين جانحيَّ، لم يكن بقلبي حب غير حبها وكان الموت أحب إليَّ من يوم لا أقضيه إلى جوارها، ومع ذلك أذكر أنني قد حاولت بكل قواي أن أحطم أغلالي فدعوتها ألف مرةٍ بالخائنة الحانثة، وأخذت أُعدد كل ما أنزلت بي من مِحَن، ولكن ذكرى جمالها، لسوء طالعي، ما كانت تمر بخاطري إلا هدأت جميع آلامي وبددت مِحَني، وطال بي الانتظار حتى مال النوم برأسي إلى حافة الشرفة، ثم فتحت جفني على ضوء القمر الناهض فصفا بصري […]،١ وإذا بوقع أقدام، وقع خفيف، على الحصباء يأتيني من منعرج الطريق.

يا إلهي، اللهم رحمتك، هي بعينيها.

ودخلت إلى الغرفة، من أين أتت؟ ماذا فعلت هذه الليلة؟ أجيبي؟ ماذا تريدين مني؟ لمَ أتيت في هذه الساعة؟ أين امتد هذا الجسم الجميل طوال الليل؟ بينما أنا بالشرفة وحيدًا ساهد الجفن باكي العين، في أي مكان وبأي مخدع، ولمن ابتسمت أيتها الخائنة الجسور؟ أتستطيعين بعد ذلك أن تأتيني مانحة شفتيك لقبلاتي؟ ماذا تبغين مني؟ ما هذا الظمأ المخيف الذي تحاولين به جذبي إلى أذرعك المضناة؟ اذهبي عني، اذهبي، ما أنت الآن إلا شبح من أحببت، عودي إلى القبر الذي نهضت منه، دعيني أنسى إلى الأبد أيام شبابي، ويل لك أيتها المرأة الداكنة الأعين، لقد طوى حبك المشئوم ربيع حياتي ونضرة أيامي، دعيني أومن — كلما ذكرتك — أنني كنت في حلم تقضى.
إلهة الشعر : هدئ من روعك، أضرع إليك، لقد بعثت نبراتك الرعدة بنفسي، أيها العزيز المحبوب، يوشك جرحك أن يدمي من جديد، وا حسرتاه، أكان إذن بهذا العمق؟ أما لآلام تلك الحياة أن تحث خطاها إلى النسيان! انسَ ما كان ونحِّ عن نفسك اسم تلك المرأة الذي لا أريد أن أفوه به.
الشاعر : ويل لك، لقد كنت أول من علمني الخيانة وقد ذهب بعقلي الرعب والغضب، وقد علمني صوتك وابتسامتك ونظرتك الخادعة، كيف أتنكر لكل سعادة ولو لم يكن منها إلا الشبح، لقد ألقى بي شبابك وسحر جمالك إلى اليأس، وأصبحت وقد رأيتك تبكين أشك حتى في صدق الدموع.
ويل لك، لقد كنت في سذاجة الطفل، كالزهرة يبللها ندى الصباح حتى تفتح قلبي لحبك، وكان قلبًا غريرًا فخدعته آثامك، ولكم كان أيسر عليك أن تتركي له طهره.

ويل لك، لقد كنت مصدر أول ما أعرفت من ألم وعنك تفجرت دموعي، وثقي أنها ما تزال تتدفق، وأنها لن تجف، وهي تجري من جرح ما له أن يندمل، ولكني سأغسل قلبي في هذا النبع المر وسأخلف به — إن صدقت آمالي — ذكرياتي البغيضة.
إلهة الشعر : كفى، أيها الشاعر، فما ينبغي أن تجرح يومًا قضيته إلى جانب حسناء خادعة وقد لمحت فيه سرابًا من السعادة، احترم حبك ما أردت أن تحب، وإذا كان من الشاق على ضعفنا البشري أن نصفح عما يصيبنا الغير به من ألم، فلنوقِ أنفسنا لظى الحفيظة، يجب أن يرقد ما همد من عواطفنا مخلفًا رمادًا، رمادًا، رمادًا مقدسًا ما يجوز أن تمتد إليه يد بعدوان، ثم خبرني: لماذا وقد أخذت تقص عليَّ نبأ بلواك الحارة لا تريد أن ترى فيما كان حلمًا تقضي أو حبًّا حبًّا، أتحسب أن القضاء يصدر عن غير حكمة؟ أتظن أن الله قد بلاك غير واع بما يفعل؟! من يدرينا لعل بلواك سبيل نجاتك.
اذكر، أيها الطفل، أنك مدين لها بتفتح قلبك، والمرء طفل يهذبه الألم، وما لنفس أن تفطن لمكنونها أو يصيبها ألم قوي، وتلك نواميس الطبيعة القاسية، ولكنها نواميس قديمة قدم القضاء المحتوم، وما لنا من مناص عن أن يغمرنا الألم ندفع به ثمن ما نصيب من سعادة، أما ترى النبت لا يقوى أو يبلله الندى؟ ومثلنا مثله تغذينا الدموع، وقديمًا رمزوا للسعادة بشجرة محطمة كستها الزهور وندتها قطرات المطر، ألم تقل إنك قد شفيت من جنونك؟ وأنت بعد في عنفوان شبابك، مكتمل السعادة، معززًا أينما حللت، ولي أن أسألك عما كنت فاعلًا لو أنك لم تعرف البكاء عندما تختلس من الحياة مسراتها العارضة؟ أكنت تستطيع أن تقدرها قدرها؟ أكنت تستطيع أن ترفع الكأس مشرق القلب وقد نادمك خل قديم فوق منبسط العشب والشمس آفلة للغروب؟ أليس ذلك لأنك عرفت الألم فقدرت السرور، ثم كيف كنت تستطيع أن تحب الزهر والغياض والمروج، وأن تطرب لأناشيد «تتراك» وتغريد الطيور، ثم ميكيل أنج وسحر الفنون، وشكسبير وآيات الطبيعة لا، ما نعمت بكل ذلك إلا لأنك وجدت بها آثار الزفرات القديمة، وكيف كان لك أن تفهم جمال انسجام السماء وصمت الليل وهمس المياه ما لم يسبق أن حملتك الحمى والسهاد — حيث كنت — على النزوع إلى الراحة الأبدية.

ثم أما تنعم اليوم بمحبوبة أخرى تسكن إلى جوارها في ظلمة الليل وقد وضعت يدك في يدها فتزيد ذكريات شبابك من ابتسامتها عذوبة، ثم أما تذهب معها كما ذهبت من قبل إلى أعماق الغابات المزهرة وفوق الرمال الفضية وأشجار الحور وسط معبد الطبيعة؟ أما تهديك السبل أشباحها كما هدتك من قبل، وعندما يغمرك القمر بشعاعه أما يتعطف بين أذرعك جسم جميل كما تعطف آخر من قبل؟ وهبك لاقيت الحظ في طريقك أما كنت تسير خلفه مغنيًا من جديد؟ فيمَ الشكوى إذن؟ لقد قوى الألم عود الأمل في نفسك، لمَ إذن تأبى إلا أن تبغض ألم شبابك وقد جعلك ذلك الألم خيرًا مما كنت.

ولدي العزيز! ما أجدر تلك الخادعة برحمتك، وإن أسالت دموعك، ارحمها فهي امرأة وقد أراد الله أن يلقنك سر السعادة إلى جوارها وبما أنزلت بك من آلام — لقد كلفتها جسيمًا — ومن يدري لعلها أحبتك صدقًا، ولكنه القضاء شاء أن يحطم قلبك على يديك، كانت على علم بكنه الحياة وقد علمتك إياه، ثم احتضنت ثمرة آلامك حبيبة أخرى، ارحمها فقد مر حبها كحلم حثيث، لقد رأت جرحك داميًا فلم تستطع له شفاء — وأنا أعلم — وأرجوك أن تصدقني، إن دموعها لم تكن كلها كاذبة، ولو أنها كانت كذلك لما أغناك ذلك عن واجب الرحمة وأنت تعرف كيف تجب.
الشاعر : حقًّا تقولين، إن البغض إثم، ينساب في نفوسنا انسياب الأفعى فترتعد منا القلوب، اسمعي عني إلهتي، هذا قسمي أشهدك عليه: بحق أعين تلك الحبيبة الزرقاء، بحق صفاء السماء، بحق تلك النجمة اللامعة التي تحمل اسم إلهة الحب «فينوس» وقد أخذت تتلألأ بالأفق، كاللؤلؤ أصابتها رعشة خفيفة، بحق جلال الطبيعة ورحمة الله بحق ضياء النجوم الهادئة الذي يهدي عابر السبيل، بحق الغياض والرياض والغابات الملتفة، بحق قوة الحياة وروح الوجود، أقسم إني طارح عن ذاكرتي ما تخلف بها من آثار حب عاثر مخلفًا له وسط ظلام بعيد.
وأما أنت، فها أنا أتركك بعد أن دعوتك غير مرة بأرق الأسماء، ولتكن ساعة فراقنا، ساعة صفح شامل، ليصفح كل عن أخيه.

ولتفصم عرى السحر الذي ربط قلوبنا أمام الله، وها أنا أذرف بين يديك دمعة تصحب وداعي الأخير.

والآن إلهتي المشرقة الجمال، هيا بنا إلى غرامنا، أسمعيني من نغماتك السارة، كما سبق أن سمعت منك والحياة في بدئها.

وها هو العشب المعطر ينتفض لقرب الصباح، تعالي نوقظ حبيبة قلبي ولنذهب نجني زهر الحديقة، تعالي نرى الطبيعة الخالدة تطرح غلائل النوم، سنبعث معها إلى الحياة عندما تبعث الشمس أول شعاعها.

ليلة مايو

إلهة الشعر : أي شاعري! خذ العود واشجني بقلبلة، ها براعم الورد تتفتح عن أزهارها وها الربيع يبعث هذا المساء فتلهب حرارته نسمات الرياح وقد أخذت البلابل تأوي إلى ما اخضر من غصن في انتظار ضياء الفجر، أي شاعري! خذ العود واشجني بقبلة.
الشاعر : ما أحلك ظلمة الوادي؟ ما هذا الشبح الذي لاح لي عن بعد، أتى من المروج إلى حافة الغابة وكأن أقدامه تمس الحشائش؟ يا لها من رؤية عجيبة! ها هي تتلاشى ثم تختفي!
إلهة الشعر : أي شاعري! خذ العود فها الليل يرنح النسيم في ردائه المعطر، وها عذارى الورود تضم أوراقها غيرى على صدفي الفراش فتميته من ثمل، أصغ إلى صمت الوجود واذكر متى أحببت، وها هو الشفق الآفل يرسل خلال أغصان الصفصاف الداكنة آخر أشعته وداعًا ما أرقه! سيزدهر هذا المساء كل ما في الوجود، وستمتلئ الطبيعة الخالدة عطرًا وهمسات وحبًّا، كمخدع سعيد بعشاقه.
الشاعر : ما لقلبي يخفق حثيثًا؟ ما الذي يختلج به فيملأني رعبًا أما يدق طارق ببابي؟ وما لمصباحي المتهافت يبهرني ضياؤه! إلهي القدير! ما لجسمي يرتعد! من القادم! من المنادي! لا أحد، إني وحيد والساعة تدق! أيتها الوحدة أيها الشقاء […].٢
إلهة الشعر : أي شاعري خذ العود! ها رحيق الشباب يختمر في عروق الآلهة! وها قلبي تضنيه رغبات الحس الملحة! وها هي الرياح تهب جافة فتضرم النار بشفتي! انظر أيها العزيز المتواني! انظر كم أنا جميلة، أما تذكر قبلتنا الأولى عندما مسك جناحي فشحب لونك وتساقطت دموعك فارتميت بأحضاني ملتمسًا السلوك من ألم مرير! وا أسفا! لقد عاجلتك محن الحب صغيرًا! وها أنا هذا المساء أموت أملًا، ولا بد لي من الضراعة حتى أصل إلى ضوء النهار، أوما تملك لي من سلوى؟!
الشاعر : هل النداء نداؤك ربتي البائسة، وهل أنت المنادي أيتها الزهرة المشرقة، أيها الملاك الخالد! وقد امَّحى حبي من كل قلب إلا من قلبك الأمين، نعم ها أنت بشعرك الذهبي، أنت الأخت الحبيبة وها رداؤك الذهبي يغمرني في أعماق الليل فتنساب أشعته إلى قلبي.
إلهة الشعر : أي شاعري، خذ العود فها أنا رمز حبك الخالد آتيك في ظلام الليل، وقد رأيتك حزينًا صامتًا، آتيك هابطة من السماء لأبكي معك كما يهبط الطيور لتحتضن فراخها! هلم إلى عما أشك في أنك تألم أيها العزيز وما أريد أن ينفرد بك ذلك الألم المضني! ما لقلبك يئن! لقد أصبت من دنياك حبًّا على نحو ما نرى دنيانا! أصبت ظلًّا من سعادة وسرابًا من سرور! هلم إليَّ ولنغن سويًّا أمام الله لنغن هواجس نفسك! لنغن ما أخطأك من سرور وما انصرم عنك من الألم، ولنرتحل سويًّا في قبلة إلى عالم المجهول لنبعث ما نستطيع من أصدقاء حياتك، لنتحدث عن السعادة والمجد والجنون! وليكن كل ذلك حلمًا! أول حلم يعرض، لنبحث عن مستقر للنسيان، لنرتحل سويًّا وحدنا فالعالم كله ملك لنا، ها هي أيقوسيا الخضراء، وها هي إيطاليا الداكنة، وها هي أمي أرض اليونان حيث العسل عذب، ويلبون أرجوس مدينة المقابر ومسا الإلهية حيث يطيب للحمَام أن يشدو، وها هي صفحة البلبون المنغيرة بما يكسوها من [أﻓ…جار]!٣ والتتاريز الأزرق وخليج الفضة الذي تنعكس من مرأته طيور اليم! قل لي بأي أحلام ذهبية ستنطلق أغانينا! وعلامَ ستسيل منا الدموع، ثم خبرني عندما هب الضياء بأجفانك هذا الصباح، أي ملاك حنا فوق رأسك الساجي فهز ما يحلِّي رداءه الشفاف من سوسن، وقص عليك همسًا ما ترآى في أحلامه من حب!
سنتغنى الألم أم الحزن أم الفرح؟ أنسكب الدم على دروع رجال الحرب أم نعلق العاشقين بأراجيح الحرير أم ننثر الزبد من أفواه الخيل العادية أم نتغنى بتلك اليد الطاهرة التي اقتبست من قبلة السماء ضياء نشعل به تلك المصابيح التي لا عداد لها فتضيء ليل نهار، وقودها حياة طاهرة وحب خالد! أم نصيح «بتره كان»، لقد حان الجين إلى الظلام أم نغوص إلى أعماق المياه نلتمس أصدافها! أم نسوق المعز إلى مر الحياض أم نظهر السماء على ما في الأرض من أحزان! وما لنا لا نقفو أثر الراعي على سفوح الجبال الوعرة وقد تطلعت إليه ظبية باكية متضرعة، وصغارها منتظرة عودتها، ولكنه أخذها وذبحها وألقى إلى الكلاب اللاهثة قلبها الذي ما يزال ينبض، وما لنا لا نصف عذراء متوردة الخدود وقد سارت إلى الصلاة يتبعها خادمها ساهمة البصر إلى جوار أمها وقد نسيت صلاتها عندما انفرجت شفتاها، إذ استرعى منها السمع — وفرائصها ترتعد — صدى مهماز فارس جسور تردد في قباب الكنيسة، أو نوجه القول إلى أبطال فرنسا القدماء طالبين إليهم أن يسموا إلى قمم الأبراج مدججين بالسلاح ليبعثوا تلك الأغنية الساذجة التي أنطقت ألسنة شعرائهم بما خلفوا من مجد، أو نسدل على مقطوعات الغرام الرخوة ثوبًا أبيض، بل ما لبطل واترلو لا يقص علينا حياته، وما أزهق من أرواح قبل أن يأتيه رسول الليل على قمة تله الأخضر فنقضي عليه بضربة جناح ويجمع يديه إلى صدره، وما لنا لا نرشق ذلك الهجاء الحقير بسهام محكمة وقد سامه الجوع إلى الخروج من خموله إلى كيل السباب لما انتشر من أمل على جبهة ذوي العبقرية، وقد انتفخ حقدًا وعجزًا فخف إلى تيجان الغار يعضها بأنيابه، فتدنسها أنفاسه، أي شاعري خذ العود فما أستطيع بعد اليوم صمتًا، وها جناحي يحملني إلى نسمات الربيع ها هي الرياح تحملني، سأترك الأرض، أما من دمعة تذرفها؟ لقد حان الحين، اسمعي يا سماء.
الشاعر : أيتها الأخت العزيزة، إن كان كل ما تريدين مني هو قبلة من شفة محبة، أو دمعة من أحداقي، فإني خاف إلى إعطائك ما تريدين، ولكن لتذكري ما عدت إلى السماء ما كان لي من حب، وما أتغنى بأمل ولا مجد ولا سعادة، بل ولا أتغنى بالألم، وقد صمت الفم لينصت إلى القلب.
إلهة الشعر : أتحسبني إذن كريح الخريف تتغذى بالدموع حتى فوق القبور، والألم عندها قطرة من الماء، أي شاعري، أما القبلة فأنا التي أمنحك إياها، وما أردت أن أقتلع من هذا المكان إلا تراخيك، دع ألمك في كنف الله، ومهما يكن من عظمة المحنة التي نزلت بشبابك، فلتدعها تعمق، لتترك ذلك الجرح المقدس الذي أدمت به أعماق قلبك تلك الملائكة السوء، وما من شيء يسمو بنا قدر ما يسمو الألم، ولكنه ما ينبغي لك شاعري أن تلزم صوتك الصمت مهما يكن ألمك، وأعذب الأغاني أمنعها يأسًا، وأخلدها فيما أعلم زفرات خالصة، أما تذكر البجع وقد أضناه السفر فعاد وسط الضباب في مساء الليل إلى فراخه ورأته الفراخ الجائعة فعدت إليه على شاطئ البحر وقد رأته يتساقط على صفحة المياه عدت آملة أن تصيب مغنمًا، عدت إلى والدها مرسلة صيحات السرور، وقد أخذت تنفض مناقيرها فوق صدورها البشعة، وأما البجع ففي خطى متثاقلة، صعد إلى صخرة مرتفعة، وقد نشر جناحه المهيض فوق فراخه، يا له من صائد تعس يرسل إلى السماء نظرة بائسة، وها هو الدم يتدفق أمواجًا من صدره المشقوق وقد جاب عبثًا أعماق المياه، والمياه خاوية والشواطئ موحشة، فعاد إلى أبنائه لا يحمل لهم من غذاء غير قلبه، وها هو ملقى على الحجارة صامتًا حزينًا، والفراخ تقتسم أحشاء أبيهم، وقد أخذ يرنح ألمه في حبه النبيل، وقد تداعى وخر في وليمة الموت وقلبه يسيل دمًا تحت بصره، وقد أثملته اللذة والحب والرعب، ولكنه لا يتمالك نفسه من الخوف — وقد أضناه موته الطويل — من ألا تحمل فراخه التضحية إلى غايتها، فيتركوه وبه رمق من حياة، فيتماسك لينشر أجنحته في الرياح ثم يصدع قلبه بصيحة مفجعة، ويرسل ظلام الليل نعي الوداع تدوي نغماته المخيفة في شواطئ اليم، فتهجر الطيور أوكارها رعبًا، ويحس من تخلف من البشر بالشاطئ الموت مارًّا إلى جانبهم فيسلمون أمرهم إلى الله، أي شاعري، هذا مثل كبار الشعراء، يتركون المرح لمن يمنحون الحياة رهينة، بينما تشبه الولائم التي يقيمونها في أعيادهم وليمة البجع، وليس فيما يتغنون به من آمال خائبة وأحزان ونسيان، وحب وشقاء ما تتفتح لنغماته القلوب وصيحاتهم حراب يخطون بها في السماء دوائر تبهر الأبصار، ولكنك واجد دائمًا نقطًا من الدم عالقة بمحيطها.
الشاعر : إلهتي، أيها الشبح الدائم العطش، لا تطالبيني بكل ذلك، والمرء لا يستطيع أن يخط على الرمال عندما تهب العواصف، ولقد مر زمن كان شبابي دائمًا على شفتي مستعدًّا للغناء كما تتغنى الطيور، ولكني قاسيت آلام الشهداء، ولو أني حاولت أن أنطق العود ببعضه لتحطم كما يتحطم الغاب.

ليلة أغسطس

ربة الشعر : منذ أن عبرت الشمس في أفقها الرحب برج السرطان فوق محورها الملتهب، هجرتني السعادة وأنا أنتظر في صمت الساعة التي يدعوني فيها صديقي المحبوب، وا حسرتاه منذ زمن طويل وبيته مهجور وأيام الماضي الحلوة يلوح أنه لم يعد شيء منها حيًّا، وأنا وحدي أتردد مغطاة بوشاح لكي أضع جبهتي الملتهبة فوق بابه المنفرج كالأرامل الباكية فوق قبر طفلها.
الشاعر : تحية أيتها الصديقة الوفية! تحية لك يا مجدي وحبي، إن خير وأعز الصديقات هي تلك التي نجدها عند العودة، إن الفكر والحرص قد يجرفاني يومًا، تحية أمي ومرضعتي تحية يا مصدر العزاء، افتحي ذراعيك لقد أتيت لأغني.
ربة الشعر : لماذا أيها القلب الظمآن، أيها القلب المضنى بالأمل، تكثر من الهرب ثم تتأخر في العودة؟ وما الذي تسعى للبحث عنه إلا صدفة عارضة؟ وبماذا تعود إن لم يكن بشيء من الألم؟ وماذا تفعل بعيدًا عني عندما أنتظر حتى طلوع النهار، إنك تجري وراء شهاب ناصل في ليل عميق، ولن يبقى لك من مسرات هذه الدنيا غير احتقار عاجز لحبنا الشريف، وأصبحت كلما أتيت إلى قاعة دراستك أجدها خالية، وبينما أنظر حالمة إلى جدران حديقتك من الشرفة وقد أخذني القلق والتفكير تسلم نفسك في الظلام لقضائك المنكود. إن ذات جمال شموخ تمسكك في سلاسلها، وتترك للموت هذا الريحان البائس الذي كانت فروعه الأخيرة ترتوي من دموع عينيك في أيام أكثر سعادة، وهذه الخضرة الحزينة هي رمزي الحي، أيها الصديق، إن نسيانك سيقتلنا سويًّا، وعطرك الخفيف سيتبدد في السماء مع ما تحمل لي من ذكريات كما يطير طائر.
الشاعر : عندما مررت بالمروج رأيت هذا المساء في الطريق زهرة ذابلة ترتعد، زهرة نرجس شاحبة وإلى جوارها برعم أخضر يهتز فوق الشجيرة، لقد رأيت زهرة جديدة تنبثق، وأحدث الزهر أكثره جمالًا، وهكذا الإنسان.
ربة الشعر : وا حسرتاه! الإنسان دائمًا، وا حسرتاه الدموع دائمًا! الإقدام دائمًا معفرة والعرق في الجبين! دائمًا معارك بشعة وأسلحة دامية، ولقد يكذب القلب ولكن الجرح في أعماقه، وا حسرتاه! في كل بلاد الأرض الحياة هي هي دائمًا، طمع وندم وأخذ وبسط يد، الممثلون هم هم دائمًا، ومهما يخترع النفاق البشري فلا حقيقة هناك غير الهيكل البشري، وا حسرتاه! أيها الحبيب العزيز، إنك لم تعد شاعرًا ولم يعد شيء يحرك مزهرك الذي صمت، إنك تغرق قلبك في حلم هروب، وأنت لا تعرف أن حب المرأة يتغير ويبدد في دموع كنوز روحك، وإن الله يحصي الدموع أكثر مما يحصي الدم.
الشاعر : عندما عبرت الوادي كان طائر يغني في وكره، وكانت صغاره، صغاره العزيز قد ماتت في الليل، ومع ذلك كان يغني للفجر، أي ربتي لا تبكي، إن من يفقد كل شيء يبقى له الله، الله في السماء، والأمل في الأرض.
ربة الشعر : وماذا ستجد عندما يعود بك البؤس يومًا وحيدًا إلى دار ذويك؟ عندما تمسح يداك المرتعدتان التراب عن هذا المسكن البائس الذي تظن أنك قد نسيته، وبأي وجه تأتي إلى دارك ملتمسًا شيئًا من الهدوء وكرم الضيافة؟ سيكون هناك صوت يصيح بك في كل ساعة ماذا فعلت بحياتك وحريتك؟ أتظن إذن أننا ننسى كما نشتهي؟ أتظن أنك ستجد نفسك عندنا تبحث عنها؟ من منكما الشاعر: أهو قلبك أم أنت؟ إنه قلبك، وقلبك لن يجيبك لأن الحب سيكون قد حطمه، سيكون قد حطمه، وستكون الشهوات المدمرة قد أحالته صخرًا بمخالطة الأشرار، ولن تشعر إلا ببقايا مخيفة لا تزال تتحرك كالأفاعي، يا ألله! من سيعينك؟ وماذا أستطيع أنا نفسي عندما يشاء من يملك كل شيء أن يحظر عليَّ أن أحبك، وعندما تحملني إليه أجنحتي الذهبية التي ترتعد بالرغم مني لكي أنجو منك؟ أيها الطفل البائس، إن حبنا لم يكن مهددًا عندما كنت أستثيرك في المساء بتسكعاتنا في غابة أوتيي وأنت غارق في أفكارك تحت أشجار القسطل الخضراء والحور البيضاء، آه لقد كنت عندئذ شابة وحورية، وكانت ربات الغاب تشق — لكي تراني — لحاء الأشجار، والدموع سالت أثناء نزهاتنا، كانت تتساقط صافية كالذهب في بللور الماء. ماذا فعلت أيها الحبيب بأيام شبابك؟ ومن قطف ثماري من فوق شجرتي المسحورة؟ وا حسرتاه! لقد كان خدك المتورد يروق الآلهة التي تحمل في يديها القوة والصحة، فأصابته بالشحوب دموع عينيك الحمقاوين، وكما فُقد جمالك ستفقد فضيلتك، وأنا التي سأحبك كصديقة وحيدة عندما تسلبني الآلهة الغضبى عبقريتك وأسقط من السماوات، بماذا ستجيبني؟
الشاعر : ما دام عصفور الغابات يرفرف ويغني فوق الغصن حيث تحطمت بيضاته في الوكر، وما دامت زهرة الحقول التي تتفتح عند الفجر تنظر في المرج، فترى زهرة أخرى متفتحة تستسلم في غير أنين وتسقط مع هبوط الليل.
وما دمنا نسمع الأغصان الميتة تقرقع في الطريق في جوف الغابات تحت الأسقف الخضراء، وما دام الإنسان لم يستطع أن يعثر وهو يجوس خلال الطبيعة الخالدة، على علم يدوم غير السير دائمًا والنسيان دائمًا.

وما دام كل شيء حتى السخط يتحول إلى تراب، وما دام كل شيء يموت هذا المساء لكي يبعث غدًا، وما دام القتل والحرب سمادًا، وما دمنا نرى عود العشب المقدس الذي يعطينا الخبز ينبت من الأرض فوق القبر.

أي ربة الشعر، لماذا تغنيني الحياة أو الموت؟ إنني أحب وأريد أن أستحب، إنني أحب، وأريد أن أتألم، إنني أحب، وإنني لأعطي عبقريتي في سبيل قبلة، إنني أحب، وأود أن أحس فوق خدي المهزول نبعًا ينهمر ويستحيل جفافه، إنني أحب، وأريد أن أتغنى بالمتعة والكسل وبمغامرتي الغامرة وبهمومي العابرة وأريد أن أقص وأن أكرر باستمرار أنني بعد أن أقسمت أن أعيش بغير عشيقة أقسم أن أعيش وأن أموت بالحب.

أيها القلب المنبعج مرارة، والذي ظن أنه قد أغلق، انزع أمام الجميع تلك الكبرياء التي تلتهمك وأحب أن تبعث إلى الحياة، اجعل من نفسك زهرة لكي تتفتح، وبعد أن تألمت يجب أن تتألم من جديد، يجب أن تحب باستمرار بعد أن أحببت.
١  مطموسة بالأصل (الناشر).
٢  مطموسة بالأصل (الناشر).
٣  غير مقروءة بالأصل (الناشر).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠