الفصل الثاني

نبذة في تاريخ الدولة العثمانية

(١) منشأ العثمانيين ونهوضهم

العثمانيون جيل من الأجيال التركية المتشعبة من الجنس المغولي المعتبر من أعظم الأجناس البشرية عددًا، وأصل منشئه «بلاد منغولية»، ومنها انتشر غربًا وشمالًا وتشعَّبت منه في آسيا أمم وقبائل استقلت بنفسها وصار لبعضها ملك كبير: مثل أُمة «الهُون» المفتتحة شرقي أوروبا يقودها زعيمها «أتِيلَّا»، ومثل دولة الأتراك السلاجقة١ المستبِدة بملك العباسيين، ومنهم الدولة المعروفة بسلطنة الروم السلجوقية، وقد سبق ذكرها في الكلام على الحروب الصليبية.٢

وفي أوائل القرن السابع الهجري — الثالث عشر المسيحي — قامت للمغول دولة وثنية قوية بقيادة زعيمهم العظيم «جَنْكِيزخَان» ثم حفيدِه «هُولاكو»، فاكتسحت ممالك آسيا الوسطى والغربية، وقوَّضت عرش الخلافة العباسية، وأتت من فظائع التقتيل والتخريب ما لا ينساه التاريخ، وكانت القبائل التركية الإسلامية تفرُّ من وجوههم مؤْثِرين الهجرة على الخضوع لجَورهم. ومن هذه القبائل قبيلة صغيرة تُدعَى «الأغوز»، خرجت من ديارها في أواسط آسيا وغرَّبت حتى وصلت إلى آسيا الصغرى التي بقيَ جزء منها وقتئذٍ في حوزة السلاجقة؛ تلك هي القبيلة التي نشأت منها الدولة العثمانية.

وبينما تتجول هذه القبيلة في آسيا الصغرى يرأسها كبيرها «أرْطُغْرُل» إذ وجدت جيشين يقتتلان، أحدهما من المغول والآخر من السلجوقيين؛ فانضمت إلى الجيش الذي كاد ينهزم، وهو السلجوقي، فانتصر بها على المغول وطردهم من بلاده، فرأى السلطان السلجوقي «علاء الدين» وجوب مكافأة «أرطغرل» على معونته له، فأقطعه قطعة من الأرض قُرب مدينة «بُرُوسة» على تخوم أملاك الدولة الرومانية الشرقية تسمى «إسْكي شَهِر» — سُلْطانوني — فكانت مهد الدولة العثمانية، وفيها ولد «عثمان» بن «أرطغرل» الذي تنسب الدولة إليه.

وُلد عثمان سنة (٦٥٦ﻫ/١٢٥٨م) فنشأ مولعًا بالحرب مظفَّرًا فيها، فانتزع في صباه من دولة الروم الشرقية مدينة «قَرَهْ حِصار» وغيرها، فمنحه سلطان «قونية» لقب «بك» ورقَّاه إلى مرتبة الأمراء.

وفي سنة (٦٩٩ﻫ/١٣٠٠م) قضى المغول على البقية الباقية من الدولة السلجوقية، ولكنهم لم يستطيعوا أن يحكموا تلك البلاد بأنفسهم، فاستقلت فيها عشرُ إمارات تركية؛ إحداها إمارة «عثمان» الذي اعتُبر من ذلك الحين المؤسس للدولة العثمانية وأول حاكم مستقل فيها، أما باقي الإمارات التركية فاندمجت في هذه الإمارة على توالي الأيام، وسَمَّوْا أنفسهم عثمانيين أيضًا.

وأخذ عثمان ينظِّم أملاكه ويوسِّع نطاقها في الجهة الغربية؛ فاستولى على كثير من أملاك الدولة الرومانية الشرقية. وقبل وفاته فتح ابنه «أُرْخان» مدينة «بروسة» بعد حصار طويل، فصارت بعدُ حاضرةً للدولة.

وفي سنة (٧٢٦ﻫ/١٣٢٦م) خلف عثمان ابنه «أرخان» (٧٢٦–٧٦١ﻫ/١٣٢٦–١٣٥٩م)، فواصل الحرب على الدولة الرومانية الشرقية، فافتتح منها «نيقوميدية» و«نيقية» — أزنيق — وكثيرًا من البلاد الآسيوية التي كانت لم تزل في حوزتها. ثم جنح «أرخان» إلى السلْم، فقضى نحو ٢٠ عامًا بلا طعن ولا نِزال، عُنِيَ فيها بتثبيت دعائم مُلكه في البلاد التي فتحها، وإصلاح الحكومة وتنظيم الجيش. وقد كان لعمله الأخير أكبر أثر في اتساع رُقعة المملكة وتأييد مجدها؛ وذلك بفضل إنشاء طائفة «الإنكِشارية» — العسكر الجديد — التي كوَّنها وعُنِيَ بتدريبها حتى صارت أهم فرقة في الجيش.

ومنشأ هذه الطائفة أن الدولة كانت تأخذ كل عام نحو ألف صبي من أبناء النصارى الذين قُتل آباؤهم في الحرب، وتُلقِّنهم الدين الإسلامي، وتُربِّيتهم تربية عسكرية منظَّمة، منطبقة على أدق القواعد الحربية التي امتاز بها الترك في ذلك الزمان، حتى صارت هذه الطائفة لا مثيل لها في القوة والإقدام والمرانة على الحرب، وكان يُفتح أمامهم طريق الرقيِّ إلى أكبر المناصب في الدولة؛ فَعُدَّ ذلك أكبر مشجع لهم على الطاعة وخوض غمار الحروب، وبقي هذا النظام متبَعًا نحو ثلاثة قرون. غير أنه تُسوهل فيه أُخْريات هذه المدة؛ فكانت الجنود الجدد تجمع من الأسرات التركية، ومن أبناء الإنكشارية أنفسهم. ولما طال عليهم الأمد استأثروا بالسلطة وأساءوا استعمالها، وأصبحوا منبع الشغب والقلاقل في الدولة، فقضى عليهم السلطان محمود الثاني أوائل القرن التاسع عشر سنة (١٢٤١ﻫ/١٨٢٦م).

figure
بعض ضباط الإنكشارية (رسم علي أفندي يوسف).

ولما أتمَّ «أرخان» تنظيم الجيش وإصلاح الشئون الداخلية عاد إلى العمل على توسيع نطاق أملاكه، فأغار على الشاطئ الأوروبي، واستولى فيه على مدينة «غليبولي» وغيرها من المدن شمالي مضيق الدردنيل (٧٥٨ﻫ/١٣٥٧م)؛ فكان ذلك مبدأ الفتوح العثمانية في أوروبا، التي أخذت من وقتئذٍ تزداد وتعظم ويقفو بعضها بعضًا.

ولما تولَّى الملْك «مراد الأول» ابن أرخان (٧٦١–٧٩٢ﻫ/١٣٥٩–١٣٨٩م) همَّ بمواصلة تلك الفتوح؛ فأخضع معظم بلاد «الرُّوملي» — الروم إيلي — واستولى فيها على «أَدِرْنَة» — التي أصبحت عاصمة جديدة للدولة — و«فِلِبُّو بُوليس» — فِلِبة — وغيرهما من المدن العظيمة، فضاق بذلك نطاق أملاك الدولة الشرقية وهال هذا الفوز الكبير أمراء أوروبا؛ فعزموا على رد الترك إلى بلادهم في آسيا، فخرج لذلك الوجه ملوك «البوسنة» — البُشْناق — و«المَجَر» و«الصِّرب» بجيش عظيم ساروا به إلى «أدِرْنة»، فهزمهم الترك شر هزيمة سنة (٧٦٥ﻫ/١٣٦٣م) ثم قفوا على أثر ذلك بإخضاع «بُلْغاريا»، وضمها إلى أملاكهم سنة (٧٩١ﻫ/١٣٨٨م) فعاود الفزعُ إمارات أوروبا الشرقية، وتحالفوا على قهر مراد، فسار إلى الصرب ليردَّهم، فالتقى بهم في واقعة «قُوصْوة» الشهيرة سنة (٧٩٢ﻫ/١٣٨٩م)، فاصطلم جيوشهم اصطلامًا، إلا أنه قُتل على أثر الموقعة؛ طعنه صِربي ثار به من بين القتلى، وكانت نتيجة تلك الواقعة أن دخلت «الصرب» أيضًا في حوزة الدولة العثمانية.

ولم تكن غزوات مراد قاصرة على أوروبا، بل كان سيل جيوشه يتدفق على آسيا؛ فاستولى في أوائل حكمه على مدينة «أَنْقِرَة»، وواصل بعدُ فتوحَه فيها، فاندرجت أربعٌ من الإمارات العشر التي قامت على أنقاض دولة السلاجقة في سلك الأملاك العثمانية.

ثم خلفه ابنه «بايزيد الأول» (٧٩٢–٨٠٥ﻫ/١٣٨٩–١٤٠٢م)، فلم يَقِلَّ عن أبيه مهارةً وإقدامًا؛ فأخضع باقيَ الإمارات التركية في آسيا، ووطَّد أركان دولته في أوروبا، وزاد عليها كثيرًا من مدن الروملي، التي كانت لم تزل بعدُ في يد المسيحيين.

من أجل ذلك عمَّ الهول والفزع معظمَ الأوروبيين، من كثرة فتوح العثمانيين وسرعة تقدُّمهم في أوروبا، وقامت بها ضجَّة دينية للحضِّ على غزاتهم؛ فقام البابا يدعو الناس باسم الدين إلى مقابلتهم، وخرج لذلك جيش أوروبي عظيم بقيادة «سِجِسْمُنْد» ملك المجر، ضم بين كتائبه كثيرًا من فرسان فرنسا وألمانيا، وكان بايزيد إذ ذاك غائبًا في آسيا؛ ففاز الأوروبيون في بادئ الأمر، واستردُّوا من الترك كثيرًا من المدن، ثم شرعوا في حصار مدينة «نيقوبوليس»، وهي من أمنع المدن على نهر «الطونة»، فلما علم بايزيد بذلك أسرع لِلِقَائهم، فهزمهم هزيمة تُعدُّ من أنكر الهزائم التي دوَّنها التاريخ؛ بحيث لم ينجُ من جيوشهم إلا النزر اليسير، سنة (٧٩٩ﻫ/١٣٩٦م).

وشرع بايزيد بعد واقعة نيقوبوليس هذه في غزو بلاد اليونان؛ فأخضع منها «تِساليا» و«أبِيروس»، وكان على وشك التأهُّب لفتح القسطنطينية، التي طالما تاقت نفسه ونفسُ الفاتحين من المسلمين لغزوها، لولا أنْ داهمته غارة التتار على أملاكه الآسيوية بقيادة الجبَّار الشهير «تَيْمُورْلَنْك»، فخرج بايزيد لِصدِّه، وتقابل الجيشان في «أنقرة» سنة (٨٠٥ﻫ/١٤٠٢م)، فكانت الهزيمة على العثمانيين، وأُخذ بايزيد أسيرًا،٣ فبقي في أسْره حتى مات كمدًا بعد ذلك بثمانية أشهر.

وقد كادت هذه الهزيمة تكون قاضيةً على العثمانيين لولا أن هَلَك «تيمورلنك» وتشتت شمل دولته إثر وفاته، وكان لبايزيد أربعة أولاد، بَقُوا عشر سنين يقتتلون من أجل العرش.

ثم انتهى الأمر بتغلُّب أحدهم «محمد الأول» (٨١٦–٨٢٤ﻫ/١٤١٣–١٤٢١م)، فكان من خيرة سلاطين آل عثمان؛ لمَّ شعث الدولة بعد أن مزَّقها «تيمورلنك»، وكبح جماح الإمارات التي كانت أخذت تتمرد على الدولة لِمَا رأتْه من انهزامها الشنيع، وأصلح ما أفسدته الفتن التي حدثت بينه وبين إخوته قبل خلوص الملْك له. ولم يمضِ عليه ثمانية أعوام حتى استرجع للدولة كل ما كان لها قبل واقعة أنقرة؛ فكان ذلك من أمجد ما وعاه التاريخ للدولة العثمانية.

ومات السلطان «محمد الأول» سنة (٨٢٤ﻫ/١٤٢١م) في الثالثة والثلاثين من عمره، فخلفه «مراد الثاني» (٨٢٤–٨٥٥ﻫ/١٤٢١–١٤٥١م)، فعمل على مواصلة الفتوح التي وقَّفتها غارة تيمورلنك، وكان إمبراطور دولة الروم الشرقية قد مالأ أحد المطالبين بالملْك من أبناء مراد؛ فقابل ذلك مراد بمحاصرة القسطنطينية، وقد كاد يفتحها لولا أنه اضطُر إلى فض الحصار عنها لإخماد ثورةٍ أثارها عليه في آسيا أحد إخوته.

ثم قامت بأوروبا نهضة جديدة لإخراج العثمانيين من هذه القارة؛ فخرج لذلك جيش جرار، جُمعت كتائبه من ممالك أوروبية عديدة، يقوده «هونياد» القائد المجري العظيم، الذي لم يرَ الترك قبل ذلك أحدًا من المسيحيين في بأسه وبطشه؛ فاكتسح الجيش كل شيء أمامه حتى اجتاز البلقان، فاضطُر السلطان مراد إلى عقد مهادنة مع المسيحيين لمدة عشر سنوات، على أن يتنازل عن الصرب ويعطي «بلاد الأفلاق» للمجر — معاهدة إزِّجِدِن سنة ٨٤٨ﻫ/١٤٤٤م.

figure
هونياد المجري (عدو الترك العنيد).

ثم رأى مراد أن يستريح من عناء الملْك، فتنازل عن العرش لابنه «محمد الثاني» — وكان حديث السن — وأقام بآسيا يطلب الراحة، فلما رأى المسيحيون ذلك طمعوا في الدولة، فنقضوا عهدهم، وزحفت جيوشهم بقيادة «هونياد» على الأراضي العثمانية، واستولت على كثير من حصون بلغاريا، فلما علم مراد بذلك رجع إلى الملْك وسار بجيش إليهم، وكانوا قد استولوا على «وَرْنَة»، فالتقى بهم خارج المدينة في معركة فاصلة، انتهت بانهزام المسيحيين هزيمة شنيعة، وقُتل فيها بعض ملوكهم وأمرائهم (سنة ٨٤٨ﻫ/نوفمبر سنة ١٤٤٤م)، وكان العثمانيون أثناء الموقعة يحملون في جملة أعلامهم لواءً معلقةً عليه صورة من المعاهدة، تَذِكْرَةً للأعداء بغدرهم ونقضهم للعهود والمواثيق، ثم أتم مراد إخضاع البوسنة والصرب، ومات عام (٨٥٥ﻫ/١٤٥١م)؛ فترك لابنه محمد الثاني ملْكًا واسعًا ثابت الأركان.

تولى «محمد الثاني» الشهير بمحمد الفاتح (٨٥٥–٨٨٦ﻫ/١٤٥١–١٤٨١م) وهو في الحادية والعشرين من عمره، فبادر بالتأهب لفتح القسطنطينية، وأعدَّ لذلك المعدَّات العظيمة، وفي سنة (٨٥٧ﻫ/١٤٥٣م) تمَّ له فتحها بعد أن أعيا كثيرًا من ملوك المسلمين قبله؛ فقضى بذلك على دولة الروم الشرقية القضاء الأخير، ويُعَدُّ فتح القسطنطينية من أهم الحوادث التاريخية، كما يُعتبر عام فتحها (٨٥٧ﻫ/١٤٥٣م) مبدأ التاريخ الحديث.

(٢) اضمحلال الدولة البوزنطية٤ وسقوط القسطنطينية في يد العثمانيين

ذكرنا في كتاب «تاريخ مصر إلى الفتح العثماني» أن قسطنطين الأكبر نقل عاصمة الدولة الرومانية إلى مدينة «بوزنطة» على شواطئ البوسفور سنة ٣٣٠م، وأنها سُمِّيت من ذلك الحين بالقسطنطينية منسوبة إليه، وفي سنة ٣٩٥م تم تقسيم الدولة إلى قسمين: الدولة الغربية، وعاصمتها رومية، والدولة الشرقية، وعاصمتها القسطنطينية.

فلم تعمِّر الدولة الغربية طويلًا لكثرة غارات الأمم المتبربرة عليها؛ إذ استولى عليها القوط سنة ٤٧٦م.

أما الدولة الشرقية فلبثت نحو ١٠٠٠ سنة تمكَّنت فيها — بفضل مناعة موقعها — من رد غارات الأمم المتبربرة الأوروبية من القوط والسلاف وغيرهم، كما صدَّت غارات الفرس والعرب عن حاضرتها نفسها، وعن معظم أوروبا، ولكنها لم تستطع الدفاع عن أكثر أملاكها خارج أوروبا؛ فقد رأينا كيف نزع العرب من يدها شرقي آسيا الصغرى وسورية وفلسطين ومصر وبرقة وإفريقية وجزائر البحر الأبيض الشرقية.

أنهكت كل هذه المكافحات قوى الدولة وفتَّتْ في عضدها، إلى أن دخلت عليها عوامل فناء أخرى شديدة كان فيها القضاء على البقية الباقية منها. وهذه العوامل الجديدة ترجع إلى ثلاثة حوادث عظيمة، وهي:
  • (١)

    غارة الصليبيين على القسطنطينية في إحدى حروبهم الصليبية التي شنُّوها على المسلمين، وتأسيسهم دولة لاتينية بها استمرت نحو ٦٠ عامًا (٦٠٠–٦٦٠ﻫ/١٢٠٤–١٢٦١م).

  • (٢)

    مهاجمة الترك لأملاكها من كل جانب.

  • (٣)

    انتشار الوباء العظيم المعروف بالموت الأسود.

أما غارة الصليبيين على القسطنطينية فبيانها أن حملة صليبية كبيرة خرجت من غربي أوروبا سنة (٦٠٠ﻫ/١٢٠٤م) للإغارة على مصر — قلب الدولة الإسلامية في ذلك الحين — ومرت الحملة في طريقها على القسطنطينية، فطمعت في ثروتها العظيمة وأملاكها الشاسعة، ورأى رجالها من ضعف الدولة الرومانية ما شجَّعهم على ذلك؛ فنَسُوا غرضهم الأصلي، واستولَوْا على القسطنطينية، وأسسوا بها دولة تُعرف بالدولة اللاتينية نسبةً إلى لغتهم، وبقُوا بها نحو ستين عامًا خرَّبوا فيها كثيرًا من البلاد، ونهبوا معظم نفائسها القديمة، ونقلوها إلى بلادهم، ولم يُحدثوا في البلاد أي إصلاح أثناء إقامتهم بها، لجهلهم نظام الملك وإدارة شئون حكومة منتظمة مشيَّدة على أساس مكين مثل حكومة الدولة الرومانية، وكانت البلاد في أيامهم — لاختلافهم في الرأي وتنافسهم فيما بينهم — ميدانًا للفتن والقلاقل الدائمة، أما إمبراطور الروم فإنه انحاز إلى آسيا الصغرى، وجعل مقر ملْكه في «نيقية» التي ما زالت حاضرةً للروم حتى انتهزوا فرصة ضعف الصليبيين في سنة (٦٦٠ﻫ/١٢٦١م) واستردوا القسطنطيينة، وأعادوا إليها مقر ملْكهم.

على أن الدولة لم تتخلَّص من كل ما لحقها من أذى هذه الحادثة، فإن تشتُّت شملها أثناء حكم اللاتين كان قد ذهب برجالها المُلمِّين بالقوانين وأنظمة الحكومة؛ فلاقت صعوبة كبيرة في تشييد ما هدمه الصليبيون من جديد. وإن انتشار الفتن في البلاد هذه المدة حمل الكثيرين على المهاجرة من الأرض فباتت خرابًا بلاقع بعد أن كانت من أخصب بقاع الدنيا، واضطُرَّ أيضًا أصحاب المتاجر التي كانت تمر بين الشرق والغرب عن طريق البسفور إلى تحويل متاجرهم إلى جهات أخرى أكثرَ مأمنًا وأقلَّ اضطرابًا.

ثم لما رجع مقر الدولة إلى القسطنطينية، وحاول قياصرتها إصلاح ما فسد منها، وجدوا من المنازعات الدينية والاضطرابات الداخلية بين أهل الدولة أكبر عقبة في تحقيق أمنيتهم؛ فإنهم لما علموا أن الصليبيين عازمون على إعادة الكَرَّة عليهم لَجَئُوا إلى التودُّد إلى «البابا» ليدفعهم عنهم، فوعدهم هذا بمدِّ يد المساعدة في ذلك، وفي رد غارات الترك عن دولتهم إذا عملوا هم على توحيد الكنيستين: الشرقية بالقسطنطينية، والغربية برومية، واعتراف الأولى للبابا بالسيادة؛ فجدَّ القياصرة في ذلك ما استطاعوا وعزلوا مَن خالفهم فيه من البطارقة؛ فكان ذلك سببًا في ظهور أحزاب متضادة، بعضها يؤيد البطريق، وبعضها يعاضد الإمبراطور. وما زال الأمر كذلك حتى تم توحيد الكنيستين في سنة (٨٤٣ﻫ/١٤٣٩م) عقب انعقاد مجلس ملي بإيطاليا دعا البابا إليه القيصر وممثلي بطريقية الأستانة؛ فثار غضب أهل القسطنطينية لذلك، ولِمَا رآه بعضهم بنفسه عند انعقاد المجلس من قلة نفوذ البابا بين دول أوروبا الغربية وعدم مقدرته على مساعدة دولتهم بشيء، وازداد حنقهم عند إعلان توحيد الكنيستين. ومن ذلك العهد استفحل خطب الفتن الدينية.

على أن الفتن الداخلية في الدولة لم تكن قاصرة على الأمور الدينية، بل كان عرش الملك نفسه منشأ فتن مستمرة منذ عاد مقر الدولة إلى القسطنطينية؛ فإن أول إمبراطور انتزع هذه العاصمة من اللاتين — وهو ميخائيل الثامن — كان نفسه مغتصبًا للملك؛ اغتصبه من طفل كان وصيًّا عليه، فأشعل الشرارة الأولى من نار المنازعة في شأن العرش، وبقيت هذه النار مستعرة حتى آخر أيام الدولة.

وقد كان لغارة اللاتين على القسطنطينية ضرر آخر لا يقل عن جميع ما تقدَّم؛ وذلك أن الشعوب القاطنة في البلقان بعد أن كانت خاضعة للدولة، وملتئمًا بعضها ببعض — لعظم سلطانها وشدة بأسها — وجدتْ من ضعف الدولة اللاتينية باعثًا على استقلال كلٍّ منها بنفسها دون مراعاةٍ لما يعود عليها من النفع من اتحادها. ثم استطار الشر بينها وصار بعضها يستعين بالأتراك وغيرهم على اقتناص ما تصل إليه يده من أملاك الدولة؛ وبذلك كثرت غارات البلغار والصرب والمجر والتتار على أملاكها، حتى صارت من أكبر العوامل على فنائها.

وأما ثاني الأمور الأساسية التي أدت إلى سقوط الدولة الرومانية الشرقية، فهو مهاجمة الترك لها من كل جانب بلا انقطاع، مقتِّلين الكثير من سكان تلك الجهات، ومشرِّدين الباقين أمامهم إلى الفلوات والأطراف القاصية؛ مما خرب البلاد وذهب بغالب أهليها.

وزاد هذا النقص وباءٌ عظيم انتشر في أوروبا نحو قرن من الزمان حتى أفنى ألوف الألوف من أهلها؛ ذلك هو الوباء الهائل المعروف في التاريخ ﺑ «الموت الأسود». ظهر في شرقي أوروبا عام (٧٤٧ﻫ/١٣٤٧م)، ثم اطَّرد إلى باقي أنحاء القارة، فكان أنَّى انتقل يفتك بالناس فتكًا ذريعًا، حتى زادت نسبة من ماتوا به في بعض الممالك على النصف،٥ وقد وجد هذا الوباء منبتًا خصبًا له في مدن الدولة الرومانية الغاصة بالسكان، والتي لم تَلْقَ من حكومتها المشتغلة بالفتن الدينية والقلاقل السياسية العنايةَ اللازمة لاتخاذ التدابير الصحية التي تكفي لمقاومته أو لنقص فتكه، حتى أصبح عدد سكان البلاد لا يكفي لجمع الجيوش التي تقوم بالدفاع عن الدولة.٦

(٣) الدولة العثمانية في أوج عظمتها (٨٥٧–٩٧٤ﻫ/١٤٥٣–١٥٦٦م)

هكذا كانت حال الدولة الرومانية عندما جلس محمد الثاني على عرش آل عثمان، فعمل في الحال على تحقيق أمنيَّة بيته، وهي فتح القسطنطينية وجعلها مقرًّا له؛ فأعد لذلك جيشًا عظيمًا سار به لفتح المدينة في ربيع عام (٨٥٧ﻫ/١٤٥٣م).

أما شكل المدينة فسهل التصوُّر؛ إذ هي أشبه بمثلث متساوي الساقين محاط بالأسوار من كل جانب، رأسه بارز شرقًا في مياه البسفور، والضِّلَع الشمالية يحدها الميناء المُسمَّى «القرن الذهبي»، والضِّلَع الجنوبية يحدها بحر مرمرة، أما قاعدة هذا المثلث فهي الأسوار الغربية التي تفصل المدينة عن باقي القارة الأوروبية.

فبدأ السلطان بمهاجمة الأسوار الغربية، وكانت تمتد من القرن الذهبي إلى بحر مرمرة، ثم رأى على ضخامة مدافعه٧ أنه لا يستطيع التغلُّب عليها لمناعتها وعظم سَمْكها؛ فعوَّل على مهاجمة المدينة من أضعف جهاتها وهي الجهة المشرفة على القرن الذهبي، وكان الروم قد احتاطوا لذلك، ومدُّوا سلسلة عظيمة على مدخل القرن الذهبي حتى لا تدخله سفن الأعداء لتهاجم الأسوار من تلك الجهة، فلم يثنِ ذلك من عزم العثمانيين، واحتالوا على نقل سفنهم إلى القرن الذهبي بطريقة صعبة لا تزال من أعجب ما حدث في التاريخ؛ وذلك أنهم مهَّدوا طريقًا بريًّا بين البسفور والقرن الذهبي يبلغ طوله نحو الفرسخَيْن، ووضعوا عليه عوارض ضخمة من الخشب تتدحرج عليها أسطوانات طويلة من الخشب أيضًا «بَكَر»، وسيَّروا فوقها ٨٠ سفينة صغيرة من أسطولهم الذي كان بالبسفور؛ فجرت عليها السفن والريح تدفع في شراعها كأنها تجري على الماء، حتى بلغت القرن الذهبي، فنزلت فيه بلا عناء، وكان السلطان محمد أثناء نقل هذا الأسطول يضلِّل حامية المدينة بالإلحاح على ضربها بالمدافع من باقي الجهات الأخرى؛ وعندئذٍ اشتركت السفن والجيش البري في ضرب الأسوار، فلم تقوَ على احتمال هذه النيران. وحمل العثمانيون على المدينة حملةً صادقة، فدخلوها بعد قتال عنيف قُتل فيه إمبراطور الروم «قسطنطين بالْيُولُوغُوس»، وكان ذلك في أواخر عام (٨٥٧ﻫ/١٤٥٣م)، وبه سقطت دولة الروم الشرقية.
figure

ودخل السلطان محمد عاصمته الجديدة في موكب حافل، وسار توًّا إلى كنيسة «أياصوفْيا»، فصلَّى فيها ظُهر ذلك اليوم، وبقيت مسجدًا إسلاميًّا إلى الآن. وهذا البناء من أجمل آثار دولة الروم الشرقية، ومن أحسن النماذج لفن المباني البوزنطية.

استولى السلطان محمد الفاتح على عاصمة الروم وهو لا يتجاوز الثالثة والعشرين من عمره، فلم تقف فتوحه عند ذلك، ولم يلبث أن تمَّ له إخضاع معظم «المورة» و«الصرب» و«البوسنة»، وأراد الإغارة على إيطاليا وألبانيا، فحال دونها وقوف «إسكندر بك الألباني» و«هونياد المجري» في طريقه إليهما.

وذلك أن أولهما كان أول أمره في خدمة مراد الثاني، ثم نصَّبه واليًا على ألبانيا — موطنه الأصلي — فخرج على الدولة وأراد أن يستقلَّ بألبانيا، وساعدته طبيعة تلك البلاد الجبلية على صد الجند العثمانية سنةً بعد أخرى، فلم يقم للسلطان إخضاع ألبانيا إلا بعد عشرين عامًا، أي بعد وفاة إسكندر بك في عام (٨٧١ﻫ/١٤٦٧م)، ولم يَعِشْ محمد الثاني لتحقيق أمنيته في إيطاليا.

أما «هونياد» فإنه وقف للسلطان في «بِلْغِراد» عام (٨٦٠ﻫ/١٤٥٦م) عندما أراد الإغارة على المجر وألبانيا، وهزمه هزيمة كبيرة اضطرته إلى الرجوع من تلك المدينة بعد أن خسر من جيوشه نحو ٢٥٠٠٠ مقاتل، فانصرف عن تلك البلاد الشمالية.

figure
جامع أياصوفيا.

على أنَّ صدَّ جيوشه في هذين الموضعين لم يمنعه من مواصلة فتوحه في الجهات الأخرى؛ فاستولى في آسيا على «طَرَبِزُون» — أَطْرابَزُنْدَة — من بقية أملاك الروم، وأخضع إمارة «القَرَمان» التركية إخضاعًا نهائيًّا، وفي سنة (٨٧٩ﻫ/١٤٧٥م) دانت له بلاد «القِرم» فبقيت خاضعة للدولة نحو ثلاثة قرون من الزمان. ثم كان عاقبة تغلُّبه على ألبانيا أن أزال أكبر عقبة في سبيل توسيع أملاكه من الغرب؛ فتوغل في أملاك البندقية توغلًا فزِع منه البنادقة، ولم يسعهم إلا أن عقدوا معه محالفة لتسْلم لهم مدينتهم، سنة (٨٨٢ﻫ/١٤٧٧م).

figure
محمد الفاتح (رسم علي أفندي يوسف).

أما إيطاليا فلم يبرح أمرها قط من ذهن محمد الثاني، وكان جلُّ أمانيه فتحها ورفع لواء الإسلام على رومية في الغرب، كما رفعه على القسطنطينية في الشرق.

ورأى أن يمهِّد الطريق لذلك بانتزاع جزيرة «رودس» من أيدي «فرسان القديس يوحنا»، فسيَّر عليهم أسطولًا عظيمًا، وضيَّق الحصار على جزيرتهم ثلاثة أشهر، ولكنه لم يقوَ عليهم، وفترت همة جنود الإنكشارية لمَّا علموا أن السلطان منع استيلاءَهم على شيء من غنائم الجزيرة، فاضطُر محمد إلى فض الحصار، وأبرم مع الفرسان صلحًا عام (٨٨٥ﻫ/١٤٨٠م).

ثم عاد فوجَّه همَّه لفتح إيطاليا، فأرسل جيشًا استولى على مدينة «أُتْرَنْتُو» سنة (٨٨٥ﻫ/١٤٨٠م).

وكان في العام التالي يشتغل بإعداد حملة عظيمة لإتمام فتح تلك البلاد، فمات فُجاءَة عام (٨٨٦ﻫ/١٤٨١م)؛ وبموته انصرف العثمانيون عن هذه الجهة، وفي أيام خلفه أخلى العثمانيون «أترانتو» ذاتها، ولم يحتلوا بعدها شيئًا من الأراضي الإيطالية.

ثم خلفه ابنه «بايزيد الثاني» (٨٨٦–٩١٨ﻫ/١٤٨١–١٥١٢م)، فكان أضعف سلاطين آل عثمان إلى ذلك الوقت، ولم يكد يجلس على العرش حتى خرج عليه أخوه الأصغر «جم» مطالبًا بالمُلك، وكان قوي البأس، فلاقى بايزيد صعوبة كبيرة في مكافحته، إلى أن اضطره إلى الفرار إلى مصر. وكان بايزيد محبًّا للسلم، لا يدخل الحروب إلا مدافعًا، ولم يَزِدْ في أملاك الدولة إلا بضعَ مدن في مورة، وقد علمنا ما كان من أمره مع مماليك مصر وانتصارهم على جيوشه في الشام. على أن قوة الأسطول عظمت في عهده، وصارت من ذلك الحين موضع خطر على الممالك الأوروبية، فلم يلبث أن اشتبك مع أسطول البنادقة في موقعة هائلة هي فاتحة الانتصارات البحرية العثمانية على ممالك البحر الأبيض، وكانت جنود الإنكشارية لا يعجبهم انكماش بايزيد وضعفه، فالتفُّوا حول أصغر أولاده «سليم»، وأرغموا بايزيد على التنازل عن العرش سنة (٩١٨ﻫ/١٥١٢م).

فتولى السلطان «سليم الأول» (٩١٨–٩٢٦ﻫ/١٥١٢–١٥٢٠م)؛ فكان من أعظم سلاطين العثمانيين وأكثرهم انتصارًا وفتحًا، وكان مُجيدًا لقيادة الجيوش والسياسة، كثير الاطلاع، وَلُوعًا بالأدب، إلا أن شيئًا يخالطه من القسوة والميل إلى سفك الدماء، وقد قيل إنه قتل من أقاربه وعمَّاله ما لم يقتله أحد قبله ولا بعده من ملوك آل عثمان. ورأى السلطان سليم أن يَقِف فتوح الدولة في أوروبا فترة، وأن يستعيض عن ذلك بالاستيلاء على شيء من ممالك الشرق النفيسة.

فبدأ بدولة فارس، وكان على عرشها حينئذٍ الشاه إسماعيل الصفوي، وكان قد ذاع صيته بفتوحه في المشرق، وأصبح لا يبالي بنشر مذهب الشيعة — الذي يمقته العثمانيون — في آسيا الصغرى، ويحرِّض أمراء تلك الجهة على الخروج على العثمانيين؛ فعزم السلطان سليم على غزو فارس، وعجَّل ذلك إيواءُ الشاه إسماعيل لابن أخي سليم، الفارِّ من وجهه.

ففي سنة (٩٢٠ﻫ/١٥١٤م) خرج السلطان سليم بجيش عظيم يريد غزو الفرس، مارًّا في طريقه على «ديار بَكْر» و«كُرْدِسْتَان»؛ فتراجع الفرس إلى داخل بلادهم وخرَّبوا كل ما في طريق الترك من المرافق كي تضمحل جيوشهم جوعًا وتعبًا، ولمَّا التقى الفريقان في وادي «جَلْدِيران» قُرب «تِبْرِيز» كانت الجنود العثمانية في شدة التعب، إلا أن الفرس لم يقْوَوْا على مقاومة قوة الإنكشارية والمدافع العثمانية، فانهزموا شر هزيمة؛ فدخل السلطان سليم «تبريز» — حاضرة الفرس في ذلك الوقت — وأمر بإرسال ألفٍ من أمهر صناعها إلى القسطنطينية، ثم اضطُر بعد أيام إلى الانصراف إلى بلاده، لتمرُّد جنود الإنكشارية عليه. وكانت نتيجة تلك الحرب استيلاء العثمانيين على «ديار بكر» و«كردستان».

وبعد عامَين (١٩٢٢ﻫ/١٥١٦م) خرج السلطان سليم لفتح مصر، ففتحها كما أوضحنا في غير هذا المكان، وجنى بيت آل عثمان من فتح مصر فائدة لم يَجْنِها من فتح غيرها من البلدان؛ إذ إنه بتنازل الخليفة العباسي بمصر عن الخلافة للسلطان سليم الأول سنة (٩٢٣ﻫ/١٥١٧م) صار له ولسلاطين آل عثمان من بعده زعامة على العالم الإسلامي لم تكن لهم من قبل. وكان السلطان يتأهب بعد ذلك لفتح «رودس»، فمات قبل أن يتمَّ عمله، بعد ثمانية أعوام من حكمه.

فتولى ابنه السلطان «سليمان القانوني» (٩٢٦–٩٧٤ﻫ/١٥٢٠–١٥٦٦م)، وهو أعظم سلاطين آل عثمان، وعصرُه أزهرُ عصر في تاريخهم؛ إذ كانت للدولة في أيامه مكانة لم تَحُزْهَا قبله أو بعده؛ صادفت أيامه تلك النهضة العلمية العظيمة التي انتشرت في أنحاء أوروبا في القرن السادس عشر من الميلاد المسيحي، وحَدَتْ بالغربيين إلى تلك الاستكشافات العلمية والجغرافية — التي أُسست عليها المدنية الحديثة، والتي كانت سائرة حينئذٍ بسرعة لم يسبق لها مثيل — فلم يقتصر العثمانيون على السير بجانبهم في ذلك المضمار، بل فاقوهم فيه في عدة أمور، ولا سيما الفنون الحربية. ولم يكن بين ملوك أوروبا في عصر سليمان من يفوقه غَزْوًا أو سياسةً أو إدارة.

أما فتوح سليمان فلم تكن بأقل من فتوح سليم أو محمد الفاتح؛ إذ تمَّ له في العامَين الأوَّلَين من حكمه ما استعصى عليهما قبله؛ ففي سنة (٩٢٧ﻫ/١٥٢١م) استولى على «بلغراد»، وفي قابلٍ فَتَح «رودس»، انتزعها من فرسان القديس يوحنا بعد حصار أظهر فيه من الكفاءة والدراية بالعلوم الحربية ما عظم به شأن الدولة في أعين الأوروبيين.

على أن معظم غزوات سليمان كانت موجَّهة إلى الغرب للتغلب على النمسا والمجر، ولا سيما الأخيرة التي طالما وقفت في وجه العثمانيين، ومنعتهم من الزحف في أوروبا إلى ما وراء الصرب والبوسنة؛ ففي سنة (٩٣٢ﻫ/١٥٢٦م) غزا بلاد المجر، فلما التقى بجيوشهم في موقعة «مُوهاكْر» الفاصلة لم يثبت جيش المجر أكثر من ساعة واحدة قُتل فيها ملكهم «لويس الثاني» وكثير من الأمراء، وفتح السلطان معظم المدن والقلاع التي بالأقاليم الجنوبية، ثم ولَّى على البلاد ملكًا من أهلها وهو «جان زابولي»، وغادرها ومعه أكثر من مائة ألف أسير.

وبعد خروجه من البلاد أغار عليها «فِرْدِنَنْد» ملك النمسا، واستولى على مدينة «بُودا»، وخلع الأمير الذي نصَّبه سليمان؛ فاستغاث الأمير بالسلطان، فخرج في جيش عظيم مؤلف من ٢٥٠٠٠٠ مقاتل و٣٠٠ مدفع، فاسترد «بودا» وأعاد «زابولي» إلى عرشه، ثم اتخذ عمل «فردنند» ذريعة للإغارة على النمسا، فسار نحو «وِيانا» — فيِنَّا — وكان فصل الشتاء قد أقبل وكثر المطر، فاضطُر العثمانيون لترك مدافعهم الضخمة بالمجر، فلما وصل سليمان إلى «ويانة» ألقى عليها الحصار عشرين يومًا سنة (٩٣٥ﻫ/١٥٢٩م)، ثم وجد أن الجو وقلة المدافع يحولان دون الاستيلاء على المدينة، فرجع عنها. وكان هذا أول نزال فَشِل فيه، فلم ينسَه طول حياته.

وبقيت الحرب إلى سنة (٩٤٠ﻫ/١٥٣٣م)، فتمَّ الصلح على تقسيم بلاد المجر بين زابولي وفردنند. ولما مات الأول عام (٩٤٦ﻫ/١٥٣٩م) أغار فردنند على البلاد جميعها، فغزا السلطان سليمان بلاد المجر كرَّة أخرى، وكان هذه المرة يترك حامية في كل مدينة يفتتحها، لجعْلها من الأملاك العثمانية، ثم تمَّ الصلح بين الفريقين؛ فاعترف فردنند للسلطان بسيادته على المجر وتِرَنْسِلْوانيا، وتعهَّد أن يدفع له جزية سنوية. وربما كان خذلانه أكبر لو لم يُشغل سليمان عن تلك الجهات بحروبه مع فارس وغيرها من بلاد المشرق. ومما فتحه السلطان في المشرق جزء كبير من أرمينية وأرض الجزيرة والعراق وفيه مدينة بغداد العظيمة.

وفي عصر هذا السلطان تقدمت البحرية العثمانية تقدُّمًا عظيمًا حتى صارت تهابها الأمم في جميع البحار، من البحر الأبيض فالبحر الأحمر، إلى المحيط الهندي. وظهر في الدولة إذ ذاك من مهرة الملَّاحين وأمراء البحر مَن تفتخر بهم أعظم دولة بحرية، وفي مقدمتهم «أسرة بَرْبَرُوس» الشهيرة، ورأسها «خير الدين بربروس» أكبر قواد أوروبا البحرية في عصره. وُلد في جزيرة «لِسْبوس»، ثم اتخذ هو وأخوه قَطْعَ طريق البحر مهنة لهما، وكانت منتشرة وقتئذٍ في البحر الأبيض المتوسط، ثم عظم شأنه في هذه المهنة وصارت له سطوة عظيمة، واستولى على كثير من ثغور شمالي إفريقية، إلى أن صار صاحب الكلمة العليا في بلاد الجزائر؛ وعند ذلك قدم ولاءه للباب العالي، فنصَّبه السلطان سليم الأول حاكمًا عامًّا للجزائر سنة (٩٢٦ﻫ/١٥١٩م)، وأجزل له العطاء، وأمدَّه بألفَي جندي من الإنكشارية، وفي سنة (٩٤١ﻫ/١٥٣٣م) اختاره السلطان سليمان قائدًا للأسطول العثماني الذي سيَّره لمحاربة أساطيل «شارل الخامس» «شَرْلَكان» ملك إسبانيا، وكانت بقيادة أنْدِرْيادُورْيا» الجِنْوِي، فقهره «بربروس» وانقضَّ على سواحل إيطاليا فسلب ونهب منها شيئًا كثيرًا، ثم ولَّى وِجهته شَطر تونس يريد الاستيلاء عليها، وكان يحكمها وقتئذٍ أحد ملوك الدولة الحَفْصِيَّة من بقايا الموحدين؛ فلجأ إلى شارل الخامس المذكور، فذهب شارل بنفسه إلى إفريقية في جيش عظيم، فلم يقدر بربروس على مقاومته وانجلى عن المدينة. ثم وقع خصام بين الدولة والبندقية لاعتداء بعض لصوص البحر من البنادقة على سفير الدولة في وقت السِّلْم؛ فخرج «بربروس» إلى البحر الأدْرِياتي للانتقام من البندقية؛ فاستغاثت بالبابا وشارل الخامس، فساعداها بأسطولَيهما، ولكن بربروس هزم الأساطيل الثلاثة في موقعة «بِرِوِيزة» سنة (٩٤٥ﻫ/١٥٣٨م) وقد حط ذلك كثيرًا من شأن البنادقة.

وفي عام (٩٤٨ﻫ/١٥٤١م) أغار «شارلكان» على بلاد الجزائر، فصدَّه بربروس، وساعده الحظ بأن عصفت الرياح على سفن شارلكان فحطَّمتها، وبقي بربروس مصدر الرعب والفزع في البحر الأبيض إلى أن أرسله سليمان القانوني عام (٩٥٠ﻫ/١٥٤٣م) لمساعدة حليفه ملك فرنسا في الإغارة على الأملاك الإسبانية، فاستولى بربروس على «نِيس»، وبقي بفرنسا إلى أن خشي بأسَه الفرنسيون أنفسهم، وأجزلوا له العطايا والهدايا، حتى جلا عن بلادهم وذهب إلى الأستانة حيث قضى بقية أيامه في هدوء متقلدًا منصب قبودان باشا.

figure
figure
سليمان القانوني (رسم علي أفندي يوسف).

ومن أعظم أفراد هذا العصر أيضًا «بِيرِي رَيس» و«سيِّدي علي»، وكانت لهما اليد الطولى في بسط نفوذ الدولة على شواطئ بلاد العرب وفارس والهند.

ومنهم «بِيَالة باشا»، فإنه حارب القائد الجنوي «دوريا» وانتصر على أساطيله انتصارًا مُبينًا عند جزيرة «جِرْبَة» من أعمال تونس عام (٩٦٧ﻫ/١٥٦٠م).

ومن أشد رجال هذا العصر بأسًا «دِراغوت» — طَرْغود — كان مثل بربروس في أول أمره مشتغلًا بقطع الطريق في البحر، ولما علم بربروس بما له من الصيت الهائل في ذلك ضمَّه إليه ونصَّبه وكيلًا له، ومن ذلك العهد أخذ يُبدي من المهارة البحرية ما جعله أكبر قواد عصره، وانتصر على «دوريا» في عدة مواقع. ومن أهم أعماله أنه فتح مدينة «المهدية» عاصمة بلاد تونس في ذلك الوقت.

على أن الأساطيل العثمانية على قوتها وشدة بأسها لم تقدر على التغلب على «فرسان القديس يوحنا» أصحاب جزيرة مالطة. وكانت هذه الجزيرة قد أعطاها لهم الإمبراطور شارل الخامس عندما طردهم العثمانيون من جزيرة «رودس» سنة (٩٢٨ﻫ/١٥٢٢م)، فبقُوا محافظين على مالطة من ذلك العهد، وصدُّوا عنها العثمانيين مرارًا، وفي أواخر أيام سليمان أرسلت الدولة إليها أسطولًا عظيمًا سنة (٩٧٣ﻫ/١٥٦٥م) بقيادة مصطفى باشا بيالة ودراغوت، فحاصروها أربعة أشهر ثم اضطُروا للجلاء عنها بعد قتال عنيف؛ وذلك لما أبداه فرسان القديس يوحنا من الشجاعة والصبر. ولم يَبقَ من حاميتها بعد هذا الصحار إلا ستمائة فارس، بعد أن كان بها تسعة آلاف.

ومات السلطان سليمان عام (٩٧٤ﻫ/١٥٦٦م) أثناء غارته الأخيرة على المجر، وكانت سنه إذ ذاك ستًّا وسبعين سنة.

(٤) ابتداء اضمحلال الدولة العثمانية (٩٧٤–١٠٤٩ﻫ/١٥٦٦–١٦٤٠م)

أجمع المؤرخون على أن عصر سليمان الأكبر هو العصر الذي بلغت فيه الدولة العثمانية أقصى مجدها وعظمتها؛ ففي مدة ثلاثة قرون تَسنَّى لقبيلة آل عثمان الصغيرة أن تبسط سلطانها ونفوذها على البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود والبحر الأحمر، وتمدَّ فتوحها من مكة المكرمة إلى بودا من جهة، ومن بغداد إلى الجزائر من جهة أخرى؛ فكان كل من الشاطِئَين الشمالي والجنوبي للبحر الأسود في قبضة يدهم، وجزء عظيم من مملكة النمسا والمجر الحالية يعترف بسلطانهم، وقد دان لسلطانهم أيضًا شمالي إفريقية، من أطراف بلاد الشام إلى حدود بلاد مُرَّاكُش.

وبعد موت سليمان ابتدأت الدولة في الانحطاط المستمر، اللهم إلا فترات كانت تنتعش فيها وتُظهر بعض مجدها العسكري القديم. وترجع أسباب الانحطاط إلى عوامل خارجية وأخرى داخلية؛ فإنَّ نموَّ الأمة الروسية، وظهور طائفة من أكابر القوَّاد في المجر وبولندا والنمسا، لَمِن أهم الأسباب الخارجية التي أفضت إلى اضمحلال الدولة التركية، وأدت إلى انتقاصها إلى مساحتها الحالية.

ثُم كانت ثَمَّةَ جراثيم داخلية تفتُّ في عظام الدولة، وتثلُّ عرش مجدها وعظمتها الأثيلَين؛ إذ إن حكم ولايات الدولة العثمانية المختلفة الأديان والمذاهب والأجناس، وحِفظَ نفوذها فيها، يحتاجان إلى نشاط وحكمة يفوقان مثلهما في إدارة شئون الدول الأخرى المؤلفة غالبًا من عنصر واحد ودين واحد؛ لأن نفوذ الأتراك المستمد من القوة العسكرية، والذي يتحكمون به في رقاب كثير من الشعوب الأجنبية المختلفة في كل شيء لم يكن ليدوم طويلًا إلا بعناية خاصة بإعداد الجيش لكل طارئ فجائي من جهة، وبإرضاء تلك الشعوب المختلفة والتوفيق بينها واكتساب احترامها للدولة من جهة أخرى.

وذلك ما لم يتهيأ للحكومة العثمانية بعد سليمان؛ لأنها لم تُعِرْ كل هذه الأمور شيئًا من الالْتِفات؛ إذ بعد أن نهض الملوك السالفون من آل عثمان بالدولة إلى ذروة مجدها — بما أُوتوه من الذكاء والحذق — خَلَفَ من بعدهم خَلْفٌ أضاع تلك الأملاك الشاسعة التي نالها أجداده بحدِّ السيف وحافظوا على كيانها بحسن إدارتهم، ولم يكن لهؤلاء السلاطين الضعفاء همٌّ إلا الانغماس في اللذات، غير مكترثين بتضعضع ملكهم.

فلمَّا أصبح الجنود بلا سلطان شجاع يقودهم إلى ساحة الوغى وسقطت هيبة السلاطين من أعينهم، أخذوا يشعرون بما لهم من الحَوْل والقوة، وابتدءوا يعزلون ويُوَلُّون مِن السلاطين مَن يشاءون، مُبْتزِّين الأموال الكثيرة والأعَطْيَة الجزيلة من كل سلطان يقيمونه على العرش؛ فأدى استئثارهم بالسلطة الواسعة التي كانوا يستعملونها حسب أهوائهم إلى الانغماس في الترف والفساد، ففقد جنود الإنكشارية منهم بالتدريج ما كان لهم من الصفات الحربية القديمة، وأصبحوا لا يوثق بهم في ساحة القتال؛ فكان ما يبذل لهم من العطايا عند تولِّي كل سلطان تفوق قيمته في أعينهم أعظم انتصار لهم في ساحة القتال.

هذا إلى أن الجيش لم يدخل فيه من الإصلاحات ما يجاري به جيوش الممالك الأوروبية الأخرى من استخدام آلات القتال الجديدة والتفنُّن في الطرق الحربية التي كانت آخذة في التحسن عندهم.

على أن أعظم نقص ظهر في الجيش كان في قوَّاده وضباطه؛ فلم تكن ترقية القواد بحسب الكفاءة الشخصية، بل بحسب ما يبذلونه من الرِّشوة لوُلاة الأمور وبطانة السلطان.

وليس غرضنا هنا أن نذكر بالتفصيل حوادث انحطاط الدولة وتدهورها التي هي في الجملة عبارة عن سلسلة هزائم يتخللها بعض انتصارات، وعدَّة معاهدات صلح تخسر الدولة في كلٍّ منها شيئًا من أملاكها، ثمَّ سِير ملوكٍ وحكامٍ ضعفاء منهمكين في الشهوات، عُمْي البصيرة، إلا نفرًا قليلًا نهضوا بالدولة فترات يسيرة؛ وإنما غاية ما نستطيعه هنا هو أن نذكر بالإيجاز أهم الحوادث التي من أجلها انكمشت الدولة الدولة التركية وأصبحت في حجمها الحالي:

بعد سليمان الأكبر تولى الملْك ابنُه «سليم الثاني» (٩٧٤–٩٨٢ﻫ/١٥٦٦–١٥٧٤م) وكان ضعيفًا لاهيًا سِكِّيرًا؛ ولذلك لُقِّب بالمجنون.

ولكنَّ النظام الباهر الذي وَضع أساسه سليمان ورجال دولته لم يتلاشَ دَفعةً واحدة على يد خلفه؛ إذ كان كثير من عمَّال سليمان لا يزالون بعدُ أحياءً، يدب في نفوسهم ذلك الروح العظيم الذي بثه فيها مولاهم، ونخصُّ بالذكر منهم وزيرَه «صُقُلِّي محمود» الذي لم يألُ جهدًا في حكم البلاد على طريقة سيده؛ فكان من أعماله أنه أمر «سِنَان باشا» فأخضع بلاد العرب عام (٩٧٨ﻫ/١٥٧٠م).

وبعد ذلك ابتدأ فتْح جزيرة «قبرس» وانتزاعها من يد البنادقة، وقام بأمر هذه الحملة «لالا مصطفى» أحد نظراء «صقلي»، وقد كلف فتحُ هذه الجزيرةِ الدولةَ خمسين ألف مقاتل، أحفظتْ مصارعُهم قائدَهم مصطفى، فلم يشتفِ لهم في ساعة النصر إلا بالانتقام من قائد حامية الجزيرة شر انتقام؛ إذ سلخ جلده حيًّا.

وبهذا الفتح قويت شوكة العثمانيين في البحر، إلا أن ذلك لم يَدُمْ طويلًا حتى اتحدت عليهم إسبانيا والبابا والبندقية وغيرها — واشترك معهم فرسان القديس يوحنا — في مايو سنة (٩٧٩ﻫ/١٥٧١م)، وكان غرض البندقية من هذا الاتحاد استرداد جزيرة قبرس فقط، غير أن «فليب» ملك إسبانيا أبى إلا أن يجعله تحالفًا عامًّا؛ فتم الاتفاق على أن تكون إسبانيا والبابا والبندقية متحدة جميعًا على مغاربة تونس وطرابلس والجزائر والترك، وأن تحميَ كلٌّ منها أملاك الأخرى، وألا تعقد إحداهن صلحًا على انفراد، وأن تعيِّن كلٌّ من دول التحالف قائدًا لأسطولها، وأن تُوكل القيادة العامة إلى «دون جون» النمسوي.

ظهر أسطول الحلفاء في ١٦ سبتمبر سنة ١٥٧١ في مياه «مِسِّيني»، ولما وصل إلى «كُرْفو» بلغه أن الأسطول العثماني في خليج «ليبَنْتُو». وفي سابع أكتوبر كان الأسطولان على مقربة بعضها من بعض في هذا الخليج، وكان أسطول الحلفاء يشمل ٢٦٤ سفينة ذات حجوم مختلفة بعضها مسلح بأضخم المدافع، تحمل ٢٦٠٠٠ جندي و٥٠٠٠٠ مُجَذِّف وبحري. أما الأسطول التركي فكان يحتوي على ٣٠٠ سفينة، وما لا يقل عن ١٢٠٠٠٠ جندي ومجذف، وكان غرض أمير البحر التركي «بيالة باشا» في الموقعة التي نشبت أن يشتِّت جناحَي أسطول خصمه، غير أن هذه الحركة لم تُفلح؛ لأن «بَرْبَرِيجو» قائد سفن البندقية في الجناح الأيسر و«أَنْدِريا دوريا» في الجناح الأيمن احتميا بالشاطئ، وبعد ذلك نشبت معركة عنيفة خسر فيها الحلفاء خسارة عظيمة. غير أن البنادقة تمكَّنوا أخيرًا من صدِّ عدوهم بعد جرح قائدهم «بربريجو» جُرحًا مميتًا، وقَتْل القائد التركي محمود «سيركو» — شلوك — الذي كان يهاجمه. وفي غضون ذلك كان قلب الأسطول بقيادة «دون جون» منتصرًا بعد كفاح شديد أشبه بالحرب البرِّية منه بالحرب البحرية، قُتل فيه القائد التركي «بيالة باشا» وسُلِّم معظم المراكب التركية أو حُطِّم. أما «علي الأُلوج» — داي الجزائر — الذي كان متغلبًا على ما أمامه من سفن «جنوة»، فإنه لما رأى ما حلَّ بالترك ولَّى هاربًا؛ فتم بذلك النصر للمسيحيين.

ويمكن معرفة ما لهذه الموقعة التي لم تستغرق أكثر من أربع ساعات من الأهمية إذا علمنا أن الترك لم تكن هُزمت في البحار إلى ذلك اليوم. أما الخسائر فلا يمكن تقديرها بالتحقيق، غير أنه من المؤكد أن خسائر الترك كانت ضعفَي خسائر الخلفاء، وأن ما نجا من سفنهم لم يتجاوز الخمسين.

وكان المنتظر بعد هذه الهزيمة المنكَرة أن تفقد الدولة سيادتها على البحار، إلا أن ذلك لم يكن، وغاية ما أثَّرت أنها برهنت لدول أوروبا أنه يمكن التغلُّب على الترك. أما تأثيرها في سيادة الترك في البحر الأبيض خاصة فكان ضئيلًا جدًّا؛ إذ إنهم بعد الهزيمة بمدة وجيزة أَنشَئُوا لهم أسطولًا بلغ عدد سفنه ٢٥٠. ومما يبرهن على قلة تأثيرها أيضًا أن البندقية نقضت عهودها مع حليفتَيْها، وطلبت إلى الباب العالي أن يعقد معها صلحًا على انفراد، وقبلت أن تبقى قبرس في قبضة الباب العالي، وأن تدفع له الثمن الذي كلفه فتحُها إياه.

بقيت بعد ذلك الدولة ربع قرن في مسالمة مع البندقية، وذلك لا يرجع إلى تأثير المعاهدة فقط، بل إلى تأثير نفوذ بعض أزواج السلطان؛ إذ لما تولى مراد الثالث (٩٨٢–١٠٠٣ﻫ/١٥٧٤–١٥٩٥م) الملْك بعد موت أبيه سليم الثاني — وكان ضعيفًا — ترك مناصب الدولة تُباع لمن يدفع فيها أكبر قيمة، وكان طوع إرادة نسائه وخاصةً حظيَّته «صفية»، وأصلها من سَبْي البندقية؛ فتسلطت عليه في مصلحة وطنها.

ولما مات هذا السلطان خلفه ابنها محمد الثالث (١٠٠٣–١٠١٢ﻫ/١٥٩٥–١٦٠٣م)، وهو واحد من أبناء مراد الثالث البالغ عددهم ١٠٢، وقد قتل منهم محمد هذا ثمانية عشر عند توليته عرش الخلافة، ولم تضعف في أيامه سلطة «صفية»، وبقيت هي صاحبة النفوذ والسلطان.

وكان أكبر مساعد لها في هذه المدة «سيكالا»، وهو من عنصر جنوى؛ تزوج بإحدى حفيدات سليمان الأكبر، وارتقى في الجيش العثماني بما كان له من الذكاء والحظوة، ولقد أدى خدمة عظيمة للترك في عام (١٠٠٤ﻫ/١٥٩٦م)؛ وذلك أنه بعد أن حارب الترك جنود النمسا وترنسلوانيا واستولَوْا على «إِرْلو»، قضَوْا في مكافحتهم في سهل «كِرِزْت» ثلاثة أيام بانت الهزيمة بعدها في الترك، وفكَّر السلطان مرتين في الهرب، فحمل سيكالا على جيوش الأعداء، وشتت شملها وأفنى من رجالها خمسين ألفًا.

على أن هذا النصر لم يخلِّص الدولة من الثورات العسكرية والحروب الخارجية، وما كانت تشعر به البلاد من الاستياء العام، وأوضح دليل على وهن نفوذها أن النمسا حينما عقدت معها صلحًا في عهد السلطان أحمد الأول (١٠١٢–١٠٢٦ﻫ/١٦٠٣–١٦١٧م) وكان يناهز الرابعة عشرة من عمره؛ لم تعاملها إلا معاملة النظير للنظير، لا الضعيف للقوي، ومنعت ما كان مفروضًا عليها من الجزية السنوية.

ثم سادت السكينة في الأصقاع التركية الشمالية؛ لأن يدي إمبراطور النمسا كانتا مغلولتين في حرب الثلاثين سنة،٨ وكان من مصلحته أن يكون على وفاق تام مع الترك، على حين أن الدولة نفسها لم ترَ فائدة من مهاجمته؛ لأنها كانت إذ ذاك قد استرجعت كل فتوحها.

وفي سنة ١٠٣٢ﻫ تولى السلطان «مراد الرابع» أريكة الملك (١٠٣٢–١٠٤٩ﻫ/١٦٢٣–١٦٤٠م)، وكان شديد البأس، ولوعًا بالحرب، إلا أنه رأى أن يُبرم عقد صلح من جديد مع إمبراطور النمسا ليضمن به بقاء السكينة والهدوء في أجزاء الدولة العثمانية مدة النصف الأول من القرن السابع عشر، حتى يتمكَّن من توجيه كل قواه إلى الفرس.

كان مراد الرابع آخر ملوك آل عثمان الحربيين، وأول حرب أثارها كانت على مملكة فارس، وسببها أنه في مدة مراد الثالث قامت حرب مع الشاه كان النصر فيها حليف الترك، وعُقد الصلح في عام (٩٩٨ﻫ/١٥٩٠م)، فضمَّت التركُ إلى أملاكها بلادَ «جُرْجيا» و«تبريز» وبعض الأقاليم المتاخمة لجنوبي بحر قزوين، إلا أن الفرس ما زالت تنازع الترك هذه الأقاليم حتى استرجعتْها في عام (١٠٢٨ﻫ/١٦١٩م)، وأرجعت حدود الدولة من هذه الناحية إلى ما كانت عليه في عهد «سليم الأول»، فعزم مراد على فتح هذه الأصقاع ثانية، فلاقى في سبيل ذلك أهوالًا عظيمة.

فإنه لما تولى عرش الخلافة — وهو في الحادية عشرة من عمره — كانت البلاد في حاجة إلى رجل يقبض على زمامها بيدٍ من حديد، لتوالي المصائب عليها وهبوب عواصف الفتن والثورات فيها؛ فكانت الفرس منتصرة، وآسيا الصغرى في ثورة، وولاة الأقاليم متمردين، وأصبحت بلاد المغرب مستقلة، والخزينة خالية، والجيش ثائرًا.

figure
مراد الرابع (رسم علي أفندي يوسف).

إلا أنه رغم كل هذه الصعوبات العظيمة تمكَّن بمساعدة أمِّه من حفظ كِيان الدولة بعد انهزامات مؤلمة؛ ففي التاسعة من حكمه ثارت الإنكشارية وطلبوا رأس وزيره الأول «حافظ باشنا»، فسلم هذا نفسه إليهم فداءً لمليكه، إلا أن السلطان انتقم له بعدُ من هذه الفئة الضالة شر انتقام؛ إذ تمكن من قتل الثوار في كل إقليم وخصوصًا الإنكشارية، حتى تكدست رءوسهم على ضفاف البسفور. وقد قيل إن من قتلوا في هذا الحادث يبلغون مائة ألف أو يزيدون.

ومن ذلك العهد قبض السلطان مراد الرابع على زمام الأمور بكل يقظة؛ فانتشر العدل وساد النظام في كل مكان بحالة لم يُرَ مثلها منذ أيام سليمان الأكبر.

ولمَّا استتب الأمن في نصابه سار مراد الرابع قاصدًا حدود الدولة الآسيوية ينشر فيها السكينة؛ ففي عام (١٠٤٥ﻫ/١٦٣٥م) أعاد فتح «أريوان»، وعاقب ولاة آسيا الصغرى على تمرُّدهم. وفي عام (١٠٤٨ﻫ/١٦٣٨م) قصد «بغداد» ليسترجعها من يد الفرس، فأخذها عَنْوَةً بعد أن أظهر في فتحها ضروب الشجاعة، وبعد أن فنيت كل حاميتها إلا ثلاثة آلاف، وتمَّ بعدها عقد الصلح مع الشاه، وكانت نتيجته أن استردَّت الفرس بلاد «أريوان»، أما بغداد فبقيت من هذا الوقت في يد الأتراك، ودخل «مراد» القسطنطينية دخول المنتصر الظافر.

وفي العام التالي وافته منيته وهو في الثامنة والعشرين من عمره، وبموته مات آخر سلطان حربي من ملوك آل عثمان.

(٥) عهد سلطة الوزراء – أسرة كُبْريلي (١٠٤٩–١١٠٣ﻫ/١٦٤٠–١٦٩١م)

تولى شئون الملك بعد مراد الرابع السلطان «إبراهيم الأول» (١٠٤٩–١٠٥٨ﻫ/١٦٤٠– ١٦٤٨م)، فلم يكن قوي العزيمة كسابقه؛ فدبَّ في أيامه روح الفساد وسوء الإدارة في داخلية البلاد؛ ولذلك لم يفلح في فتح جزيرة إقريطش «كريت» بعد أن جهَّز لها أسطولًا في عام (١٠٥٥ﻫ/١٦٤٥م)، ولم يمكث طويلًا حتى عُزل وقُتل.

وتولى بعده «محمد الرابع» (١٠٥٨–١٠٩٩ﻫ/١٦٤٨–١٦٨٨م)؛ ففي العام الثاني من حكمه هُزم الأسطول التركي في بحر الأرخبيل، وقامت الثورات الداخلية في آسيا الصغرى، وأصبحت الحال في العاصمة أسوأ حال؛ إذ كان الوزراء يُوَلَّون ويُعزَلون تِباعًا حسب إرادة نساء القصر، وطِبقًا لرغبات الجنود، واحتل الدردنيلَ عام (١٠٦٦ﻫ/١٦٥٦م) أسطولٌ للبنادقة هدَّد القسطنطينية نفسها. وقصارى القول أن الدولة في هذه الآونة كادت تتمزق شذر مذر؛ لعدم وجود رجل قوي الشكيمة يدير شئونها، حتى قيَّضت لها المقادير رجلًا شديد البأس، حفظ كِيانها هو وأفراد أسرته من بعده، ذلك الرجل هو «محمد كُبْرِيلي» رئيس أسرة كبريلي الشهيرة، وهي من عنصر ألباني استوطن القسطنطينية من زمن، وكان محمد هذا وقت ظهوره قد ناهز السبعين من عمره، وكان محترمًا من الصغير والكبير لقوة عقله وحسن أخلاقه. ولهذه الصفات اختارته أم السلطان «محمد الرابع» — الذي كان لا يزال فتًى — صدرًا أعظم، فقبل ذلك بشرط أن يُطلَق له العنان في إدارة شئون البلاد؛ فكانت نتيجة ذلك أنه أظهر شدة بأس مقرونة بعدل؛ فأعاد النظام في كل أصقاع الدولة.

وقضى في ذلك خمسة أعوام على أشد ما يكون وزير يقظةً لكيد الكائدين، وضربًا على أيدي المفسدين، فلم تَرَ الدولة في كل عصورها رجلًا مطاعًا مثله، ذلك على شدة فيه، وقد قُتل في أيام وزارته بأمره ٣٦٠٠٠ شخص في سبيل توطيد السكينة.

وكان هو ومن خلفه من أفراد أسرته هم القابضين على زمام الأمور في البلاد العثمانية، ولهم يرجع كل الفضل في انتعاش الدولة في النصف الأخير من القرن السابع عشر؛ فكان همهم الأكبر أن يُعيدوا للدولة مجدها القديم وأن يُحْيُوا في سبيل حكمها السُّنَّة التي سار عليها محمد الفاتح ومَن قبله مِن السلاطين. وقد ظهرت ثمرة حكم محمد كبريلي في مدة وجيزة جدًّا؛ إذ انمحت آثار الفوضى وعاد النظام إلى نصابه، وفي العام الثاني من توليته طرد أسطول البندقية عن الدردنيل بعد قتل قائده «موسنيجو»، واسترجعت الدولة جزيرة «لِمْنوس» و«تَنْدُوس»، ثم ضيَّق الحصار على جزيرة «إقريطش»، وأعد المعدات لتجديد الفتوح العثمانية في أوروبا. ولما مات «محمد كبريلي» في عام (١٠٧٢ﻫ/١٦٦١م)، كانت كل أجزاء الدولة متحدة الكلمة منبثًا فيها روح النشاط، متوجهة بكل قواها لمنازلة عدوها العنيد إمبراطور النمسا.

لبس أحمد كبريلي حلة أبيه، وقبض على زمام الأمور بعده، فكان مثله في الحزم، وحذا حذوه في سياسة البلاد، وكان مبدأ تولِّيه شئون الدولة هو أجل انفراط عقد المحالفة مع النمسا، فسار على رأس جيش يبلغ ٢٠٠٠٠٠ جندي، وانقضَّ به على بلاد النمسا والمجر عام (١٠٧٤ﻫ/١٦٦٣م)، فعبر نهر الطونة عند «جِران» واستولى على قلعة «نيُوهَوْزِل» وخرَّب من «مرافيا» حتى أسوار مدينة «أُولْمَتْز»، إلا أن «لويس الرابع عشر» مدَّ إلى الإمبراطور يد المساعدة نكايةً بالترك الذين أهانوا سفيره في بلادهم؛ فأعد جيشًا يبلغ ٣٠٠٠٠ مقاتل، ولما وصل هذا الجيش إلى «مُنْتِكُوكْيُولي» قائد الجيوش النمساوية أحس أنه يمكنه تهديد جناح الجيش التركي إذا زحف عليه من جهة «فيِنا»، إلا أن أحمد تقهقر إلى الجنوب نحو «بودا» فتقابل الجيشان عند «سَنْغوتار» على نهر الراب سنة (١٠٧٥ﻫ/١٦٦٤م)، فلم يَقْوَ أحمد على عدوه وانهزم أمامه. ورأى الإمبراطور أن يعقد صلحًا حتى يتخلص من تدخُّل فرنسا في شئونه، فتم ذلك بمعاهدة «فزْفار» في أغسطس سنة ١٦٦٤م، وقد اعترف فيها بسيادة السلطان على «ترنسلوانيا»، وبعدئذٍ وجَّه الصدر عنايته إلى محاربة البنادقة، واشترك هو بنفسه في حصار «إقريطش» — كريت — وهي من خيرة أملاكهم، فسقطت في يد الأتراك بعد حرب عوان في (١٧ سبتمبر سنة ١٦٦٩م/١٠٨٠ﻫ).

وعقب فراغه من حرب البنادقة دخل مع بولندا في حرب عوان؛ وسبب ذلك يرجع إلى عسف البولنديين وظلمهم لقبائل «القوزاق» القاطنين مقاطعة «أوكْرين»، وكان البولنديون يعتبرونهم من رعاياهم، ثم زاد غضب القوزاق وسخطهم على البولنديين حينما تولى «ميخائيل» مُلك بولندا؛ إذ كانوا يرَوْن في توليته ابتداء عصر لاضطهادهم؛ لأنه هو ابن أكبر ملك أجحف بحقوقهم وسامهم الخسف وسوء العذاب؛ فثاروا في عام (١٠٨١ﻫ/١٦٧٠م) وآذنوا بالحرب ذلك الملك الطاغي، إلا أنهم هُزموا على يد قائده الشهير «جون سُوبْيِسْكي».

فلما ضاقت بهم الحال، وأيقنوا أن لا مناص من الخسف والظلم، طلبوا إلى الباب العالي أن يكونوا تحت سيادته ليحميَهم من هذا الملك الغشوم؛ فاغتنم «أحمد كبريلي» هذه الفرصة وأعلن الحرب على بولندا بحجة حماية رعاياها المظلومين.

ففي عام (١٨٠٣ﻫ/١٦٧٢م) ظهر السلطان بنفسه ومعه «أحمد كبريلي» أمام حصن «كامِنْيَك» المنيع، وهو مفتاح مقاطعة «بادوليا» — في بولندا — فسقط الحصن في يد الترك في أقل من شهر، فجبُن عند ذلك ميخائيل ملك بولندا، وعقد صلحًا مع الترك كان من أهم شروطه أن يتنازل لهم عن «بادوليا» و«أوكرين» ويدفع جزية سنوية للباب العالي.

إلا أن مجلس الأعيان البولندي رأى من العار قبول هذه المعاهدة، وجمع كل من يُستطاع تجنيدهم من الجند بقيادة «جون سوبيسكي» ليقاوم بهم عدوهم حتى النهاية. وبالرغم من عدم مساعدة الدول الأخرى له، والدسائس التي كانت تُكاد له في بلاده وتمرُّد الجنود عليه، تمكن بحذقه ومهارته الحربية وقوة شكيمته من استدامة الحرب بينه وبين الترك أربعة أعوام؛ فوقف تقدمهم في «بادوليا» و«غليسيا» وانتصر على أعظم قوادهم انتصارات باهرة في موقعتَي «شُكْزِم» سنة (١٠٨٤ﻫ/١٦٧٣م) و«لِمبُرغ» سنة (١٠٨٦ﻫ/١٦٧٥م)، وشتت شمل الجيوش التركية إلى أن اجتاز نهر «الطونة».

figure
جون سوبيسكي (عدو الترك اللدود).

وفي عام (١٠٨٥ﻫ/١٦٧٤م) — وحينما كانت الحرب في منتهاها من الشدة — مات الملك ميخائيل؛ فانتخب البولنديون بطلهم «جون سوبيسكي» مليكًا عليهم، ولكنهم خذلوه مع حبهم له؛ فبعد توليته بيومين وجد نفسه وجيشه محاطين بالترك عند «زُرَانو» على نهر الدنيستَر، ولم ينجده البولنديون. ومع ذلك كانت هيبته وشهرة اسمه سببًا في خلاصه من هذه الورطة؛ إذ فضَّل القائد التركي إبراهيم أن يعقد صلحًا رابحًا على أن ينازل الأسد في عرينه، وفعلًا تم عقد صلح «زرانو» (سنة ١٠٨٧ﻫ/أكتوبر سنة ١٦٧٦م)، وأهم شروطه أن تتنازل بولندا عن «كامنيك» و«بادوليا» وجزء من «أوكرين». وبعد مضي سبعة أيام من تاريخ معاهدة «زُرانو» مات أحمد كبريلي، إلا أن سياسته لم تُقْبَر معه.

خلف أحمد كبريلي في منصب الصدارة العظمى صهره «قَرَه مصطفى»، وكانت أمانيه وأطماعه لا تقل عن سلفه، ولكنه لم يُعْطَ نصيبًا وافرًا من المقدرة وحسن التدبير؛ فهدم ما بناه محمد وأحمد كبريلي بجدهما ونشاطهما بكبريائه وانغماسه في الشهوات وافتخاره الكاذب. وكان في بادئ أمره يشعر بحسن المستقبل، فعزم عزمًا أكيدًا على أن يخترق قلب البلاد الأوروبية ويقضي عليها القضاء المبرم بفتح «ويانة».

فابتدأ يتأهب سرًّا بما لم يُسمع بمثله من قبل، وجدد علائقه الودية مع «فرنسا»، وعقد صلحًا مع «الروسيا»، ووثق صلته ببولندا، وكان غرضه من ذلك أن يترك الإمبراطور وحيدًا، وأوشك أن يتم له فعلًا ما أراد؛ إذ كان المجر أيضًا ناقمين منذ سنتين على الإمبراطور «ليبولد» لتضييقه عليهم في معتقداتهم الدينية والسياسية؛ فثاروا عليه سنة (١٠٨٥ﻫ/١٦٧٤م) بقيادة «توكولي»، ثم انضم إليهم بعدُ أمير «ترنسالوانيا»، فتمكنوا في عام (١٠٩٢ﻫ/١٦٨١م) من إجبار الإمبراطور أن يعيد إليهم ما سلبهم من الحقوق السياسية، ويمنحهم الحرية الدينية.

إلا أن «توكولي» لم يكتفِ بذلك، بل رغب في أن يكون هو واليًا على المجر؛ ولذلك صفا إلى «قره مصطفى» الذي منَّاه بولاية المجر إذا انضم إليه على الإمبراطور؛ وبذلك تم كل شيء «لقره مصطفى» بعد أن وثق من عدم مساعدة «لويس الرابع عشر» للإمبراطور، ومن منعه ألمانيا أيضًا من مؤازرة النمسا.

أماط «قره مصطفى» اللثامَ عن أغراضه سنة (١٠٩٣ﻫ/١٦٨٢م)، وأعلن في (ربيع ١٠٩٤ﻫ/١٦٨٣م) أن المجر ولاية عثمانية، وعبر نهر الطونة على رأس جيش يبلغ ١٥٠٠٠٠ جندي. فلما رأى الإمبراطور حرج موقفه، وأن فرنسا تقف سدًّا أماه في كل باب يطلب منه المساعدة، يئس من مقاومة الترك.

إلا أن «جون سوبيسكي» نكث العهد وأقنع أمته بضرورة مساعدة الإمبراطور، وفي ٣١ مارس أبرمت محالفة بين الدولتين تعهدت فيها بولندا بتجريد ٤٠٠٠٠ مقاتل للدفاع عن النمسا.

وكانت الجيوش التركية في هذه الأثناء متابعة الزحف نحو «فيِنا» حتى اضطُر الإمبراطور «ليبولد» إلى الانتقال بحاشيته إلى «بَسَّاو»، وفي ٩ يوليو خفقت الأعلام التركية على مقربة من أسوار فيِنا، وفي ١٤ منه حوصرت المدينة وحُفرت خنادق الحصار.

وكانت حالة المدينة سيئة جدًّا، غير متأهبة للحصار، وكان عدد حاميتها ١٤٠٠٠ مقاتل فقط، وهي غاصة بالقرويين اللاجئين إليها من الأرياف، وكانت أسوارها قديمة متداعية إلى السقوط، على حين أن المهندسين من الترك ورجال مدفعيتهم كانوا من أمهر رجال أوروبا في ذاك العصر.

ومع كل هذا لم ينتفع قره مصطفى بهذه الفرصة، وأضاعها بتلكُّئِه وتوانيه؛ فإنه بعد أن شتَّت شمل رجال الإمبراطور وأنزلهم من معاقلهم، وأصبحت المدينة ممكنة الفتح مُعْوِرة من كل جهاتها، لم يُقْدم على مهاجمتها، بل تردد، وكان غرضه أن تُسلَّم المدينة بلا حرب، ويأخذ ما فيها من الخيرات لقمةً سائغة لنفسه.

وكان جون سوبيسكي في هذه الأثناء يجمع جموعه بكل سرعة عند «كِركاو» لإنقاذ المدينة. وكان «الدوق لورين» قائد قوات الإمبراطور قد بعُد عن المجر وعسكر شرقي «فيِنا» على مسافة منها، ووكل أمر الدفاع عنها إلى الكونت استَهْرِمبُرج قائد الحامية، ولم يجرؤ على الزحف لتخليص المدينة حتى أتاه «جون سوبيسكي» في ٢ سبتمبر سنة ١٦٨٣م وتسلم قيادة الجيش، ثم زحف نحو المدينة وصار على مقربة من معسكر الجيش التركي حين كانت الحاجة ماسة إليه جدًّا؛ إذ كانت الأتراك قد نقبوا أسوار المدينة، وتفشى المرض في أهليها، فلما رأت الحامية طلائع النجدات دبَّ في نفوسهم روح الأمل، وأيقنوا أن النصر أصبح منهم قاب قوسين أو أدنى، وتمت لهم أمانيهم بهجوم «جون سوبيسكي» على مقدمة الجيش التركي، ثم باشتباكه معه في معركة عنيفة شتَّت فيها شمل الأتراك وأنقذ المدينة، وقد نجا «قره مصطفى» بحياته بعد أن يئس من الخلاص، وجمع شتات جيشه المنهزم عند «بلغراد».

ومن هذا الحين ابتدأ نجم الأتراك يأفُل في أوروبا. أما «قره مصطفى» فإن الترك باعوه ذلك النصر المضيَّع بضرب عنقه، على أن خلفه إبراهيم كان نصيبه القتل والهزيمة أيضًا؛ إذ اندحرت الترك في نفس العام في شهر أكتوبر عند «بَرْكاني» على يد «جون سوبيسكي»، فأجلاهم عن كل بلاد المجر.

وفي العام التالي (١٠٩٥ﻫ/١٦٨٤م) انضمت جيوش البندقية إلى جيوش «جون سوبيسكي» لاقتفاء جيوش الترك المنهزمة. وفي هذا العام عقد «الحلْف المقدس» بين الإمبراطور وبولندا والبندقية على الترك، ولم تمضِ إلا فترة يسيرة حتى ظهرت ثمرته؛ لأنه بالرغم من اعتزال «جون سوبيسكي» قيادة الجيش في (١٠٩٧ﻫ/١٦٨٥م) لاعتلال صحته وشيخوخته، بقيت فتوح الحلف المقدس تمتد على نهر الطونة برًّا، وفي البحر الأبيض المتوسط بحرًا.

ولم تمضِ هذه السنة حتى استرد «دوق لورين» جميع المجر التركية عدا «بودا»، واستولى الأسطول البندقي على عدة بلاد على ساحل «ألبانيا». وفي العام المقبل سقطت «بودا» في يد «لورين»، وأخضع لورين جميع المجر، وفي عام (١٠٩٩ﻫ/١٦٨٧م) دحر الصدر الأعظم عند مدينة «موهاكز» التاريخية، واسترجع القائد «لورين» «كُرُواتْيا» و«سلافونيا» وأخضع «ترانسلوانيا»، ثم عبر نهر «الطونة» وأخذ «بلغراد» عنوة، واستمر في الزحف حتى وصل إلى «نيش» عام (١١٠٠ﻫ/١٦٨٨م).

وكان مُرُسيني أمير البحر البندقي في الوقت نفسه يُظهر نشاطًا عظيمًا في البحر الأبيض المتوسط؛ إذ أخضع في عام (١٠٩٨ﻫ/١٦٨٦م) أهم بلاد المورة، ولم يأتِ عام (١١٠٦ﻫ/١٦٩٤م) حتى خسرت الترك كل أملاكها في بلاد «اليونان» وعلى الساحل «الأدَرْياتي».

وكانت قد قامت ثورة في عام ١٦٨٨ في القصر السلطاني، كانت نتيجتها عزل محمد الرابع وتولية ابنه سليمان الثاني (١٠٩٨–١١٠٢ﻫ/١٦٨٧–١٦٩١م)، فعهد هذا أمر الصدارة العظمى إلى «مصطفى كبريلي» أخي أحمد كبريلي؛ فأظهر ما هو مشهور عن رجال هذه الأسرة من شدة البأس وسعة الخلق؛ فاتبع سياسة التسامح الديني في كل أنحاء الدولة، وأعاد النظام في الجيش، فلم يمضِ عامان من توليته زمام الأمور حتى أصبح النصر حليف الترك؛ ففي عام (١١٠٢ﻫ/١٦٩٠م) استرجع مصطفى كبريلي «نيش» و«بلغراد» وغزا «المجر»؛ ولكنه هُزِم وقُتِل في سنة (١١٠٣ﻫ/١٦٩١م) في واقعة «سِلَانْكَمِن» على يد حاكم «بادِن».

وبموت هذا الرجل قُضي على آمال الترك المرجوَّة. واستمرت الحرب بعدُ مدةَ ثمانية أعوام كان النصر فيها سجالًا، إلا أن جيوش الإمبراطور وجيوش البندقية بقيت محافظة على «المجر» و«ترانسلوانيا» وبلاد «المورة»، وفي عام (١١٠٨ﻫ/١٦٩٦م) انتصرت الجيوش النمسوية بقيادة البرنس «يوجين» نصرًا مبينًا على السلطان «مصطفى الثاني» (١١٠٦–١١١٥ﻫ/١٦٩٥–١٧٠٣م) الذي كان يقود الجيش بنفسه عند «زَنْتا».

وابتدأ يظهر شأن بطرس الأكبر — قيصر الروس العظيم — فدخل في هذه الآونة الحرب وأخذ من العثمانيين بلدة «آزاق». فلما رأى السلطان حرج موقفه، وأن لا فائدة من امتداد أمد الحرب — إذ أيقن أنه بانقراض أسرة كبريلي قد انقضى عصر الفتوح — عقد صلح «كَارْلُوِتْز» سنة (١١١٠ﻫ/١٦٩٩م)، وكان أهم شروطه أن يسترجع الإمبراطور كل بلاد «المجر» — ما عدا تمسوار — والجزء الأعظم من كُرْوَاتيا و«سلافونيا»، وأن تكون له السيادة على «ترانسلوانيا». أما بولندا، فإنها استرجعت «بادوليا» وفيها «كامنيك»، وتنازلت الدولة أيضًا عن آزاق ﻟ «الروسيا». وأما البندقية، فإنها بقيت في بلاد المورة. ومنذ هذه المعاهدة سقطت هيبة الدولة من أعين دول أوروبا سقوطًا نهائيًّا.

(٦) الدولة العثمانية وحروبها مع الروسيا والنمسا في القرن الثامن عشر

أخذت الدولة العلية تضعف شيئًا فشيئًا خلال القرن الثامن عشر؛ وذلك يرجع إلى سببين عظيمين؛ الأول: نهوض الأمة الروسية وتحالفها مع النمسا على الأتراك لبسط سلطانها وطرد الأتراك من أوروبا، والثاني: اختلال النظام وسوء الإدارة في البلاد العثمانية وثوران مَن فيها مِن الشعوب المختلفة في وجه الدولة.

ولمَّا ظهرت علامات الضعف والاضمحلال في الدولة أخذت دول أوروبا تنظر فيما سيئول إليه أمرها، ومَن يكون الوارث لأملاكها، وتُعرف هذه المسألة عندهم «بالمسألة الشرقية»، ويرجع تاريخها إلى عام (١١٠٨ﻫ/١٦٩٦م) عندما استولى الروس على مدينة «آزاق» التي تنازلت عنها الدولة للروسيا رسميًّا في معاهدة «كرلوتز»، كما تنازلت أيضًا عن بعض ممتلكاتها إلى النمسا؛ وبذلك دخلت سياسة الشرق الأدنى في طور جديد.

وبعد هذه المعاهدة وقف تيار تقدم الروس في الجنوب فترة؛ وذلك لِمَا تنازلوا للترك عنه في معاهدة «بروث» الآتي ذكرها سنة (١١٢٣ﻫ/١٧١١م) بعد أن انهزمت الروسيا هزيمة منكرة. ولكن ما لبثت هذه الفترة أن انقضت وعادت الروسيا إلى مناوأة الترك طول القرن الثامن عشر بلا انقطاع.

وكان ضعف الدولة المستمر في خلال هذا القرن سببًا لمشاكل جديدة وارتباكات شديدة بين دول أوروبا؛ فبينما كانت الروسيا تبذل جهدها لبسط سلطانها على البحر الأسود، كانت النمسا — من جهة أخرى — تعمل طاقتها لمد أملاكها على نهر الطونة، إلا أن عمل كلٍّ من الروسيا والنمسا كان داعيًا لقلق فرنسا وتدخُّلها، وفي سنة (١١٨٨ﻫ/١٧٧٤م) ابتدأت مقاصد الروسيا تظهر جليًّا بعد معاهدة «كجوك قينارْجَة» — كُتْشُك كينارجي — التي سيأتي ذكرها، ففطنت إنجلترا للأمر، وأخذت تخاف انحلال عرى الدولة العثمانية، كما أخذت أوروبا من ذلك الحين تهتم أيضًا بالمسألة الشرقية وتنظر إن كان بقاء الدولة وحفظ كيانها في أوروبا خيرًا من ضمها إلى الروسيا أم لا.

وأول من عمل على توسيع نطاق الدولة الروسية وجعلها في مصاف دول أوروبا العظمى هو قيصرها بطرس الأكبر (١١٠٠–١١٣٧ﻫ/١٦٨٩–١٧٢٥م)، وكانت قبل عهده بعيدة عن الحضارة الأوروبية، منزوية عن العالم المتمدين. فلما تولى هذا القيصر المُلك عام (١١٠٠ﻫ/١٦٨٩م) خطا بها خطوات واسعة في سبيل العمران؛ إذ غيَّر أنظمتها وسياستها الداخلية دفعة واحدة؛ فاتخذ «بتروغراد» مقرًّا لملكه بعد أن كان مدينة «مُسكو»، وأدخل العادات ووسائل المعيشة الغربية في بلاده، وضرب بيدٍ من حديد على سلطة الأشراف، ووضع الكنيسة والجيش — الذي دربه على الأنظمة الأوروبية — تحت مراقبته نفسه. أما سياسته الخارجية فلم تَقِلَّ حزمًا وبُعد نظر عن سياسته الداخلية؛ إذ رأى أنه لا يتسنَّى للروسيا أن تكون مملكة تجارية إلا إذا أرسخ قدمها على البحرين البلطي والأسود، وكان الأول في قبضة السويد والثاني في يد الترك؛ فجعل همه ابتداءً منأواة السويد، وبعد حروب طويلة تم له مقصده في معاهدة «نيستاد» سنة ١٧٢١م؛ إذ تنازلت السويد للروسيا عن ليفونيا، وإيثونيا، وإنجريا، وكرِليا، وغيرها.

أما الترك فأخذ منها آزاق في معاهدة «كرلوتز» كما سبق، إلا أن العثمانيين استردوها ثانيةً في عهد أحمد الثالث (١١١٥–١١٤٣ﻫ/١٧٠٣–١٧٣٠م)؛ وذلك أن الروس لما هزموا «شارل الثاني عشر» ملك السويد في موقعة «بَلطاوا» لجأ شارل إلى الترك وطلب منهم المساعدة، فلبَّت الترك دعوته إذ وجدت في ذلك فرصة لاسترداد ما خسرته، فشنَّت الحرب على الروسيا. وبعد مواقع عنيفة تمكَّن القائد التركي «بَلْطَجي باشا» من حصر الجيش الروسي ووشْك القبض على قيصر الروس عند نهر «بروث»، ولكنه نجا من الأسر بما قدمته زوجته «كترين» من الرشوة إلى الخائن «بلطجي باشا»، فأفلتَ بطرس وجيشه — بل روسيا الجديدة كلها — من براثن الفناء، واضطُرت الدولة بعد هذه الغلطة الشنيعة إلى عقد صلح «بروث» عام ١١٧١م الذي استرجعت به من الروسيا ميناء «آزاق». ويعتبر عقد الروس لهذه المعاهدة — على ما نالهم فيها من الخسائر الطفيفة — من أكبر سعودهم؛ إذ لو لم تتقيد بها الترك وواصلت عليهم الحرب، لقضت — لا محالة — على دولتهم وهي في إبَّان نهضتها.

figure
بطرس الأكبر.

وبعد مضي خمسة عشر عامًا على معاهدة «كرلوتز» أراد «قومُرْجي علي» الصدر الأعظم أن يمحوَ العار الذي لحق بالدولة في هذه المعاهدة باسترداد بلاد المجر والمورة. وكانت الفرصة سانحة له؛ إذ كانت الدولة قد انتصرت على بطرس الأكبر — كما أسلفنا — وكانت «الإمبراطورية» — النمسا — قد أنهكتها الحروب الأوروبية، ولم يكن للبنادقة من القواد مثل «مروسيني» وأمثاله حتى يقودها إلى الظفر، فضلًا عن أن بلاد المورة نفسها عندما غُزيت لم تُظهر أي مقاومة جدِّية؛ فكانت النتيجة أن تمكَّن قومرجي بزحف واحد من استرجاع بلاد المورة سنة (١١٢٧ﻫ/١٧١٥م).

على أنه لم يتم له في المجر ما أراد؛ فإنه هُزم عند «بيتَرْ وَرْدِن» هزيمة منكرة على يد الأمير «يوجين» في أغسطس سنة (١١٢٨ﻫ/١٧١٦م)، وقُتل الصدر الأعظم في هذه الموقعة، فاضطُر الباب العالي إلى عقد صلح «بَسَّارُوِتْز» عام (١١٣٠ﻫ/١٧١٨م)، وكان أهم شروط هذا الصلح أن أبقت الدولة للنمسا مقاطعة تمسوار وبلغراد، وبقي معها المورة.

وبعد معاهدة «بساروتز» لم تفكر الترك في منازلة الروس، بل وجهوا همهم نحو «فارس»؛ إذ كانت نار الثورة متأججة فيها؛ ففي عام (١١٣٥ﻫ/١٧٢٢-١٧٢٣م) لجأ «الشاه طَهْماسْب» إلى الروسيا والدولة ليساعداه على منازع له في الملْك، فانتهز الباب العالي هذه الفرصة واستولى على بعض جهات فارس، وساعده على ذلك خروج الأرمن على الفرس.

وفي عام (١١٣٦ﻫ/١٧٢٤م) عُقدت معاهدة بين الترك والروس على أن تستوليَ الروسيا على الأقاليم المحيطة ببحر قزوين، وتستوليَ الترك على إقليمَي «جورجيا» و«أذِرْبيجان»، إلا أن هذا الأمر لم يَدُمْ طويلًا؛ إذ ظهر في فارس عام (١١٤١ﻫ/١٧٢٩م) زعيمٌ قوي يُدْعى «نادر شاه» عمل على تخليص بلاده من نير الأجانب، وما زال بالترك حتى أجلاهم عن البلاد الفارسية عام (١١٤٨ﻫ/١٧٣٥م) بعد حروب طويلة.

وكانت الروسيا تريد امتداد الحرب بين الترك والفرس حتى تحقق غرضها في مسألة الوراثة البولندية — وهي تنصيب أمير من قِلبها على هذه البلاد — لذلك تنازلت للفرس عما أخذته في عام (١١٣٦ﻫ/١٧٢٤م) وأمدتهم بالذخائر، وبهذه الحروب الفارسية ضيَّعت الدولة فرصة عظيمة بعدم مهاجمتها للروسيا أثناء حرب الوراثة البولندية؛ والسبب في ضياعها يرجع إلى السلطان «أحمد الثالث» ووزيره «إبراهيم»؛ إذ كانا لا يميلان إلى منأواة الروسيا والنمسا، على حين كانت الروسيا تسعى جهدها دائمًا في منأواة الدولة.

وفي عام (١١٣٨ﻫ/١٧٢٦م) عقدت روسيا محالفة مع النمسا نعلم منها سر سياسة كلتا الدولتين في القرن الثامن عشر. وأهم شروطها أن تتعهد كلٌّ للأخرى أن تمدها بنحو ٣٠٠٠٠ مقاتل إذا هاجمها غير الترك، أما إذا كانت الدولة العثمانية هي المهاجمة فيجب على كلتا الدولتين أن تحارباها معًا بكل ما لديهما من القوة.

وبعد أن نجحت النمسا والروسيا في تنصيب أمير على «بولندا» من قِبلهما لم يكن أمامهما عائق من مهاجمة الدولة والسعي في تقسيمهما بينهما، وقد كانت الفرصة سانحة للروسيا في هذه الآونة لمحْو أثر معاهدة «بروث»؛ إذ إن بولندا التي كان يطمح بطرس الأكبر أن يجعلها الطريق الموصل إلى بلاد الترك قد خضعت لنفوذ الروسيا، والترك مغلولو الأيدي في حربهم مع نادر شاه، والنمسا أيضًا كانت تطمح إلى الزحف على نهر الطونة لتعويض ما فقدته من الممتلكات في جهات أخرى من أوروبا. هذا إلى أن نادر شاه كان أكَّد للروسيا قبل صلحه مع الدولة أن لا يمسها بمكروه إذا دارت رحى الحرب بينها وبين الترك، وإلى أن الروسيا فوق ذلك كان لها أعوان وجراثيم فتن في قلب المملكة العثمانية من الشعوب المسيحية التي كانت شديدة الميل إلى الروسيا، حتى أنه لما أشيع خبر نشوب الحرب في عام (١١٤٨ﻫ/١٧٣٥م) ثارت كل الرعايا المسيحيين العثمانيين آملين الخلاص من حكم الدولة، ومن هذا الوقت أخذت الروسيا تستعمل أطماع هؤلاء الرعايا الدينية والوطنية في تمزيق أحشاء الدولة العثمانية وتبديدها.

كل هذه الأمور تدل على أن الروسيا كانت تتأهب لمحاربة الدولة وتنتظر حدوث أي شيء تتمسك به لشهر الحرب عليها، وفي عام (١١٤٨ﻫ/١٧٣٥م) وجدت لذلك فرصة مناسبة، وهي زحف جيوش من التتار على بلاد «القوقاس» — القبجاق — وأرمينية. وكان هؤلاء التتار خاضعين للدولة العثمانية، فخرجت الجيوش الروسية لصدهم وغزوهم في ديارهم، ثم أخذت تتأهب لملاقاة الترك، فعهدت بالقيادة العامة إلى «ميُونِخ»، وضم هذا إليه غيره من الضباط الأجانب المستأجرين.

وكان «ميونخ» هذا من أكبر قوَّاد القرن الثامن عشر، وُلد في ألمانيا وحارب في الجيوش النمساوية والبولندية والروسية، وبهر بطرس الأكبر بما له من الصفات الحربية العظيمة؛ فسعى في استخدامه.

وأول ما عزم عليه في هذه الحرب استرجاع «آزاق»، فأخذ يستعد في (شتاء ١٧٣٥-١٧٣٦م)، وفي (ربيع ١١٤٨ﻫ/١٧٣٦م) انقض على «القرم» وناط حصار «آزاق» بالقائد «لاسي» الأرلندي، وفي شهر مايو وصلت أخبار الحملة الروسية إلى القسطنطينية؛ فأعلنت الدولة الحرب على الروسيا في ٢٨ منه، وكان ميونخ وقواده قد توغلوا في شبه جزيرة القرم واحتلوا كثيرًا منها، إلا أنهم تكبَّدوا في ذلك خسائر فادحة، واضطُروا للجلاء عنها والتراجع إلى «أوكرين» في ٢٥ أغسطس سنة ١٧٣٦م بعد أن ارتكبوا في القرم من الفظائع والمنكرات ما لا يوصف.

ثم دخلت الحرب في طور جديد لتجديد تحالف الروسيا مع النمسا في (سنة ١١٤٩ﻫ/٩ يناير ١٧٣٧م) تأكيدًا لمعاهدة ١٧٢٦م؛ فأثارت النمسا الحرب أيضًا على الدولة العثمانية التي قابلتهما بمقاومة أدهشت أوروبا بأسرها؛ فاضطَرتْ ميونخ إلى التقهقر عن أوكرين، وردَّت النمسويين مقهورين حتى إقليم «بنات»، فأحجموا عن الحرب وأخذوا يفاوضون الدولة سرًّا في عقد الصلح معهم على انفراد؛ فغاظ ذلك ميونخ غيظًا شديدًا، وكانت له آمال كبيرة في القضاء على الترك؛ من ذلك أنه عرض على قيصرة الروسيا في ذلك العهد أساس ذلك المشروع الخطير الذي يُسمَّى «المشروع الشرقي» وفحواه أن الروسيا ترى أن لها الحق الطبيعي في الزعامة على المسيحيين من رعايا الدولة، فيجب عليها أن تعمل على نشر الدولة «البوزنطية» بالقسطنطينية؛ ولذلك كان جُلُّ أماني «ميونخ» مواصلة الحرب، وبالفعل أغار على «مُلْدافيا» — البَغْدان — وهزم جيوش الدولة في «شُكْزِم» سنة (١١٥٢ﻫ/١٨ أغسطس ١٧٣٩م)، إلا أن تواليَ هزائم النمسويين وعقدهم وحدهم الصلح مع الدولة قضى على أمانيه، وخاصة بعد أن علم بعزم السويد على محاربة الروسيا وبقيام بعض الفتن في داخلية بلاده؛ ولذلك رضيت الروسيا بعقد الصلح وأبرمت مع الدولة معاهدة بلغراد الشهيرة في سبتمبر سنة ١٧٣٩م؛ ففي المعاهدة التي عُقدت مع النمسا على انفراد أخذت الدولة العلية بلغراد و«أُرْسُوفا» وجيمع بلاد الصرب والبوسنة وبلاد الأفلاق والبغدان.

أما الروسيا فإنها لم تأخذ مما فتحته سوى آزاق بعد هدم قلاعها، واشترطت عليها الدولة ألا تدخل أساطيلها في البحر الأسود؛ بأن يكون بحيرة عثمانية بحتة.

وهذه هي آخر معاهدة رابحة عقدتها الترك مع الدول الأوروبية، وقد لقيت الدولة في إبرامها مساعدة عظمى من فرنسا؛ لأنها كانت تخشى اتساع سطوة الدولتين: الروسية والنمسوية.

بعد ذلك ساد السلام بين الروسيا والدولة مدة طويلة مات في أثنائها السلطان «محمود الأول» (١١٤٣–١١٦٨ﻫ/١٧٣٠–١٧٥٤م)، وخلفه السلطان «عثمان الثالث» (١١٦٨–١١٧١ﻫ/١٧٥٤–١٧٥٧م)، ولم يحصل في عصره شيء جدير بالذكر. ثم تولى بعده السلطان «مصطفى الثالث» (١١٧١–١١٨٧ﻫ/١٧٥٧–١٧٧٣م)، وكان ولوعًا بالحروب، فلما رأى أن ازدياد نفوذ الروس في بولندا يتعاظم بهمة قيصرتهم العظيمة «كترين الثانية» التي تولَّت الملك سنة (١١٧٦ﻫ/١٧٦٣م) خشي على بلاده، ورأت ذلك أيضًا الحكومة الفرنسية بالنسبة لبلادها فوافقته على رأيه؛ ولذلك عزم الباب العالي على منازلة الروس، وقوَّى عنده هذا العزم أن الروس كانوا منذ (١١٧٩ﻫ/١٧٦٥م) يحرضون اليونان و«الجبليين» و«البوسنيين» على الخروج على الدولة. وفي سنة (١١٨٢ﻫ/١٧٦٨م) اشتد حنق الباب العالي؛ إذ دخلت الجنود الروسية أملاك الدولة أثناء مطاردتهم لبعض البولندية الفارِّين من وجوههم، وأحرقوا «بلطة» التابعة لخان القرم أحد ولاة الدولة؛ فأعلن الباب العالي الحرب على الروسيا في ٦ أكتوبر سنة ١٧٦٨ لذلك وبحجة الدفاع عن حرية البولنديين.

ابتدأت الحرب بين الدولتين، فلازم سوء الطالع الدولة من أول نشوبها؛ فلم تلبث أن انهزمت أمام الروس على نهر دنيستر واحتلت الروسيا «ملدافيا» — البغدان — وبلاد «الأفلاق» و«بِسَّارَبيا» و«القرم». وفي خلال هذه المدة كان الأسطول الروسي ظافرًا في البحر؛ فانتصر على أسطول الدولة عند ثغر «جشمة» — شزمي — في يوليو سنة ١٧٧٠م، ولولا ما أبداه القبودان حسن باشا الجزائرلي من الشجاعة لأحدق الخطر بالقسطنطينية، وما زالت الجيوش الروسية تجدُّ في فتح بلاد الدولة بقيادة القائدين العظيمين «رومانوف» و«سوفاروف» وغيرهما، حتى خشيت الدولة العلية العاقبة وطلبت الصلح في سنة ١٧٧٤م، وكانت «كترين» مشغولة أيضًا بحزب بولندا وبثورة داخلية أثارها قوزاق نهر الدون. وكانت إنجلترا أيضًا قد استرجعت قوَّادها من الجيوش الروسية لِمَا رأته من توالي هزائم الترك، فلم تَرَ «كترين» بدًّا من إيقاف الحرب مع الدولة مع كثرة انتصاراتها فيها، وأبرمت معها معاهدة كجوق قينارجة — كتشك كينارجي — سنة (١١٨٨ﻫ/١٧٧٤م)، وهي أهم معاهدة عُقدت بين الدولة والروسيا وأول طور جدي في المسألة الشرقية. على أن الروسيا لم تَنَلْ بهذه المعاهدة أملاكًا شاسعة؛ إذ كان ما أخذته قاصرًا على «كِنْبُورْن» و«كِرْتش» و«آزاق» والأقاليم المجاورة لها؛ مما ثبَّت قدمها على شمالي البحر الأسود، ولكنها نالت بها حقوقًا سياسية كبيرة كان لها شأن عظيم في المستقبل؛ لأن الدولة قبلت في هذ المعاهدة أن تضمن للروسيا حكومة عادلة وحرية دينية للرعايا المسيحيين، وجعلت للروسيا الحق في المطالبة بحقوقهم كلما رأت حاجة إلى ذلك. وهذا حق كبير لا يستهان به؛ إذ أخذته الروسيا بعدُ ذريعةً للتدخل في شئون الدولة كلما رأت ذلك من مصلحتها، وقد كان ذلك أكبر مكدر لصفو الدول الأوروبية على الدوام.

figure
كترين الثانية.

سادت السكينة بعد ذلك فترة بين الدولة والروسيا، ولكن «كترين» كانت لا تزال متشبثة ﺑ «المشروع الشرقي» وتُمَنِّي نفسها بإنفاذه متى سنحت الفرصة. وفي عام (١١٩٧ﻫ/١٧٨٣م) نقضت العهد وضمت القرم إليها بالرغم من تهادنها مع الدولة؛ فخشيت فرنسا وإنجلترا من توغل كترين في الأملاك العثمانية، ونصحت للباب العالي بالتنازل عن «القرم» و«كوبان»؛ فتم ذلك بمقتضى معاهدة القسطنطينية (سنة ١١٩٨ﻫ/يناير سنة ١٧٨٤م).

على أن الروسيا لم تقف عند هذا الحد، ودأبت على إنفاذ مشروعها الشرقي وتوسيع نطاق أملاكها من الأملاك العثمانية؛ فأخذت تعمل منذ عام (١٢٠٠ﻫ/١٧٨٦م) على دس الدسائس في كل ولايات الدولة، فنجحت دسائسها فعلًا في مصر (راجع ظهور علي بك الكبير في الفصل التالي)، وفي اليونان والبغدان؛ فشرعت الدولة تستعد للحرب إلى أن أرغمتها روسيا على خوض غمارها بتعدُّد إهاناتها.

وآخر ما حدث من ذلك أن «كترين» خرجت إلى القرم في موكب حافل، ولما وصلت في طريقها إلى «خِرسون» كتبت على أحد أبوابها: «الطريق إلى بوزنطة» إشارةً إلى أنها عما قريب ستفتح القسطنطينية؛ عند ذلك ثارت خواطر مسلمي الدولة، واضطُر الباب العالي إلى إعلان الحرب على الروسيا سنة (١٢٠١ﻫ/١٧٨٧م)، فأسرع القائد حسن باشا إلى مهاجمة «كِنْبُورْن»، ولكنه ردَّ عنها بعد أن تكبَّد خسائر فادحة لوقوف القائد العظيم «سوفاروف» في وجهه، وكانت الروسيا قد عقدت معاهدة جديدة مع النمسا على الدولة العثمانية، ولكن النمسا لم تقدر على القيام بمساعدة تُذكر في هذه الحرب لاشتغالها بالاضطرابات القائمة في الأراضي الواطئة — وكانت من أملاكها — ثم اضطُرَّت إلى إبرام معاهدة «سِسْتوفا» مع الدولة (سنة ١٢٠٦ﻫ/أغسطس سنة١٧٩١م)؛ وبذا انسحبت من الحرب. أما الروسيا فإنها بقيت قادرة على مواصلة الحرب بفضل مهارة «سوفاروف»، فاستولى على جهتَي «أوخاكوف» و«إسماعيل» سنة (١٢٠٥ﻫ/١٧٩٠م)، وانضم إلى ذلك انتصارات الجيوش الروسية في «القوقاس» و«كوبان». وأخيرًا انتبهت أوروبا إلى أطماع «كترين»، ورأت أن لا بد من وقوفها عند حد؛ فتدخلت إنجلترا وبروسيا وهولندا في الأمر، ولم تُبْدِ الروسيا معارضة؛ لأنها أخذت توجِّه أنظارها نحو فرنسا التي كانت نار الثورة تتأجج فيها وينتظر اشتباك النمسا وبروسيا معها في حرب؛ وبذلك يخلو الجو للروسيا في بولندا؛ لذلك رضيت كترين بمهانة الدولة وأبرمت معها معاهدة «ياسي» (سنة ١٢٠٦ﻫ/يناير سنة ١٧٩٢م)، وأهم شروطها أن اعترف الباب العالي بكل مواد معاهدة «كينارجي» وترك للروسيا أيضًا القرم وباقيَ الأراضي العثمانية إلى نهر الدنيستر؛ وبذا صارت الروسيا صاحبة السيادة المطلقة على شمالي البحر الأسود.

هذا ما وصلت إليه الدولة في أواخر القرن الثامن عشر من جرَّاء السياسة الروسية، وقد خسرت أملاكًا أخرى في القرن التاسع عشر، ولكن دول أوروبا العظمى لم تسمح للروسيا إلى الآن بتنفيذ ما يرمي إليه المشروع الشرقي الذي كان تحقيقه جُلَّ أمانيها، وإن يكن سمحت لغيرها بالتصرف في كثير من أملاكها.

١  سُمُّوا السلاجقة نسبة إلى «سلجوق»، رئيس القبيلة التي نشئوا منها.
٢  كتاب تاريخ مصر إلى الفتح العثماني (صحيفة ٢٢١).
٣  من الأقاصيص المتداوَلة أنه وُضع في قفص من حديد.
٤  أي الدولة الرومانية الشرقية. سُميت البوزنطية نسبة إلى بوزنطة؛ الاسم القديم لمدينة القسطنطينية. وتُعرف أيضًا بالدولة «الإغريقية» لانطباع المسحة الإغريقية فيها قبل نقل العاصمة إليها بمدة طويلة.
٥  كان عدد سكان إنجلترا في ذلك الحين بين ٣٠٠٠٠٠٠ و٤٠٠٠٠٠٠، فمات به أكثر من نصفهم.
٦  لم يفتك الوباء بالترك فتكًا ذريعًا، ولعل السبب الأول في ذلك راجع إلى إقامتهم في الخلوات.
٧  قيل إنها كانت أضخم مدافع عُرفت إلى ذلك العهد، وكانت تقذف نحو ١٢ قنطارًا من الحجر على مسافة ميل.
٨  حرب دارت بين كثير من دول أوروبا من سنة ١٦١٨ إلى ١٦٤٨م. وأصلها أسباب دينية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤