الفصل السادس

لم يكن سيرنا متصلًا … فلقد كنا نقف في الطريق لحظات، كلما استرعى التفاتَ المخرج منظرٌ طريف … وقد راقته كثيرًا شجرة جميز ضخمة يجري في أصلها جدول يسبح فيه بط وإوز، فأخرج آلة تصويره وسجَّل هذه الصورة قائلًا إن هذا المكان خير إطار وضع فيه موقف من مواقف القصة حيث يلتقي البطلان أمينة الفلاحة ومهدي الفلاح … فقلت له إن هذا المكان بعيد عن القرية التي ينبغي أن تقع فيها الحوادث … فقال: وماذا يهم … إنا نلتقط مناظرنا حيث نشاء ثم نلصقها فيما بعد حيث نشاء من الشريط.

– ولكن هذا مخالف للحقيقة!

– هذا بالطبع مخالف للحقيقة الجغرافية إذا شئت، ونحن فيما أظن فنانون لا مهندسو مساحة، وكل ما يعنينا هي الحقيقة الفنية.

صدق هذا الرجل … إن الحقيقة الفنية هي وحدها التي يجب أن تعني الفنان … وهذه «الحقيقة» كل قوامها تخير الصور وتنسيقها تنسيقًا يؤدي إلى ظهور المخلوق الفني الكامل، ذي الطابع الفريد والشخصية المستقلة والروح الجديد … ولا يهم بعد ذلك كيف جمعت العناصر … وخطرت لبالي عند ذاك كلمة «موليير» إذ اتهموه بجمع مواد أكثر قصصه ممن سبقوه أو عاصروه من قصاصين … لقد أقر بذلك … لكنه قال: «إني آخذ ما ينفعني حيثما وجدته» … وذكرت ذلك لصاحبي فقال: إن هذه الكلمة بدون ريب شعار كل مخرج.

– وكل فنان على الإطلاق … من روائي وموسيقي ومصور ومثَّال وسينمائي إلخ … لأن فيها يستقر معنى «الحقيقة الفنية».

ومضينا نتحدث هكذا، حتى أشرفنا على القرية التي إليها نقصد … وهي تقع على يسار هذه الطريق الزراعية التي نسلكها … وقد شاهدناها عن بعد يكاد يخفيها النخيل … وعرجت السيارة ثم هبطت ممرًّا ضيقًا من الأرض يوصل إلى القرية … وسارت على مهل بين أكوام السماد والقذارة … وطلعت علينا الكلاب نابحة كما طلعت أسراب الصبية من صغار الفلاحين في أطمارهم وذبابهم الذي يأكل أهداب عيونهم … ووقفت السيارة في مكان لم تستطع بعده تقدمًا؛ فقد ضاقت المسالك … ولم تتسع إلا للقدم العابرة … فهي حارات ملتوية بل دهاليز بين مساكن كأنها أوكار الوحوش … ونزل الجميع … وألفينا في استقبالنا مصور الكاميرا وزوجته مع بعض الموكلين بأمر المنزل من عمال الشركة والخدم … فحملوا الأمتعة الخفيفة التي معنا … وأنزل الجحش بعناية الآنسة المساعدة وأشرافها.

فبادرت أسأل عن وجود حمارة ولدت حديثًا في القرية … فقال أحد الصبيان المجتمعين: عند ابويا سعداوي حمارة والدة!

– فين هو سعداوي!

– جارنا.

فنظرت مليًّا إلى هذا الصبي الشاحب الهزيل وذكرت ما قاله أحد أطبائنا الباحثين: ما من صبي في ريف مصر لم تنهش جسمه الأنكلستوما والبلهارسيا … وهذه العلل بالذات لها فعل يصيب العقل أيضًا … فيهبط مستوى الإدراك … وتنطفئ شعلة الذكاء.

ولم يعر خدمنا كلام الصبية التفاتًا … فقد رأوا أن يحملوا الجحش إلى دار العمدة وهو يصرف الأمر، وقد كانت جهة الإدارة قد أوصت العمدة بالضيوف الأجانب خيرًا … ولقد علمت أن مأمور المركز ومعاونه قد علما أننا حاضرون اليوم فأخطرا العمدة بعزمهما على المجيء للترحيب بنا … ولكن المخرج الفطن أدرك مرادهما فقال لي باسمًا: إنهما لا شك يحسبان أننا سندير أعمال الشريط ونلتقط تمثيل الممثلين … فأرادا ألا تفوتهما فرصة المشاهدة! … وتركنا السيارة في حفظ بعض الخفراء النظاميين وسرنا في تلك الأزقَّة والدهاليز … بين تلك الدور، يتبعنا الصبية المرضى، والكلاب الجربى، ويقف لمرورنا الرجال المنهوكون الجالسون، يجرعون الشاي الأسود على المصاطب … وتطل من خلف الأبواب رءوس النساء المعفرة بدخان الأفران وهن يخفين أسفل وجوههن بطرحهن السوداء … وأشرفت علينا فتيات الريف وحسانه من فوق الأسطح وقد تلطخت أكفهن بروث البهائم وانشغلن بنا قليلًا عن صف «الجلة» … إنه الريف القذر الذي أعرفه دائمًا … ولا فائدة ترجى منه ولا شيء اليوم غير الأسف والحسرة والمرارة … وندمت على المجيء … وغمرتني الكآبة … والتفت إلى زملائي فوجدت البِشر والسرور والإعجاب يطفح من وجوههم والمخرج يهز رأسه ويقول لمساعدته: انظري … جميل … بديع … كل هذا جميل حقًّا وبديع!

فجعلت أحملق في عيونهم المفتوحة الدهِشة، ثم إلى مرامي أبصارهم ومواضع هذا الجمال والإعجاب والإبداع الذي يقولون عنه … فما وجدت شيئًا واحدًا يجوز أن يطلق عليه نعت من هذه النعوت … وأبصر المخرج فتاة قذرة تخرج من بين الطين وحطب الأذرة فوق سطح إحدى الدور وقد خرجت معها قطة ضالة نافرة … وكلاهما قد أصاب وجهه الطين والقذر … وكلهما قد بدت عليه مظاهر المخلوقات الدنيا … فسدد الرجل آلة تصويره إلى هذا المنظر راضيًا مسرورًا … فقلت له حانقًا: أهذا شيء جميل.

فصاح: بلا شك.

– هذه المخلوقات المسكينة القذرة؟

– إنها أجمل «فنيًّا» من مخلوقات ترتدي ثياب السهرة في حفلة راقصة بقصر بطرسبرج الإمبراطوري!

– «الجمال الفني»!

– بلا شك.

– الحقيقة «الفنية» لا علاقة لها كذلك بنظافة ولا قذارة ولا فضيلة ولا رذيلة، ولا تأخر ولا حضارة!

– بلا شك.

لم أرد أن أمضي معه في حديث من هذا الطراز … فلزمت الصمت … واكتفيت بأن أراقبه وألاحظ كيف ينظر إلى الأشياء … ولقد عجبت حقًّا أول الأمر لأسلوب تفكيره … إنه لا يتصور الأشياء بعقله … ولا يفكر بذهنه … إنما يتصور ويفكر بعينه، حاسة البصر عند هذا المخرج هي كل شيء على وجه التقريب … لقد مررنا «بجرن» قامت فيه أكوام من القمح ووقف فيه فلاحان كل منهما يحمل «مدرة» يدرسها في كوم القمح ويرفعها في الهواء ليفصل الحب عن «التبن» فيتناثر التبن في الفضاء تحت وهج الشمس فيُحدث صورة، التقطتها عين الفنان السينمائي فصاح معجبًا: مطر من الذهب!

فنظرت كما نظر … فإذا أنا أرى حقيقة أن «المدرة» في يد الفلاح تثير في الفضاء شيئًا كأنه الدنانير المتساقطة … وسجَّل صاحبي هذا المنظر بآلة التصوير وهو يقول لي باسمًا: إذا أردت أنت أن تعبر بقلمك عن هذا المعنى فإنه تكفيك «عبارة لغوية» قوامها الكلمات … أما أنا فأحتاج إلى «عبارة سينمائية» قوامها المرئيات! … وهذا هو الفرق بيني وبينك!

وأعجبني قوله … فسكت … وجعلت أفكر لنفسي وأقول: لو أننا نحن الكُتاب نستخدم أبصارنا، بل كل حاسة من حواسنا، هذا الاستخدام، فأي صور وأي حقائق يمكن أن نبرزها للناس … ولكن الكتابة في نظر أكثر الكتاب عبارات لغوية جُمعت في خزانة الذاكرة ليستخرج منها وقت اللزوم ما يؤدي إلى مجرد الإبانة عن القصد … ينبغي أن يكون الكاتب موهوبًا حقيقة، ليتطلب من الكتابة شيئًا أكثر من ذلك … من هذه الناحية أفادتني صحبة المخرج … وشعرت لأول مرة بالرضا عن هذه الصحبة.

وبلغنا أخيرًا المنزل الذي أُعدَّ لنا … فإذا هو قائم وسط بيوت الفلاحين، كما يقوم العمدة الموسر بعض اليسر بين رجاله العراة، دون أن يتميز عنهم كل التميز من حيث الذوق والطبيعة والإدراك … فهذا المنزل رحب ضخم من طابقين، وهو مبني بالطوب الأحمر ومطلي بطلاء في لون الفستق … ونوافذه واسعة مشبكة بالحديد، وجدرانه سميكة وسقوفه عالية وحيطان حجراته منقوشة بالزيت نقشًا ينم عن السعة والترف ولكنه مع كل هذا غاية في سقم الذوق وسوء التفصيل والرسم والتخطيط … فلا حديقة صغيرة تحيط به … ولا مدخل رحب يستقبل الداخلين من بابه العريض … ولا حمام مجهز بالأدوات الضرورية … إنما يمر الداخل في شبه دهليز مظلم ضيق عن يمينه ويساره تلك الحجرات الواسعة العالية السقوف التي أنفق في نقوشها الأموال … إنه منزل يشعر زائره بأن صاحبه غني الجيب فقير الروح … ولقد انقبض صدري منه … وضاقت نفسي … وقادوني إلى حجرتي وهي خير الحجرات، وقد وضعوا فيها أثاثًا خفيفًا مما يستعمل في الرحلات … غير أني وجدت نوافذها كأغلب نوافذ المنزل تشرف على أكوام سماد تتصاعد منها الروائح الكريهة … وانفردت في حجرتي أخرج من الحقيبة الصغيرة بعض ما أحتاج إليه … وكانت الشمس قد غربت … وبدأ الظلام يضيف إلى كآبة البيت كآبة جديدة … وجعل الخدم يوقدون المصابيح ويعدون المائدة للعشاء … ولكن المخرج وأعوانه ما زالوا يعملون، فلقد سمعت صوت الضرب على الآلة الكاتبة يأتي من إحدى الحجرات البعيدة … لكنهم لم يريدوا إزعاجي، إلى أن حان وقت العشاء … فدعوني إلى مائدة نصبت فوق سطح المنزل … فقد كان الحر داخل البيت شديدًا … والبعوض قد ظهر وتكاثر … فجلسنا إلى مائدة عليها بعض تلك الزهور البرية التي تنبت في الغيطان، جمعتها ونسقتها زوجة المصور، مستعينة ببنات ريفيات نظفنهن وهيأنهن … وانكشفت لأبصارنا سماء الصيف الصافية … وكان القمر طالعًا في تمامه … والنسيم يهب بين حين وحين رقيقًا رفيقًا … وجلست في رأس مائدتنا زوجة المصور صاحبة الفضل في تنظيم هذا البيت المهجور … وجلست إلى يمينها الآنسة المساعدة وقد خلعت عويناتها فظهرت عيناها الخضراوان جميلتين براقتين في ذلك الليل كأنهما عينا القطط وقد خلعت ثياب الرحلات وارتدت ثوبًا نسائيًّا لطيفًا … فأكلنا أكلًا بسيطًا … لكنه لذيذ هنيء … وقضينا لحظات ممتعة، دار فيها الحديث حول «الفيلسوف»، فقد قالت زوجة المصور.

– أرجو أن يكون هو أيضًا قد تناول عشاءَه مريئًا!

فقلت: لا شك عندي في ذلك … فالعمدة لن يعجز عن إيجاد حمارة والدة تعيره شيئًا من الغذاء المادي والمعنوي، بقليل من اللبن وقليل من الحنان!

وقال المخرج: خطر لي فكرة: هي أن نستغل «الفيلسوف» للدعاية والإعلان.

فقلت باسمًا: آه … هذا حقًّا هو الذي كان ينقص «فيلسوفنا»؛ أن يستغله المستغلون، كما يُصنع عادة بالفلاسفة! … لكني لست أرى مبادئه وآراءه التي يجوز أن تكون محل استغلال، إنه فيما أعلم فيلسوف صامت، قد حبس في صدره إلى الأبد كل ما عنده من كلام.

فقالت الآنسة ضاحكة: يكفينا منه صورته!

وقال المخرج: نعم … صورته الرزينة الوقورة … نسيت أقول لك إن الآنسة «…» يقع في اختصاصها أيضًا هذا الباب … فهي التي تعد وسائل الإعلان باللغات المختلفة وتتولى إرسالها إلى مجلات السينما في العالم … ولقد كان صاحبي يعرض عليَّ حقيقة، عندما كان يختلف إليَّ في الفندق، أعدادًا من مجلات مصورة خاصة بالسينما تصدر في أوروبا وأمريكا فيها ذكر أعمال الشركة ومشروعاتها … ومن بينها أخبار ذلك الفلم الذي يعدُّه واسم المتولين إعداده، ومضى يقول: نعم … أرجو من المدموازيل أن توفق إلى استثمار ذلك … ولنساعدها الآن ولنفكر معها قليلًا: ماذا نقول؟ … آه … فلنقل مثلًا إن هذا الجحش هو الملهم الموحي لمؤلف الحوار … وإنهما لا يفترقان مطلقًا … ثم نلتقط لكما صورة معًا.

فقلت: حقًّا … ما أجملها دعاية لمؤلف الحوار! … أن يذاع أن وحْيه لا يهبط عليه إلا من حمار!

فضحكوا جميعًا، والتفتت إليَّ زوجة المصور قائلة: كلا يا سيدي، بل سيفهم من ذلك أنك ممن يحبون الحيوان.

أما هذا فصحيح … نعم … أحبها كثيرًا، وآسف أن طبيعة حياتي المتنقلة الآن لا تسمح لي باقتنائها والعناية بها … فأنا نفسي اليوم في حاجة إلى من يقتنيني ويُعنى بي؛ لهذا أكتفى بمشاهدتها والنظر إليها … إنني لأسر دائمًا سرورًا عظيمًا كلما مررت في الطريق بقرد صغير مع قرَّاد … ولا أنسى ذات صباح رأيت فيه قردًا جالسًا مع صاحبه بباب مطعم وقد وضع بينهما طبق به فول وزيت، فجعل الرجل يأكل لقمة ويطعم قرده لقمة كأنهما أب وابن.

فقالت المرأتان معًا: هذا بديع.

فقلت ماضيًا في الكلام: حقيقة، ولقد بدا من اهتمامي بالقرود في شوارع القاهرة أن عرفني القرادون … فما يكاد أحدهم يلمحني سائرًا حتى يسرع نحوي صائحًا في قرده: «سلم على سيدنا البك! …» فيقف القرد على قدميه كأنه إنسان ويرفع يديه إلى رأسه بالتحية … فأنفحه قرشًا، وأوصى صاحبه أن يشتري له فولًا … على أن أحَب المناظر إلى عيني منظر القرد الصغير وهو يمتطي العنزة ذات البردعة الحمراء والكلب ذا الجلاجل وانتقاله بينهما من ظهر إلى ظهر، كأنه السيد المدلل، الذي لا يجوز له المشي والمطايا حاضرة.

فضحك المصور وقال: صورة جديرة بالالتقاط!

فقلت له: الأجدر منها منظر تلك الأسرة العجيبة وقد صادفتها يومًا في أحد الشوارع، حطت رحلها بالقرب من صندوق للقمامة … وقد ظهر عليها الجوع والإعياء وبدا عليها الشقاء … ونبذها الناس … ولفظها المجتمع … ولم يعرف لها أحد حقًّا من حقوق الحياة … فلجأت إلى قارعة الطريق … ولم يبقَ فيها سيد ولا مسود ولا آمر ولا ناهٍ.

شُغل كلٌّ بنفسه … فجلس صاحبها القرفصاء يبحث في القمامة عن قشور البطيخ وفتات الخبز وفضلات الطعام … وتفرق أفراد الأسرة، كل فرد في ركن يخرج بيده أو بفمه أو بنابه، على حسب نوعه في الحيوان، ما يملأ جوفه الخاوي … واندست بينهم القطط الضالة والكلاب الهائمة، تطلب هي الأخرى حقها في هذه الوليمة المباحة … وطعم الجميع، وقد ساد بينهم سكون وسلام وإخاء، أثر في نفسي، فتقدمت إلى القراد وألقيت في كفه قطعة فضية صغيرة، فما صدق المسكين عينيه.

ووثب في الحال على قدميه، وصاح في أسرته صيحة تبشرهم بالفرج وتدفعهم إلى الأمل والعمل: «العبوا يا اولاد! … الليل الليل وانا كان ما لي! … ارقص يا ميمون يا صغير لسيدنا البك، الله ما يجعله يلقى يوم سوء! …» ودب النشاط في الجماعة فماءت العنزة، ونبح الكلب، ووثب القرد، ورأيت الفرح بالحياة يلمع في عيون الجميع، وكأنهم أرادوا أن يضعوا في ألعابهم هذه المرة كل حرارة قلوبهم المقرة بالجميل، غير أن عمل ذلك الصباح كان في الانتظار … ولم يكن الوقت وقت مشاهدة ألعاب القرود والماعز … فأعفيت الأسرة من أداء العمل … فرفضوا … وأبى الرجل أن يدعني أنصرف قبل أن يقوم أعوانه بالواجب … ورأيت منهم الإصرار، وأدركت أنهم لا يقبلون الصدقة؛ فهم ليسوا بمتسولين، إنما هم يأخذون الأجر على عمل أنفقوا فيه جهدًا حتى حذقوه … فلم أشأ جرح شعورهم … وقلت للرجل: «طيب العبوا بسرعة! …»

فابتسم المخرج والمصور، وقالت الآنسة المساعدة: حقيقة، إن في بعض الحيوانات ذكاء يدعو إلى العجب!

فقالت زوجة المصور: ووفاء.

فقلت من فوري: أما عن الوفاء فلن أنسى مطلقًا وفاء الكلبة «فوكسة».

فقال الجميع في عجب: فوكسة؟!

– نعم تلك كلبة كانت في ضيعة لنا … أهمل شأنها الجميع … فتركوها تنام حيث تشاء، وتأكل ما تصادف في الجرن من أقذار … فالفلاحون أفقر من أن يفكروا في أمر حيوان لا ثمن له في سوق الماشية وبلغ من إهمالهم هذه الكلبة أن أطلقوا عليها ذلك الاسم الذي لا ينم عن جهد في الاختيار … فكل كلب عندهم اسمه «فوكس» … فلتكن هذه الكلبة إذن «فوكسة»… ولبثت «فوكسة» على هذه الحال من حقارة الشأن وهوان المنزلة، مع أنها حارسة الضيعة التي لا تنام … إلى أن جاء رجل من بلدة مجاورة يأخذها لتلد صغارًا من كلب له، فقال له أهل الضيعة أن خذها فلا حاجة لنا بها، فأقبل عليها الرجل حاملًا في إحدى يديه حبلًا من الليف وفي الأخرى بعضًا من رغيف أداة الترغيب إذا رضيت وأداة الإرغام إذا كرهت … ولكن «فوكسة» انقادت للرجل طائعة مختارة … وعجب الفلاحون لها أول الأمر … لكن … لم يمضِ النهار حتى شهدوها في مكانها المعتاد من الجرن رابطة … وإذا الرجل يرجع حانقًا صاخبًا، لا يدري كيف غافلته وانفلتت عائدة … وأخذها مرة أخرى فذهبت معه مطواعة مختارة، وعيون أهل القرية تشيعها فتدير وجهها شطرهم، ناظرة إليهم نظرات هادئة مطمئنة، لكنَّ فيها شيئًا كالسخرية، وكأنها تقول لهم: «لا تخافوا، سأعود عما قليل! …» ولم تمضِ بالفعل ساعة إلا وهي في الجرن من جديد … حتى قنط الرجل منها ومن أمر زواجها … وأيقن الجميع أن وفاءها لأصحابها أجلُّ عندها وأفضل من الزوج والزواج.

فالتفتت إليَّ زوجة المصور وقالت: ألا ترى معي أن في هذه الحيوانات شيئًا، «إنسانيًّا» بالمعنى السامي لهذه الكلمة؟

فقلت مؤمِّنًا: هذا صحيح … بل إن فيها أحيانًا الإنسانية أكثر من الإنسان نفسه! … إن فكرة «الشر» غير موجودة عند الحيوان، إن أغلب الحيوان محب للسلام والإخاء والصفاء … والقليل الذي تطلق عليه اسم «الضواري» لم يعرف قط العدوان لمجرد الزهو بالعدوان … الإنسان وحده من بين مخلوقات الأرض هو الذي يرى في الاعتداء على أخيه الإنسان ما يسميه «المجد والفخار»!

فقالت زوجة المصور: إني معك في هذا الرأي … إن وحشية الإنسان قد بلغت حدًّا لم يبقَ معه إلا أن نرد اعتبارنا إلى الحيوان وأن نعدل نظرتنا إليه وأن نتخذه هو المثل الأعلى لما ينبغي أن يكون عليه سلوك الإنسان، إذا أراد إقرار الخير والسلام في الأرض.

•••

ومضينا في هذا الحديث حتى التاسعة … فنهضت زوجة المصور … واستأذنت في النزول … فقد كانت في انتظارها نساء من أهل القرية، اعتادت منذ هبطت الريف، أن تضع «القطرة» في أعينهن، وأن تُعنى بشأنهن.

ورأينا أن نأوي إلى حجراتنا نحن الآخرين، كي نستيقظ مبكرين، فنرى شروق الشمس … فقد قال المخرج إنه يود لو يستنبط من طلوعها بين النخيل «عبارة سينمائية» ذات بلاغة وروعة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤