حسن العطَّار

١١٨٠ﻫ–١٢٥٠ﻫ

هو العلَّامة شيخ الإسلام حسن بن محمد العطَّار المصري، المولود بالقاهرة في حدود سنة ١١٨٠ﻫ/١٧٦٦م، ونشأ بها في رعاية والده الشيخ محمد كتن، سُمع من أهله أنه مغربي الأصل، قَدِم بعضُ أسلافه مصرَ واستوطنوها، وكان والدُه عطَّارًا صغيرًا له إلمامٌ بالعلم.

وكان في أول أمره يستصحبه إلى الدكان، ويستخدمه في صغار شئونه، ويُعلِّمه البيع والشراء، ولشدة ذكائه وحدَّة فطنته كان يميل إلى التعليم، وتأخذه الغيرةُ عند رؤية أترابه يتردَّدون إلى المكاتب، فكان يختلف إلى الجامع الأزهر لحفظ القرآن الكريم.

ولمَّا رأى والدُه فيه هذه الرغبةَ إلى التعلُّم، ساعده حتى أتمَّ حفْظ القرآن في مدة يسيرة، ثم أقبل على طلب العلم، وجدَّ في التحصيل على كبار المشايخ؛ كالشيخ الأمير والشَّيخ الصَّبَّان وغيرهما، حتى بلغ من العلوم في زمن قليل ما هيَّأه للتدريس، وزادت رغبتُه في التزوُّد بكثير من العلوم المختلفة فعكف على دراستها وأتقنها.

ولما دخل الفرنسيون مصر غادر القاهرةَ مع جماعة من العلماء إلى الصَّعيد، ثم عاد إليها إبَّان احتلالهم الممقوت، فقرَّبوه منهم، واتصل بعلمائهم، فأفادهم واستفاد منهم، وكان يتنبَّأ لمصر بتقدُّم عمراني وثقافي.

ثم سافر إلى الشام، وأقام بدمشق بالمدرسة البدرية زمنًا، ومدحها بقصيدة أولها:

بوادي دمشقِ الشام جُزْ بي أخا البَسْطِ
وعرِّجْ على باب السلام ولا تُخطي
ولا تبكِ ما يبكي امرؤُ القيس حوملًا
ولا منزلًا أودَى بمُنعَرج السِّقطِ
فإنَّ على باب السلام من البَها
ملابسَ حُسنٍ قد حُفِظْنَ من العَطِّ
هنالك تلْقَى ما يروقُكَ منظرًا
ويُسْلي عن الأخدانِ والصَّحبِ والرهطِ

ومنها:

وقِفْ بي بجسر الصالحيَّةِ وقفةً
لأقضِي لُبَاناتِ الهَوى فيه بالبَسطِ
وعرِّج على باب البريد تجِدْ به
مراصدَ للعشَّاق في ذلك الخطِّ
وحاذرْ سُوَيعاتِ العمارة إنها
مهالكُ للأموال تأخذُ لا تُعطي

إلى أن قال:

وعندي من التأليف شيءٌ وضعتُه
على شرح قانون الحفيد أخي السِّبطِ
ثلاثُ مقالاتٍ كبارٍ وضعتُها
لتعريف حال الكيِّ والفَصْد والبَطِّ
وجزءٌ على شرح المبرِّد كامل
أُبيِّنُ فيه غامضَ النصِّ بالقطِّ
وألَّفتُ في علم الجراحة نُبذةً
لتعريف أكل الفول بالقطع والخطِّ

ومن شعره:

إني لأكرهُ في الزمان ثلاثةً
ما إن لها في عدِّها من زائدِ
قربَ البخيل وجاهلًا متفاضلًا
لا يستحي وتودُّدًا من حاسدِ
ومن الرزيَّةِ والبليَّةِ أن ترى
هذي الثلاثةَ جُمِّعَتْ في واحدِ

ومن خطِّه في بعض مجموعاته: «اتفق لي أني بعد قضاء حجِّي توجَّهتُ مع الرَّكب الشامي، فوصلت إلى «معان»، ثم لبلدة «الخليل» فأقمتُ بها نحو عشرة أيام، ثم توجَّهتُ إلى القدس الشريف، فنزلت بدار نقيبها السيد عمر أفندي، وكان معزولًا عن نقابة الأشراف، ومن عادته الاحتفالُ بالموسم الموسوي وإطعام الفقراء، وقبل حلول الموسم بيومين أُعيد إلى نقابة الأشراف، فنظمتُ قصيدةَ تهنئة له بعَود المنصب:

الحمدُ لله على فضلِه
من بعد أن أُشفق من محلهِ
قد يطلب الحسناءَ من لم يكن
كفؤًا لها للحُمق في عقلهِ
فمنصِبُ المرءِ قرينٌ له
والشكلُ مجذوبٌ إلى شَكْلهِ

وبقية القصيدة في الجزء الرَّابع من «الخطط التوفيقية»، جزء ٤ ص٢٩.

ثم سافر إلى «إستانبول» وأقام هناك مدة، وتأهَّل بها وأعقب ولم يبقَ عقبه، ولم يزل مشتغلًا بالإفادة والاستفادة حتى عاد إلى مصر بعلوم كثيرة، وأقرَّ له علماءُ عصره بالانفراد، وعقد مجلسًا لقرَّاء تفسير البيضاوي، وقد مضت مدةٌ على هذا التفسير لا يقرؤه أحد، فحضره أكابرُ المشايخ والتفُّوا حول دروسه.

ولما حضر إلى مصر في سنة ١٢٣٧ﻫ «بطرس البستاني» مدحه بقصيدة، منها:

أمَّا الذكاءُ فإنَّه
أذكى وأبرعُ من «إياسِه»
أضحى «البديعُ» رفيقَه
لما تفرَّد في «جناسِه»
في أي فنٍّ شِئته
فكأنه باني أساسِه

وكتب عنه معاصره الشيخ محمد شهاب الشَّاعر قال: «كان آية في حِدة النظر وشدة الذكاء، وكان يزورنا ليلًا في بعض الأحيان فيتناول الكتاب الدقيق الخط الذي تعسَّر قراءته في وضَح النهار فيقرأ فيه على ضوء السراج، وربما استعار مني الكتابَ في مجلدين فلا يَلبَث عنده إلا أسبوعًا أو أسبوعين ويُعيده إليَّ وقد استوفى قراءتَه وكتب في طُرَره على كثير من مواضعه.»

وكان معاصرًا له مؤرِّخُ مصر الشيخُ عبد الرحمن الجبرتي، وقد ذكره في تاريخ لمناسبة إعادة الشيخ شامل أحمد رمضان إلى مشيخة رواق الطرابلسية وامتداح الشيخ العطار له، وكان صديقًا له، بقصيدة أولها:

انهَضْ فقد ولَّت جيوشُ الظلامْ
وأقبل الصبحُ سفيرَ اللثامْ
وغنَّت الوُرقُ على أيكها
تُنبِّه الشَّربَ لشُرب المُدام
والزَّهْر أضحى في الرُّبَى باسمًا
لما بكت بالطلِّ دمع الغَمامْ

مشيرًا إلى أنها من قصيدة في ديوان الشيخ جاء في آخرها:

بُشراكَ مولانا على منصب
كان له فيك مزيدُ الهُيَامْ
وافَاكَ إقبالٌ به دائمًا
وعشتَ مسعودًا بطول الدوامْ
فقد رأينا فيكَ ما نرتجي
لا زلتَ فينا سالمًا والسلامْ

وعندما وصف الجبرتي النكبةَ التي حلَّت بالأزبكية ودورها المحرقة بالبركة وبأطرافها عند احتلال الفرنسيين قال: «وصارت كلها تلالًا وخرائب كأنها لم تكن مغنى صبابات، ولا مواطن أُنْس ونزهات»، واستشهد بقول العطار في وصفها إبَّان ازدهارها، وهذه عبارته (ص٣٧، ج٣، الجبرتي):

وفيها يقول صديقُنا العلَّامة والنحرير الفهامة حسن العطار حفظه الله: «وأما بركة الأزبكية فهي مسكن الأمراء ومواطن الرؤساء، قد أَحدقتْ بها البساتينُ الوارفة الظلال، العديمة المثال، فترى الخضرة في خلال تلك القصور المبيضة كثياب سندس خضر على أثواب من فضة، يوقَد بها كثيرٌ من السروج والشموع، فالأُنس بها غيرُ مقطوع ولا ممنوع، وجمالُها يُدخل على القلب السرور، ويُذهل العقلَ حتى كأنه من النشوة مخمور، ولطالما مضتْ لي بالمسرة فيها أيامٌ وليالي، هنَّ سِمطُ الأيام من يتيم اللآلي، وأنا أنظر إلى انطباع صورة البدر في وَجَناتها، وفيضان لُجَين نوره على حافاتها وساحاتها، والنسيم بأذيال ثوب مائها الفضي لُعاب، وقد سَلَّ على حافاتها من تلاعب الأمواج كلُّ قِرضاب، وقام على منابر أدواحها في ساحة أفراجها مغرداتُ الطيور، وجالبات السرور، فلذيذُ العيش بها موصول.»

وكانت روضة مصر في عصره مزدهرة، وحولها دورُ العظماء والعلماء، وندواتُهم ومكتباتهم ومتنزهاتهم، وفيها يقول العطار:

بالأزبكية طابتْ لي مسرَّاتٌ
ولَذَّ لي ببديع الأُنس أوقاتُ
حيث المياهُ بها والفلكُ سابحةٌ
كأنَّها الزهرُ تحويها الممراتُ
وقد أُدير بها دورٌ مشيَّدةٌ
كأنها لبُدور الحُسن هالاتُ
مدَّت عليها الروابي خُضرَ سندسِها
وغرَّدتْ في نواحيها حَماماتُ
والماءُ حين سرى رَطب النسيم به
وحلَّ فيه من الأدواح زهراتُ
كسابغاتِ دروع فوقها نُقطٌ
من فضة واحمرار الورد طعناتُ
مراتعٌ لظِباء الترك ساحتُها
وللأُسود بها فيهن غيضاتُ
وللنَّديم بها عيشٌ تُجدِّده
أيدي الزمان ولا تُخشى جناياتُ
يروح منها صريعَ العقل حين يرى
على محاسنها دارت زجاجاتُ
وللرفاق بها جمعٌ ومفترقٌ
لمَّا غدتْ وهْي للنُّدمان حاناتُ

بهذا الأسلوب الرائق وهذا الشعر الفائق يصف العطارُ بركة الأزبكية، ولا عجب فهو مصريٌّ أولًا وقاهري تربَّى بالقاهرة، فرقَّ خيالُه، ونَعِم بجمال البركة الذي فتَن كلَّ من رآها فتغنَّى بجمالها.

ظلَّ الشيخ حسن مصدرَ إشعاع لمختلف العلوم إلى أن وُلي مشيخة الأزهر عقب وفاة الشيخ محمد الشنواني في سنة ١٢٤٦ﻫ فزانها وشرَّفها، وظلَّ شيخًا للأزهر إلى أن تُوفي في آخر سنة ١٢٥٠ﻫ وترك مؤلفاتٍ قيِّمة، منها ما دوَّنه طيِّب الذكر يوسف سركيس في معجم المطبوعات العربية بعد أن ترجَم للشيخ، وهي:

إنشاء العطار، في المراسلات والمخاطبات وكتابة الصكوك والشروط مما يحتاج إليه الخاص والعام، وقد طُبِع عدة طبعات، وهو مؤلَّف صغير الحجم كبير الفائدة، يشهد له بدقة الملاحظة وقوة الأسلوب، وفيه الكثير من أشعاره:
  • حاشية العطار، على التذهيب للخبيصي، شرح التهذيب، وبهامشها الشرح المذكور وحاشية ابن سعد (منطق)، طُبع ببولاق سنة ١٢٩٦ﻫ.

  • حاشية العطار، على شرح إيساغوجي لأثير الدين الأبهري، وبالهامش الشرح المذكور (منطق) طبع سنة ١٣١١ﻫ.

  • حاشية العطار، على جمع الجوامع، ثلاثة أجزاء، طبع مصر.

  • حاشيته على متن السمرقندية (بلاغة) طُبع بالدهينة سنة ١٢٨٨ﻫ.

  • حاشيته على شرح الأزهرية للشيخ خالد الأزهري (نحو) طُبع عدة طبعات بمصر.

  • حاشيته على شرح المقولات المسمَّى بالجواهر المنتظمات في عقود المقولات كلاهما للشيخ أحمد السجاعي، طُبع بمصر سنة ١٢٨٢ﻫ.

  • منظومة العطار في علم النحو، في مجموع من مهمات الفنون، طبع سنة ١٢٨٠ﻫ.

وقد زاد المغفور له علي باشا مبارك على ذلك من مؤلفات العطار: رسالة في كيفية العمل بالأسطرلاب والربعين المقنطر والمجيب والبسائط، ورسائل في الرمل والزايرجة والطب والتشريح وغير ذلك، وذكر أنه كان يرسم بيده المزاول النهارية والليلية.

وحدَّث الشيخ إبراهيم السقا أحد تلاميذه: أن بعض سكان مكة المكرمة المارين بمصر أعجبهم علمُ الشيخ العطار، فأحبوا أن يقيم بينهم ليخلف فيهم «ابن حجر الهيتمي» وينتفعوا به وبعلمه، فاجتمعوا به، وما زالوا يحسنون له الرحلة حتى أجاب، وأخذ في تجهيز نفسه، وسمع تلاميذه بذلك، فاشتدَّ أسفُهم، ولم يكن فيهم مَن يجرؤ على منعه، قال: فاحتلْتُ بأن أخرجتُه بعد الدرس من صحن الأزهر، ونحن في حمارَّة القَيظ، وأخذتُ أسأله بعض المسائل وأَخرج من واحدة لأخرى، وهو يرفع رِجله ويضعها من شدَّة حرِّ البلاط، حتى تبيَّن لي الضجرُ في وجهه وانتهرني، فقلت: يا سيدي أنت لا تطيق حرَّ الشمس وأنت بمصر، فكيف لك بالحرِّ في مكة وهو هناك أضعاف ما هنا؟ ففكَّر ثم جزاني خيرًا، وفترتْ همَّتُه عن السفر.

وحدَّث أيضًا الشيخ السقا قال: بينما نحن في درسه إذ وقف على الحلقة رجلٌ أعجمي بشِع المنظر في مِنطقته خنجر، ثم «رطَن» مع الشيخ بلغة لم نفهمها، وكلما طال الكلامُ ازداد الرجل حنَقًا وحِدَّة، فترك الشيخ كراريسه، وقال: أنا محتاج لتجديد وضوئي، ثم ذهب ولم يعُد، وانصرفنا، وتبيَّن لنا أنه من أقارب زوجته التي تزوَّج بها في بلاد التُّرك ثم تركها، فأخبرنا هو أن الرجل كان يتهدَّده بالقتل.

وكان الشيخ العطار عالِمًا جليلًا ذائع الصيت في مصر وسائر الأقطار العربية والشرقية، وأديبًا فريدًا، وشاعرًا مجيدًا، وكان مع ما اتصف به من حميد السجايا وطيب الخلال متواضعًا كريمًا زاهدًا وجيهًا أينما توجَّه وحيثما أقام، رحمه الله وأجزل مثوبته.

الشيخ حسن العطار١ رائد البعث الأدبي في مصر الحديثة

الشيخ حسن العطار هو حسن بن محمد كتن، المولود بالقاهرة سنة ١١٨٠ﻫ/١٧٦٦م على أرجح الأقوال، وهو يرتدُّ إلى أصول مغربية، وقد اتصل بالفرنسيين اتصالًا علميًّا، كما اتصل بمحمد علي، وولي تحرير «الوقائع العربية» بين (١٢٤٤–١٢٤٦ﻫ/١٨٢٨–١٨٣٠م)، ومشيخة الأزهر سنة ١٢٤٦ﻫ وظلَّ فيها حتى تُوفي سنة ١٢٥٠ﻫ/١٨٣٥م.

وكان أبوه عطَّارًا فقيرًا له إلمامٌ بالعلم، وكان يستصحبه إلى الدكان ويستخدمه في صغار شئونه، ومن هنا جاءه لقبُ العطار، وكان يميل إلى التعلم وتأخذه الغيرةُ عند رؤيته أترابَه يتردَّدون إلى المكاتب، فكان يختلف إلى الجامع الأزهر خُفية حتى قرأ القرآن في مدة يسيرة، فلما عَلِم أبوه بذلك بارك اتِّجاهه وشجَّعه، فجدَّ في التحصيل حتى بلغ من العلوم في زمن قليل مبلغًا تميَّز به، واستحقَّ التصدِّي للتدريس، لكنه مال إلى الاستكمال، فاشتغل بغرائب الفنون والتقاط فوائدها.

والواقع أنَّ مفتاح شخصية العطار يكمن في حبِّه الأصيل للعلم، وكلفُ العطارِ بالمعرفة والتعلم هو الذي جعله فذًّا بين أقرانه تلميذًا وأستاذًا، وهو الذي صاحبه في كافة مراحل حياته وجعله حدَثًا في عصره.

كان الرجل قارئًا نهمًا، وكان إلى ذلك يُحسن الانتفاع بما يقرأ، حتى اشتُهر عنه ذلك، فإلى جانب النص السابق الذي يسجل أنه كان ميَّالًا إلى الاستكمال مشتغلًا بغرائب الفنون والتقاط فوائدها نجد أحدَ أصدقائه الشيخ محمد شهاب يقول: «إنَّ الشيخ العطار كان آيةً في حدَّة النظر وشدة الذكاء، ولقد كان يزورنا ليلًا في بعض الأحيان فيتناول الكتاب الدقيق الخط الذي تتعسَّر قراءتُه في وضَح النهار فيقرأ فيه على نور السراج وهو في موضعه، وربما استعار مني الكتاب في مجلدين فلا يلبث عنده الأسبوع أو الأسبوعين ويُعيده إليَّ وقد استوفى قراءتَه وكتَب في طُرره على كثير من مواضعه.»

وقد اتصل العطار بالفرنسيين إبَّان الحملة ليعلِّم أحدَهم اللغة العربية، فكان يستفيد منهم الفنونَ المستعملة في بلادهم فيما يقول علي مبارك، وقد أشار العطار نفسه إلى ذلك في مقامته إن جاز أن نعتبرها مصدرًا، وإن غضضْنا الطرْفَ عن فكرة أنه ساقها على لسان راوٍ صديق، يقول في موضع منها معدِّدًا الكتب التي رآها عند الفرنسيين: «وكلها في العلوم الرياضية والأدبية، وأطلعوني على آلات فلكية وهندسية»، وفي موضع آخر من نفس المقامة يشير إلى حبِّ الفرنسيين للفلسفة وحرصهم على اقتناء كُتبها وإعمال الفكرة فيها.

وإلى جانب صلة العطار بالفرنسيين في مكتباتهم ومصانعهم، فقد كان للعطار ولعٌ بقراءة الكتب المترجمة عن اللغات الأوروبية، خاصةً في علمَي التاريخ والجغرافيا حتى اشتُهر عنه ذلك، والعطار نفسه يقول في هذا المنبع من منابع ثقافته:

«وقع في زمننا أن جُلبت كُتُب من بلاد الإفرنج، وتُرجمت باللغة التركية والعربية، وفيها أعمال كثيرة وأفعال دقيقة اطَّلعنا على بعضها، وقد تتحوَّل تلك الأعمال بواسطة الأصول الهندسية والعلوم الطبيعية من القوة إلى الفعل، وتكلَّموا في الصناعات الحربية والآلات النارية ومهَّدوا فيها قواعدَ وأصولًا حتى صار ذلك عِلمًا مستقلًّا مدوَّنًا في الكتب، وفرَّعوه إلى فروع كثيرة، ومن سمتْ به همَّتُه إلى الاطلاع على غرائب المؤلفات وعجائب المصنفات انكشفت له حقائقُ كثيرة من دقائق العلوم، وتنزَّهت فكرتُه إن كانت سليمة في رياض الفهم.»

وإلى جانب اتصالِ العطار بالثقافة الغربية عن طريق الاحتكاك المباشر أولًا ثم عن طريق الكتب المترجمة، فإن الرجل قد توفَّرت له وسيلةٌ ثالثة: هي الرحلة؛ إذ ذهب إلى الشام وفلسطين وتركيا، «ولم يَزلْ مشتغلًا بالإفادة والاستفادة حتى عاد إلى مصر بعلوم كثيرة، وأقرَّ له علماءُ مصر بالانفراد.»

وليس واضحًا في كل ما كُتِب عن الشيخ العطار سببُ هذه الرحلة، ولكن يبدو أنه اضطُرَّ إليها بعد أن ساءت علاقاتُه بالفرنسيين.

فلما عاد العطار إلى مصر في عهد محمد علي، عاد موسوعيًّا في ثقافته وعلمه، يطاول علماء الأزهر الأفذاذ، ويمتلئ حماسةً لتطوير البلاد وإصلاح أحوالها. ويمكن إجمال جهود العطار الإصلاحية في ثلاثة ميادين، هي: التعليم والثقافة، ثم الأدب واللغة، ثم السياسة.

أما في مجال التعليم والثقافة، فقد اتخذت جهودُ الرجل عدةَ مظاهر: أولها أنه جعل يُنبِّه الأزهريين في عصره إلى واقعهم الثقافي والتعليمي، ويُبيِّن ضرورةَ إدخالهم المواد الممنوعة؛ كالفلسفة والأدب والجغرافيا والتاريخ والعلوم الطبيعية، كما يبيِّن ضرورة إقلاعهم عن أساليبهم في التدريس، ووجوب الرجوع إلى الكتب الأصول وعدم الاكتفاء بالملخصات والمتون المتداولة، ويتوسَّل إلى ذلك بكل وسيلة، يقول مبيِّنًا الفارق بين علماء عصره والعلماء الأفذاذ الذين عرَفهم العالمُ العربي قبل عصر العطار، ومحطمًا أكذوبة تحريم الدين الإسلامي لبعض العلم:

… من تأمَّل ما سطرناه وما ذُكِر من التصدي لتراجم الأئمة الأعلام، علِم أنهم كانوا — مع رسوخ قدمِهم في العلوم الشرعية والأحكام الدينية — لهم اطِّلاعٌ عظيم على غيرها من العلوم، وإحاطة تامة بكلياتها وجزئياتها حتى في كُتُب المخالفين في العقائد والفروع، ثم هم مع ذلك ما خلوا في تثقيف ألسنتهم وترقيق طباعهم من رقائق الأشعار ولطائف المحاضرات.

وفيما انتهى إليه الحال في زمن وقعنا فيه عُلِم أن نسبتنا إليهم كنسبة عامة زمانهم، فإن قُصارى أمرنا النقلُ عنهم بدون أن نخترع شيئًا من عند أنفسنا، وليتنا وصلْنا إلى هذه المرتبة، بل اقتصرنا على النظر في كُتب محصورة ألَّفها المتأخرون والمستمدون من كلامهم نُكرِّرها طول العمر، ولا تطمح نفوسُنا إلى النظر في غيرها حتى كأن العلم انحصر في هذه الكتب، فلزم من ذلك أنه إذا ورد علينا سؤالٌ من غوامض علم الكلام تخلَّصْنا منه بأن هذا كلام الفلاسفة ولا ننظر فيه، أو مسألة أصولية قلنا لم نرها في «جمع الجوامع» فلا أصل لها، أو نكتة أدبية قلنا هذا من علوم أهل البطالة، وهكذا فصار العذر أقبح من الذنب … وهذه نفثة مصدور.

وقد بدأ العطار يخرج على هذا الجمود العلمي الأزهري بتدريسه المواد الممنوعة؛ إذ بدأ يدرِّس الجغرافيا والتاريخ في الأزهر وخارج نطاق الأزهر، كما كان تلميذُه محمد عياد الطنطاوي يدرِّس الأدب في الأزهر بإيحاء العطار وتحت إشرافه في «مقامات الحريري» حوالي سنة ١٨٢٧م، كما بدأ تلميذه رفاعة الطهطاوي أيضًا يدرِّس الحديث والسُّنة بطريق المحاضرة وبلا نص، مما كان مثارَ إعجاب العلماء، وفي الخطط التوفيقية أن العطار «عقد مجلسًا لقراء تفسير البيضاوي»، وقد مضت مدةٌ على هذا التفسير لا يقرؤه أحد، فحضر أكابرُ المشايخ، فكانوا إذا جلَس للدرس تركوا حِلقَهم وقاموا إلى درسه»، ولعله بذلك يكون قد بدأ ما لجأ إليه الأفغاني ومحمد عبده من إعادة تفسير القرآن في ضوء الظروف المعاصرة، والمهم أن هذا النصَّ يدلُّ على أن التربة من حول العطار لم تكن مَواتًا تمامًا، فإن قيام زملائه الشيوخ إلى حلقته، مع اشتداد معارضتهم له ونقمتهم عليه لنزعته التجديدية ولحملاته على تقصيرهم العلمي لهو أمرٌ له دَلالته، كما أنه وثيقة تَشهد بمقدرة هذا العالِم الفذِّ.

فكأن الشِّق الأول من دعوة العطار الإصلاحية كان يتمثَّل في مناداته بضرورة تطوير التعليم الأزهري من حيث المناهجُ ومواد الدراسة؛ وذلك بالرجوع إلى المصادر الأصلية وبتدريس المواد الممنوعة، وهو ما يمكن أن نُعبِّر عنه بالدعوة إلى ضرورة بعْث التراث العربي القديم، وهي دعوةٌ حاول العطار نفسُه الإسهامَ في تنفيذها؛ إذ لم يكن يكفُّ عن البحث والتنقيب في هذه المراجع القديمة وإشراك خاصة تلاميذه في ذلك، ولقد كان الأزهر أكبر المعاقل العلمية في ذلك الوقت، فحديثُ العطار عن التعليم الأزهري وقصورِه حديثٌ عن الحالة الثقافية عامة في البلاد.

المظهر الثاني لحركة الشيخ العطار التجديدية في مجال الثقافة والتعليم يتمثَّل في دعوته إلى إدخال العلوم العصرية، وعبارته في ذلك معروفة: «إن بلادنا لا بد أن تتغير أحوالُها ويتجدَّدَ بها من المعارف ما ليس فيها.» والشيخ العطار لم يقتصر في دعوته على مجرد التبشير بأفكاره الإصلاحية، إنما هو يُردف القول بالعمل، فإلى جانب تدريسه وتأليفه في العلوم العربية نجده يكتب في المنطق والفلك والطب والطبيعة والكيمياء والهندسة، يتضح ذلك من قائمة مطبوعاته، ومن إشاراته إلى إعجابه بما رأى عند الفرنسيين وخاصةً تحويلهم علومَهم إلى عمل، وفضلًا عن ذلك فإن استعراض قائمة مطبوعات بولاق حتى سنة ١٨٣٥م تدلُّ على أن عددًا وافرًا من المطبوعات في جميع المواد المذكورة كان قد طُبِع، بل إن العطار كان يتردَّد على المرصد الذي أنشأه الفرنسيون، كما «كان يرسم بيده المزاول النهارية والليلية»، وقد حفلت شروحُ الرجل وحواشيه على الكتب المختلفة بتعليقات في كافة العلوم الطبيعية والاجتماعية والإنسانية.

والجانب الثاني من جوانب حركة العطار هو التطوير الأدبي، وقد مرَّ بنا أنه أفلح في إدخال الدراسة الأدبية إلى الأزهر على يدي تلميذه الطنطاوي، كما أنه هو نفسه قد اعتنى بالأدب عنايةً خاصة، فلم يكن يتحرَّج من إنشائه أو تدريسه، ويُبيِّن عدم تعارض ذلك مع وقار العلم أو جلال الدين، مستشهدًا بالأسلاف العظام.

كان العطار يكتب النثر ويَنظم الشعر، ويُشجع تلاميذه على ذلك، حتى إن جمال أسلوبه كان سرَّ اختياره أولَ محرِّر للوقائع العربية، وقد كتب العطار مقامةً على النسق القديم، وإن كان موضوعُها حديثًا، فهي تدور حول علاقته بالفرنسيين وانتفاعِه بمكتبتهم، كما كتَب كتابًا في فلسفة الإنشاء ضمَّنه كلَّ الأنواع الأدبية المعروفة لعهده، وأردف كلًّا منها بنماذج مختارة من إنتاجه الخاص، وهي أكثر أجزاء الكتاب حيوية؛ إذ يسجِّل فيها خواطرَه وانطباعاتِه التي تركتْها في نفسه رحلاتُه ومعاملاته مع الناس الذين احتكَّ بهم، والكتاب بعدُ حافلٌ بنماذج شعرية للرجل نفسه، وذلك هو كتاب «إنشاء العطار».

وفضلًا عن ذلك فتاريخ «الجبرتي» حافلٌ بنماذج شعرية له، وكذلك «كنز الجوهر»، و«الخطط التوفيقية»، وغيرها من الكتب التي تُرجمت له.

ويغلب على أسلوب العطار البساطةُ والسهولة والحِرص على الفكرة ونقْلها إلى القارئ؛ فالأسلوب عنده مجردُ وسيلة للتعبير وليس غايةً في ذاته، ومع ذلك فهناك في بعض كتابات الرجل السجعُ والمحسنات البديعية عمومًا، ومن غريب الأمر أن ذلك يكثر حيث يقصد الرجل إلى الإنشاء الأدبي أو الكلام في فلسفة الأدب، ويقلُّ في مؤلفاته العلمية حيث يسهل أسلوبُه ويسلس حتى ليوشك أن يكون معاصرًا.

أما في الشعر فإن نماذج العطار الحيَّة قد دارتْ حول موضوعاتٍ شغلَتْه، وهو يُسجِّل وعيَه بذلك وتمسُّكَه به، ونفوره من التِزام التقليد القديم في بكاء الدِّمَن، والانغلاق في الموضوعات الشعرية القديمة وعناصرها. ومن أقوال «العطار» في هذا المعنى ما جاء في ثنايا تغنِّيه بجمال الطبيعة في دمشق:

بوادي دمشق الشام جُز بي أخا البسط
وعرِّج على باب السلام ولا تُخطي
ولا تبكِ ما يبكي امرؤ القيس حوملَا
ولا منزلًا أودى بمنعرج السِّقطِ
فإن على باب السلام من البَها
ملابسَ حُسنٍ قد حُفِظن من العطِّ
هنالك تلقَى ما يروقك منظرًا
ويُسلِي عن الأخدان والصحب والرهْطِ
كساها الحيا أثوابَ خط فدثرتْ
بنور شعاع الشمس والزَّهر كالقُرط

فهو يؤْثر التحوُّل عن بكاء الأطلال إلى التغنِّي بالطبيعة الحيَّة من حوله إيثارًا واعيًا مقصودًا، ويُلاحظ على هذه المقطوعة سهولةُ لغتها وتماسك أبياتها في كل مترابط، وهي صفة عامة تنسحب على معظم إنتاج العطار الشعري ما لم يعمد الرجلُ إلى التزام الإطار التقليدي للقصيدة العربية، كما كان متداولًا عند معاصريه، ويكثر ذلك في شعر المناسبات غاليًا. وفي رثاء الشيخ العطار لأستاذه «الدسوقي» نجد نموذجًا لهذا الشعر الذي يقوم على المغالاة والاتكاء على التوليدات المنطقية مما يجعله أقربَ إلى النظم، وفي نماذج هذا النوع تنتكس وحدةُ القصيدة فيُصبح البيت وحدة قائمة بذاتها؛ كقوله:

عزاءُ بني الدنيا بفقْد أئمة
لكأسُ مريرِ الموت كلٌّ تجرَّعا
يمينًا لقد جلَّ المصابُ بشيخنا الـ
ـدُّسوقي وعاد القلبُ بالهمِّ مُترَعا

بقي من أوجه نشاط العطار الجانبُ السياسي، والفكرة الشائعة بين من درسوا الرجلَ وأعماله أنه كان مسالمًا بطبعه، يلتزم أسلوب العلماء في الآراء التي يبشِّر بها، أو أنه كان حصيفًا كيِّسًا — كما يذهب المرحوم الأستاذ العقَّاد — فلم يُقحِم نفسَه في مجال السياسة، بل إن الذي يُراجع آراء معاصري العطار من الشيوخ يحسُّ أنهم كانوا ينظرون إليه على أنه رجلُ محمد علي وصنيعتُه، والواقع أن هذه النظرة إلى نشاط العطار السياسي لها ما يُبرِّرها من ظاهر موقف الرجل ورأْي معاصريه فيه، ولكنها بعدُ نظرة من الخارج أو هي نظرة على السطح.

لقد رحل العطار من القاهرة إلى أسيوط فرارًا من وجه الفرنسيين أول دخول رجال الحملة الفرنسية القاهرة، وظلَّ هناك حتى هدأت الأحوال واطمأنَّت النفوس، فعاد مع العائدين، وبدأت صلةُ العطار بالفرنسيين منذ ذلك التاريخ، وتوثَّقت هذه الصلة حتى أصبح يَفهم عنهم ويتحمَّس لحضارتهم وعِلمهم، ويُبشِّر بضرورة الانتفاع بكل ذلك، ثم يسافر العطار إلى سوريا وتركيا ولا يعود إلا في عهد محمد علي. والراجحُ أنه خرج مُكرَهًا بسبب العسف الفرنسي، أو احتجاجًا على إساءة الفرنسيين معاملةَ المصريين، ويقال إنه ذكر ذلك في بعض رسائله الخاصة.

وفي عهْد الحملة بشَّر نابليون في منشوراته وأقواله بملامحَ ديمقراطية رائعة، وبلغ ذلك ذروته في الديوان العام الذي هو أشبه ما يكون بمؤتمر عام يضمُّ مندوبي القاهرة والأقاليم للبحث في شكْل الحُكم والضرائب والقُضاة وغير ذلك من الأمور الحيوية، كما نجد هذه اللمحة الديمقراطية تتكرَّر في الدواوين الخاصة، إلا أن الفرنسيين لم يلبثوا أن فجَعوا المصريين في آمالهم التي علَّقوها بهذه الوعود البرَّاقة؛ ذلك أن الفرنسيين سلبوا هذه المنظماتِ فاعليتَها، وفرضوا الكثير من الضرائب والإتاوات والسُّلَف الإجبارية، بل أزهقوا من الأرواح ما لم يُجْدِ معه تدخُّلُ أعضاء الدواوين ولا العلماء، مما ضاعف من حنَق المصريين على الفرنسيين، وهو ما ترك أثرًا حاسمًا على الحركة القومية الوليدة، وبدهيٌّ أن العلماء المثقفين الفاهمين كانوا في طليعة الناقمين، وكان العطار بين هؤلاء في المقدمة، وحسبُنا دليلًا على غضبة الشعب وعدم انخداعه بوعود نابليون أن الديوان العام انتهى بثورة القاهرة الأولى.

وفي عهْد الحملة الفرنسية أيضًا تُرجِم الدستور الفرنسي وأُعيد طبعه ثلاثَ مرات، وكان العطار يُتابع الكتب المترجمة، فلا شك أنه قرأ هذا الدستور المترجَم ووعاه، ولقد كان العطار بعدُ مَعنيًّا بتقدُّم البلاد حريصًا عليه، وهو صاحب فكرة إرسال الطهطاوي تلميذِه الفذ في البعثة العلمية إلى فرنسا في عهد محمد علي، كما كان صاحبَ فكرة تدوين الطهطاوي لكل ما يرى وما يَعِنُّ له في أثناء رحلته مما كان ثمرته كتاب «تخليص الإبريز في تلخيص باريز»، فليس من المغالاة في شيء أن نستنتجَ أن وقوف الطهطاوي عند نظام الحكم الفرنسي، ونقلَه من الدستور الفرنسي، وإطالته الوقوف عند ما أسماه «جوانب العدل» فيه، إنما يرتدُّ إلى إيحاء أستاذِه العطار. ومن هنا يمكن أن نُجمل موقفَ الرجل السياسي في عهْد الحملة الفرنسية، في نشاط مُعادٍ استوجب نفيَه، ثم تنبُّهه إلى مزايا الديمقراطية الفرنسية وحرصُه على أن تنتفع بلادُه بها انتفاعًا رسَم خطوطه العريضة لتلاميذه وعَهِد إليهم بموالاته.

•••

وفي عهْد محمد علي نجد إشاراتٍ متفرقة يمكن بجمعها وتعمُّقها أن نستدلَّ على موقف العطار السياسي، وأُولى هذه الإشارات أن الرجل كان صديقًا حميمًا للجبرتي المؤرِّخ، وأنه أسهم معه في تأليف كتابه «مظهر التقديس»، والمعروف عن الجبرتي أنه كان يَنقِم على محمد علي افتياتِه على الكيان المصري والشخصية المصرية، وإن أُعجب بنشاطه وحزمه، يقول في ذلك: «… فلو وفَّقه الله بشيء من العدالة على ما فيه من العزم والكياسة والشهامة والتدبير والمطاولة لكان أعجوبةَ زمانه وفريد أوانه.»

وليس ببعيد أن يكون هذا هو حقيقة موقف العطار نفسه من محمد علي وحُكمه، لا سيما أن الرجل كان شديدَ الغيرة على المصلحة العامة، شديدَ الحرص على تشخيص الواقع المحيط به وتغييره.

•••

أما الإشارة الثانية إلى موقف العطار السياسي في عهد محمد علي، فنجدها في الوقائع في الفترة التي وَليَ فيها العطارُ تحريرَ القسم العربي منها (١٨٢٨–١٨٣٠م). وخلاصة هذه الإشارة أن أحد محرِّري الوقائع، واسمه عزيز أفندي، كان يحرص على أن يعرض الأخبار التي ترِد إليه من محمد علي عرضًا موجَّهًا، أي أنه كان يعلِّق عليها برأيه الشخصي، ولم يُرضِ ذلك محمدًا عليًّا، فلفت نظرَ عزيز أفندي مرة ومرة، وفي الثالثة نحَّاه نهائيًّا عن الوقائع، وبعد ذلك بقليل نجد رئيس التحرير نفسه يعتذر عن كتابته بعضَ أشياء لم يكن مطَّلعًا عليها فوقع بها الخطأ، وأن سعادته «محمد علي» أمر بأنه لا يُكتب شيء إلا بعد الاطِّلاع على حقيقته ليكون خاليًا من السهو والخطأ، ويشكر المحرِّرُ محمدًا عليًّا لتجاوزِه عن هذا الأمر، بل واختياره المحرر عضوًا في المجلس العالي من غير استحقاق.

وهذه الإشارات جميعًا لا تدعُ مجالًا للشك في أن العطار لم يكن راضيًا تمامًا عن كل ما يدور حوله، ولكنه كان كيِّسًا اتعظ بما فعل محمد علي بزعماء المصريين وعلمائهم المناوئين له، فلم يلجأ «العطار» إلى أسلوب المجابهة المفتوحة.

والخلاصة أن الشيخ حسن العطار كان له موقفٌ متكامل من مشكلات مجتمعه الثقافية والتعليمية والأدبية والسياسية.

وقد حاول أن يُشخِّص هذا الواقع ويُحدِّد جوانب الضعف فيه، كما نادى بضرورة تغييره ورسَم برنامجَ هذا التغيير، ثم أسهم بدَوره في هذا التغيير، وأخيرًا أنه عهِد بأمانة هذا التغيير ومستقبله إلى تلاميذه، الذين يُعتبر رفاعةُ الطهطاوي نموذجَهم الفذَّ الذي بلغت حركةُ العطار على يديه أوجهًا. وفي كل ما قاله الطهطاوي وما عمله تكاد روحُ العطار وشخصيته أن تُلمَس باليد.

١  وقد عثرنا على ترجمة أخرى له بهذا العنوان بقلم الأديب الكبير الأستاذ سامي بدراوي، نشرها في «المجلة» التي تصدر في القاهرة، فأثبتناها بنصها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠