طاهر الجزائري

١٢٦٨–١٣٣٨ﻫ

يرجع نسبُ الشيخ طاهر الجزائري إلى أسرة الأدارسة بالمغرب، ويُعتبر والدُه السيد محمد صالح بن أحمد بن موهوب الجزائري الإدريسي الحسيني آخرَ مَن قدِم من أفراد أسرته إلى المشرق، إذ قدِم إلى دمشق سنة ١٢٦٣ﻫ، واشتهر فيها بتبحُّره في العلوم والمعارف، والتزامه مكارمَ الأخلاق، وبها تُوفي سنة ١٢٨٥ﻫ، تاركًا عدَّةَ أولاد أشهرُهم الشيخُ طاهر المترجَم له.

وقد وُلِد الشيخ طاهر بدمشق بعد قدوم والدِه إليها بخمس سنوات، وعُني والدُه بتنشئته وتربيته، فتلقَّى علومَ العربية وآدابَها على مشاهير علماء عصره، وعُني بجمع الكتب والمخطوطات منذ حداثة سنِّه إلى آخر حياته، كما عكَف على دراسة اللغتين الفارسية والتركية فأتقنهما بجانب إتقانه علومَ العربية، وفي الوقت نفسه حذَق اللغة الليبية، وهي لغة قبائل الجزائر المغربية.

وكانت هوايتُه للكتب سببًا لتنقُّله في مختلف البلاد لجمْع نفائسها، فأكسبتْه رحلاتُه معارفَ جمَّة جديدة، وتوثَّقت صِلاتُه بكثير من العلماء والأدباء في البلاد التي زارها، وصار مرجعًا يُعتدُّ به في فنِّ وصْف المخطوطات ومعرفة مظانِّها.

وإلى الشيخ طاهر الجزائري يرجع الفضل في السعي الحثيث في إنشاء كثير من المؤسسات النافعة في دمشق، وفي مقدمتها الجمعيةُ الخيرية التي ضمَّ إليها مشاهير العلماء والوجهاء السوريين، وتمَّ تأسيسُها سنة ١٨٩٤م وأنشأت مدارس عديدة، كما أنشأت مطبعة قامت بطبع كثير من الكتب المدرسية.

ومن مساعيه الحميدة تأسيسُ المدرسة الظاهرية بدمشق، وإنشاء مكتبتها الكبيرة التي جمَع فيها ما كان مبعثرًا من الكتب والمخطوطات القيِّمة في المساجد والمدارس وغيرها فحفظها بذلك من الضياع ويسَّر الانتفاعَ بها.

كما يرجع الفضلُ إلى الشيخ طاهر الجزائري في إنشاء المكتبة الخالدية بالقدس.

وإلى جانب هذا كلِّه، عكف رحمه الله على جمْع نفائس المخطوطات ونوادر المطبوعات، وواصل جهودَه في التأليف والترجمة، وقام برحلات عدة إلى جزيرة العرب وغيرها من بلاد المشرق ثم أعقبها برحلات أخرى إلى الآستانة ومصر والبلاد الأوروبية.

وفي سنة ١٣١٦ﻫ/١٨٩٨م عُيِّن مفتشًا لمكاتب الشام، ولبث في هذا المنصب أربع سنوات قدَّم خلالها خدماتٍ جليلة لتنظيم هذه المكاتب والنهوض بها.

وحدث أن قام بعد ذلك برحلة إلى فلسطين، وفي أثناء غيبته هناك قامت السلطاتُ الحاكمة في دمشق بتفتيش داره فيها ومصادرة كُتبه وأوراقه والتحفظ عليها في مكتبه الخاص بمدرسة عبد الله العظم «باشا»، فاستاء من هذه المعاملة، واستقرَّ رأيُه على المهاجرة إلى مصر، وتمَّ له ذلك في سنة ١٩٠٥، وحمل معه إليها أكثرَ محتويات مكتبته الثمينة تاركًا بقيَّتَها في المكتبة الظاهرية بدمشق بعد أن وقفها عليها، وقد رحَّب به علماءُ مصر وأدباؤها وبقي فيها محوطًا بالإجلال والتكريم، حتى أُصيبَ بمرض طال علاجُه في سنة ١٩١٩، فعاد إلى دمشق حيث عُيِّن مديرًا للمكتبة الظاهرية ثم عضوًا في المجمع العلمي هناك، ولكنَّ مرضَه ما لبث أن اشتدَّ وأسلم روحَه الطاهرة إلى بارئها بعد قليل.

وقد ترك الشيخ طاهر الجزائري عدةَ مؤلفات مخطوطة، منها: التفسير الكبير، والمعجم العربي، والسيرة النبوية، وجلاء الطبع في معرفة مقاصد الشرع، وموسوعة باسم «التذكرة» في عدة مجلدات ضمَّنها ما اختاره من فرائد المخطوطات والكتب النادرة.

أما مؤلفاته المطبوعة، فمن أهمها: كتاب «بديع التلخيص وتلخيص البديع» وقد طُبِع على الحجر سنة ١٨٧٨م، وكتاب «منية الأذكياء في قصص الأنبياء»، عرَّبه عن التركية وطُبِع سنة ١٨٨١م، وكتاب «الفوائد الجسام في معرفة خواص الأجسام» وموضوعه الحكمة الطبيعية، وقد جمع بين قديمها وحديثها، وطُبع سنة ١٨٨٣م، وكتاب «عقود اللآلي في الأسانيد العوالي»، وطُبع سنة ١٨٨٥م، وكتاب «مدخل الطلاب إلى فن الحساب»، وطُبع ثلاث مرات، وكتاب «تمهيد العُروض إلى فن العَروض»، وطُبع سنة ١٨٨٦م.

وله مؤلفات كثيرة أخرى منها كتابان في مصطلح الحديث، هما: «مبتدا الخبر في مبادئ علم الأثر»، و«توجيه النظر إلى أصول الأثر»، وكتاب في التجويد اسمه «تدريب اللسان على تجويد البيان»، وكتاب باسم «البيان لبعض المباحث المتعلقة بالقرآن»، وقد انتفع بهذه المؤلفات في حياته وبعد مماته كثيرون من طلاب العلم والمعرفة في سوريا ومصر وغيرهما من البلاد العربية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠