نعمان الآلوسي

١٢٥٢–١٣١٧ﻫ

وقفنا على ترجمة له بخط السيد محمود شكري الآلوسي مؤرَّخة ٢٢ رجب سنة ١٣٣٩، قال رحمه الله:

هو السيد نعمان بن محمود بن عبد الله بن محمود الآلوسي البغدادي، ينتهي نسبُه إلى الحسين بن علي آل أبي طالب رضي الله عنهما، وُلِد يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلتْ من المحرم سنة اثنتين وخمسين ومائتين وألف للهجرة النبوية، وقد أرَّخ ولادتَه يومئذٍ شاعرُ عصرِه عبد الحميد الأطرقجي فقال:

بدا الكوكبُ الدريُّ والقمر الذي
محاسنُه للشمس أضحتْ تُسامِتُ
فلا عجبٌ إن فاح كالمسك عَرفُه
فها هو من بيت النبوَّة نابتُ
له ثبَتَ الحقُّ الصريح من العُلَى
وتاريخُه حقٌّ لنعمان ثابتُ
١٢٥٢

وقد اشتهر بأنه السيد خير الدين نعمان أبو البركات ابن السيد محمود عبد الله الآلوسي كما تقدَّم، ولم ينبت منه العِذارُ إلا وجمع من الفضائل ما يسعه أسفار، ولم يبلغ سنَّ العشرين إلا وصار من الأساتذة المعتبرين، أخَذ العلم عن والده المبرور وعن أجلة تلامذته ممن كان بالفضل مشهورًا، وقد أجازه العلماءُ الأعلام والمشايخ العظام بجميع العلوم من منطوق ومفهوم، وجمَع من الأسانيد والأثبات ما لم يجتمع عند غيره من ذوي الفضائل والكمالات، وقد اقتحم مشاقَّ الأسفار لذاك، وطوَى شققَ البعاد لما هناك، له المحبة التامة بالعلم وذويه، والشغف الوافر بالفضل وحامليه، لا سيما ما كان عليه السلف الصالح، من الطريق المستقيم الواضح، فقد طوى قلبَه على محبتهم، وسلوك نهجهم وطريقتهم، فأحيا ذكرَهم بعد اندراسه، وأوقد مصباحَ هديهم بعد انطفاء نِبراسه، سيف الله المسلول على أهل البدع والأهواء، والبلاء المبرم على من خالف الشريعة الغرَّاء، ولا يجنح في الغالب لتأويل، ولا يميل إلى زخرف الأقاويل، فهو سلفيُّ العقيدة، آمرٌ بالمعروف، ناهٍ عن المنكر، صادعٌ بالحق؛ فلذا كثُر معاندوه، وخصماؤه وحاسدوه، فإن الحق صعبٌ على المغلوب، وتركَ مألوف العوائد تأباه القلوب، وكان في الوعظ لا يُشَقُّ له غبار، ولا يُدرَك في مضمار، فهو كالسيل المنحدر، والغيث المنهمر، فهو كما قال القائل:

إذا ما رَقِي للوعظ ذروةَ مِنبرٍ
لخُطبته فالكلُّ مُصغٍ ومنصتُ
فصيحٌ عن الشرع الإلهي ناطقٌ
وعن كلِّ مذمومٍ من القول صامتُ

تولَّى أيام شبابه بعضَ المناصب العلية، فكان فيها محمودَ السيرة، حتى ترَك جميعَ ألسنة الناس تلهجُ بالثناء عليه، ثم ترك ذلك وسافر إلى بيت الله الحرام، وزيارةِ قبر رسوله عليه أفضل الصلاة وأكمل السلام، ثم عاد إلى وطنه واشتغل بالتدريس والتأليف، ثم سافر إلى دار الخلافة عن طريق الشام، واجتمع بغالب هاتيك الديار الأعلام، فاستجاز وأجاز، ومرَّ أيضًا على مصر لأجل طبْع تفسيرِ والده، واجتمع هناك أيضًا بأفاضلها ومشاهيرِ علمائها ومنهم السيد عبد الهادي الإبياري عليه الرحمة، فلما وصل إلى القسطنطينية ألقى بها عصا التَّسْيار، فعومل هناك أحسن معاملة، وأحلُّوه من الاحترام محلَّه، وبعد أن نال مقاصدَه عاد إلى وطنه قريرَ العين، بعد أن أقام في تلك الديار نحو سنتين، وعند ذلك مدَحه الشعراء، وأثنى عليه الأدباء، ثم انتصب للتدريس في المدرسة المرجانية، ونشَر الفضائل والسُّنن النبوية، وكان قد جمع ما جمع من الكتب النادرة فأوقفها على تلك المدرسة، فهي إلى اليوم محفوظةٌ فيها، لم يزل المستشرقون يزورونها ويستكتبون منها ما ندَر وجودُه في غيرها، كانت هذه المدرسة مهجورةً نَعبتِ البومُ في أكنافها، حتى أعادها كما كانت أيام مُنْشِيها‎.

ألَّف كُتبًا عديدة، وتصانيفَ مفيدة، منها: حاشية على شرح القطر لمصنفه، أكمل بها حاشية والده، وقد اشتملت على تحقيقات، ومنها: كتاب الشقائق، واسمه شقائق النعمان على شقاشق ابن سليمان، وابن سليمان هذا كان من متصوفة بغداد، اسمه داود، أصله من عانات، كان داعيةً للبدع، ألَّف رسالة دعا بها العوام إلى الغلوِّ في أهل القبور، وقد قرَّظ الشقائق شاعرُ عصره عبد الباقي أفندي العمري بأبيات منها:

شقاشق ابن سليمان أضحت لها.

… إلى آخر الأبيات.

ومنها: الآيات البينات، نصَر فيها ما قاله السادة الحنفية في باب الإيمان من عدم سماع الأموات، ولما نشرها قام لها القبوريون وقعدوا، ومنها: جلاء العينين في المحاكمة بين الأحمدين، وهو كتابٌ مشهور نصَر فيه الشيخَ ابن تيمية وردَّ فيه ما تقوَّله عليه ابنُ حجر الهيتمي المكي الشافعي، ومنها: كتاب غالية المواعظ، وقد لخَّصه من كُتُب ابن الجوزي وغيره، ورتَّبه ترتيبًا حسنًا سهَّل فيه مسالكَ الوعظ، فهو اليوم عليه اعتمادُ أغلب الواعظين في الديار العراقية وغيرها، ومنها: الأجوبة النعمانية عن الأسئلة الهندية، وله كتاب مختصرٌ مشتمل على كلام لا تختلف قراءتُه صدرًا وعَجُزًا، وكذا الكلمات، كلفظ «سلس»، وقد شرح كفاية المتحفظ للأجدابي ولم يُتمَّه، وله غير ذلك، وله نثرٌ لطيف وشعر رقيق قد جُمِع في مجموع مفرد.

ومن أجلِّ مصنفاته: الجواب الفسيح لِما لفَّقه عبد المسيح، وهو الكندي الذي ألَّف رسالة وطعن فيها على الديانة الإسلامية، والرد بمجلدين طُبِع في الهند، وقد قرَّظه جمْعٌ من العلماء نظمًا ونثرًا، منه قول علي بن سليمان أحد أفاضل علماء نجد من قصيدة طويلة:

هو البدرُ إلا أنه غيرُ آفلٍ
هو العلَم الفردُ الذي فاز بالشكرِ
تآليفُه أمستْ جلاءَ عيونِنا
وسارتْ بها الرُّكبانُ في البر والبحرِ
ولا سيِّما الردُّ الفسيح فإنَّه
كتابٌ حوَى عِلمًا يجلُّ عن الحصرِ
وبان به شرعُ الإله ودينُه
وأصبح مقطوعًا به دابرُ الكفرِ
والقصيدة طويلة، وكان حلوَ المفاكهة، سريعَ المحاضرة، محبوبَ العِشرة، كثيرَ اللطائف والنِّكات، حسن الخط، وافرَ العقل، وكان مربوعَ القامة، أبيض اللون، يميل إلى الصفرة، صبورًا على عناء المداراة، وترك أربعة بنين لم يزالوا مشتغلين بالعلم،١ ثم إنه تمرَّض عدة أشهر، ثم انتقل إلى رحمة الله، وحضر جنازتَه جمْعٌ لا يُحصَون عددًا، رحمة الله عليه.
١  لم يبقَ منهم اليوم أحد، فسبحان الدائم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠