محمد بن عقيل العِلوي

١٢٧٩–١٣٤٩ﻫ

وقفتُ له على ترجمة بخطه، قال رحمه الله:

هذا تعريف بالفقير إلى الله محمد بن عقيل بن عبد الله يحيى، طلبه بعضُ الإخوان منه:

هو محمد بن عقيل بن عبد الله صاحب البقرة، ابن عمر بن أبي بكر بن طه بن محمد بن شيخ بن أحمد بن يحيى بن حسن الأحمر بن علي العناز بن علوي بن محمد مولى الدويلة، ابن علي بن علوي بن محمد الفقيه المقدَّم، ابن علي بن محمد صاحب مرباط، ابن علي خالع قسم، ابن علوي بن محمد بن علوي بن عبد الله بن المهاجر أحمد بن عيسى بن محمد بن علي العريضي، ابن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب.

وأحمد بن عيسى هو أول من سكن حضرموت من العلويين، هاجر إليها من البصرة سنة ٣١٧ﻫ، وترجمته وترجمة المذكورين من آباء المعرف به مشهورة، وكثير من أمهاتهم وأمهاتهن معروفة أنسابهن، واللاتي تُعرف سلسلة اتصالهن بالزهراء منهن نحو سبعمائة، رحمهم الله تعالى.

وُلِد محمد بن عقيل بحضرموت بقرية مسيلة آل شيخ ونشأ بها، وكانت ولادتُه ضحى يوم الأربعاء ليومين بقيَا من شهر شعبان سنة ١٢٧٩ﻫ الموافق ١٨ فيبرواري (فبراير) سنة ١٨٦٣ﻫ، وكان والده السيد عقيل من أشهر أعيان حضرموت نفوذًا وعلمًا، وأكثرهم سعيًا في إصلاحها، وبنفوذه ونقوده وجدِّه تمَّ ما ابتدأ فيه والدُه السيد عبد الله من طرد يافع من قلب حضرموت وتأمير آل كثير عليها، وكسر الجيوش التي جلبها يافع من الهند واليمن لأخذ الثأر، وقد بدأ إقامة سدٍّ مهمٍّ لريِّ قسم كبير من حضرموت فمات قبل إتمامه، وأجرى عيونًا بجوار قرية ساة، واقتنى كُتبًا جمَّة جُلُّها مخطوطة وبعضُها من أقدم ما طُبِع، ولم تزل محفوظة في مكتبته الحافلة بشتى العلوم والفنون والآداب.

ووالد السيد عقيل هذا هو السيد عبد الله المشهور في الحجاز واليمن والهند وجاوة بصاحب البقرة، وقد ترجم له أكثرُ من واحد، وهو أحد الأعلام الجامعين بين العلم والعمل الساعين في إصلاح البلاد، وله عدة رسائل وفتاوى معتمدة نافعة، وجمع مكتبة مخطوطة لم تزل بقيتُها أكبرَ مكتبة معروفة بحضرموت.

ووالدة محمد المذكور هي الزهراء بنت العلَّامة السيد عبد الله بن الحسين بن طاهر، وإليه وإلى أخيه أمير المؤمنين بحضرموت (ولم يُدْعَ بهذا اللقب بحضرموت غيره) وإلى ابن شقيقتهما السيد عبد الله صاحب البقرة ينتهي إسنادُ الحضارمة في العلوم الشرعية.

وبعد بلوغ محمد هذا ستَّ سنين جلب له والدُه مَن يُعلِّمه القراءة والكتابة في بيته حفظًا له من الاختلاط بالناس، وفي بضعة أشهر ختَم قراءة القرآن الكريم في المصحف، ثم حفظ عددًا من مختصرات المتون في العربية وغيرها، مع أكثر من ربع كتاب الإرشاد في الفقه، والمُلحة، ونظم القواعد الفقهية، وبعض دواوين الشعر، وأكثر مقامات الحريري وغير ذلك، وقد لازم والدَه إلى وفاته وقرأ عليه وانتفع به، وحضر دروسَ عمِّه السيد محمد بن عبد الله نحو سنة، وانتفع كثيرًا من العلَّامة الأوحد الجليل السيد أبي بكر بن عبد الرحمن بن شهاب الدين في أوقات متفرقة قضاها في رعايته بحضرموت وجاوة والهند.

وقد احتاج للرحلة عن وطنه صغيرًا لوفاة والده السيد عقيل سحر ليلة الأربعاء لثلاث بقين من صفر سنة ١٢٩٤ﻫ عن أقل من ٤٥ عامًا، فسافر في صفر سنة ١٢٩٦ﻫ من وطنه بعد أن تزوج فيه بنت السيد عثمان بن عبد الله بن عقيل بن يحيى العلوي أكبر علماء جاوة ومفتيها الأكبر، فوصل سنغافورة منتصف ربيع الأول سنة ١٢٩٦ﻫ، ودخل جزيرة جاوة، واشتغل في بعض نواحيها وفيما جاورها بالتجارة وبالزراعة وبالتصدير، فكانت له صلاتٌ تجارية واسعة الأطراف بجهات متعددة في الصين واليابان وجزائر الفلبين وسومطرة وغينيا الجديدة والهند والسند وبرما وسيلان واليمن والحجاز ومصر والشام والعراق والآستانة والأناضول وبعض أوروبا، وله معارف ببعض تلك النواحي وأصحاب، ورحل وساح في الكثير من هذه الأصقاع، وكرَّر زيارة بعضها، وأقام مددًا في بعضها كالصين واليابان والحجاز والهند وسومطرة وبعض عواصم أوروبا، وحضر معرض باريس سنة ١٩٠٠م ثم عاد إليها بعد ذلك، ولم تكن له معرفة بغير اللغة العربية ولغة ملايو، ويفهم قليلًا من لغة أردو الهندية وما لا يُذكر من لغات أخرى، وقيَّد فوائد متعلقة بتلك السياحات في مدة أكثر من أربعين سنة في مسودات لم تُبيَّض ضاع بعضها.

ثم طاف في حضرموت وغيرها منقِّبًا عن آثار الأقدمين، وعرف كثيرًا من أمراء جزيرة العرب وكبرائها وعلمائها، ومن جهات أخرى، وانتفع بكثير من العلماء والصالحين، وحضر دروس معظمهم، وقرأ على بعضهم رسائل ومختصرات وأوائل كُتُب كالأمهات، وأجازه كثيرٌ منهم بمروياتهم، كما أجازه بعضُ من لم يتيسر له ملاقاتُه، كالشيخ البركة محمد العرب نزيل المدينة، وأرسل له لباسًا مع الإجازة، ومنهم الحافظ الجليل محدث اليمن الشيخ حسين بن محمد السبعي اليمني نزيل يهويال بالهند، وقد ذكر طُرقه وأسانيده في إجازاته.

وممن أجازه مشافهةً العلَّامة الصوفي السيد المحسن بن علوي بن سقاف السقاف، وبقية السلف السيد محمد بن إبراهيم بلفقيه، والمعمر الصالح العابد السيد شيخ بن عمر السقاف، والجهبذ العلَّامة السيد أحمد بن محمد المحضار، والبارع المحقق المتفنن علَّامة العصر السيد أبو بكر بن عبد الرحمن بن شهاب الدين، والحافظ الجليل الإمام السيد أحمد بن حسن العطاس الضرير، والعلامة البركة السيد علي بن محمد الحبشي، وأنموذج الأسلاف شريف الأوصاف الورِع الزاهد العلامة السيد عيدروس بن عمر الحبشي، والصالح البركة السيد أحمد بن عمر العيدروس نزيل سورات بالهند، والعابد الناسك السيد المحسن بن عمر العطاس نزيل باروده بالهند، وقد ألبسه كل هؤلاء خرقة الصوفية.

وممن أجازه وألبسه خرقة التصوف علَّامة المدينة الشيخ حبيب الرحمن الدكني الهندي، وممن أجازه العلامة المحدِّث السيد محمد مظهر المدني.

وحصلت بينه وبين كثير من الفضلاء محبةٌ ومكاتبة، ومباحثة ومراجعة، وحَبَّب إليه ربُّه المطالعةَ في الكتب النافعة فكانت هي السمير والرفيق، والتقط من بحرها فرائد فوائد أورد كثيرًا منها فيما جمعه من الرسائل والكتب التي يشتغل بكتابتها في ساعات الراحة.

وكان جُلُّ إقامتِه وتجارته في جزيرة سنغافورة، وفي سنة ١٣٣٨ﻫ أرسل بعضَ أفراد أسرته إلى مكة المكرمة، ثم في سنة ١٣٣٩ﻫ أرسل مَن بقي منهم مع حاشيته، ثم لحِق بهم فيها، وأقام بها ستةَ أشهر، ثم رحَل بجميع أهله ومَن معه من الحجاز في صفر سنة ١٣٤٠ﻫ إلى المكلا أسكلة حضرموت، وهو الآن١ بها، وفَّقه الله لِما به يرضى عنه بمنِّه وكرمه، والحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله.
١  وكتب المغفور له العلَّامة المحقق أحمد تيمور باشا بخطه بآخر هذه الترجمة ما نصه:

حضر السيد ابن عقيل لمصر سنة ١٣٤١ﻫ وهو مسافر إلى الحج، والتقيت به في القاهرة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠