أحمد بن الخوجة التونسي

١٢٤٦–١٣١٠ﻫ
هو أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد بن حمودة بن محمد بن علي خوجة،١ وُلِد سنة ١٢٤٦، ونشأ في حِجْر علمٍ وفضل، فقرأ على والده شيخ الإسلام النحوَ والفقه والأصول وعلم الكلام، وروى عنه صحيح البخاري، وجوَّد عليه القرآن العظيم، وأجازه إجازة عامة هذا نصُّها:

الحمد لله الذي وصَل من انقطع إلى جنابه، ووقف ضارعًا خاضعًا ببابه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل وأصحابه، صلاةً وسلامًا نرجو بهما النجاة يوم العرض على الله من مناقشة حسابه وأليم عذابه.

وبعد، فإن ولدي الفاضل النجيب، الزكي الذكي الأريب، الحائز من العلوم أوفر نصيب، الرامي في ميدانها بسهم مصيب، الأمجد الأنجد، أبا العباس أحمد، زاده الله توفيقًا، وحشرني وإياه مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسُن أولئك رفيقًا، قد التمس مني أن أُجيز له فيما تضمَّنه هذا الثبت وغيره مما أمليت أو كتبت وفي سائر ما هو لدي وصحَّت نسبتُه إليَّ، فها أنا قد أجزت له إجازة تامة في ذلك كلِّه، علمًا مني بأنها من وضْع الشيء في محله، وأجزتُ له أيضًا أن يُجيزَ مَن أراد الكرع من حياضه، والاقتطاف من أزهار رياضه، وأوصي ولدي بتقوى الله في سرِّه وعلانيته، فإنه سبحانه وتعالى مطَّلعٌ على فعله وعلى نيته، وألا ينساني بصالح دعواته، في خلواته وجلواته، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

كتبه بيده الفانية الفقير إلى ربه
محمد بن الخوجة
في يوم الإثنين ١٩ صفر عام ١٢٧١ﻫ

وقد بلغ من عناية والدِه به أنه كان إذا خطرت في باله مسألةٌ من مسائل العلم وهو في سريره يُنَبِّه ابنَه من النوم ويُلقيها إليه لئلا يفوتَ صاحب الترجمة أخذها عنه.

وأخذ عن عمِّه حسين بن الخوجة، والشيخ حسين البارودي، والشيخ محمد الستاري، والشيخ إبراهيم الرياحي، والشيخ ابن ملوكة، والشيخ محمد بن عاشور، والشيخ ابن سلامة، والشيخ محمد النيفر، والشيخ معاوية، والشيخ الخضار، والشيخ الشاهد، والشيخ محمد الشنقيطي.

وأجاز له شيخ الإسلام الشيخ بيرم الرابع إجازة منظومة، قال فيها:

وبعدُ فإنَّ نيلَ العلمِ فخرٌ
لصاحبه يُورِّثُه جلالَا
ولا سيما الحديث وأي شخص
يزاوله ولم يُحمد مآلا
وممَّن قاده التوفيقُ حتى
تردَّى من مطارفه وجالَا
وأسهَر جفنَه فيه اكتسابَا
وبالغ في تطلُّبه فنالَا
أبو العباس أحمد وهْو من قد
عجزتَ إذا طلبتَ له مثالَا
ويابنَ الخوجة الأسمى أبيه
محمد الهمام حوى احتفالا
ومن أضحى لذاك الليث شبلًا
فقد سبق الجهابذة الرجالَا
وقد طمحت إلى الإسناد نفسٌ
زكت منه وأحسنت الفعالا
فيمِّمْ ذا الفقير يروم منه
إجازته وقد ظنَّ الكمالا
وأفنى في تردُّدِه زمانًا
وكرَّر في عنايته السؤالا
فأحجم عن إجابته حياءً
وأوسعه لذا المعنى المطالا
ولما لم يجد من ذاك بُدًّا
ولا أعفى المُلح ولا أقالا
تجشمها وليس لها بأهل
مساعفة لراغبه وقالا
أجزتُ له رواية ما روى لي
أساتذة وقد كانوا جبالا

تولى صاحب الترجمة خطةَ التدريس بجامع الزيتونة، فبهر العقول بتحقيقه وبراعة أسلوبه، وتولَّى الإمامة بجامع محمد باي، ومشيخة المدرسة الشماعية، وخطب من إنشائه الخطب البليغة، وتولَّى خطةَ القضاء في ربيع الأول سنة ١٢٧٧ فقام بأعبائها أحسنَ قيام، وتولَّى الإفتاء في المحرم سنة ١٢٧٩، ورجع إلى التدريس يجمع بين التدريس والفتوى، ولا يصح الجمعُ بين القضاء والتدريس.

ولما تُوفي الشيخ معاوية ولَّاه المشير محمد الصادق باي منصبَ شيخ الإسلام في صفر سنة ١٢٩٤، وانتصب لدرس تفسير البيضاوي عام ولايته مشيخة الإسلام فأبدع في التقرير، وكان درسُه موردًا لأذكياء العلماء، وشرع في الكتابة على حواشي عبد الحكيم على هذا التفسير، ولكن عاقه عن الاستمرار على ذلك الدرس ما طرأ على سمعه من صمم.

وكان رحمه الله لطيفَ المحاضرة، حسن النظر في مذاهب السياسة الشرعية، عالي الهمة، حسن اللقاء.

«مؤلفاته» منها: المرشد، ورسالة في حكم الانتفاع بشواطئ البحار ومعظم الأنهار، والصبح المبين، ونفثة المصدور. وتصدَّى لتكميل حاشية والده على الدرر من أولها لأن والده شيخ الإسلام ابتدأ تلك الحاشية على كتاب النكاح.

وحرَّر من الفتاوى ما لا يسع القلمُ استيعابَه، وكان يصوغها على طريقة النظر المستقل، فيطبِّق الأصول والقواعد على الوقائع مع رعاية المصالح ومقتضيات الأحوال، ويجمع في أكثرها بين المذهبين الحنفي والمالكي.

وما برحت مجالسُه بأهل العلم والأدب حافلة، وبراعته على تحرير الفتاوى عاملة، إلى أن تُوفي سنة ١٣١٠ﻫ، تغمَّده الله برحمته ورضوانه.

١  وقفت له على ترجمة كتبها بخطه صديقنا العالم الجليل السيد محمد الخضر حسين نقلًا عن مذكراته الخاصة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠