محمد الخِضر حسين

١٢٩٣–١٣٧٨ﻫ
وُلِد الشيخ محمد الخضر حسين،١ بمدينة نقطة بالقُطر التونسي في ٢٦ رجب سنة ١٢٩٣ﻫ، واشتغل بالعلم بعد أن حفظ القرآن، فقرأ بعض الكتب الابتدائية ببلده، وفي آخر سنة ١٣٠٦ﻫ رحل مع أبيه وأُسرته إلى القاعدة التونسية، فدخل الكلية الزيتونية سنة ١٣٠٧ﻫ وقرأ على أشهر أساتذتها، وتخرَّج عليهم في العلوم الدينية واللغوية، ونبغ فيها وفي غيرها، فطُلِب لتولي بعض الخطط العلمية قبل إتمام دراسته، لكنه أبى وواظب على حضور دروس العلماء والأكابر، مثل: عمر بن الشيخ، والشيخ محمد النجار، وكانا يُدرِّسان التفسير، والشيخ سالم بوحاجب، وكان يُدرِّس صحيح البخاري.

ثم رحل إلى الشرق سنة ١٣١٧ﻫ، ولكنه لم يبلغ طرابلس حتى اضطر إلى الرجوع بعد أن أقام بها أيامًا، فلازم جامع الزيتونة يفيد ويستفيد إلى سنة ١٣٢١ﻫ، فأنشأ فيها مجلة السعادة العظمى، ولقي في سبيل بثِّ رأيه الإصلاحي ما يلقاه كلُّ مَن سلك هذا السبيل.

وفي سنة ١٣٢٣ﻫ ولِيَ القضاء بمدينة بنزرت، والتدريس والخطابة بجامعها الكبير، ثم استقال ورجع إلى القاعدة التونسية، وتطوَّع للتدريس بجامع الزيتونة، ثم أُحيل إليه تنظيم خزائن الكتب بالجامع المذكور، وفي سنة ١٣٢٥ﻫ اشترك في تأسيس جمعية زيتونية، وفي هذه المدة جُعِل من المدرسين المعيَّنين بالجامع.

وفي سنة ١٣٢٦ﻫ جُعِل مدرسًا بالصادقية، وكُلِّف بالخطابة بالخلدونية.

ولما قامت الحرب الطرابلسية بين الطليان والعثمانيين كان من أعظم الدعاة لإعانة الدولة، ونشَر بجريدة الزاهرة قصيدتَه التي مطلعها:

رُدُّوا على مجدنا الذِّكر الذي ذهبا
يكفي مضاجعنا نومٌ دهَى حُقبَا

ثم رحل إلى الجزائر فزار أمهاتِ مدنها، وألقى بها الدروس المفيدة، ثم عاد إلى تونس، وعاود دروسه في جامع الزيتونة، ونشر المقالات العلمية والأدبية في الصحف.

وفي سنة ١٣٣٠ﻫ سافر إلى دمشق مارًّا بمصر، ثم سافر إلى القسطنطينية فدخلها يوم إعلان حرب البلقان فاختلط بأهلها وزار مكاتبها، ثم لما عاد إلى تونس في ذي الحجة من هذه السنة نشر رحلته المفيدة عنها وعن الحالة الاجتماعية بها ببعض الصحف.

ثم جُعِل عضوًا في اللجنة التي ألَّفتها حكومةُ تونس للبحث عن حقائق في تاريخ تونس، ثم ترك ذلك لما عزم على المهاجرة إلى الشرق، فرحل إليه ونزل مصر وعرف بعض فضلائها، ثم سافر إلى الشام ثم للمدينة ثم للقسطنطينية، ثم عاد إلى دمشق معيَّنًا مدرسًا للغة العربية والفلسفة بالمدرسة السلطانية بها، وبقي كذلك إلى أن اتهمه مدة الحرب العظمى جمال باشا حاكمُ سورية بكتم حال المتآمرين على الدولة، واعتقله ستة أشهر وأربعة عشر يومًا، ثم حُوكم فبرئ من التهمة فأُطلق سبيلُه في شهر ربيع الثاني سنة ١٣٣٥ﻫ.

ومن شعره في حبسه، وكانوا حالوا بينه وبين أدوات الكتابة:

غلَّل الحبسُ يدي عن قلمٍ
كان لا يصحو عن الطِّرْس فناما
هل يذودُ الغمض عن مُقلته
أو يلاقي بعده الموت الزؤاما
أنا لولا همةٌ تحدو إلى
خدمة الإسلام آثرتُ الحِماما
ليست الدنيا وما يُقسم من
زهرها إلا سرابًا أو جهاما

ثم استمر في التدريس بالمدرسة بدمشق، إلى أن دُعي إلى القسطنطينية سنة ١٣٣٦ﻫ فجُعِل منشئًا عربيًّا بوزارة الحرب، وواعظًا بجامع الفاتح، فبقي كذلك إلى سنة ١٣٣٧ﻫ، ففارق الآستانة وعاد إلى دمشق، وقال في ذلك:

أنا كأسُ الكريم والأرض نادٍ
والمطايا تطوف بي كالسقاة
رُبَّ كأس هوتْ إلى الأرض صدعًا
بين كف تُديرها واللهاة
فاسمحي يا حباةُ بي لبخيل
جفن ساقَيه طافح بالسبات

وعُيِّن عضوًا بالمجمع العلمي العربي بدمشق ومدرسًا ببعض المدارس، فلم يباشر شيئًا من ذلك، بل سافر قاصدًا مصر، ونزل بها، فولي التصحيح، وعمل الفهارس بدار الكتب المصرية.

ومن مؤلفاته: نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم، وحياة ابن خلدون، والخيال في الشعر العربي، وحياة اللغة العربية، وغيرها.٢
١  كتب المؤلف هذه الترجمة في حياة المترجَم، وكان صديقَه، وأوصى بأن يُدفن إلى جواره، وقد أنشأ الشيخ الخضر جمعية الهداية الإسلامية وأصدر مجلة لها، وعُيِّن عضوًا بالمجمع العلمي العربي بدمشق وعضوًا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ثم اختير شيخًا للأزهر في بداية ثورة ٢٣ يوليو سنة ١٩٥٢، وتوفي سنة ١٩٥٩م.
٢  توفي إلى رحمة الله سنة ١٣٧٨ﻫ الموافق سنة ١٩٥٩م، وصُلِّي على جثمانه بالجامع، وقد احتفل رجال الدين والعلماء ونحوهم بتشييع جنازته، ودُفِن بجوار جثمان المغفور له العلَّامة أحمد تيمور باشا بمدافن الأسرة التيمورية بالإمام الشافعي، رضي الله عنه؛ بناءً على وصيته بذلك.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠