علي الليثي

١٢٣٦ﻫ–١٣١٣ﻫ

كان الشيخ علي الليثي في ابتداء أمره مقيمًا بمسجد الإمام الليثي، وكان ينزل إلى الأزهر لطلب العلم ويعود للمبيت هناك، وكان كريمًا على فقره، ثم ورد على مصر الشيخ السنوسي الكبير قاصدًا الحجَّ، فاتصل به وأخَذ عنه الطريق وحجَّ معه، ولما عاد إلى مصر لم يفارقْه حتى سافر معه إلى «جغبوب»، وأقام هناك مدَّة لم يفتأْ فيها يطلب العلم ويستفيد، ثم فارقه وعاد إلى مصر، واتصل بأُمِّ عباس الأول فجعلتْه شيخًا على مجلس «دلائل الخيرات» عندها، ثم اتصل بالأمير السابق أحمد رفعت ابن إبراهيم باشا الكبير فاعتقد فيه وأَطْلعه على خِزانة كُتُب عنده فاطَّلع على ما فيها واستفاد منها، وكان الاعتقادُ فيه بسبب سفره إلى جهة المغرب وأخْذه عِلمَ الزايرجة والأوفاق عن علمائه المشهورين، وتابعه في ذلك كثيرون لاعتقادهم فيه معرفته هذا العلم.

ولما تولَّى سعيد حُكمَ مصر أمر عبده باشا ضابطُ القاهرة بجمْع مَن يأكلون أموالَ الناس بالباطل بهذه الخزعبلات وما إليها ونفيهم إلى السودان، فسِيق معهم الشيخ علي الليثي لما عَلِق به من الاتهام بذلك، فبقي في السودان إلى أن عُفي عنه وعاد إلى مصر.

ولما تولَّى الخديو إسماعيل تلألأ نجمُ الشيخ علي الليثي وبدا سعدُه فاتصل به وقرَّبه هو والشيخ عليًّا أبا النصر وجعلهما نديمَين له كنديمَي جذيمة وصار لا يصبر عنهما في مجالس أنسه، فكانا إذا حضر تلك المجالس أزاحا الكُلفةَ وتبسَّطا معه في القول والتندير، فكانت لهما في ذلك من النوادر ما يملأ الأسفار.

وقد بلغ من شغفه بهما أن خصَّص لهما قاعةً بديوانه يجلسان بها كأنهما من المستخدمين فيه، وحدَث أن أمر بكتابة ألواح على باب كلِّ قاعة من الديوان ليعرف مَن بها كقلم التشريفات وقلم التحريرات ونحوهما، وسألهما العامل ماذا يكتبه على قاعتهما، فقال له الشيخ الليثي: اكتب عليها: «إنما نطعكم لوجه الله.»

وبسبب تقرُّب المترجَم من الخديو قصدَه الناس في الشفاعات عند الكبراء، ونفع الله به خلقًا كثيرين، جزاه الله عن مسعاه خيرَ الجزاء.

ولما عُزِل الخديو إسماعيل، وتولَّى بعده ولدُه محمد توفيق، شغَف أيضًا بالمترجَم كوالده وقرَّبه، وأحلَّه محلَّه من القبول، حتى قامت الثورة العُرابية وسافر الخديو إلى الإسكندرية، فانضمَّ الشيخُ علي الليثي للعرابيين اضطرارًا أو اختيارًا، فلما انتهت الثورةُ العرابية وعاد الخديو للقاهرة لم يُؤاخذْه وصفَح عنه، وقابله المترجَم بقصيدة، مطلعُها:

كلُّ حال لضدِّه يتحوَّل
فالزمِ الصبرَ إذ عليه المعوَّل

تبرَّأ فيها من الفتنة وأبان عذرَه في الانضمام إلى العُرابيين، وزاد بعد ذلك الخديو في تقريبه وإكرامه، ولا سيما بعد أن بنَى قصرَه بحلوان، وصار يُسافر إليه كلَّ أسبوعين في سفينة بخارية، فإنه كثيرًا ما كان يسافر بالسفينة نفسها لزيارة الشيخ الليثي في ضَيعته بشرق أطفيح حيث يتناول الطعامَ عنده ويُقيم يومًا في ضيافته، وهو شيء لا يفعله مع غيره.

ولهذا اعتنى المترجَم بتلك الضَّيعة فغرس فيها البساتين والكروم، وبنى قصرًا صغيرًا لنزول الخديو وحَرمِه وحاشيته، ولم يزل هذا شأنه معه حتى مات الخديو، وتولَّى بعده ولدُه عباس فلم يكن للشيخ حظٌّ معه كحظِّه مع أبيه وجده؛ ولذلك جعَل أكثرَ إقامته بتلك الضَّيعة يشتغل باستغلالها ومطالعة كُتُبه، فإذا حضر إلى القاهرة نزَل بداره التي بجهة باب اللوق فيُقيم بها أيامًا ثم يعود، ولم يزلْ كذلك حتى اعتلَّتْ صحتُه وطال مرضُه أشهرًا حتى توفاه الله إلى رحمته يوم السبت ١٠ من شعبان سنة ١٣١٣ﻫ عن سِنٍّ عالية، وقد شبع من الأيام وشبعت منه، ونال من العزِّ والجاه إلى مماته ما لم ينلْه غيرُه.

وكان رحمه الله آيةً في حُسن المجالسة، محبَّبًا إلى القلوب، أديبًا شاعرًا، حاضرَ الجواب، فكهَ الحديث، إذا عرفه إنسان تعلَّق به وكَرِه مفارقتَه، مع أنه كان دميمَ الصورة أطلس، ليس في وجهه إلا شارب خفيف وشعرات على ذقنه.

ولما حضَر لمصر السلطان برغش سلطان زنجبار ندبَه الخديو إسماعيل لمرافقته ومجالسته، فلازَمه مدة مقامه بالقاهرة، وأُعجب السلطان به إعجابًا شديدًا، ثم لما عاد لبلاده صار يتعهده بالرسائل والهدايا من العنبر ونحوه كلَّ سنة فيهدي هو أخِصاءه وأصحابه، وكذلك ما كان ينتج ببساتينه من غرائب الفاكهة وأصناف الأعناب النادرة كان موقوفًا جميعه على الهدايا لا يبيع منه شيئًا.

وكان أدباء مصر وفضلاؤها يقصدونه في تلك الضَّيعة، فيُنزلهم على الرحب والسعة، ويقيمون عنده الأيام والأشهر، وهو مقبلٌ عليهم بكرَم خُلقه ولطائفه ومحاضراته المستحسنة، وقد يُقيم الإنسان عنده شهرًا أو أكثر وهو يُؤنسه كلَّ يوم بحديث جديد لا يُعيده.

واقتنى خزانةَ كُتُب نفيسة اجتمعت له بالإهداء والشراء والاستنساخ، وكان يبذل الأثمان العالية في الكتب النادرة، فجُلبت له من الآفاق وعرَفه تجارُ الكتب والورَّاقون فخصُّوه بكل نفيس منها، ثم لما مات اقتسمها ورثتُه.

ومما وقفنا عليه للشيخ الليثي من الشعر قصيدة رثاء في محمد سلطان باشا — من أعيان الصعيد الذين تقلَّدوا مناصبَ في الدولة آخرها رياسة مجلس شورى القوانين في عهد الخديو محمد توفيق — وكان قد سافر إلى أوروبا لمعالجته من علَّة لم تُفِدْ فيها معالجةُ أطباء مصر، ووافاه أجلُه في مدينة غراتس بالنمسة، ونُقلت جثتُه إلى القطر المصري في أوائل شهر ذي القعدة سنة ١٣٠١ﻫ، وكان مطلع قصيدته:

لا تأمَن الدهر واحذرْه أخا الفطِن
فعنصرُ الدهر مطبوعٌ على الفتن
يا سابحًا في عُباب اللهو من عَمَهٍ
دعِ الأماني واحذرْ عادي الزمن
دهْرٌ تنكَّر في حالَيه لا ثقة
به لداريه في سرٍّ وفي علَن
بينا نرى المرء في أُزْر الصفا جزلًا
إذ ألبستْه المنايا حُلَّة الكفن
يُمسي وأزهار روض العيش يانعة
حينًا ويُصبح منعيًّا على ظعن
ذي شيمة الدهر لم يسلمْ مسالمه
هيهات يرعى ذمامًا غير مؤتمن
نرجو وفاه ولو كان الوفيُّ لما
أودى بنفس أبي سلطان ذي المِنَن

ومنها، والله أعلم بما يقول:

يا لهفَ نفسي على وافٍ له همَم
ببعضها لو تحلَّى الدهرُ لم يَخُنِ

ومنها:

إني لأعجب من ساعٍ لغائلة
وكان يرجو شفاء الروح والبدنِ
لكن قضى الله في إتمام نعمته
بأن يموت شهيدًا نازح الوطن
مَن مثله قام بالأمر العظيم وقد
كان الزمان عبوسَ الوجه بالفطن

ومنها في إقامة الخديو مأتمه:

وبعد أن مات إتمامًا لنائلة
أحيا مآتمه جريًا على السننِ
هذي العناية قد ودَّ الحسود له
لو كان أودى ولاقى مثلها وفني
قُل للحسود انتهض واحللْ مكانتَه
خلا لك الجو فاقرع هامةَ القننِ
يا شامتًا بنعي المكرمات فعِش
وخذْ أمانًا بما تهوى من الزمنِ
هذا وإلا فنُح مثلي مساعدة
وانثرْ فرائد دمْعٍ غالي الثمنِ
ما كلُّ مَن مات تبكيه الكرامُ ولا
كلُّ البكاء بكاءُ الواله الحزنِ
هذي مساجده هذي مدارسُه
هذي منازل أضياف على سننِ
لا أكذب الله إني بتُّ من أسَف
لولا يقيني بوشك القرب لم أكنِ
وقد كفاني رثا شجو يؤرخه
سلطان باشا شهيدًا مات يا حزني

[سلطان = ١٥٠، باشا = ٣٠٤، شهيدًا = ٣٢٠، مات = ٤٤١، حزني = ٨٦].

١٣٠١

حيث كانت وفاة سلطان باشا سنة ١٣٠١ﻫ. ومما يُؤْثر عن الشيخ الليثي أنه كان له إلمامٌ تامٌّ بالرثاء التاريخي على جاري عادة عصره، وفضلًا عن أنه كان شاعرًا أديبًا فلم نقف له على ما دوَّنه من الشعر. وأغلبُ الظنِّ أنه لم يطبع منه ما كان مخطوطًا ضمن مكتبته التي كانت تزخر بنفائس المخطوطات مما جُلب إليه إهداءً وشراءً ونسخًا واستنساخًا، وما بذله في اقتنائها من المال الكثير، حتى اقتسمها مَن بقي بعده من ورثته ولعلها بقيتْ محبوسةً تحت أيديهم لم ينتفع بها أحدٌ.

وبالجملة: فقلَّ أن يوجد مثله، أو يجتمع لإنسان ما اجتمع له من الورع والتقوى، خصوصًا في أواخر أيامه، رحمه الله رحمة واسعة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠