محمد العباسي المَهدي

١٢٤٣ﻫ–١٣١٥ﻫ

هو ابن الشيخ محمد أمين الحنفي ابن الشيخ محمد المهدي الكبير الشافعي، كان جدُّه المذكور من الأقباط فأسلم على يد الشيخ العلَّامة محمد الحفني، وقرأ عليه وعلى أخيه الشيخ يوسف الحِفني وغيرهما حتى صار من كبار العلماء، وترشَّح لرياسة الأزهر بعد الشيخ الشرقاوي ولكنها لم تتمَّ له وتولَّاها الشنواني، وقد أطال «الجبرتي» في ترجمته، ثم نشأ ولدُه الشيخ محمد أمين عالِمًا حنفيًّا، وتولَّى الفتوى بمصر زمنًا، وتوفي سنة ١٢٤٧ﻫ.

ووُلِد الشيخ محمد العباسي المهدي بالإسكندرية سنة ١٢٤٣ﻫ، فقرأ بها بعضَ القرآن، ثم حضر إلى القاهرة سنة ١٢٥٥ﻫ فأتمَّ حفْظه، واشتغل بالعلم سنة ١٢٥٦ﻫ فقرأ على الشيخ إبراهيم السقاء الشافعي، والشيخ خليل الرشيدي الحنفي، والشيخ البلتاني، وغيرهم، ثم صدَر أمرُ إبراهيم باشا ابن محمد علي بتوليته إفتاءَ الديار المصرية في منتصف شهر ذي القعدة سنة ١٢٦٤ﻫ، وهو في نحو الحادية والعشرين من سنينه ولم يتأهل بعدُ لمثل هذا المنصب الكبير.

ويقال إن السبب في ذلك عارف بك الذي تولَّى القضاء بمصر، وكانت له صلةٌ بالشيخ محمد أمين المهدي، فلما ذهب إبراهيم باشا إلى القسطنطينية ليتسلَّم من السلطان مرسومَ ولايته على مصر قابله عارف بك — وكان إذ ذاك شيخًا للإسلام — وأوصاه خيرًا بذرية الشيخ المهدي وأن يولِّيَ منهم من يصلح لمنصب أبيه.

فلما عاد إبراهيم لمصر بعَث في طلب الشيخ محمد العباسي المهدي، فصادفوه في درس الشيخ السقاء يحضر مقدمة مختصر السعد، ولما قابله أثنى عليه لاشتغاله بالعلم ثم أنبأه بأنه ولَّاه منصب الفتوى بمصر، وعزل عنه الشيخ أحمد التميمي الخليلي، وخلَع عليه خلعة هذا المنصب، ثم عقد له مجلسًا بالقلعة حضره حسن باشا المنسترلي والشيخ مصطفى العروسي وغيرهما، فأقروا على إقامة أمين للفتوى يقوم بشئونها حتى يتأهل صاحبُها لها ويُباشرها بنفسه، واختاروا له الشيخ خليلًا الرشيدي بدل الشيخ علي البقلي أمين فتوى التميمي، ونزل المترجَم من القلعة بموكب كبير من العلماء والأمراء، ووفد الناس على داره للتهنئة ومدحه الشعراء، فمن ذلك قول الشيخ محمد شهاب:

عزَّ يا عزة الحمى أن تُقاسي
بمهاة الصريم فيما تُقاسي

ومنها قوله:

تبَّ مفتي الهوى وتبَّت يدُه
ضلَّ شرعي نهجه والسياسي
فدعيه يا عز عزَّ اصطباري
إن فتواه فتنةٌ للناسِ
ولئن قلتُ أي فتوى البرايا
حكمت بالنصوص دون التباسِ
وارتضاها الزمانُ قل لي وأرخ
قلت فتوى مَهْدِيه العباسي

وهي قصيدة طويلة ألحق بها هذه الأبيات الثلاثة مشيرًا فيها إلى «التميمي» وإلى «الرشيدي» أمين الفتوى الجديد:

قلتُ لمَّا أن تمَّ بدرُ التميمي
واعتراه نقصُ الخسوف الشديدِ
رجع الدر بالفتاوى إلى ما
كان فيه من المكان المشيدِ
فلنِعْم الرشيد يا ابن أمين
ولنِعْم الأمين يا ابن الرشيدي

وروى الفاضل محمد أفندي التميمي — في الترجمة التي جمعها لأبيه الشيخ أحمد التميمي — أن سبب عزله عن الإفتاء أحقادٌ قديمة كانت في صدْر إبراهيم باشا منه بسبب معارضته له في أمور تخالف الشرع كان يريدها ويعارضه الشيخ فيها فلا يجد بدًّا من الإذعان بسبب إقبال أبيه «محمد علي» على الشيخ، فلما آلتْ ولايةُ مصر إلى إبراهيم كان أكبرُ همِّه عزْلَه عن الإفتاء.

ثم أكبَّ المترجَم على الاشتغال بالعلم، خصوصًا الفقه، حتى نال منه حظًّا وافرًا، وجلس للتدريس بالأزهر لإقراء «الدر المختار»، فقرأ منه إلى كتاب الطلاق وأكمل قراءته في داره، وقرأ «الأشباه والنظائر» في داره أيضًا، وباشر أمور الفتوى بعفَّة وأمانة وتدقيق وتحقيق، واشتهر بين الناس بالحزم والعزم وعدم ممالأة الحُكَّام، وحسبُك وقوفه في وجه عباس الأول وتعريضه نفسه للتهلكة صيانة لِما استُودع من أمانة العلم.

وسببُ ذلك أن هذا الوالي أراد أن يمتلكَ جميع ما بيد ذرية جدِّه محمد علي، مدَّعيًا أنه ورد مصر لا يمتلك شيئًا، فكل ما خلَّفه لذريته إنما هو من مال الأُمة يجب ردُّه إليها ووضعه بيد أمينها المتولي شئونها، واستفتى المترجَم فلم يوافقْه وأصرَّ على الامتناع ولم يحفل بوعيده وتهديده، حتى طلبه فجأةً إلى بنها فسافر إليها وهو موقنٌ بالهلاك، وكان معه عند طلبه الشيخ أبو العلا الخلفاوي فسافر معه لمؤانسته ومواساته، فلما وصلا إلى قصر بنها رُوجع المترجَم في الفتوى فأصرَّ على قوله الأول، فأمر بهما فأُنزلا إلى سفينة بخارية سافرت بهما ليلًا في النيل لنفي المترجَم إلى أبي قير، واعتراه لشدة وجلِه زحير١ كاد يودي به، وهو مع ذلك مُصرٌّ على قوله، والشيخ أبو العلا يهوِّن عليه الأمر ويؤانسه بالكلام، إلى أن صدر الأمرُ بإرجاع السفينة وأُنزلا منها وأُمرا بالسفر إلى القاهرة، وسلَّم الله، فكانت هذه الحادثة سببًا لعلوِّ قدْر المترجَم في النفوس، وإعظام الولاة فمَن دونهم لشأنه، وتسبب منها أيضًا إقباله على الشيخ أبي العلا المذكور وسعيه له في المناصب التي تولَّاها وعظُم بها أمرُه بعد ذلك.

وفي سنة ١٢٨٧ﻫ أراد الخديو إسماعيل عزْلَ الشيخ مصطفى العروسي شيخ الأزهر، ولكنه خشي الفتنة؛ لأن العزل لم يقع من قبل لأحد من مشايخ الأزهر، فأخذ في جس نبض العلماء وسبر غورهم في ذلك، فهوَّن عليه الشيخ حسن العدوي الأمرَ، وأوضح له أنه وكيل الخليفة، والوكيل له ما للأصيل، فسُرَّ الخديو وبادر إلى عزل الشيخ العروسي في أواخر السنة المذكورة، وكان العدوي يطمع فيها، وما قال ما قال إلا توطئةً لنفسه، فأخلف الله ظنَّه، وصدَر أمرُ الخديو في منتصف شوال بتوليته الشيخَ محمد العباسي المهدي والجمع له بين منصب الإفتاء ومنصب شيخ الأزهر، ودعاه الخديو لمقابلته، وخلَع عليه وأنزله من عنده بالموكب المعتاد، فباشر شئونَ منصبه بحزم وعزم وتُؤدة وتعقُّل، وكان أول ما صدر منه سعيه لإعادة ما كان لأهل الأزهر من المرتبات الشهرية والسنوية، ثم استصدر أمرًا من الخديو بوضْع قانون للتدريس فأجابه إلى ذلك، ووضع قانون الامتحان، وكانوا قبل ذلك لا يمتحنون، بل كان من تأهَّل للتدريس تصدَّر له — في أول درس له يحضره — شيوخُه وغيرهم من كبار العلماء ويناقشونه، فإن وجدوه أهلًا أقرُّوه وإلا أقاموه.

ولم يزل المترجم سائرًا في طريقه المحمود ملحوظًا بعين التبجيل من الحكَّام، وبين الخاص والعام، حتى ثارت الثورة العُرابية المشهورة، ورأى فيه العرابيون أنه ليس بالرجل الذي يوافقهم ويساعدهم في مطالبهم، فكان من جملة ما طلبه عرابي باشا من الخديو لما زحَف الجيش على قصر عابدين عزْلُ المترجَم من الأزهر، فعُزِل عنه في المحرم سنة ١٢٩٩ﻫ، وتولَّى بدله الشيخُ محمد الإنبابي، وانفرد هو بالإفتاء، ثم اشتدَّت الثورةُ وجاهر العرابيون بطلْب عزْل الخديو، وكتبوا قرارًا بذلك وقَّع عليه العلماء والوُجهاء، وامتنع المترجَم من التوقيع، وقال لحامل القرار: «أنا لا أُوقِّع بيدي، فإذا كان في الأمر غصبٌ فإن خاتمي معي خذوه ووقِّعوا أنتم بأيديكم كما تشاءون»، فانحرف عنه العرابيون وبثُّوا عليه العيون، حتى احتجب في داره التي على الخليج بالقرب من مدرسة الفخري المشهورة بجامع البنات، وتحامى الناسُ زيارتَه، وصار لا يخرج منها إلا لصلاة الجمعة في أقرب مسجد إليه.

ولما انتهت الثورةُ العُرابية وعاد الخديو للقاهرة في ١٢ ذي القعدة من تلك السنة، ذهب الشيخ مع العلماء للسلام عليه وتهنئته، فخصَّه الخديو من دونهم بمزيد من الترحيب والرعاية، وكان بينهم الشيخُ الإنبابي شيخ الأزهر، فلحظ ذلك، وخَشيَ أن يعزلَه الخديو ليعيد العباسي، فاستقال بعد أيام، وأصدر الخديو أمرَه يوم الأحد ١٨ ذي القعدة بإعادة المترجَم إلى الأزهر علاوة على منصب الإفتاء بيده، وفيما يلي نص ذلك الأمر الموجه من الخديو إلى رئيس النُّظَّار:

إنه بناءً على استعفاء حضرة الأستاذ الشيخ محمد الإنبابي من وظيفة مشيخة الجامع الأزهر، ووثوقنا بفضائل وعالمية حضرة الأستاذ الشيخ محمد العباسي المهدي، قد اقتضتْ إرادتُنا توجيهَ هذه الوظيفة لعهدته كما كانت قبلًا، علاوةً على وظيفة إفتاء السادة الحنفية المتحلِّي بها من السابق، وصدَر أمرنا للمومَى إليه بذلك في تاريخه، ولزم إصدارُ هذا لدولتكم إشعارًا بما ذُكِر» في ٢ أكتوبر سنة ١٨٨٢م الموافق ١٨ ذي القعدة سنة ١٢٩٩ﻫ.

وكان بعض علماء الأزهر سعوا لتنصيب الشيخ عبد الهادي نجا الإبياري، وكتبوا كتابةً بذلك، وأخذوا يوقِّعون عليها ويطوفون بها على العلماء، ففاجأهم الأمرُ بإعادة المترجَم، وذهب سعيُهم وتعبهم أدراجَ الرياح.

ثم استمر المترجَم جامعًا للمنصبين قائمًا بشئونهما أتمَّ قيام، حتى كانت سنة ١٣٠٤ﻫ وفيها بلغ الخديو أن جماعة من الأعيان والتجار مثل محمد باشا السيوفي وأخيه أحمد باشا يجتمعون للسَّمر بدار المترجَم في أغلب الليالي فيتكلَّمون في الأمور السياسية، ويُظهرون أسفَهم من وجود الإنجليز بمصر وموافقة الحكومة لهم فيما يحاولون، وغير ذلك من هذه الشئون، فحنِق الخديو وأرسل من يُحضرون إليه محمد باشا السيوفي فلم يجدوه بل وجدوا أخاه أحمد باشا، ومضى هذا معهم إلى القصر، فوبَّخه الخديو توبيخًا شديدًا، وقال له: «يُخيَّل لي أنكم تريدون إعادة الثورة العُرابية»، فتبرَّأ من ذلك، وحلف أن اجتماعهم لم يكن إلا بقصد السَّمر والائتناس.

ثم قابل الخديو المترجَم في إحدى المقابلات الاعتيادية فلم يهشَّ له كعادته، بل قال له وقت الانصراف: «يا حضرة الأستاذ، الأجدر بالإنسان أن يشتغلَ بأمور نفسه ولا يتدخل فيما لا يعنيه ويجمع الجمعيات بداره»، فما كان جواب المترجَم إلا أن قال له: «إنني ضعفت عن حمل أثقال الأزهر وأرجو أن تعفوني منه»، ولم يكن الخديو يتوقَّع منه هذا الرد، فغضب وقال مستفهمًا: «ومن الإفتاء أيضًا؟»

فقال له: «نعم ومن الإفتاء أيضًا» … ثم انصرف.

ولم يكن المترجَم ممن يغرب عنهم أن مثل هذا السبب لا يدعو إلى الاستقالة خصوصًا أن الخديو صرفه بالحسنى مع من اتُّهم معه، ولكن كان هناك سببٌ أقوى أغضب رئيسَ النظار نوبار باشا الأرمني؛ وذلك لحادثة رُفعت عنها دعوى أمام المحاكم الأهلية، واقتضى الأمرُ طلْبَ كشف وجه إحدى المُخدرات للتحقُّق منها، فامتنعت عن الإسفار محتجةً بعدم جوازه في الشريعة، واستُفتي المترجَم فأفتى بعدم الجواز، فشكاه رئيسُ النظار إلى الخديو ووصفه له بأنه أصبح عقبةً أمام القضاة معارضًا لأحكام القضاء، ثم طلَب عزلَه فيما يقال أو يُقيله الخديو من الوزارة.

فلما قال الخديو للمترجَم ما قال، تيقَّن أن المراد عزلُه فاستقال، وأمر الخديو يوم الثلاثاء ٣ ربيع الثاني من السنة المذكورة بإعادة الشيخ محمد الإنبابي للأزهر، وإقامة الشيخ محمد البنَّاء للإفتاء، وبقي المترجَم بداره التي على الخليج، واشتغل بإصلاح قسم منها تشعَّث، فأعاده إلى رونقه الأول، وصبغ حيطانه بالأصباغ، وهو القسم المطل على الخليج، وصار يُمضي وقتَه بالنظر في شئونه الخاصة والاشتغال بالعلم، إلى أن أُعيد إلى الإفتاء.

وأصيب في أواخر أيامه بفالج وهو يتوضأ لصلاة الجمعة أبطل حركتَه، ثم تعافى قليلًا وصار يخرج في عجَلته٢ للتنزُّه وعليه عباءة من الصوف، وأُشير عليه بالإقامة بحلوان لجفافها فانتقل إليها، وأقام بها برهة لم يستفدْ فيها شيئًا، فعاد لداره بالقاهرة، ووافتْه منيَّتُه في الساعة الخامسة من ليلة الأربعاء ١٣ رجب سنة ١٣١٥ﻫ عن اثنتين وسبعين سنة، بعد أن لازمه المرضُ نحو أربع سنوات، فأُذِّن له على المآذن، وحزن الناسُ لموته حزنًا شديدًا، وتكاثرت الجموعُ على داره لتشييع جنازته، فقيل إن عدد المشيعين بلغ نحو أربعين ألفًا، والمصلِّين عليه خمسة آلاف.

ودُفِن بقرافة المجاورين في زاوية الأستاذ الحفني جنب أبيه وجدِّه، ورثاه كثيرٌ من الشعراء جُمعت مراثيهم في رسالة ألَّفها الشيخُ عثمان الموصلي نزيل القاهرة، وسمَّاها «المراثي الموصلية في العلماء المصرية»؛ لأنه أضاف إليها ما رُثي به الشيخ عبد الرحمن الرافعي مفتي الإسكندرية، والشيخ سليم القلعاوي شيخ مسجد القلعة، والشيخ محمد المغربي، وكلُّهم توفوا في هذه السنة أيضًا.

وكان المترجَم رحمه الله رَبْعة، أقربَ إلى الطول، مليح الوجه، منور الشيبة، معتدل القامة، ذا هيبة ووقار، مات عن ثروة طائلة، وولدين هما: الشيخ عبد الخالق المهدي، والشيخ أمين، ماتا بعده واحدًا تلو آخر، ولم يُؤلِّف رحمه الله سوى مجموع فتاواه الذي سمَّاه «الفتاوى المهدية في الوقائع المصرية» طُبع بمصر سنة ١٣٠١ﻫ في ثمانية أجزاء كبار، وعاش في عزَّةٍ وتبجيل مدَّة حياته، وتولَّى الإفتاءَ أربعين سنة من سنة ١٢٦٤ﻫ إلى سنة ١٣٠٤ﻫ لم يُعزل فيها، فلم تُحفَظ عليه بادرةُ خطأ أو مخالفة للشرع؛ وسببُ ذلك أنه تولَّاه وهو صغير، والعيون شاخصة إليه، فكان لا يُفتي فتوى إلا بعد المراجعة والتدقيق والتعب الكثير، فحصلت له بذلك ملَكةٌ فيه، حتى صار معدومَ النظير لا يُجاريه مُجارٍ في هذا المضمار، وأُضيف إلى ما كان عليه من التقوى والتشدُّد في أمر الدين، حتى كانت مواقفُه أمام الولاة لا تزيده إلا رِفعةً في عيونهم؛ لعلمهم أنه لا يريد إلا نُصرة الحق، فأحبُّوه وأغدقوا عليه بالإنعام.

ومن مواقفه غير ما ذكرناه أن الخديو إسماعيل أراد مرة أن يستوليَ على الأوقاف الأهلية ويعوض عنها أهلها ما يقوم بمعاشهم، فاستفتاه في ذلك، فتوقَّف، وأفتاه بعضُهم بالجواز، فتكدَّر منه، وجمَع بينه وبين مخالفيه، فناظرهم وفاز عليهم بعدما ألَّفوا رسائلَ في الحادثة وأكثروا من الجلَبة.

ولم يقتصر الوُلاة على مشاورته في الأمور الدينية المختصة بمنصبه، بل كانوا يستشيرونه في غيرها من معضلات الأمور؛ لِما عرفوه فيه من سعة المدارك وجودة الرأي، حتى إن إسماعيل لما عُزِل عن مصر قال لولده توفيق فيما أوصاه به: احتفظ يا بني بالشيخ المهدي؛ فإنه رجل لا نظير له.

وبالجملة فمحاسن المترجَم كثيرة، ولم يكن فيه ما يشينه سوى ما كان يرميه به بعضُ شانئيه من الإمساك والتقتير، ويضعون عليه النوادر الخارجة عن حدِّ المعقول، والمعروف عنه للقاصي والداني أن داره كانت مفتوحةً للصادر والوارد لا تخلو مائدتُه يومًا عنهم، وحسبُنا أنه كان يُخرج زكاةَ أمواله كلَّ سنة ويُفرِّقها على المستحقين، رحمه الله رحمة واسعة وأكثر في الأُمة من أمثاله، وكان حائزًا لكسوة التشريف من الدرجة الأولى، ومُنح الوسام العثماني الأول في ٢١ صفر سنة ١٣١٠ﻫ هو وشيخ الأزهر الشيخ محمد الإنبابي وقاضي القضاة جمال الدين أفندي؛ وسببُ ذلك أن السيد توفيق البكري نقيب الأشراف سافر في هذه السنة إلى دار السلطنة، وتوصَّل بمساعدة الشيخ أبي الهدى الصيادي إلى مقابلة السلطان عبد الحميد، فأنعم عليه بهذا الوسام وبرُتبة قضاء عسكر الأناضول، فلما بلغ ذلك مسامعَ الخديو أحبَّ ألا يكون نقيبُ الأشراف ممتازًا عن كبار الشيوخ، وأرسل إلى السلطان ملتمسًا الإنعامَ على المفتي وشيخ الأزهر برتبة قضاء عسكر الأناضول، وعلى القاضي برتبة قضاء عسكر الرومالي؛ لأنه كان حائزًا لرتبة الأناضول، لكن طلبه لم يصادف قبولًا.

وأُحيل إلى المترجم قديمًا أمرُ انتقاء القضاة الشرعيين والمفتين الذين يقامون في ولايات القُطر ومراكزه، فكان يختار ذوي الكفايات، ويتحرَّى فيهم النجابةَ والذكاء والديانة، ويُحامي عنهم لدى الحكَّام ويشدُّ أزرَهم، فنال بذلك مقامًا لدى أهل العلم المرشحين لهذه المناصب، ووجَّهوا وجوهَهم شطرَ داره، وهو مع ذلك لا يميل مع الهوى في تنصيبهم، ولو كان ممَّن يمدُّ اليدَ لجمَع من هذا الوجه شيئًا كثيرًا، ثم رأتِ الحكومةُ أن يكون أمرُ تنصيبِهم منوطًا بلجنة تؤلَّف بنظارة الحقانية برياسة وكيلها إذ ذاك بطرس غالي باشا، وعرضوا على المترجَم أن يكون من أعضاء تلك اللجنة فأبى.

وكان له في المحاماة عن أهل الأزهر ومساعدتهم القِدْحُ المُعلَّى، وتُروى عنه مواقف في ذلك، منها أن الشيخ مصطفى الغروسي مدَّة تولِّيه على الأزهر استصدر من الخديو إسماعيل أمرًا بنفْي الشيخ حسن العدوي إلى إسنا، وكاد يُنفَّذ فيه، لولا أنه استغاث بالمترجَم، فقام بناصره، وذهب للخديو مستشفعًا ولجَّ وألحَّ حتى عُفي عن الشيخ.

١  استطلاق البطن بشدة.
٢  عربة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠