الفصل السابع عشر

الصراع الأخير

قال الطبيب: وما أتيت على آخر هذا الكتاب حتى كنت قد استنزفت آخر دمعة من عيني، وكانت الصفحات الأخيرة منه مكتوبة بقلم رصاص، ووهن يد إيفون ظاهر فيها، والصفحة الأخيرة لا تكاد تقرأ؛ لأن حروفها مضطربة والإمضاء الأخير ليس إلا خطًّا متموجًا.

دهشت لما أدركت أن المدموازيل ماري مارتال خطيبة موريس إنما هي ابنة إيفون، وأنها قصدت إليها واستوهبتها منها قلب خطيبها، وهما تجهلان إحداهما الأخرى، هممت في الحال أن أمضي إلى موريس؛ لكي أطلعه على كتاب إيفون، فإذا هو داخل علي يضطرب كالمجنون فبادأني قائلًا: قد استبطأتك فهل جدَّ لك ما أعاقك؟

– كنت الآن على أهبة المضيِّ إليك اجلس.

– كيف إيفون؟ قيل لي: إنها أسوأ حالًا اليوم.

– بل هي كالأمس فلا تجزع، اجلس فإن لي حديثًا معك.

– خير إن شاء الله.

جلس فناولته كتاب إيفون وقلت: خذ اقرأ هذا الكتاب بهدوء وسكينة، وأقسم لي أنك لا تخرج من هنا حتى أعود إليك.

– ما هذا الكتاب؟

– من إيفون لك، وقد أوصتني أن أحفظه عندي إلى حين، ولكني رأيت أن من الصواب أن أدفعه إليك الآن.

فتناوله بلهفة وقال: إني سجين هنا إلى أن تطلق سراحي.

من حسن الحظ أني كنت أعرف المسيو جوزف ماتون معرفة بسيطة، فذهبت إلى منزله فلم أجده؛ لأن الوقت كان المساء فبحثت عنه فوجدته في سبلندد بار، التمست مقابلته على انفراد فاعتزلنا في إحدى زوايا الحانة، فبادأته قائلًا: إن لي معك حديثًا خطير الشأن يا مسيو ماتون، فلا أعلم كيف أفتتحه إذ لا أدري ماذا يكون وقعه في نفسك، ولكن إذا وثقت بحسن نيتي سهلت لي محادثتك فيه.

– أراك شديد الاهتمام يا دكتور بوشه، وأخاف أن يكون حديثك سيئًا، فابسطه بكل حرية، إني هادئ الخلق.

– إذن أرجو أن تصدقني الجواب، ألم يكن لك أخت تدعى جوزفين؟

وجم عن الجواب، فقلت له: أما أذنت أن أبسط لك حديثي بكل حرية، ووعدت أن تكون هادئ الخلق؟ فأرجو أن تسامحني إذا كان تسآلي يسوءك.

– نعم لي أخت بهذا الاسم.

– والمدموازيل ماري ابنتها؟

– نعم، ولكن ليس من يعرف ذلك إلا زوجتي؛ لأني أخذت الفتاة من أمها طفلة إلى باريس ثم نعيتها إليها؛ لكي أقطع كل صلة بينهما، وهي لا تعلم إلا أنها يتيمة الأبوين.

– هذا ما أدركته، هل تعرف شيئًا عن أختك الآن؟

– لماذا هذا التسآل يا سيدي؟

– أتيت لكي أخبرك أنها مريضة وتتوق أن تراك.

فاغرورقت عيناه بالدموع وقال: تريد أن تقول: إنها تتأهب للرحيل إلى الأبدية أين هي الآن؟

– هي هنا في مصر باسم إيفون مونار.

وعند ذلك لم يستطع أن يتمالك عبراته فقال: نعم أريد أن أرى أختي.

– إذن هلمَّ معي.

وفي الحال نهضنا وركبنا مركبة إلى منزلي، وكان كل هنيهة يسألني سؤالًا وهو ممتقع الوجه خافق الفؤاد، ولما صعدنا قلت: أتيت بك يا سيدي إلى منزلي أولًا لكي أطلعك على تاريخ أختك قبل أن تراها، وهنا ترى المسيو موريس كاسيه فأرجو منك أن تقابله بالبشاشة مقابلة الصديق للصديق.

فنظر فيَّ مستغربًا كأنه يسمع ألغازًا، فقلت له: لا تستهجن أمرًا الآن، فسيتضح لك كل شيء.

ولما دخلنا إلى القاعة وجدنا موريس جاثيًا على الأرض ومرفقيه على المقعد، ورأسه بين كفيه، فلما شعر بدخولنا التفت، فوجدتُ عينيه قد تورمتا من فرط البكاء، ومنديله يذرف دموعًا، وفي الحال هب إلى المسيو ماتون وهزَّ يده، ولم يستطع أن يفوه ببنت شفة؛ لأن الحزن أخفت صوته بيد أنه دفع كتاب إيفون له، فقلت للمسيو ماتون: اقرأ هذه الكتاب لكي تعلم كيف تقابل أختك.

ثم خرجت وموريس إلى غرفتي وتركنا المسيو ماتون يقرأ وحده، استأذنني موريس أن يمضي إلى إيفون، فاستمهلته ريثما يفرغ المسيو ماتون من قراءة الكتاب، ولكني بعد برهة قصيرة رأيته أنه أصبح شعلة من شدة الحمى، وخفت أن إمساكه عندي دقيقة أخرى يُجنَّه، فأوعزت إلى الخادم أن يرشد المسيو ماتون إلى منزل إيفون متى شاء ومضيت وموريس إليها.

كنت خائفًا جدًّا أن تقع مقابلة موريس لإيفون موقعًا سيئًا على سلامتها، فأوصيته أن يكون هادئًا حكيمًا لديها، واستحلفته أن يطاوعني في كل ما ألتمسه منه، فانقاد إليَّ انقياد النعجة إلى الراعي، وجدنا إيفون في خمود يدل على اقترابها من شفا المنية؛ لأن النوبات توالت عليها في ذلك الحين فلم تبق لها همة، وصرت أتوقع النوبة القاضية عليها ساعة بعد أخرى، ومع ذلك تراءت لنا كالملاك السماوي، فزال امتقاع وجهها وأصبح محياها متلألئًا شفافًا كحجر الكهرمان.

ولما رأت موريس ابتسمت له ابتسامة سماوية من غير أن تضطرب، وجاهدت أن تمدَّ إليه يدها فتناولها موريس، وقبلها مرارًا وكانت دموعه قد نضبت من فرط البكاء السابق، واجتهد أن يبش لها كما أوصيته، ثم جلست لدى رأسها وموريس جلس لدى صدرها، وبعد هنيهة قالت باشة: أتيت يا موريس؟

– بماذا تشائين أن أكفر عن ذنوبي يا إيفون؟ بل أرجو منك أن تغفريها؛ لأنه ما من كفارة تستطيع أن تمحوها.

– سامحتك على كل إساءة في حينها يا موريس، وعذرتك عليها، ولكني ألتمس منك أن تكافئي حبي الخالص بأن تعود إلى خطيبتك التي ضحيت بقلبي لأجلها ولأجلك، إني مائتة يا موريس وماري باقية، فاستعض بها مني إن كنت لا تزال تحبني.

فجعل موريس يمرغ وجهه بيدها ويقول: إني أعبدها؛ لأنها نسخة منك يا إيفون.

فالتفتت به التفاتة استغراب فعاد يقول، قرأت كتابك يا إيفون، وعرفت منه أنك شقيقة جوزف ماتون خال ماري.

فقالت مدهوشة: يا لله ماذا تقول؟

– أقول: إن ماري ابنتك يا إيفون، وأنا أعبدكما معًا.

فعادت تستلقي على ظهرها، وتنهدت وقالت: إذن لم تزل ابنتي حية، أريد أن أرى ابنتي قبل أن أموت يا موريس، بربك استقدمها إليَّ، أريد أن أضمها إلى قلبي قبل أن أموت.

فالتفت موريس إليَّ كأنه مني ينتظر الجواب على هذا الطلب فقلت: بعد قليل يكون أخوك هنا يا سيدتي فنطالبه بابنتك.

فقالت: بربكما أريد أن أرى أخي وابنتي.

فقلت: إذا استبطأناه ذهبت إليه لكي أستقدمه.

فقالت: هل عرف أمري؟

فقلت: إنه في منزلي الآن يقرأ كتابك.

فأنَّت وقالت: ويلاه! ثم ارتخت قواها فأغمضت عينيها وعراها مثل سبات، وكان موريس ينظر إليها نظر العابد إلى المعبودة تارة، ثم يضع شفتيه على كفها أخرى، وفانتين واقفة عند قدميها، وقد وضعت وجهها في منديلها.

وبعد برهة سمعت دويَّ مركبة فأطللت فوجدت المسيو ماتون وابنة أخته يخرجان من المركبة، ولما دخلا أحست إيفون بدخولهما ففتحت عينيها، وابتسمت ابتسام ملاك وتفرست فيهما، فأسرع إليها المسيو ماتون وانحنى فوقها وجعل يقبلها قبلات لطيفة ويهذرم فوقها كأنه يهذي من شدة التأثر، وما فهمت من كلامه إلا قوله: «فديتك يا أختي، أضحي بنفسي لأجلك، سامحيني على ماضي إغفالي لك»، ثم اعتدل وأخذ يد ماري ابنتها وهي تشرق بدموعها، وتشهق في نحيبها وقدَّمها إلى إيفون قائلًا: «هذه ابنتك يا أختي قد صنتها منك، ولكني أقدِّمها لك الآن لكي تنال بركتك.»

فتفرَّست إيفون بماري هنيهة من غير أن تفوه بكلمة، ثم جمعت آخر قوة عندها ورفعت ذراعيها، فكان عنق ماري بينهما وشفتاها على شفتيها، ورأيت حينئذٍ إيفون تتصعَّد طويلًا كأنها تملأ رئتيها من أنفاس ابنتها، وبقيتا متعانقتين هكذا نحو دقيقتين إلى أن نفدت قوَّة إيفون، وارتخت عضلات ذراعيها فسقطتا على ظهر ابنتها واهيتين. وحينذاك نهضت ماري عن أمها، فرأيت إيفون تسكب آخر دمعة ادَّخرتها لابنتها.

أما موريس فكان حينئذٍ واقفًا منحني الهامة مكتوف اليدين خاشعًا، وفانتين واقفة عند قدمي سيدتها تلتقم منديلها.

ثم قعد المسيو ماتون حيثما كنت قاعدًا، أي: قرب رأس شقيقته، وماري قعدت حيث كان موريس، أي: قرب صدر أمها، وكان سكوت نحو دقيقتين وإيفون مغرورقة العينين مطبقة الجفنين، ثم فتحت عينيها فوقع نظرها على ماري، فقالت بصوت خافت جدًّا لا يكاد يسمع: «هل عوقبت بذنبي يا فلذة كبدي، لقد كفرت أعظم كفارة عنه لموريس، فغسل إثمي بدموعه ومحا عاري بحبه»، فأعطيه يدك يا ماري، إن موريس طيب القلب جدًّا ويحبك كما أحبني.

فنزفت عيوننا حينئذٍ آخر ما فيها من الدموع، ثم استعادت إيفون قوة من عالم الأرواح، وقالت بصوت مرتفع قليلًا مرتجف: «موريس لم لا تتقدم إلى ماري فتعطيك يدها؟» فأسرع موريس وتناول يد إيفون بيمناه ويد ماري بيسراه، وجعل يقبلهما الواحدة بعد الأخرى ويمرغ وجهه بهما.

ثم التفتت إيفون بكل عناء إلى أخيها المسيو ماتون، وقالت له: «هل غفرت لي يا أخي جوزف؟» فأجابها: «إني أقضي بقية شيخوختي يا أختي جوزفين أكفر عن ذنبي لك، فبأي كفارة أستطيع ذلك؟»

فأجابت: «بأن تحب موريس؛ لأنه هو الوحيد الذي أحب نفسي الطاهرة، وتغاضى عن جسدي الدنس. وأنت يا ماري هل صفحت عن موريس؟»

فأجابت ماري والحياء يصبغ وجنتيها: إني أحبه يا أماه؛ لأنه أحبك.

– وهل تحبين فانتين؟

– فانتين أختي؛ لأنها خدمتك خدمة البنت لأمها.

– أتزورين معهما قبري؟

فاسترسلت ماري بالبكاء، ووضعت وجهها على صدر أمها وقالت: لن تفارقينا يا أماه، إنك ستشفين، نستوهب الله الجواد روحك بصلاتنا الحارة ودموعنا السخينة.

وعند ذلك كانت كل قوة في إيفون قد نفدت، وكل عزيمة قد تلاشت فأطبقت جفنيها ووجهها يهل بشاشة وبشرًا، وكنا كلنا سكوتًا حولها نتوقع بكل أسًى صوت ملاك الله يقرع باب حياتها؛ لينقل روحها إلى العالم الثاني السعيد، وبعد برهة قصيرة فتحت عينيها ونادت أخاها المسيو ماتون قائلة: أخي جوزف، إني مائتة لا محالة، فاستدع لي الطبيب الروحي؛ لكي يداوي نفسي قبل رحيلها.

وفي الحال أرسلنا الخادم ليستدعي قسيسًا، وفي نصف ساعة كان القسيس الشيخ جالسًا إلى سريرها، فأفاقت له في الحال وطلبت إليه أن «يمشحها»، استأذننا القسيس عندئذٍ أن نخلي له المكان؛ لكي يعرفها فخرجنا والحزن ملء أفئدتنا، وبعد نحو ربع ساعة صفق القسيس، فدخلت في مقدمة الكل فوجدتها والنوبة تهاجمها والقسيس يصلي ذارفًا عبراته، وهي تحاول أن تقول: «إلهي، إلهي»، فتفطرت قلوبنا لمنظرها وهي تمزق قميصها عن بدنها، وبعد بضع دقائق كانت تقاوم فيها ملاك الموت طرحت ذراعيها على جنبيها معياة، وكنت إلى جنبها فجسست نبضها فوجدته ينبض متلاشيًا، وبعد هنيهة سكن، فهمست للمسيو ماتون أنها قضت، فاسترسل الكل بالبكاء والقسيس من الجملة، وهي أول مرة رأينا قسيسًا يبكي ميتًا، كما أنهم رأوا طبيبًا يبكيه أيضًا، عند ذلك قال القسيس: عاشت خاطئة وماتت بارة، وكانت شقية والآن سعيدة.

•••

في اليوم التالي شيعت جثة إيفون بمأتم بسيط جدًّا لم يمش فيه سوانا، وموريس ابتنى لها ضريحًا فخمًا، وهو وماري زوجته يزورانه كل أسبوع مرة، وينثران عليه الدموع والأزهار إلى الآن.

قال الطبيب: وما رأيت في حياتي امرأة استنزف السقام دماءها، وأذاب جسمها إلى أن صارت رسمًا أو خيالًا إلا زالت كل مسحة جمال فيها، أما إيفون فكان السقام كأنه يبدد كثافة إقنومها الروحاني، فتراءت لي في ساعة احتضارها أجمل امرأة يتصورها العقل، ولا ريب عندي أن تلك المرأة احتملها الملائكة الأبرار إلى عالم الأبدية السعيدة؛ لأنها ماتت قديسة مطهرة، والله غفر لها جزاء حبها الصادق وإنكارها لنفسها.

مصر في ٥ مايو سنة ١٩٠٦
نقولا الحداد

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤