الفصل الثالث

وقدة الحب

منذ أشهر كنت في عصاري يوم أحد في قهوة الجيزة المشرقة على النيل،١ وإذ كانت تلك القهوة مستحدثة، وقد اتصل بها خط الترمواي من عهد قريب كانت تغص كل مساء بالمتنزهين، ولا سيما مساء الأحد؛ لأن إيثار الجديد غريزة في الإنسان.

جلست مع بعض الأصدقاء إلى إحدى الموائد كسائر الجلوس، وكان إلى الجنوب منا جماعة من الشبان يترشفون الأشربة الروحية، وقد تمادوا في الشرب حتى لعبت الخمرة بألبابهم، فصاروا يهزلون ويقهقهون إلى أن نبهوا جميع الحضور إلى مزاحهم.

وما قعدنا وطلبنا الشراب كغيرنا حتى بدت في القهوة سيدة إفرنجية هيفاء القامة رقيقة الجسم، وضاءة الطلعة نجلاء العينين كحلاؤهما، ولولا لبسها ولغتها لقلت: إنها تركية؛ لأن النجل والكحل نادران في الإفرنجيات كما تعلم، أما جمالها فلا أعرف كيف أصفه لك؛ لأنه قليل الأشباه وإنما تدرك أنه عجيب إذ تعلم أنه كان للقوم كالمغناطيس للحديد، فما بدت في الجلاس حتى طوقتها نواظرهم كلها.

هذا مجمل وصف إيفون الجسماني أذكره لك؛ لأنك لم تعرفها لعهد نضارتها، ولم ترها إلا الآن وهي زهرة ذاوية.

جلست إيفون إلى مائدة إزاء الشبان اللاغطين، وإذ كانت وحدها حسبها أولئك السكارى إحدى البغيات، فجعلوا يعرضون بها في هزلهم ومزاحهم، ويصوبون إليها مغزى تغزلهم وهم يتكلمون بالإفرنسية.

لا ألومهم على ذلك الظن؛ لأنه من أخلاق هذا الزمان أن لا يرى الناس سيدة وحدها في مكان عمومي، إلا حكموا بأنها مبتذلة واستباحوا لأنفسهم امتهانها أو مداعبتها، كأنه أصبح حرامًا على المبتذلة أن تكون شريفة النفس، بل أمسى عجيبًا أن تكون غير المحصنة متعففة.

استفزت نشوة الخمر أولئك المجانين، فتمادوا في رقاعتهم ومزاحهم حتى صاروا يرشقون إيفون بألفاظ التحبب المستنكرة، ويرمونها بالنكات الفظة وهي صامتة رزينة كأن الكلام ليس لها، أو كأنها ليست إزاء أولئك الممازحين، ولكنها كانت تتميز غيظًا وتحاول أن تخفي تغيظها.

تمادى أولئك الأغرار في تحرشهم بإيفون حتى اتضح تغيظها، ولم تعد تطيق الصبر وكنت كسائر الحضور ألاحظ تقطب وجهها، وأسمع هراء أولئك الأسافل، بيد أني كنت أختلف عن بقية السامعين بأني أتغيظ في داخلي وهم يضحكون لأولئك الماجنين، فيشجعونهم على التمادي في بذيء الكلام، ولما أفرط أولئك الأراذل في سفههم قلت لِمَنْ معي: عرفت أكثر مدن أوروبا وبعض مدن الشرق، فلم أجد فيها ما أجده في هذا البلد من تحرش الرجال بالسيدات، ولا أدري من أين تأتي للشبان الجرأة على أن يتحرشوا بسيدة لا يعرفونها، والأغرب أنهم وهم يرون منها النفور والاشمئزاز والاقشعرار يستمرون يغازلونها بقحة، ويطارحونها الكلام الذي يورد وجنتيها.

فقال أحد رفاقي: الحق أن كل حسنة من حسنات التمدن، الذي اتصل بهذه البلاد تمحوها هذه السيئة القبيحة.

فقلت: وايم الحق إن مواظبة الوقح على مطارحته الكلام لِمَنْ يشمئز منه لغلاظة لا توجد حتى عند همج أفريقيا، فلا أعلم بأي جرأة يفعل ذلك مدَّعو المدنية هنا.

فقال رفيق آخر: الذنب ذنب الحكومة؛ لأنها لا تشدد على الشرطة أن يقبضوا على كل متحرش بسيدة لا يعرفها.

فقلت: والأنكى أنه لا يوجد بين كل هؤلاء الذين هنا يسمعون هراء هؤلاء المهاذير إلا مَنْ يضحك لهم ويقهقه معهم، وليس فيهم ذو هيبة وحمية ينتهرهم، ويؤنبهم على بذاءتهم، ويدفع عن هذه السيدة قحة هؤلاء الأسافل.

كنت أقول هذا الكلام على مسمع مِمَّنْ حولي، وأنا أنتفض من الغيظ وربما سمعت إيفون بعض قولي، وكان بالقرب مني شاب وطني عليه دلائل النعماء، وكان أكثر الحضور قهقهة ونفسه تحدثه بأن يشترك مع الماجنين في مزاحهم البذيء، ولاحظت أنه ذو معرفة بإيفون وأنه يتعمد نكايتها، وقد سمع أكثر قولي ولا سيما آخره فقال وقد ظهرت على وجهه أمارات الغضب: حسبها أنت مدافعًا عنها.

– نعم أدافع عنها، وكان الأحرى بك أن تعقل لسانك لا أن تدلعه بهذا المجون، وتقفل فمك لا أن تفتحه بهذه القهقهة القبيحة.

– ما شأنك أنت؟

– شأني كشأن كل ذي عِرْض يحمي الْعِرْض.

– كُنْ ما شئت ولكن لا شأن لك مع سواك، الناس أحرار.

– المكان عمومي فعلى كل مَنْ فيه أن يتحامى المساس بإحساسات الآخرين.

– ليس مَنْ يتعرض لك بأمر.

– بل إن التحرش بهذه السيدة بالبذاءة والقهقهة يسوآن الآخرين، فالأفضل أن تلزم أدبك.

وكان التحمس حينئذٍ قد أوقفني على قدمي من غير أن أنتبه، وهو قد وقف مثلي وكلانا يتحفز للوثوب على الآخر، وسائر مَنْ في المكان ينظر إلينا متوقعًا شرًّا، وبعضهم يتساءلون ما الخبر، ولما رأى خصمي أن عيني حمراوان وأني متصد للقتال: قال: أتعلم أنك تدافع عن امرأة مبتذلة؟

– ولكنها أشرف نفسًا منك، وأكثر تأدبًا من كل معرض بها.

– أراك عديم الأدب قليل الحياء.

– بل أنت بذيء اللسان سافل النفس.

وهجمت عليه أريد أن أضربه فاعترض بيننا الأصدقاء، وعند ذلك وقعت من عيني لمحة على إيفون فرأيتها واقفة مع الواقفين، وهي ترتجف جازعة، وشاهدت وجهها كأن صفرة الموت قد علته — سلامتك يا إيفون يا حياتي — وسمعتها تقول: «يا الله يا الله» كأنها تخاف أن ينتهي خصامنا بسفك دماء، فقلت لها: لا تخافي يا سيدتي لا أبتغي القتال، وإنما ابتغيت أن أقطع ألسنة السفهاء.

فرأيت حينئذٍ شفتيها تتحركان ولم أسمع ماذا قالت، وفي الحال ولتنا ظهرها وتوارت، وعاد الناس كل إلى مكانه، وصحابي مضوا بي تحاشيًا للشرِّ.

وبعد هنيهة خمدت جمرة انفعالي، وشعرت بارتياح إلى ما فعلت وكنا وأصحابي نتحدث بإيفون وجمالها الباهر، وسماحة طلعتها ورزانتها وخيلائها وحشمتها، وتعجبوا كيف أن مومسًا تتصف بصفات المحصنات.

فسألت موريس: إذن إيفون مومس؟

فأجاب: نعم هي مومس في عرف الجمهور، ولكنك متى اطلعت على سيرتها تستخلص منها وصفًا لغير مومس.

فارقت أصحابي في آخر السهرة إلى البيت والسهاد يحاول ألا يفارقني، اضطجعت في سريري والأرق مضطجع في سرير أجفاني لم أتضجر من ذلك السهد، بل كانت مقلتاي تستلذانه، فكانت أفكاري ترفرف في جو الخيال فتعلو تارة وتهبط أخرى، وهي مجنحة بأجنحة من تذكار إيفون.

تصفحت سفر مخيلتي مرارًا عديدة لأرى رسم إيفون، ورددت ما انطبع فيه من حالاتهما في حادثة الجيزة، وتمثلت جلستها إلى مائدة الشراب ويدها تتناول الكأس، وشفتيها تترشفانه ومنديلها يلثم ثغرها ويمتصُّ السائل عن شفتيها، وتخيلت رزانتها بين الماجنين وغليان غيظها، وحلمها يبرده، ثم تصورت أزيزه وفورانه حتى كاد ينفض غطاء الكظم عن مرجل الغضب.

استعرضت في مخيلتي سيناماتوغراف هذه الحوادث مرارًا، فكنت دائمًا أتمثل إيفون فيها ملكة بلا تاج وملاكًا بلا جناحين.

كلما تصورتها مومسًا قام ضميري يغالطني في هذا التصور؛ لأن مظاهرها العرضية والجوهرية كانت تختلف بعض الاختلاف عن مظاهر المومسات، كان ثوبها بسيط الزي ولكنه نفيس جدًّا وحلاها قليلة، ولكنها ثمينة ومركبتها فخمة جدًّا كمركبات العظماء.

تراءت لي إيفون حينئذٍ سامية المقام عزيزة الجانب شماء النفس شريفة العواطف الخلق طاهرة القلب، اعتقدت حينئذٍ أنها تتصف بكل هذه المحامد لماذا؟ لأني لم أكن أعرفها ولا أعرف عنها شيئًا، فتأملت مظهرها في قهوة الجيزة، فكان يروي هذه المعاني.

لا يقع نظرك على شخص لأول مرة إلا ينطبع في ذهنك رسم لأخلاقه منسوخ عن ملامحه، ولا يندر أن تجده بعد الاختبار مطابقًا أو مقاربًا لرسمه الأول الذي انطبع في ذهنك.

ظهرت لي إيفون بعدئذ أسمى مما تخيلتها، شغلت بالي معظم الليل؛ لأنها ملأت قلبي، كانت تحدثني نفسي بأن أكون عشيقها وكان الأمل يصور لي وجودي بقربها متنعمًا بهواها متمتعًا برضاها، ثم لا ألبث أن أكشف عن رسمها في ذهني فأرى عظمتها، وأشعر بجلالها فأتوهمها أسمى من أن تعبأ بمثلي.

لماذا؟

لأنها مضت بعد الحادثة من غير أن تثني عليَّ ثناء صريحًا، ولا اهتمت أن تعرف مَنْ هو الذي دافع عنها، بل أدارت ظهرها ومشت قبل أن ننتهي من مشاجرتنا القصيرة، لماذا لم أؤاخذها على هذا الإهمال، بل عزوته إلى سمو قدرها؟ لأن الحب الذي يعظم المحبوب في عيني المحب يختلق المعاذير.

أظن أن دجية الهجوع لم تنسدل على قضاء خيالاتي حتى الساعة الثالثة بعد نصف الليل، وما طنت السابعة حتى فتق بصري غشاء الكرى، وشعرت كأن عيني قد استوفتا حاجتهما من النوم.

قضيت ذلك النهار وفكري حائم حول إيفون لا يصرفه شاغل عنها، حتى يعود فينتهي إليها.

ذهبت في ذلك المساء إلى قهوة الجيزة، ولماذا لم أذهب إلى مكان آخر؟ أليس طبيعيًّا أن أذهب إلى هناك لعلي أصادف إيفون؟ هناك رأيتها أول مرة، وإلى هناك ظننتها تتردد لم أعلم أين يمكن أن أصادفها في غير الجيزة.

كانت قهوة الجيزة مزاري كل مساء في ذلك الأسبوع من الخامسة، حتى السابعة وإيفون لم تومض لها بارقة في ذلك الأفق. وبعد السابعة كنت أعود، فأطوف الحانات الكبرى والصغرى، فلا أعثر حتى على طيف منها، لم أكن أعرف اسمها حينئذٍ لأسأل عنها.

إذا كانت مومسًا فلماذا لا توجد في الأزبكية؟ لماذا لا تتمشى مع رصيفاتها بين وجه البركه ونيوبار؟ لماذا لا تصادف في «سنت جايمس» ولا في «السفنكس»٢ وإذن كانت من البغيات. وإن كانت مُحصنة أو محظية فلماذا ذهبت وحدها إلى الجيزة؟ حرت في أمرها وكنت أزداد افتكارًا بها يومًا بعد آخر حتى صارت شغل بالي الشاغل، لم أعد أستطيع أن أفكر بسوى إيفون، فكان فكري كالغصن المعتدل المرن إذا لوته المشاغل عنها هنيهة، فلا يعتم أن يعتدل مصوِّبًا إليها.

لماذا كلفت بإيفون هذا الكلف مع أني لم أعرفها، ولا رأيتها إلا مرة واحدة قصيرة؟ لأن النفس كانت تطمعني بقلبها بالرغم مما توهمته من خيلائها، حدثني ضميري أنها إذا رأتني فلا بد أن تثني عليَّ وتلاطفني، وفي خلال ذلك على ولوعي بها فتميل إليَّ.

خطر لي في اليوم التاسع — وكان يوم الاثنين — أن أعدل عن التنزه في الجيزة في ذلك اليوم، لم أدرِ لماذا؟ مع أن نفسي كانت ميالة إلى التنزه هناك، فركبت مركبة وقصدت إلى الجزيرة وأنا أقول لنفسي: «لعلي أراها هناك.»

دارت المركبة بي في دائرة الجزيرة الصغرى دورتين، وإذ كانت قرب الجسر (الكبري) الذي يُعبر عليه إلى طريق الجيزة لمحت على حين غفلة إيفون في مركبتها الفخمة مرت أمامي كالبرق الخاطف واجتازت الجسر.

رأتني كما رأيتها ولم تبد أقل إشارة، ولا استوقفت عربتها لتكلمني كما كنت أؤمل فاستولى عليَّ اليأس حالًا، وصرت أعلل ذلك بأنها تناست ما كان مني ولم تحسبه ذا أهمية كما ظننت، وجعلت أقنع نفسي بأن ما أحسبه مأثرة لي ليس إلا سخافة.

وكانت مركبتي قد انثنت لتستأنف دورة ثالثة، ولكن بعد هنيهة تجدد أملي؛ لأنه حيث يوجد الميل ينشأ الأمل، فأوعزت إلى الحوذي أن ينثني وينطلق إلى الجيزة؛ لأني قدرَّت أن إيفون قاصدة إلى هناك.

درجت بي المركبة مسافة في ذلك الطريق والوهم يصور لي أني إذا أدركت إيفون، واجتمعت بها فقد لا تعبأ بي كثيرًا بل تضحك مني، وتقول في نفسها: «ما أسخف عقله! ما رآني حتى تبعني»، تجسم بي هذا الوهم؛ لأنها لم تحيني إذ رأتني ولا أمهلتني حتى أحييها؛ لذلك قلت للحوذي أن يرجع، فألوى العنان متجهًا إلى الجزيرة.

وما كدت أصل إلى الجسر حتى ندمت على رجوعي، ولمت نفسي على جبني وقلت: أتبعها إلى الجيزة وَلْتَقُلْ ما تقول، وأمرت الحوذي أن يلوي العنان ثانية فدرجت بي المركبة إلى هناك وأنا أفكر في كيفية الالتقاء بإيفون، وماذا أفعل إذا رأيتها في الحانة وماذا أكلمها، ولكن فؤادي كان شديد الخفقان حتى كنت أسمع خفوقه بأذني، وكثيرًا ما ترددت في أمر لحاقها، وهمت غير مرة أن أقول للحوذي أن يرجع بي، ولكني أسكت لساني عن ذلك مخافة أن يظنني الحوذي أهوج أو مجنونًا.

ما أدركت مركبتي حانة الجيزة حتى رأيت إيفون خارجة من مدخلها الكبير، وحوذيها يدنو بالمركبة إليها، فقلت لحوذي مركبتي: أن يستمر في طريقه وغضضت نظري عنها؛ لأني خفت أن تعلم أني أتبعها، وأوهمت أني أتقدم في طريق الأهرام، أما هي فلا أدري إن كانت قد رأتني.

لعنت نفسي ألف لعنة لترددي السابق في اللحاق بها؛ لأني لو اتبعتها في الحال لأدركتها في الحانة.

وما تقدمت بي مركبتي نحو ربع كيلو متر حتى أمرت الحوذي أن يعود مسرعًا ما استطاع؛ لعله يدرك عربتها فأتبعها إلى حيث تنتهي فأعلم مقرَّها، ولكن خاب ما أمَّلت لأن مركبتها كانت مشدودة إلى مطهمين يسابقان الرياح، عضضت أصابعي ندمًا ولكن لات ساعة مندم، مرَّ على هذه المصادفة نحو شهرين من غير أن تعاد، قلَّ ترددي إلى الجزيرة والجيزة، وفتر وجدي حتى كدت أنسى إيفون؛ أولًا لأني لم أعد أصادفها فضعف أملي بلقائها؛ ثانيًا لأني لما رأيتها في الجزيرة تراءت لي كأنها لا تعرفني. علمت بعد ذلك أنها كانت في الإسكندرية مدة ذينك الشهرين.

١  وقد ألغيت هذه القهوة منذ بُنِيَ كبري الجيزة.
٢  كانت حانة السفنكس مكان مخزن شيكوريل الآن.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤