صحائف مجد وفخار للجندي المصري

في ٢٤ يونيو سنة ١٨٣٩ انتصر الجيش المصري في أعظم معركة حربية اشتبك فيها في خلال القرن التاسع عشر.

وقعت هذه المعركة في عهد أعظم عاهل جلس على عرش الإمبراطورية المصرية هو محمد علي باشا الكبير. وفي عهد سلطان من أعظم سلاطين آل عثمان هو السلطان محمود الثاني ابن السلطان عبد الحميد الأول.

كانت الفتن والقلاقل والاضطرابات والثورات قد فشت في أرجاء السلطنة العثمانية فاستنجد السلطان محمود بمحمد علي لإخماد الثورات والاضطرابات وقمع الفتن والقلاقل. فلبَّى التابعُ طلبَ المتبوع.

بدأ محمد علي بتجريد حملة تحت قيادة ابنه الأمير طوسون — يعاونه أحمد أغا — لتأديب وإخضاع الوهابيين الذي شقوا عصا الطاعة على السلطان، وغزوا بلاد الحجاز والعراق، واستولوا على مكة المكرمة (في سنة ١٨٠٢) وعلى المدينة المنورة (في سنة ١٨٠٦) ومنعوا الحج (مدة ثلاث سنوات)، وبسطوا سلطانهم على جزيرة العرب كلِّها، وعلى بلاد العراق واستولوا على كربلاء، وجاء وقت كانت فيه مساحة البلاد التي خضعت لسلطانهم تزيد على مساحة فرنسا ست مرات.

بارحت الحملة بركة الحج (بضواحي القاهرة) في ٢ أبريل سنة ١٨١١ (بعد مذبحة المماليك في القلعة في أول مارس سنة ١٨١١)١ قاصدة بلاد العرب، وكانت مؤلفة من ١٠٠٠٠ مقاتل منهم و٧٠٠٠ مشاة و٢٠٠٠ فارس، شفعها محمد علي بنجدة في سنة ١٨١٢، وقد تمكن طوسون من طرد الوهابيين من المدينة المنورة ومن مكة المكرمة ومن جدة، ولما تم فتح الحجاز أرسل محمد علي إلى السلطان مع ابنه إسماعيل مفاتيح الكعبة، قدمها إليه في ٣٠ يناير سنة ١٨١٣ في صينية من الذهب الخالص مرصعة بالأحجار الكريمة، فاستقبل السلطان الأمير إسماعيل في جامع أيوب بجميع مظاهر الأبهة التي اشتهر بها سلاطين آل عثمان.

إلا أن الوهابيين لم ييأسوا فجمعوا جموعهم وزحفوا بقوة كبيرة على الجيش المصري، فاضطر طوسون إلى التقهقر وإخلاء مواقع عدة بعد أن خسر ٨٠٠٠ جندي و٢٥٠٠٠ جمل، وذهبت سدى نفقات الحملة وقدرها ١٤٠٠٠٠٠ جنيه.

حيال إلحاح السلطان لم يجد محمد علي باشا بدًّا من الذهاب بنفسه إلى جزيرة العرب، فأمر بتجهيز حملة ثانية تكون تحت إمرته هو شخصيًّا، أبحر من السويس في يوم ٢٥ أغسطس سنة ١٨١٣، وبعد ثلاثة أيام وصل إلى جدة، ومنها سافر إلى مكة،٢ وبعد أن درس الحالة أيقن أن الشريف غالب (شريف مكة) له ضلع مع الثوار، فأمر بالقبض عليه هو وجميع أفراد عائلته،٣ وأرسله إلى مصر، ومنها نفي إلى سالونيك. ثم صادر أمواله ومقدارها ٢٠٠٠٠٠٠ جنيه، ولتطهير الجو من الدسائس والخيانات عزل شريف جدة أيضًا، وأرسله إلى مصر تخفره ثلة من الجنود الأشداء.

بقيت الحرب فترة من الزمان سجالًا بين المصريين والوهابيين. أدرك محمد علي أن من الخطأ محاربة العرب في البقاع الكثيرة الهضاب والنجاد، ففكر في خدعة لاستدراجهم إلى السهول والوهاد، فتظاهر بالقهقرى أمام جموع الوهابيين، جازت الحيلة على الأمير فيصل الذي كان قد جمع ٣٠٠٠٠ مقاتل منهم ٥٠٠٠ هجانة، فترك الهضاب التي كان ممتنعًا فيها، وسار إلى الوهاد مقتفيًا أثر محمد علي، وبمجرد أن توسط الجيشان السهول تجمعت القوات المصرية على هيئة مربعات — على مثال مربعات جيش نابليون بونابرت عندما غزا مصر في سنة ١٧٩٨ — وأصلت العرب نارًا حامية حصدتهم حصدًا، وردتهم خاسرين ستة آلاف قتيل، وفر فيصل بفلول جيشه. غنم محمد علي خيمة فيصل بجميع ما كان فيها من ذهب ومن فضة ومن رياش فاخرة، وبعد هذا النصر زحف في داخلية البلاد، واستولى على مواقع حربية مهمة، ولما اطمأن قلبه عاد إلى مصر، وترك ابنه طوسون يتم غزو البقية الباقية من بلاد العرب، وهنت قوة الوهابيين وركدت ريحهم وانشقت العصا بينهم، ورأوا أن كثيرًا من قبائل العرب انفضت من حولهم، ومالت إلى المصريين وانضمت إليهم، وأن لا أمل لهم في قهر المصريين فطلبوا الصلح، عرض عليهم طوسون شروطًا قاسية قبلوها حالًا، وبعدما هدأت الحالة عاد طوسون إلى مصر في نوفمبر سنة ١٨١٥.

إلا أن الوهابيين نقضوا العهود والمواثيق، وعادوا إلى الثورة والعصيان، وجمعوا ٣٠٠٠٠ من المقاتلة تحت قيادة الأمير عبد الله وأخيه الأمير فيصل، علم محمد علي بهذه الثورة الجديدة، فأمر بتجريد حملة ثالثة، وفي أثناء هذه الحملة الجديدة مات ابنه طوسون في برنبال (في ٦ يوليو سنة ١٨١٦)، فعهد محمد علي في قيادة الحملة الثالثة إلى ابنه الكبير إبراهيم (وكان عمره إذ ذاك ٢٧ سنة)، بارح إبراهيم مصر في ٥ سبتمبر سنة ١٨١٦ إلى قنا، ومنها إلى القصير، ثم إلى ينبع، ثم إلى المدينة المنورة، وفي ١٩ يناير سنة ١٨١٧ وصل إليه رسول من قبل السلطان يحمل إليه رتبة الميرمران الرفيعة.

قضى إبراهيم مدة طويلة من الزمان وهو يقاتل الوهابيين ويطاردهم، إلى أن كتب الله له النصر في ١٠ سبتمبر سنة ١٨١٨، إذ خضع الأمير عبد الله وسلم له نفسه، فأرسله إبراهيم باشا إلى مصر، ومنها إلى إستانبول بناءً على طلب السلطان، وعلى الرغم من شفاعة محمد علي وإبراهيم فإن السلطان قتله قِتلةَ سوء إذ أمر بضرب عنقه أمام جامع أيا صوفيا، ولما بسط إبراهيم سلطان أبيه على جزيرة العرب، عاد إلى مصر في ديسمبر سنة ١٨١٩ بعد أن قضى ثلاث سنوات وهو يقاتل الوهابيين، وصل إلى الجيزة في ٩ ديسمبر، ودخل القاهرة من باب النصر، واستقبله والده يوم ١١ ديسمبر في سراي شبرا، وأقيمت معالم الأفراح مدة سبعة أيام وسبع ليال متواليات.٤

وفي سنة ١٨٢٠ وجَّه محمد على عنايته وجهوده إلى بلاد السودان، فسيَّر حملةً أولى تحت قيادة ابنه إسماعيل، وحملة ثانية تحت قيادة صهره محمد بك الدفتردار، وحملة ثالثة تحت قيادة ابنه الكبير إبراهيم.

وفي ١٥ أكتوبر سنة ١٨٣٨ سافر إلى السودان ليتفقد أحوالها بنفسه، ولم يعد إلى مصر إلا في ١٤ مارس سنة ١٨٣٩ بعد غياب طال خمسة أشهر، ومن الغريب أنه سافر هذه السفرة الشاقة الطويلة وكان عمره ٧٠ سنة، وانتهز فرصة وجوده وبنى مدينة الخرطوم، وأسس مدينة سماها باسمه وصدق من قال عنه: Toujours le dernier au repos, toujours le premier au mouvement.

كانت حملة إسماعيل مؤلفة من ٤٠٠٠ جندي و١٨ مدفعًا، وحملة الدفتردار من ٤٠٠٠ جندي و٨ مدافع، وحملة إبراهيم من بضعة آلاف.

إسماعيل فتح بلاد النوبة ودنقلا وبربر وسنار، وفي ٢٧ مايو سنة ١٨٢١ وصل إلى ملتقى النيل الأبيض بالنيل الأزرق، ونصب خيامه على رأس زاوية تحتلها امرأة اسمها «أم درمان» سميت فيما بعد باسمها، وكانت في سنة ١٨٢١ محلة قفراء، وما كان يدور بخلد أحد أنه بعد مائة عام يصبح هذا المكان الأقفر مدينة كبيرة يبلغ عدد سكانها ١٠٠٠٠٠، أما الدفتردار فبسط سلطان مصر على دارفور وكردفان، وجعل «الأبيض» حاضرة هذه البلاد الواسعة.

لم يكتفِ محمد علي بكل هذه الغزوات وهذه الفتوحات، بل استولى أيضًا على بلاد التاكة (الواقعة بين العطيرة والبحر الأحمر) وأسس مدينة كسلا، ولمد سلطانه على جميع هذه البقاع النائية استولى على سواكن ومصوع، استأجرهما من السلطان وضمهما إلى الإمبراطورية المصرية.

لم يكد الأمر يستتب لمحمد علي في السودان، وإذا بإرادة من السلطان بها يستنجده مرة أخرى، ويطلب منه إعانة الأسطول العثماني الذي عهد إليه في قمع الفتن والقلاقل والاضطرابات التي نشبت في جزر بحر اليونان، صدع محمد علي بالأمر وجهز أسطولًا من ١٦ قطعة عهد في قيادته إلى إسماعيل أغا المعروف بالجبل الأخضر، أضاف إليه قوة مؤلفة من ٨٠٠ جندي جعلها تحت إمرة طبوز أوغلو وأقلع الأسطول بالفعل من ثغر الإسكندرية في ١٠ يوليو سنة ١٨٢١، وكتب الله له التوفيق واحتل جزيرة «رودس».

figure
محمَّد علي.

عاد السلطان بعد سنة أخرى واستنجد بمحمد علي مرة ثالثة لإخماد ثورة في جزيرة «قبرص» عجز الجنود الترك عن إخمادها، ولكي يثير حميته أصدر فرمانًا في سنة ١٨٢٢ بتعيينه واليًا عليها مع بقائه واليًا على مصر.

وبعد فترة من الزمان — عام سنة ١٨٢٢ — عاد السلطان واستنجد به مرة رابعة لقمع ثورة في جزيرة «كريت»، وليستثير حميته ولاه عليها، فأنجده محمد علي بأسطول مؤلف من ٦٠ سفينة، وبقوة مؤلفة من ٤٥٠٠ من المشاة و٥٠٠ من الفرسان تحت إمرة حسن باشا، ووفق محمد علي في خلال سنة ١٨٢٢ في قمع الثورة وإعادة النظام والأمن إلى الجزر الثلاث رودس وقبرص وكريت.٥

وفي سنة ١٨٢٢ شن الفرس الغارة على بلاد الدولة العلية، وزحفوا قاصدين الاستيلاء على بغداد وأرضروم، فاستعان السلطان بمحمد علي للمرة الخامسة.

عاد السلطان للمرة السادسة واستعان بمحمد علي لقمع ثورة هائلة شبت في بلاد المورة «بلاد اليونان»، وكان الثوار قد ناشبوا العثمانيين منشبة شديدة، واستولوا على مدن وثغور ومعاقل كثيرة، وهزموا سليم باشا ودحروا مصطفى باشا قائدَي الآلايات العثمانية، وكي يستثير السلطان حمية محمد علي، أصدر في ١٦ يناير سنة ١٨٢٤ فرمانًا ولاه به على بلاد المورة أيضًا. لبَّى محمد علي الطلب، وجهز حملة مؤلفة من ١٨٠٠٠ جندي منهم ٣٠٠٠ خيالة زودهم بمائة وخمسين مدفعًا، وبذخائر كثيرة سارت بها ١٠٠ سفينة (استأجرها من الشركات الإنجليزية والنمساوية) تخفرها ٦٣ سفينة حربية مصرية جعلها تحت إمرة إسماعيل أغا الجبل الأخضر، ووصلت إلى مودن٦ في ٢٦ فبراير سنة ١٨٢٥.

وفي يناير سنة ١٨٢٦ أتبعها بنجدة مؤلفة من ١٠٠٠٠ مقاتل شفعها بنجدة ثالثة من ٩٢ سفينة منها ٥١ سفينة حربية، وبمجرد وصولها أصدر السلطان إرادة شاهانية بتعيين إبراهيم باشا قائدًا عامًّا للأسطولين العثماني والمصري.

سار الجيش المصري تحت إمرة البطل إبراهيم باشا يعاونه سليمان بك (سليمان باشا الفرنساوي) وأحمد بك المانكلي، فأظهر من آيات البسالة والبطولة ما أدهش العالم، استولى على معظم المدن والثغور والقلاع التي عجز رشيد باشا قائد الجيش العثماني عن غزوها، ولولا تدخل الدول العظمى — إنجلترا وروسيا وفرنسا والنمسا — وتحطيمها الأسطولين المصري والعثماني في نافارين يوم ٢٠ أكتوبر سنة ١٨٢٧، لتم لإبراهيم إخضاع بلاد المورة كلها. وكان من نتائج تدخل الدول وهياج الرأي العام في أوروبا أن اضطر محمد علي إلى إرجاع البقية الباقية من جيشه ومن أسطوله إلى مصر بعد أن خسر ٣٠٠٠٠ رجل وخسر نفقات الحملة وقدرها ٨٠٠٠٠٠ جنيه، وقد اشترك محمد علي بنفسه في هذه الحرب، إذ ركب ذات يوم سفينة حربية طارد بها سفن الثوار الذين حدثتهم نفوسهم بضرب الإسكندرية، ووصل في هذه المطاردة إلى جزيرة رودس.

وفي أبريل سنة ١٨٢٨ أعلنت الروسيا الحرب على الدولة العلية، فعاد السلطان واستنجد بمحمد علي للمرة السابعة وطلب منه إرسال أسطوله و٢٨٠٠٠ جندي.

عاد الوهابيون وشقوا عصا الطاعة، فاستنجد السلطان للمرة الثامنة بمحمد علي.

ولما ذاعت شهرة محمد علي وطبقت الآفاق، عرضت عليه فرنسا غزو بلاد الجزائر وضمها إلى ملكه، فاعتذر كي لا يثير غضب الباب العالي وإنجلترا عليه، فغزتها فرنسا في سنة ١٨٣٠، وضمتها إلى ملكها.

في مقابل كل هذه التضحيات الكثيرة التي ضحاها محمد علي لمساعدة السلطان في جزيرة العرب وفي رودس وفي قبرص وفي كريت وفي بلاد المورة وفي السودان وفي روسيا، وما خسره من رجال، وما أنفقه من مال، كان السلطان وعد محمد علي بالتنازل له عن بعض الولايات تعويضًا له عما خسر من مال ومن رجال، إلا أن السلطان وعد ولم يف.

وكان لمحمد علي في ذمة عبد الله باشا والي عكا دين مقداره ١١٠٠٠ كيس (٥٥٠٠٠ جنيه)،٧ وكان والي عكا هذا قد آوى من قبل ألف فلاح مصري٨ انتزحوا عن ديار مصر إلى ولاية عكا في خلال سنة ١٨٣١، تابعه محمد علي بالمال فرفض، طالبه بالرجال فرفض، هاج محمد علي فكتب إلى والي عكا مهددًا بأنه سيرسل ابنه إبراهيم ليستخلص منه المال والرجال «وزيادة واحد» يريد بالواحد الزيادة عبد الله نفسه.

أجاب والي عكا: «أنا وزير السلطان مثلك، ليس لي أن أمنع رعايا السلطان من الهجرة من مصر إلى سوريا، كما ليس لي أن أمنع هجرة رعاياه من سوريا إلى مصر، إن أردت فاستصدر فرمانًا من السلطان برد الفلاحين وأنا أردهم.» شكا محمد علي إلى السلطان، فأجابه السلطان: «إن الفلاحين المصريين هم عبيد بابنا العالي لا عبيد وزيري، لهم حرية الإقامة حيث شاءوا …»

في ١٤ أكتوبر سنة ١٨٣١ تحرك الجيش المصري٩ وفي ٢ نوفمبر سنة ١٨٣١ تحرك الأسطول المصري، وأراد الله أن يكتب للجيش المصري وللأسطول المصري الانتصارات الباهرة بسرعة مدهشة. أبلغ ما قرأناه وصفًا لبسالة الجندي المصري في هذه المعارك ما كتبه كاد ألفين وبارو اللذان عاصرا محمد علي باشا الكبير. قالا:
Ce fut un spectacle éclatant et imprévu que cette armée d’Arabes, disciplinés à l’européenne, marchant, de victoire en victoire, du Caire à Saint-Jean-d’Acre et de Saint-Jean-d’Acre jusqu’aux approches de constantinople. En France surtout, la gloire nouvelle don’t rayonnait l’Egypte émut et fit vibrer en vives sympathies tous les souvenirs de la campagne Napoléonienne … (Voir “Histoire de la guerre de Méhémed-Ali contre la Porte Ottomane, 1832-1833” par E. de Cadalvène et V. Barreault).
وفي ٨ نوفمبر سنة ١٨٣١ دخل المصريون ثغر يافا.

وفي ١٣ نوفمبر احتلوا حيفا، وفيها وفد إليهم زعماء قبائل عرب نابلس وطبرية والقدس، وقدموا الطاعة.

أراد السلطان إثارة الرأي العام ضد محمد علي فألف مجلسًا كان مفتي الآستانة من أعضائه، أعلن في ٢٣ أبريل سنة ١٨٣١ تمرد محمد علي وعزله١٠ وتعيين حسين باشا١١ سردارًا وواليًا على مصر (بدل محمد علي)، إلا أن قرار التمرد والعزل لم يثنِ عزيمة محمد علي، فواصل القتال وواصله بعزم وبأس.
وفي ٥ أبريل سنة ١٨٣٢ دخل المصريون طرابلس،١٢ وكانوا من قبل احتلوا صور وصيدا وبيروت، وكانت كلها داخلة في ولاية عبد الله.١٣

وفي ١٤ أبريل سنة ١٨٣٢ انتصر المصريون في سهل «الزراعة».

وفي ٢٧ مايو سنة ١٨٣٢ بعد حصار دام من ٢٦ نوفمبر سنة ١٨٣١ إلى ٢٧ مايو سنة ١٨٣٢ سقطت عكا، وفيها أسر المصريون عبد الله والي عكا نفسه١٤ بعد أن دافع عنها دفاع الأبطال، وبعد أن استشهد من جنوده ٥٦٠٠ من ٦٠٠٠، وقد أرسله إبراهيم باشا إلى مصر، حيث عين له محمد علي جزيرة الروضة مُقامًا، فأقام فيها ذليلًا إلى يوم ٢٢ ديسمبر سنة ١٨٣٣، وهو يفكر في طمحات الدهر، ولسان حاله يقول: حقًّا إن الدولة ريح قُلَّب والإِمرة برق خُلَّب. وقد كان مجموع القوات المصرية ٢٤٠٠٠ (خسرت مصر منهم ٤٠٠٠ بين قتيل وجريح و٢٠٠٠ مريض) غير جنود المدفعية، يعززها أسطول مصري مؤلف من ١٦ سفينة حربية عُقد لواؤها لأمير البحر عثمان نور الدين باشا، وقد بلغ عدد القنابل التي ألقاها المصريون على عكا ٥٠٠٠٠ وعدد القذائف ٢٠٣٠٠٠، وقلعة عكا هذه هي التي عجز نابليون بونابرت عن فتحها في النصف الأول من سنة ١٧٩٩ في عهد ولاية أحمد الجزار (بعد أن حاصرها من ٢٥ مارس إلى ١٠ مايو سنة ١٧٩٩).١٥

ولما وصل خبر سقوط عكا إلى مصر، أمر محمد علي باشا بأن تقام الأفراح ثلاثة أيام كاملة، تطلق في خلالها مدافع القلاع والبنادر ثلاث مرات في كل يوم من الأيام الثلاثة، كما أمر بالعفو عن المسجونين والمنفيين وإطلاق سراحهم ليعم الفرح أهالي مصر قاطبة.

وفي ١٣ يونيو سنة ١٨٣٢ دخل المصريون دمشق، وقد اتخذها محمد علي مركزًا لحكومته، ولما أراد الباب العالي استطلاع نواياه أجاب بأنه يقبل ولايتَي عكا ودمشق (علاوة على مصر وجدة وكريت التي كان متوليًا عليها بالفعل في ذلك الوقت) في مقابل التضحيات الكبيرة التي ضحاها من رجال ومال في سبيل استرجاع الحرمين الشريفين وتأديب الوهابيين وإخضاع المورة وتسديد الجزية إلى السلطان طوال هذا الزمن المديد، وهدد بأخذها كرهًا إذا لم تعطَ له طوعًا.

وفي ٨ يوليو سنة ١٨٣٢ انتصر المصريون في حمص، وهذه الواقعة مشهورة بهزيمة الباشوات الثمانية؛ لأن القوات التركية كانت تحت قيادة ثمانية باشوات، وهم: محمد باشا والي حلب وهو سر عسكر، وعثمان باشا حاكم المعادن، وعثمان باشا والي القيسارية، وعلي باشا والي دمشق السابق، ومحمد باشا الكريدلي، ونجيب باشا، ودولار باشا، ومحمد باشا، والجنود النظاميون الذي كانوا تحت قيادتهم ١٠٤٧١، وقد دامت هذه المعركة ثلاث ساعات ونصف ساعة استبسل المصريون فيها لدرجة أدهشت الترك، ومن آيات البسالة التي أبداها المصريون أن أحد الخيالة واسمه منصور أصابته ضربة بترت ذراعه، ومع ذلك استمر يقاتل على رأس الخيالة وهو يقاسي لهاث الموت إلى أن استشهد في أثناء المعمعة، وقد بلغت خسارة المصريين ١٠٢ قتيل و١٦٢ جريحًا، أما العثمانيون فخسروا ٣٠٠٠ قتيل وجريح و٣٠٠٠ أسير و١٢ مدفعًا، وبعد المعركة دخل المصريون مدينة حمص وفيها أسروا ١٥٠٠ جندي وغنموا ١٤ مدفعًا.

وفي ١٠ يوليو سنة ١٨٣٢ استولوا على حماة.

وفي ١٤ يوليو سنة ١٨٣٢ دخلوا حلب وأسروا حاميتها وجنودها وعددهم ١٠٠٠.

وفي ٣٠ يوليو سنة ١٨٣٢ انتصروا في بيلان. دامت معركة بيلان ثلاث ساعات، وقد بلغ عدد قتلى الترك وجرحاهم ٢٥٠٠، وغنم المصريون ٢٥ مدفعًا وجميع ذخائر ومهمات جيش السلطان، وكان جيش السلطان تحت قيادة السردار أكرم حسين باشا نفسه، وبعد المعركة سار الفرسان المصريون تحت إمرة عباس باشا «حفيد محمد علي ووالي مصر بعد إبراهيم»، ودخلوا إسكندرونة، وفيها غنموا ١٤ مدفعًا وذخائر ومؤنًا وافرة، ثم دخلوا أنطاكية،١٦ وقد اتخذها إبراهيم باشا مقرًّا له، بنى فيها قصرًا فخمًا وبنى بجواره ثكنات تسع ٥٠٠٠ جندي. وبهذا تم لمحمد علي فتح سوريا من أولها إلى آخرها.
بعد ما انتصر الجيش المصري في واقعتَي حمص وبيلان، توغل إبراهيم في الأناضول، واحتل طرسوس وأطنة، ثم احتل مضيق كولك بوغاز (وهو مضيق له أهمية حربية عظيمة)، وتابع زحفه فالتقى في جيفته خان بقوة كبيرة من الجيش العثماني تحت قيادة عليش باشا والي قونية وصادق باشا والي أطنة، وكانت القوة المصرية تحت قيادة سليم الحجازي بك وإبراهيم أغا (وهو فرنسانوي من مقاطعة الألزاس اسمه Rochmann أسلم، وتسمى باسم إبراهيم أغا)، هجمت القوة التركية، فتلقتها القوة المصرية بنار آكلة، وقاتلتها قتالًا شديدًا انتهى بانكسار العثمانيين وانتصار المصريين.

تابع المصريون زحفهم والتقوا مرة أخرى بالعثمانيين في «أولو قشلة» فقاتلوهم ومزقوهم، ثم زحفوا إلى أن وصلوا إلى «إريكلي» فاحتلوها.

كان لهذه الانتصارات المتوالية دوي عظيم في الشرق وفي الغرب، وكان وقْعها أعظم وأكبر في الآستانة وفي جميع الولايات العثمانية — في آسيا وفي أوروبا وفي أفريقيا.

خاف السلطان على عرشه، فاستدعى رشيد محمد باشا الذي كان قائدًا عامًّا لجيوش تركيا في حرب المورة، واشتهر بانتصاره في ٦ مايو سنة ١٨٢٧ على الجيش اليوناني في أكبر معركة دارت بين العثمانيين واليونانيين على مقربة من أثينا عاصمة اليونان، وكانت له مواقف حربية عظيمة أخرى في ألبانيا وفي روسيا وخوله سلطة تامة مطلقة لتعبئة جيش كبير يكون كامل المعدات والآلات والمهمات. ولكي يثير حميته أسند إليه رتبة الصدارة العظمى، وولاه على مصر وجدة وكريت وعلى جميع الولايات والبلاد التي انتزعها منه محمد علي وإبراهيم بالقوة، واستثار حميته أكثر بأن قال له: إن كل ما ملك محمد علي وإبراهيم من مال ومتاع يكون لك.

وفي ٢٨ نوفمبر سنة ١٨٣٢ احتل المصريون قونية.١٧

وفي ٢١ ديسمبر سنة ١٨٣٢ هزموا الجيش العثماني في سهول قونية.

قبل اشتباك الجيشين أرسل الصدر الأعظم رشيد باشا إلى إبراهيم باشا يطلب منه إخلاء جميع الولايات السلطانية التي احتلها بالقوة، ويهدده بالحرب إذا امتنع، ولما لم يذعن إبراهيم باشا ثارت عجاجة الحرب، وتقدم الجيش العثماني لمقاتلة الجيش المصري. بدأت المعركة في ١٨ ديسمبر سنة ١٨٣٢ باشتباك قوة مصرية كان يقودها إبراهيم باشا نفسه بقوة تركية كانت مرابطة في بلدة سيلة غرب قونية (وعلى بُعد ساعة ونصف منها)، فانتصر إبراهيم باشا على العثمانيين، وغنم منهم ٥ مدافع وكمية كبيرة من الذخائر والمؤن، وأسر منهم ٥٠٠ مقاتل، ثم زحف واستولى على خان حصين سلمت حاميته فورًا، وكان من بين الأسرى سلحدار كريتلي أوغلو محمد (الذي شهد وقعة حمص). إزاء هذا النصر حضر إلى إبراهيم باشا ٦٠٠ من الجنود الأرناءوط، وسلموا أنفسهم، وطلبوا التطوع في جيشه، وفي ثاني يوم ٢١ ديسمبر — وكان يوم جمعة — التقى الجيشان وجهًا لوجه. كان الجيش المصري تحت قيادة إبراهيم باشا وسليمان باشا الفرنساوي وإبراهيم بك المناسترلي وأحمد بك مانكلي وأحمد بك إستامبولي، أما الجيش العثماني فكان تحت قيادة الصدر الأعظم نفسه يعاونه خير الدين باشا وسعد الله باشا، وقبل التحام الجيشين دعا الصدر الأعظم ضباطه، وحذرهم من التهاون، وهدد بإعدام من يهمل منهم في تأدية الواجب، ثم زاد فسمح لمن يأنس منه جبنًا أو ضعفًا أو تراخيًا أن يقتله بحد السيف، ثم استدعى كاخيته وسلمه أختام الدولة التي سلمها إليه السلطان بصفته صدرًا أعظم، وعين الجنرال أحمد فوزي باشا ليخلفه في قيادة الجيش إذا ما استشهد في أثناء الحرب.

التحم الجيشان في معركة دامية حامية، وبعد ساعتين وقع الصدر الأعظم أسيرًا١٨ في أيدي البدو الذين كانوا مع إبراهيم باشا، إلا أن المعركة استمرت بعد أسره خمس ساعات أخرى ونصف، وانتهت بانتصار المصريين وانكسار العثمانيين، وكان الجيش العثماني مؤلفًا من ٥٣٠٠٠ جندي و٩٣ مدفعًا، والجيش المصري من ١٥٠٠٠ جندي و٣٦ مدفعًا وقد بلغت خسارة العثمانيين ٣٠٠٠ قتيل و٦٠٠٠ أسير و٤٦ مدفعًا وكمية كبيرة من المؤن والذخائر والأعلام، وخسارة المصريين ٢٦٢ قتيلًا و٥٣٠ جريحًا. وبعد المعركة عاد إبراهيم باشا إلى قونية، فوصل إليها في الساعة الثامنة والنصف مساء، حيث كان سبقه إليها الصدر الأعظم، وبقي إبراهيم باشا برهة من الزمان يفكر في تصاريف الدهر، ويستعرض في ذهنه ما أتاه الله له من النصر في خلال سنة واحدة من سقوط عكا وأسر عبد الله واليها، إلى انتصاره في حمص، إلى انتصاره في حلب، إلى انتصاره في بيلان على السردار الأكرم، إلى انتصار في قونية على الصدر الأعظم وأخذه أسيرًا، ولعله تذكر في هذه اللحظة الرهيبة أن قونية التي هزم المصريون فيها العثمانيين كانت مهد سلطنة آل عثمان الذين أذلوا المصريين ثلاثة قرون. فجاء المصريون من بلادهم وعلى بُعد ألف كيلومتر وكسروا العثمانيين وأذلوهم وأخذوا بثأر آبائهم وأجدادهم.
وفي ٢ فبراير سنة ١٨٣٣ احتل الجيش المصري كوتاهية، وأصبح على بُعد ٥٠ فرسخًا من الآستانة.١٩
وفي ٢٨ فبراير سنة ١٨٣٣ دخل المصريون أزمير، وقد بلغ ذعر الأهالي والحكام من اسم إبراهيم، وفزعهم من اسم الجندي المصري، أن تقدم محمد أغا إلى حاكم أزمير، وطلب منه باسم إبراهيم باشا تسليم المدينة، فأذعن في الحال، وسلم المدينة، مع أنه لم يكن مع محمد أغا من الجند ربع مرباع الترك ولا عشر معشارهم، إذ كان معه أربعة جنود فقط، وصدق من قال: La popularité vaut dix armées.
figure
إبراهيم باشا.
يؤيد هذا ما كتبه قنصل إنجلترا في مصر إلى لورد بالمرستون كبير وزراء إنجلترا في رسالة مؤرخة ٢٨ أكتوبر سنة ١٨٣٥، إذ قال فيها إن اسم إبراهيم يفعل في نفوس الناس فعل السحر.
Le nom d’ibrahim semble talismanique. (Voir Sabry, p. 844)

نال الجيش المصري هذا النصر الباهر على الرغم من تفوق الجيش العثماني عُددًا وعَددًا؛ إذ إن عدد الجيش العثماني كان يزيد على عدد الجيش المصري ثلاث مرات، وعلى الرغم من أن العثمانيين كانوا يحاربون في داخل بلادهم والمصريين يحاربون على بُعد ألف كيلومتر من بلادهم، غزوات بعد غزوات بين شاتية في صبارة الشتاء وصائفة في حمارة القيظ والبلاد فوق كل هذا كثيرة الأمطار والأوحال والضباب والثلج، ومع ذلك كان المصريون يندفعون كالسيل العرم فتطير من أمامهم جحافل العدو كأسراب النعام، فكان إبراهيم والجندي المصري خوف الشعوب وهول الأقوام.

بعد هذا النصر فكر إبراهيم باشا في خلع السلطان محمود ونقل الخلافة من إستانبول إلى مصر، ومال بعض رجال السياسة في أوروبا في وقت من الأوقات (ومنهم سفير إنجلترا في الآستانة وقيصر روسيا وبعض وزرائه) إلى العمل برأيه، وأشاروا بوجوب خلع السلطان محمود ومبايعة محمد علي سلطانًا وخليفة، وتمنت ولايات عثمانية كثيرة لو أنها دخلت في طاعة محمد علي، ونعمت بحكمه.

راع السلطان دنو الجيش المصري من إستانبول، وألقت انتصارات المصريين في روعه قرب انهيار عرشه، ولا سيما بعد أن زادت السلطنة وهنًا على وهن، فألقى بنفسه في أحضان الروس، وطلب من قيصر روسيا أن ينجده، فأرسل قيصر روسيا أسطوله و١٣٠٠٠ جندي من جيشه. ألقى الأسطول مراسيه في البوسفور، ونزل الجنود الروس في بيوك دره وحنكار أسكله سي،٢٠ وأمضى السلطان والإمبراطور نقولا قيصر روسيا في ٢٦ يونيو سنة ١٨٣٣ معاهدة سموها معاهدة «حنكار أسكه لي سي»، هي أشبه شيء بحماية روسيا على تركيا.٢١ خافت إنجلترا وخافت فرنسا من عاقبة هذا الاحتلال الروسي، فوجهتا جهودهما إلى التوفيق بين السلطان ومحمد علي باشا وإقناع محمد علي بقبول ولاية عكا والقدس وطرابلس ونابلس علاوة على ولاية مصر وجدة وكريت، وهددتاه بمظاهرة كبيرة يشترك فيها الأسطولان الإنجليزي والفرنساوي أمام ثغر الإسكندرية إذا رفض، إلا أن محمد علي أصر على طلب سوريا كلها وولاية أطنة كلها٢٢ وجزء من بلاد العراق، وبعد مساومات وتهديدات ومفاوضات قبل السلطان في ٤ مايو سنة ١٨٣٣ إمضاء معاهدة كوتاهية التي بها قبل أن تكون ولاية مصر وراثية في ذرية محمد علي، وتنازل لمحمد علي عن ولاية سوريا كلها «دمشق وطرابلس وصيدا وحلب والقدس ونابلس»، وتنازل لإبراهيم عن ولاية أطنة وجدة، وعيَّنه شيخ الحرم المكي، واسترد من محمد علي جزيرة قبرص، وأخذ عليه عهدًا بعدم إعلان استقلال مصر عن الدولة العلية. وبمعاهدة كوتاهية هذه بسط محمد علي سلطانه على مصر والسودان وبلاد العرب وفلسطين وسورية وولاية أطنة،٢٣ فكانت إمبراطورية واسعة الأرجاء مساحتها تزيد على نصف أوروبا، وتزيد ١٥ مرة على مساحة فرنسا، إمبراطورية عظيمة تضارع إمبراطورية نابليون وإمبراطورية الفراعنة وإمبراطورية الرومان، تمتد من النيل إلى الفرات، ومن البحر الأحمر إلى البحر الأبيض، من فلوات اليمن إلى مشارف الشام، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، من كعبة المسلمين إلى مقدس النصارى إلى مبكى اليهود، إمبراطورية جمعت اليمني والحجازي والمصري والسوداني والعربي والسوري واللبناني والدرزي والتركي والرومي والأرمني تحت راية واحدة هي راية مصر الخالدة، وتحت صولجان واحد هو صولجان محمد علي الكبير، فجاء هذا النصر السياسي العظيم متممًا ومكملًا للنصر الحربي الكبير، وبلغ محمد علي في هذا اليوم ذروة المجد، سماه ساسة أوروبا «نابليون الشرق»، وسماه مترنيك Metternich كبير ساسة إمبراطورية النمسا والمجر le vieux renard، وسماه بعض الكتاب والمؤرخين le Talleyrand de l’Orient،٢٤ كما سموا إبراهيم باشا Le Sabre vivant وLe François ier de l’Orient، كما سموا مصر «أم الدنيا»، وتوالت التهاني على محمد علي وإبراهيم من جميع أنحاء المعمورة، حتى إن شاه العجم أرسل في خلال سنة ١٨٣٥ أحد وزراء الدولة مرزا جعفر إلى مصر ليحيي باسمه محمد علي وإبراهيم، وزوده بكتاب كتَبه بخط يده، يُبدي فيه إعجابه بما أحرزاه من نصر ومجد.

وبعد إمضاء معاهدة كوتاهية أطلق محمد علي سراح عبد الله باشا والي عكا الذي كان أسيرًا في جزيرة الروضة بمصر، فبارح مصر في ٢٢ ديسمبر سنة ١٨٣٣ على باخرة من البواخر العثمانية التي أسرها المصريون في خلال الحرب قاصدًا الآستانة.

نُفذت معاهدة كوتاهية وانسلخت سوريا من حكم العثمانيين ودخلت في حكم المصريين، إلا أن السلطان أمضى معاهدة كوتاهية على كراهة منه، وقبِل التنازل لمحمد علي عن سوريا كرهًا عنه، وقبِل التنازل لإبراهيم عن ولاية أطنة قهرًا عنه. الرجل رجل ماكر حقود؛ تظاهر بالمسالمة، إلا أن حقيدته بقيت تتأجج في صدره، وحفيظته بقيت تلعب في عقله إلى أن أضمر على استعادة مصر وسوريا وطرد المصريين منها كلها، بدأ سرًّا بإثارة الفتن والقلاقل في البلاد التي احتلها محمد علي؛ ففي سنة ١٨٣٤ ثارت فلسطين واستفحلت الثورة لدرجة حملت محمد علي على السفر حالًا إليها على سفينة حربية مصرية اسمها «تمساح» يخفرها الأسطول المصري كله، فوصل إلى يافا ومنها قصد الرملة، وفي أثناء وجوده اجتمع بابنه الكبير إبراهيم وبكبار رجال الجيش المصري وساعدهم على إخماد الفتنة، وبعد أن خضع زعماء «الخليل» وهدأت الحالة نوعًا عاد إلى مصر، وفي سنة ١٨٣٦ ثار الدروز بزعامة شبلي العريان، وقاتلوا المصريين في الوديان وفي الجبال مدة سنتين، ولم يخضعوا إلا بعد أن شتت إبراهيم شملهم ومزقهم شر ممزق.

كان السلطان يراقب الحالة في سوريا وفي فلسطين من كثب، عرف أن محمد عليّ اضطر إلى حشد ٥٠٠٠٠ مقاتل لمحاربة الثوار في فلسطين وفي سوريا، وعرف أن المصريين خسروا ثلاثة أخماس جنودهم في المعارك التي اشتبكوا فيها مع الثوار مدة السنوات الأربع أو الخمس، فظن أن الفرصة قد سنحت لتمزيق معاهدة كوتاهية واسترداد مصر وفلسطين وسوريا وأطنة، وسنحت بالأكثر لمحو عار حمص وبيلان وقونية، ولكسر شوكة محمد علي وخلعه والانتقام منه.

لله در من قال: «إن سنة ١٨٣٣ تمخضت فولدت سنة ١٨٣٩.» أو بعبارة أخرى: إن حوادث سنة ١٨٣٣ كانت حبالى بحوادث سنة ١٨٣٩. وهذا هو الواقع؛ لأن محمد علي جرد السلطان من ولايات كثيرة أخذها لنفسه، فطمع في المزيد على حد المثل العربي: «إن الطعام يقوي شهوة النهم»، والسلطان فقد ولايات كثيرة فحنق وحقد وآلى على نفسه أن يستعيدها. دارت مفاوضات فيها طلب السلطان من محمد علي أن يرد له سوريا ويتخلى له السلطان عن بلاد الحجاز، على أن تكون ولايته عليها وراثية مثل ديار مصر، فلم يقبل محمد علي. دعاه السلطان إلى الآستانة ليتفاوض معه، أدرك محمد علي ما وراء الأكمة فاعتذر.٢٥ لجأ السلطان إلى ما يسمونه «سياسة اليشمك والفرجية»، فتودد إلى زهرا هانم٢٦ أرملة الأمير إسماعيل بن محمد علي (الذي مات في شندي حرقًا)، وكانت قد حضرت إلى الآستانة لزيارة والدها عارف بك قاضي عسكر الأناضول، حاملة هدايا فاخرة من محمد علي باشا إلى السلطان، انتهز السلطان فرصة اعتزام زهرا هانم السفر من الآستانة إلى مصر على ظهر الباخرة «النيل»، فكلف أحمد فوزي باشا أمير البحر بأن يصعد إلى الباخرة ليحيى الأميرة باسمه، ويهدي إليها ساعة من الذهب الخالص ومعها سلسلة من البرلنتي، ويوزع على البحارة ٥٠٠ جنيه، ثم استقل السلطان زورقه البخاري، وطاف حول الباخرة ثلاث مرات مودعًا، فكان لهذه الحفاوة أثر كبير في نفس الأميرة وفي نفس محمد علي باشا، لكن كل هذه المناورات لم تُجْدِ؛ لأن التابع والمتبوع عندا واستعندا.

وفي سنة ١٨٣٧ أمر السلطان بزيادة القوات العثمانية زيادة كبيرة، وعهد إلى حافظ باشا بحشدها في سيواس على مقربة من حدود سوريا.

وفي أواخر مايو سنة ١٨٣٨ أظهر محمد علي لقناصل الدول اعتزامه على إعلان استقلال مصر،٢٧ وكان قد بلغ سن السبعين، وأراد توطيد دعائم الإمبراطورية المصرية ليتلقاها أولاده من بعده قوية منيعة الجانب.٢٨

عرف السلطان بنوايا محمد علي، فأمر في يناير سنة ١٨٣٩ بسرعة تجييش الجيوش والاستعداد للقتال برًّا وبحرًا، وجعل الجيش تحت إمرة محمد حافظ باشا سر عسكر، والأسطول تحت إمرة فوزي باشا أمير البحر.

كان طالع سنة ١٨٣٩ طالع نحس:

لأنه في ٢٦ يناير سنة ١٨٣٩ شب حريق هائل في سراي رءوف باشا أحد وزراء الدولة، ومنها اندلع اللهب إلى الباب العالي، فالتهمه كلَّه وتركه أثرًا بعد عين، وقُدِّرت الخسارة بمبلغ ٦٠٠٠٠٠ جنيه.

ومما زاد السلطان أسفًا على أسف وقلقًا على قلق أن النار التهمت صورة السلطان نفسه، ولم تُبقِ منها شيئًا ولم تذر.

وحدث أن سقط السلطان عن جواده وأصيب برضوض أقعدته عن الحركة فترة من الزمان.

وتُوفيت ليدي إستر ستانهوب Lady Esther Stanhope «حفيدة لورد شتام وابنة أخي وليم بيت William Pitt كبير وزراء إنجلترا» عن ٦٤ عامًا، وكانت اتخذت لبنان وطنًا لها، وأقامت في قصر مشيد في أعالي الجبال أنفقت منه ثروتها الطائلة لإثارة الفتن والدسائس والاضطرابات ضد حكومة محمد علي، وكانت تسمي نفسها ملكة القدس وتدمر Reine de Jérusalem et de Palmyre.

وأول عمل عدائي وقع من القوات العثمانية وقع في يوم مولد النبي فبدلًا من إطلاق المدافع ابتهاجًا واستبشارًا بالسلام، جاء إطلاق المدافع إيذانًا بالحرب والقتال، بين محمود ومحمد، بين حافظ وإبراهيم، بين جيشين تسعة أعشار الجند فيهما من المسلمين.

ولما أراد الأسطول التركي المعقود لواؤه لعثمان بك رياله السفر إلى البحر الأبيض المتوسط لمنازلة الأسطول المصري، قال العلماء والمنجمون للسلطان: إنه إذا سافر الأسطول في الدقيقة السابعة بعد الساعة التاسعة كتب الله له النصر. ولما تحرك الأسطول في الدقيقة السابعة بعد الساعة التاسعة — كما قال العلماء والمنجمون — اصطدمت سفينة من سفنه أمام قيزقوله سي (في البوسفور) بفرطاقة إيطالية اسمها جلوريا، فتعطلت وعطلت الأسطول.

أراد السلطان أن يضمن لجيشه النصر، فاختار أربعة من الضباط الألمان المشهود لهم بالدربة والخبرة العسكرية، وعيَّنهم مستشارين لحافظ باشا، وهم فون مولباخ Von Mulbach، والبارون فون مولتكي Von Moltke (الذي صار فيما بعد الماريشال فون مولتكي، وكان له مع بسمارك فضل الانتصار على نابليون الثالث إمبراطور فرنسا في حرب السبعين)، ووينكي Winke وفيشر Fisher، وكان حافظ يقسم الأيمان المغلظة للسلطان محمود بأنه لا يعود إلى إستانبول إلا بعد سحق المصريين سحقًا، وكان السلطان محمود قد خطر بباله أن يتولى هو قيادة الجيش، وأن ينشر بيرق النبي ويعلن الجهاد، ولكنهم أقنعوه بالعدول عن هذه الفكرة بدعوى أنه لا يليق بأمير المؤمنين وسلطان السلاطين أن ينازل تابعًا من أتباعه.

أما الجيش المصري فكان تحت قيادة إبراهيم باشا يعاونه سليمان باشا الفرنساوي، وأحمد باشا المانكلي، وأحمد باشا الدرملي، وعباس باشا «ابن طوسون بن محمد علي باشا»، وسليم بك الحجازي، ومحمد معجون بك، وغيرهم وغيرهم من الأبطال، وكان سليمان باشا الفرنساوي يقول لإبراهيم باشا: «يا مولاي، الواقعة المقبلة ستكون معركة فاصلة، إما أن نذهب نحن إلى إستانبول، وإما أن يذهبوا هم إلى القاهرة.»

وفي شهر أبريل حرض محمد حافظ الكرد على غزو سهول «كليس» ونهب «بولانيك»، وكانت خيول المدفعية المصرية ترعى في سهولها، فسَطوا عليها ونهبوا منها ١١٠٠ رأس.

وفي ٢٤ مايو تقدمت القوات العثمانية واحتلت أورول ومزار و١٤ بلدة في المركز نفسه، وليضمن السلطان النصر زود حافظ باشا بأموال طائلة وبهدايا فاخرة؛ ليغري بها زعماء القبائل ورؤساء العائلات وذوي النفوذ والجاه على شق عصا الطاعة على إبراهيم باشا، وخصص جوائز مالية كبيرة لكل من يأتي له بثلاثة من الفرسان الهنادي أسرى أو قتلى، وهدد بإعدام كل شخص (رجلًا أو امرأة أو طفلًا) يمالئ المصريين على العثمانيين.

وحدث أن وقع فرجاني شيخ عرب الهنادي مع سبعين من رجاله أسرى في أيدي العثمانيين في تل باشر، فاستدعاه حافظ باشا وسأله رأيه في الجيشين وفيمن تكون له الغلبة، فأجابه فرجاني (بعد أن أمنه حافظ باشا على حياته إذا أجاب بكل صراحة): إن جيشك جيش حجاج وتجار وعلماء ومشايخ، لا دربة لهم ولا حنكة ولا نظام، أما جيش إبراهيم فجيش جنود مدربين مزودين بالذخائر ومدججين بالأسلحة لا يعرفون غير الطاعة والنظام. بَرَّ حافظ باشا بوعده واحتفظ بفرجاني وحده أسيرًا، وأرسل رفاقه الهنادي السبعين إلى إستانبول، والسلطان أمر بضرب أعناقهم جميعًا. أما فرجاني فتمكن في ليل حالك من الهرب من معسكر حافظ باشا، وعاد إلى معسكر إبراهيم باشا.

استمرت المناوشات إلى آخر الأسبوع الأول من شهر يونيو سنة ١٨٣٩.

بدأ الأسبوع الثاني من شهر يونيو سنة ١٨٣٩ بثلاث حوادث مهمة:
  • في ٧ يونيو عقد السلطان في إستانبول مجلسًا ضم الوزراء والعلماء والكبراء، وفيه قرروا بالإجماع اعتبار محمد علي متمردًا على السلطان، وواجب السلطنة يقضي بتأديبه وإبادته هو وذريته.٢٩ لم يشهروا الحرب عليه بناء على أنه تابع للسلطان، وغاية ما في الأمر أنه تابع خرج على طاعة سيده ومولاه.
  • وفي ٨ يونيو أرسل إبراهيم باشا إلى حافظ باشا كتابًا — ندب قومندان المدفعية محمود حاذق بك لتسليمه له — ذكر له فيه عدوان سليمان باشا والي مرعش على القوة المصرية المرابطة في بولانيك. وذهاب قوة من الكرد إلى باياس لإثارة الأهالي على المصريين، وذهاب الحاج عمر أوغلو إلى كردطاغ لبَثِّ الفتن والاضطرابات، وهجوم العثمانيين على الهنادي داخل الأراضي التابعة لحكومة محمد علي، وتوزيع الأسلحة على أهالي ولاية عينتاب، ودخول سليمان باشا والي مرعش فيها ورفضه الخروج منها، وإقدام حافظ باشا على إطلاق مدافعه على الهنادي الآمنين في مرابطهم، وطلب منه ردًّا وافيًا لتبرير هذه الاعتداءات، وأفهمه أن سكوته على هذه الاعتداءات ليس عن جبن أو ضعف، وإنما عملًا برغبة مولاه السلطان ورغبة الدول في اجتناب الحرب، أما إذا كان حافظ باشا عمل ما عمل تنفيذًا لأوامر صدرت إليه فليتقدم إلى ميدان القتال بلا مواربة ولا رياء؛ لأن أمامه رجالًا ذوي بأس ومران أثبت ماضيهم أنهم لا يهابون أحدًا.

  • وفي ٩ يونيو ورد رد حافظ باشا وفيه يتهم الفرسان الهنادي برياسة معجون بك بنهب عدة بلاد من ولاية أورفا، وبقتل أحد الجنود العثمانيين ظلمًا وعدوانًا، وأن ما فعله العثمانيون كان ردًّا على ما فعله المصريون وأخذًا بالثأر.

بدأ القتال فاستولى العثمانيون على عينتاب، استولوا عليها لا على أثر معركة انتصروا فيها بل على أثر إغراء وإغواء الحامية التي سلمت بلا نزال ولا قتال.

لم يرَ المصريون بدًّا من مقابلة العدوان بمثله، فتقدموا في يوم ٢٠ يونيو، وطردوا العثمانيين من بلدة مزار بعد أن ضربوا القوة العثمانية بالمدافع المصرية ضربًا محكمًا ولَّى العثمانيون بعده الأدبار وغنم المصريون ذخائر ومؤنًا ومهمات كثيرة جدًّا، ووقعت خزانة القائد في أيديهم، وكان بين الترك أربعة وزراء.

وفي اليوم التالي ٢١ يونيو خرج إبراهيم باشا وسليمان باشا الفرنساوي لاستطلاع مواقع العدو بقوة مؤلفة من ١٥٠٠٠ من البدو وأربعة آلايات من الفرسان وعدة بطاريات مدفعية. أدرك حافظ باشا والضابط الفرنساوي le capitaine Petit الذي كان من ضمن هيئة أركان حربه أن ساعة الهجوم قد دقَّت، وكل دقيقة تمرُّ تُضعف من قوة جيشه، وتزيد في قوة جيش خصمه، إلا أن «العلماء» الذين كانوا معه عارضوا معارضة شديدة في بدء القتال بدعوى أن هذا اليوم هو يوم جمعة جعله الله للصلاة لا للقتال، وأن يومي الجمعة والأربعاء كتبهما الله لإبراهيم باشا يفوز فيهما على خصومه، أما باقي الأيام فكتبها الله للعثمانيين ينتصرون فيها على أعدائهم، فعمل حافظ باشا برأي العلماء ولم يهاجم.

رأى إبراهيم باشا وسليمان باشا الفرنساوي أن العثمانيين قد حصَّنوا مواقعَهم تحصينًا محكمًا يدل على أن العقول التي تولت هذا التحصين ليست عقولًا عثمانية بل عقولًا ألمانية، فقرَّ رأيَهما على استدراج الترك إلى السهول، ولكن استدراج الترك من المواقع الحصينة التي هم فيها يقتضي عمل حركة التفاف في غاية الخطر، إذا أدرك العثمانيون خطرها هلك الجيش المصري على بكرة أبيه، وإذا لم يدركوه فالنصر مكفول للمصريين حتمًا، جرت حركة الالتفاف بالليل كي لا يشعر بها العثمانيون ولا يدركوا مغزاها.

وفي يوم ٢٢ يونيو عبروا كوبري نهر مزار، ولما أتموا حركة الالتفاف أشار الضباط الألمان على العثمانيين بالتقهقر إلى بلدة «بير» تفاديًا من وقوعهم في الشَّرَك، إلا أنهم وجدوا معارضة من حافظ باشا الذي أجابهم: «ماذا يقول التاريخ عني إذا تقهقرت؟» وما درى أن التقهقر قد يكون من الخطط الحربية السليمة، وانحاز العلماء إلى رأيه، وقالوا: «إن العثمانيين لا يولُّون الأدبار أبدًا. يشهد التاريخ بأنهم يتقدمون دائمًا ولا يتقهقرون. النصر بيد الله يؤتيهِ من يشاء.» استشاط الضباط الألمان غضبًا وقدموا استقالتهم، إلا أن حافظ باشا رفض الاستقالة، وأفهمهم بأن الجندي لا يفر من ميدان القتال ليلة الطِّعان والنِّزال.

قضى العثمانيون يوم ٢٣ يونيو في تحصين مواقعهم الجديدة.

وفي غروب هذا اليوم دعا إبراهيم باشا ضباط الجيش المصري وقام في وسطهم خطيبًا ذاكرًا ما ناله الجيش المصري من الشهرة في أنحاء العالم بفتوحاته وغزواته وانتصاراته العديدة، ثم لفت أنظارهم إلى أن يوم الغد — ٢٤ يونيو سنة ١٨٣٩ — هو يوم فصل الخطاب، إما النصر والمجد والفخار أو الموت والعار والشنار. وبعدما بارح الضباط خيمة إبراهيم باشا دعاهم سليمان باشا الفرنساوي إلى خيمته، وبعد أن زودهم بالتعليمات الواجب مراعاتها قال لهم: «إلى اللقاء في الغد الساعة الثالثة بعد الظهر في خيمة حافظ باشا، أدعوكم من الآن لنتناول فيها القهوة معًا.»

وبين الساعة الحادية عشرة والثانية عشرة ليلًا فكَّر حافظ باشا في مباغتة الجيش المصري، وأخذِه على غِرَّة، فسار في الليل، واستطلع مواقع الجيش المصري، ثم أمر بإطلاق المدافع في الحال، وكانت المدافع تصوِّب قنابلها على خيمة إبراهيم باشا وخيمة سليمان باشا الفرنساوي اللتين كان ضباط أركان حرب حافظ باشا استكشفوا موقعهما في عصاري ذلك اليوم.

استيقظ المصريون فجأة فاختل نظامُهم، وتمكنت بعض الكتائب — التي جندها إبراهيم باشا من السوريين — من الهروب، وكان من فكر حافظ باشا أن يستمر في القتال، إلا أن العلماء عارضوه؛ بدعوى أنه لا يليق بجنود أمير المؤمنين أن يتشبهوا باللصوص، ويقاتلوا في ظلمات الليل. وسرعان ما انتهزت المدفعية المصرية الفرصة السانحة، وصبت نارًا حامية على بطاريات العثمانيين فأسكتتها وحطمتها.

الجيش العثماني كان مؤلَّفًا من ٣٨٠٠٠ مقاتل، منهم ٥٠٠٠ من الفرسان و٣٠٠٠ من رجال المدفعية مزودين بمائة وأربعين مدفعًا، والجيش المصري كان مؤلفًا من ٤٠٠٠٠ بما فيهم ٢٠٠٠ من الهنادي، وكان مزودًا بمائة وعشرين مدفعًا. تكافؤ في القوة العَددية والعُددية، إِلا أن الجيش المصري كان يمتاز بالقوة المعنوية، وهي أقوى من القوى العَددية ومن القوى العُددية؛ لأن الجنود المصريين مارسوا مهنة الحرب والقتال في عكا وفي حمص وفي بيلان وفي قونية، وانتصاراتهم المتوالية دبَّت في نفوسهم الإيمان بالنصر، والثقة بقائدهم الأكبر إبراهيم باشا، وبرئيس أركان حربه سليمان باشا الفرنساوي، وبأحمد باشا المانكلي وزير الجهادية، وأحمد باشا الدرملي وسليم بك ووالي بك ومصطفى بك وأحمد بك وعلي بك وجعفر بك. وكانوا فوق هذا وذاك متجانسين تجمعهم رابطة الوحدة المصرية. أما العثمانيون فكانوا أخلاطًا من الترك والكرد والأرمن واليهود والصرب والبلغار والأروام، وكان قوادهم متحاسدين متباغضين متخاذلين، كلٌّ يسعى إلى الإيقاع بالآخر، وليست لهم ثقة برئيسهم الأعلى حافظ باشا.

وفي مَبرَق الصبح من يوم ٢٤ يونيو تحرك الجيش المصري، وامتطى إبراهيم باشا جواده المشهور «درزي»، وهو من صفوة جياد نجد، يعدو المائة كليومتر بدون توقف،٣٠ وفي أثناء سير القوات المصرية رأى سليمان باشا رابية أهمل حافظ باشا الاستيلاء عليها مع أهميتها الحربية، فأسرع وأمر بطارية من المدافع الضخمة بالاستيلاء عليها. أدرك حافظ باشا خطأه الجسيم في ترك سليمان باشا يحتل هذه الرابية المهمة، فأمر المدفعية التركية بأن تصوب قنابلها على البطارية المصرية التي نُصبت في هذه الرابية، وكان هذا إيذانًا ببدء القتال.
تقدم إبراهيم بقلب جريء نحو خطوط العثمانيين الأمامية، فقابلته بنار حامية شتتت ألايًا من ألاياته، وكاد الفزع يستولى على جنود الجيش المصري لولا الشجاعة التي أبداها إبراهيم باشا، إذ أشهر سيفه البتار، وصال على الهاربين، وأعمل فيهم سيفه، كما صوب سليمان باشا الفرنساوي مَدافعه عليهم، فعادوا إلى خطوط القتال. وما هي إلا فترة قصيرة من الزمان إلا وَهبُّوا كلهم كالأسود على الجيش العثماني، وأعملوا فيه السيف والنار، وما زالوا به حتى ضعضعوا ست أورط من الكرد وقوة كبيرة من الباشبوزق كانت تحت إمرة محمود باشا، فولوا الأدبار، وسبقهم التركمان وفروا هاربين، كما سبقهم لواء خالد باشا الذي قُتل في أثناء المعركة، فولى جنودُه الأدبارَ. وكذا جنود إبراهيم بك — أحد قواد العثمانيين — ألقوا سلاحهم بعد أن خرَّ قائدُهم صريعًا في حومة الوغَى. ولما رأى الخيالة العثمانيون ما حَلَّ بالمشاة هربوا هم أيضًا. وفي أقل من ساعتين انكسر الجيش العثماني وانتصر الجيش المصري، ووقع معسكر حافظ باشا كلُّه في أيدي إبراهيم باشا وسليمان باشا الفرنساوي، وغنم المصريون كلَّ ما كان في المعسكر من خيام وأثاث ومهمات وأوراق ونقود، حتى خيمة حافظ باشا،٣١ بما فيها من نياشين ووثائق وخرائط وخزانة فيها ٤٥٠٠٠ كيس (عبارة عن ٢٤٠٠٠٠ جنيه) وُجدت كما وُضعت وكما تُركت قبل القتال. ووقعت خيمة البارون مولتكي الألماني في أيدي المصريين بجميع ما فيها من خرط ووثائق وأسلحة وملابس، كما غنم المصريون ٢٠٠٠٠ بندقية و١٧٩ مدفعًا بذخائرها، وأسروا ١٥٠٠٠ منهم سبعة باشوات أولهم سليمان باشا والي مرعش، وقُتل من جانب العثمانيين ٤٥٠٠ جندي وثلاثة باشوات وكثير من كبار الضباط. ويقول البارون مولتكي في الكتاب الذي وضعه «رسائل عن الشرق»: إن الجيش العثماني خسر في تقهقره خمسة أسداس عدده كما خسر جميع مدفعيته. ومن كبار ضباط الجيش المصري استشهد الكولونل إبراهيم بك من ضباط المشاة.٣٢

وقد طيَّر إبراهيم باشا نبأ هذا النصر العظيم إلى جميع الحكام، وها نص ما كتبه إلى والي حلب: «أُخبركم بأني هجمت على الجيش العثماني في «نزيب»، وفي أقل من ساعتين استوليت على مدفعيته وعلى ذخائره وعلى مُؤَنِه، وقد خضع الجيش كلُّه، وأنا سأتابع سيري ولا أقف إلا عند قونية، أما أنتم فأقيموا الأفراح، وبلغوا هذا النبأ السار إلى جميع الجهات.»

وفي الساعة التاسعة والنصف من صباح يوم ٤ يوليو، ورد لمحمد علي باشا تلغراف من حفيده عباس باشا يبلغه انتصار إبراهيم باشا بالنص الآتي: «بعد ساعتين قتال مع جيش السلطان استولى إبراهيم باشا على جميع مدافع وخيم ومهمات الجيش العثماني.»

وفي مساء اليوم نفسه وردت خطابات ابنه إبراهيم باشا مفصلة الانتصار العظيم الذي أحرز الجيش المصري، فتلاها محمد علي على قناصل الدول الذين كانوا ماثلين أمامه، وقال لهم: «ها هو الجيش الذي أعده السلطان لطردي من مصر.» وها نص الخطاب الذي أرسله إبراهيم باشا إلى علي برهان بك كاخيته وخازنداره في مصر، وفيه يبشِّره بالنصر العظيم الذي أحرزه: «أبشرك بأننا استولينا على معسكر جيش السلطان، بعد ساعتين قتال حطَّمنا الجيش كلَّه، واستولينا على مَدافعِه وبنادقِه وخِيمِه، ووقعت جميع مهماتِه في أيدينا، وقد مزقناه شر ممزق، وكان لمدفعيتنا فضلٌ كبير في إحراز هذا النصر، وإني أشعر بعد هذا النصر بأني قد عُدت شابًّا في سن الخامسة عشرة، وقد كتبت إليك هذه الكلمات وأنا في خيمة حافظ باشا سر عسكر الجيش العثماني، وقد وجدتها كما تركها حافظ باشا تمامًا.» وقد أمر محمد علي باشا بإقامة الأفراح احتفالًا بهذا النصر العظيم مدة ثلاثة أيام كاملة، فيها أَطلقت جميعُ القلاع وجميعُ سفن الأسطول مدافعَها ابتهاجًا بهذا الحادث العظيم.

من ضمن الوثائق المهمة التي وُجدت في خيمة حافظ باشا ووقعت في قبضة إبراهيم باشا؛ الوثيقة التي تتضمن التعليمات والخطط التي وضعها السلطانُ لحافظ باشا. وخلاصتها: أن محمد علي ينوي إعلان استقلاله في صيف عام سنة ١٨٣٩، فأوجب السلطان على حافظ باشا السرعة في القضاء على جيش إبراهيم. حدد السلطان أربعة أو خمسة شهور لطرد المصريين من الأناضول ومن سوريا والاستيلاء على قلعة عكا، وحدد أحد عشر شهرًا أو سنة على الأكثر لإتمام الاستيلاء على سوريا ومصر معًا، وحدد الجيش العثماني بعدد يتراوح بين ٦٠٠٠٠ و٧٠٠٠٠، منهم ٤٠٠٠٠ مشاة و١٥٠٠٠ فارس و٥٠٠٠ من رجال المدفعية وأركان حرب و١٠٠٠٠ من الجنود غير النظاميين مزودين بمائة وعشرين مدفعًا. وقيل في هذه الوثيقة إن المعلومات التي لدى حكومة السلطان تدل على أن سليمان باشا الفرنساوي غير راضٍ عن وجوده في الجيش المصري، وبما أنه فرنساوي فيحسن استمالتُه وضمُّه إلينا، وللوصول إلى استمالته يحسن ندبُ أحد الضباط الفرنساويين الموجودين في الجيش العثماني ليسهل التفاهم معه.٣٣ وفي الوثيقة أيضًا أن محمد علي باشا يميز دائمًا المسيحيين على المسلمين، لا يُرقِّي المصري المسلم إلا لدرجة يوزباشي، أما النصراني فيرقيه إلى درجة قائمقام وأميرالاي ولواء. فمن ترك محمد علي وانضم إلينا مع ٣٠ عسكريًّا فامنحوه رتبة يوزباشي، وإذا انضم إلينا قومندان مع أورطته فيُمنح رتبة قائمقام، ومن يَبُثُّ الفتنةَ والعصيان في جيش إبراهيم يُمنحُ رتبةً أعلى. وللوصول إلى هذه الغاية استعينوا بالجواسيس لتبليغ هذه الوعود إلى المصريين، ولاستمالة الدروز الذين انضموا إلى جيش محمد علي جعل السلطان تحت تصرف حافظ باشا ٨٠٠٠ كيس (٤٠٠٠٠ جنيه) لإغرائهم. وفيها أيضًا أن في جيش إبراهيم أوروباويين كثيرين، فيحسن إغراؤهم بالمال ليفشوا أسرار خُطط إبراهيم باشا وسليمان باشا الحربية.٣٤
ويريد الله أن يموت السلطان محمود في سراي جامليجه بإستانبول في صباح يوم الإثنين أول يوليو٣٥ سنة ١٨٣٩ (١٩ ربيع الآخر سنة ١٢٢٥) قبل أن يَبلُغَه نبأُ انكسار جيشه في نزيب، مات وهو في سن الرابعة والخمسين من عمره، وفي السنة الأولى بعد الثلاثين من حكمه.

مات السلطان محمود فتولى السلطنة من بعده ابنُه السلطان عبد المجيد، وكان عمره ١٧ سنة (ولد في إستانبول يوم ١٩ أبريل سنة ١٨٢٢ الموافق ١١ شعبان سنة ١٢٣٨، وهو ابن السلطان محمود الحادي والعشرون!)

أول عمل عمله السلطان الجديد كان إصداره أمرًا بتعيين خسرو باشا صدرًا أعظم، وخسرو هذا هو ألد أعداء محمد علي، هو الذي كان واليًا على مصر وطرده محمد علي، ولما فر إلى دمياط اقتفى محمد علي أثره وهزمه وأسَرَه في سنة ١٨٠٣، وحلَّ محلَّه في الولاية على مصر. إذن كان بين خسرو باشا ومحمد علي باشا ثأرٌ منيم، فأول عمل عمله خسرو ليثأر من عدوه كان استصدار فرمان من السلطان الشاب بخلع محمد علي وتعيين عزت باشا السر عسكر واليًا على مصر. ولكن هذا الفرمان بقي حبرًا على ورق.

figure
السلطان محمود الثاني.
اختيار خسرو للصدارة العظمى جر على السلطنة كارثة لم يروِ التاريخُ من قبلُ كارثةً مثلها؛٣٦ ذلك أنه بمجرد ما علم أحمد فوزي باشا أميرال الأسطول العثماني في ٢ يوليو بوفاة السلطان محمود ومبايعة السلطان عبد المجيد وإسناد الصدارة إلى عدوه الألد خسرو باشا، حدثتْه نفسُه أن يُقلِعَ بالأسطول العثماني إلى مصر ويسلِّمَه إلى محمد علي. قال في نفسه: «إن عدتُ إلى الآستانة فمصيري معروف. سيجد خسرو ألف وسيلة ووسيلة للوشاية والوقيعة بي لدى السلطان، وعاقبة الوقعية والوشاية في الدولة العلية معروفة هي الموت، فأولى بي أن أرتميَ في أحضان محمد علي وأسلِّمَه الأسطول.»
وبالفعل أقلع أحمد فوزي باشا بالأسطول العثماني من الدردنيل في يوم ٤ يوليو، ووصل إلى الإسكندرية في يوم ١٣ يوليو سنة ١٨٣٩، وفي يوم ١٤ انضم الأسطول التركي — وكان مؤلَّفًا من ٢٢ قطعة — إلى الأسطول المصري — وكان مؤلَّفًا من ٢٨ قطعة — فكوَّنا أسطولًا ضخمًا من ٥٠ سفينة حربية عليها ٣٠٠٠٠ بحار وجندي و٣٠٠٠ مدفع، فكان المنظر من أروع المناظر التي رأتها مصر.٣٧ غادر فوزي باشا الأسطولَ — بعد أن انتقل من السفينة محمودية إلى السفينة فوزية — فاستقبله الضباط المصريون استقبالًا فخمًا. ولما علم محمد علي بحضوره تقدَّم بنفسه إلى مدخل ردهة الاستقبال، وبمجرد ما رآه فوزي باشا انتزع سيفه، وسلمه إلى أحد الضباط المصريين، ثم صَعِد الدرج بسرعة وخرَّ ساجدًا أمام محمد علي وأراد تقبيل قدميه، إلا أن محمد علي رفعه وقال له: عفوًا يا أخي. ثم عانقه ورحَّب به وأجلسه بجانبه، ثم قَدَّم إليه الشبوق والقهوة، ولبث معه في خلوة نصف ساعة، بعدها استأذن فوزي باشا في الانصراف، فوضع محمد علي جوادَه الخاص تحت تصرفه. وفي يوم ١٦ يوليو استقبل محمد علي فوزي باشا وسبعين من كبار ضباط الأسطول العثماني، أرادوا انتزاع سيوفهم قبل دخولهم على محمد علي، فمنعهم محمد علي زيادةً في التلطف، ولما مَثَلوا أمامه خطب فيهم قائلًا: «يا أولادي، نحن كلنا أبناء أمة واحدة، لا يقول المصري: أنا مصري. والتركي: أنا تركي. تجمعنا كلنا جامعة واحدة هي جامعة الدين، وتربطنا كلنا رابطة واحدة هي رابطة الولاء لمولانا السلطان. إن عظمة السلطنة وقوتها يتوقفان على جمع كلمة أبنائها. حال السلطنة الآن غير مرضٍ، فيجب علينا أن نوحِّدَ جهودَنا لرفع شأن الدولة. ومن أعظم أمانيَّ أن أعمل على رفع شأن العرش وسعادة الأمة، وإني مخلصٌ الإخلاصَ كلَّه لمولانا السلطان قلبًا وقالبًا. إن السلطان جوهرة لا عيب فيها، لا يُدنِّسها إلا المقرَّبون من العرش، وأقصد بالمقربين من العرش خسرو باشا، الذي كان دائمًا شؤمًا على الدولة، إذا بقي متولِّيًا شئونَ السلطنة كان مصيرُها الخرابَ؛ فالواجب علينا جميعًا أن نعملَ يدًا واحدة؛ لنَحُول دون تمكينه من الإضرار بالدولة.»

وقد بقي الأسطول العثماني رابضًا في ثغر الإسكندرية مع الأسطول المصري إلى أن تم الصلح بين السلطان ومحمد علي. فأقلع في يوم ٢٣ يناير سنة ١٨٤١ بقيادة ياور باشا، ووصل إلى إستانبول يوم ١٦ مارس بعد أن بقي في حوزة محمد علي سنة ونصفًا.

ولتدرك أهمية موقعة نزيب من الناحية الحربية ومن الناحيتين السياسية والأدبية، حسبك أن تعرف رأي الجنرال فيجان Weygand (الذي كان رئيس هيئة أركان حرب الماريشال فوش القائد العام لجيوش الحلفاء في الحرب الكبرى) قال في كتابه:
A en juger par les résultats, la journée de Nézib apparalt comme la plus glorieuse des victoires remportées par les armées égyptiennes; certains auteurs l’ont comparée à Austerlitz. (Voir “Histoire militaire de Mohamed Ali et de ses fils”, p. 115, t. II)

ورأيه هذا يطابق آراء جميع رجال الحرب.

أما الناحيتان السياسية والأدبية فتدل عليهما الاستقبالات الفخمة والحفاوة العظيمة، التي استقبل بها سلطان تركيا وملوك أوروبا وكبار رجال السياسة فيها محمد علي باشا وإبراهيم باشا وسليمان باشا الفرنساوي، عندما سافروا إلى تركيا وإيطاليا وفرنسا وإنجلترا، وغيرها من البلاد في خلال سني ١٨٤٥ و١٨٤٦ و١٨٤٧ و١٨٤٨.

في أغسطس سنة ١٨٤٦ سافر محمد علي باشا إلى إستانبول، فاستقبله السلطان استقبالًا فخمًا جدًّا. حسبك أن تعرف أن نفقات رحلة محمد علي باشا في إستانبول بلغت ٢٥٠٠٠٠جنيه، أصاب الصدر الأعظم خسرو باشا منها ٥٠٠٠ جنيه، وقبل أن يعود إلى مصر عرَّج على «قولة» مسقط رأسه حيث زار قبر والديه، واستقبل أهله وإخوانه، وفيها أنشأ مدرسة وتكية.

ولما مرض محمد علي باشا، وأصبح عاجزًا عن تولي سلطة الحكم في مصر، أصدر السلطان فرمانًا بتولية ابنه إبراهيم باشا على مصر، وأرسل الفرمان إلى مصر مع مظلوم بك أحد رجال المابين، وبعد أن حضر مظلوم بك، وتلا الفرمان أمام أعضاء العائلة وأمام كبراء وعظماء الدولة، سافر معه إبراهيم باشا إلى إستانبول، فوصل إليها في ٢٤ أغسطس سنة ١٨٤٨، فاستقبله السلطان استقبالًا فخمًا، وأنزله في السراي السلطانية في الجناح الذي نزل فيه والده من قبل. ولما مَثَل أمام السلطان سلَّمه البراءة، وقلَّده نيشانًا رفيع الشأن مثل النيشان الذي ينعم به عادة على الصدور العظام، وأهدى إليه صورته مرصعة بالأحجار الكريمة، وبعد أن تمت الزيارة عاد إبراهيم باشا إلى مصر على ظهر الباخرة المصرية «بني سويف»، فوصل إلى ثغر الإسكندرية يوم ٩ سبتمبر سنة ١٨٤٨.

وفي ١١ فبراير سنة ١٨٤٨ سافر محمد علي باشا إلى أوروبا مع طبيبه الخاص كلوت بك المشهور، فوصل إلى مالطة، وفيها استقبلته الحكومة الإنجليزية استقبال الملوك، ومنها سافر محمد علي باشا إلى نابولي في إيطاليا؛ ليزور ابنه المريض إبراهيم باشا، وفي نابولي بلغه نبأُ الثورة التي شبَّت في فرنسا، وانتهت بخلع صديقه لويس فيليب ملك فرنسا، فغضب محمد علي باشا غضبًا شديدًا، وهاجت أعصابُه هيجانًا كبيرًا، وعرض أن يسافر بجيشه وبأسطوله ليعيد ملك فرنسا إلى عرشه، وفي ٢٧ مارس سنة ١٨٤٨ أبحر إلى مصر حيث لحق به إبراهيم باشا بعد بضعة أيام.

وإبراهيم باشا سافر إلى أوروبا مرتين:

مرة في أواخر أغسطس سنة ١٨٤٥، وكانت حاشيته مؤلفةً من ٥٠ شخصًا، منهم سليمان باشا الفرنساوي وسامي باشا وإسكندر بك «ابن سليمان باشا الفرنساوي» ونوبار بك سكرتيره وترجمانه، فقصد مدينة فرنية الحمامات Vernet les Bains في جبال البرانس الشرقية Les pyrénées Orientales ليستشفي بمياهها الكبريتية، وفيها استقبلته البلدية استقبالًا فخمًا جدًّا، وأقامت له قوسي نصر كتبت على إحداهما بحروف من نور:

إلى بطل قونية ونزيب.

وكتبت على الثانية:
إلى ابن محمد علي الأمجد.
إلى رافع لواء المدنية في الشرق.
إلى صديق الفرنساويين.
إلى البطل المصري.
وبعد انتهاء المعالجة سافر إلى مدينة بوردو، ومنها إلى مدينة تور، ومنها إلى باريس، فوصل إليها في يوم ٢٥ أبريل سنة ١٨٤٦، وفي باريس استقبله ملك فرنسا استقبال الملوك، وأسكنه في قصر الإليزيه في الجناح الذي سكنه من قبل نابليون الكبير، ونام إبراهيم باشا في ذات السرير الذي نام فيه نابليون. وفي مدة إقامته في باريس أقيمت له مآدبُ رسمية كثيرة جدًّا، وحضر تمثيل رواية في الأوبرا، كما حضر استعراضًا عسكريًّا من ٣٠٠٠٠ عسكري، شهده ٨ أمراء و٦ أميرات تحيط بهم هيئة عسكرية من ٦٠ جنرالًا مع طائفة من كبار القواد. روى أحد الذين شهدوا هذا الاستعراض أنه سمع من إبراهيم باشا يقول: «إن يوم ٢٥ مايو هو عندي أجمل يوم من أجمل شهر من أجمل فصل من سنة ١٨٤٦.» وقال فيه كاتب فرنساوي وما أبلغ ما قال:
L’Occident n’a pas vu de soldat plus intrépide, plus généreux et plus né pour la victoire. Ouvrez lui le monde, il ira Jusqu'au bout.

ومعناها: «لم ترَ أوروبا جنديًّا أشجع منه، ولا أكرم منه، خُلق للنصر والنصر خُلق له، إذا فتحتَ أمامه بلادَ الدنيا غزاها من أولها إلى آخرها.» ثم زار قبر نابليون في الإنفاليد، وقد استقبله في مدخل الإنفاليد ٢٠٠٠ جندي من الجنود الذين شهدوا حروب نابليون في إيطاليا وفي إسبانيا وفي ألمانيا وفي النمسا وفي الروسيا، وكان معه سليمان باشا الفرنساوي، فلما وقع نظر سليمان باشا على قبر نابليون سيده ومولاه أجهش بالبكاء وكاد يغمى عليه، ولزيادة الحفاوة بإبراهيم باشا ضربت الحكومة الفرنساوية «مدالية» نُقشت عليها صورة محمد علي باشا، وكتبت عليها: «محمد علي محيي مصر»، ولما بارح إبراهيم باشا باريس سلم محافظ المدينة ٥٠٠ جنيه ليوزعها على الفقراء.

وفي أثناء وجوده في فرنسا دعته الملكة فكتوريا إلى زيارة إنجلترا، فزار إنجلترا وأيرلندا وإسكتلندا، وزار بوجه خاص مدينة لندن ومدينة برمنجهام ومدينة مانشستر، وكان معه في هذه الرحلة سكرتيره الخاص وترجمانه نوبار الذي يجيد اللغة الإنجليزية واللغة الفرنساوية واللغة الإيطالية واللغة الألمانية واللغة التركية، وكان خير معوان له في رحلته هذه. وفي لندن أقيمت له مآدب رسمية كثيرة: منها مأدبة عشاء أقامتها له الملكة فكتوريا، دعت إليها الأمراء والوزراء والكبراء، فاجتمع إبراهيم بالبرنس ألبير «زوج الملكة فكتوريا»، وبالبرنس جورج أوف كامبردج، وبالدوق ولنجتون «الذي قهر نابليون في واقعة واترلو»، كما اجتمع باللورد بيل واللورد أبردين ومستر جلادستون. ومن سخرية القدر أنه اجتمع في المآدب الرسمية التي أقيمت له بالأميرال كود رنجتون الذي حطم الأسطولين المصري والعثماني في نافارين عندما كان إبراهيم باشا متوليًا قيادة القوات العثمانية والقوات المصرية والأسطولين العثماني والمصري في بلاد اليونان. كما اجتمع بالسر نابير Sir Napier قائد الأسطول الإنجليزي الذي هدد محمد علي باشا بضرب الإسكندرية، وضرَب بيروت بالفعل، وضرب مواني فلسطين وسوريا ولبنان لإكراه المصريين على التخلي عن لبنان وسوريا وفلسطين، كما اجتمع باللورد بالمرستون الذي حرَّض تركيا على مناوأة مصر، وكان من ألد أعداء محمد علي وإبراهيم، وفي الوليمة التي أقامها لورد بالمرستون دعا إليها ٢٢ عظيمًا من عظماء الدولة، وقد تهافتت الشركات الإنجليزية وكبار اللوردات إلى دعوة إبراهيم باشا إلى مآدب كثيرة للاحتفاء به.
figure
سليمان باشا الفرنساوي.

وبعدما أبحر من إنجلترا مرَّ على البرتغال، ونزل في عاصمتها لشبونة، وعند نزوله بها علم أن الملكة وضعت ولدًا، فذهب في الحال إلى الكنيسة، وحضر الصلاة التي كانت قائمة شكرًا لله، ومن لشبونة أبحر إلى قادس في إسبانيا، ومنها إلى جبل طارق، ثم إلى مالطة، ووصل إلى الإسكندرية يوم ٥ أغسطس.

أما سليمان باشا الفرنساوي فاعتذر عن السفر مع إبراهيم باشا إلى إنجلترا، وسافر في رحلة خاصة إلى بلجيكا وهولندا، وانتهز الفرصة فذهب إلى مدينة ليون مسقط رأسه، حيث اجتمع بأهله وأقام عندهم مدة طويلة بعد أن غاب عنهم وعن فرنسا ٢٧ سنة.

والمرة الثانية التي سافر فيها إبراهيم إلى أوروبا كانت للمعالجة. سافر يوم ٩ أكتوبر سنة ١٨٤٧، ووصل إلى مالطة، ومنها سافر إلى إيطاليا، وفيها زار مدينة بيزا، ثم مدينة فلورنسا، واستقر به النوى في مدينة نابولي، حيث قضى فصل الشتاء، وفيها لحق به والده الذي كان أبحر من ثغر الإسكندرية في شهر فبراير سنة ١٨٤٨ للمعالجة هو أيضًا.

إبراهيم توفي في ١٠ نوفمبر سنة ١٨٤٨ وعمره ٦٠ سنة.٣٨
ومحمد علي توفي بعده في ٢ أغسطس سنة ١٨٤٩ وعمره ٨٠ سنة.٣٩
وسليمان باشا الفرنساوي توفي بعدهما في ١٢ مارس سنة ١٨٦٠ وعمره ٧٢ سنة.٤٠

تلك آيات مجد وفخار كتبها الجندي المصري في سجل التاريخ بحد سيفه البتار، يجب على المصريين كافة أن يعرفوها؛ لأن من عرَف بلادَه أحبَّها.

كلمة لمحمد علي باشا

من جوامع الكلم المأثورة عن المغفور محمد علي باشا قوله لأولاده:

ليس لكم يا أولادي وطنٌ غير مصر، فإن لم تسلكوا سبيلي وتتبعوا خطواتي، فلا عزَّ لكم ولا عَلاء، وأنا منكم بريء …

أسكنه الله جنة الخلد، وأنزل عليه صيُّوبًا من رحمته.

عزيز خانكي

هوامش

(١) بلغ عدد كبار المماليك الذين فتك بهم ٤٥١، وكان من بينهم جاهين بك كبيرهم، وهذه المذبحة لها سوابق في التاريخ: مذبحة زعماء الترك الذين كانوا عناصر شغب وفوضى، وكانوا يعيثون في مصر فسادًا، فأمر بدر الدين الجمالي بعدما حضر إلى مصر في سنة ١٠٧٤ ميلادية بإبادتهم جميعًا. دعاهم إلى وليمة، وفي أثنائها فتك بهم، وأبادهم على بكرة أبيهم.
ومذبحة سنة ١٥١٤ التي فتك فيها السلطان سليم بأربعين ألفًا من أهل الشيعة، اعتمادًا على فتوى من شيخ الإسلام بالآستانة، زعم فيها بأن من قتل شيعيًّا واحدًا كان أجره عند الله يعادل أجر من قتل سبعين كافرًا.
ومذبحة السترليتز Strelits التي أمر بها بطرس الأكبر قيصر روسيا في سنة ١٧٠٥، وفيها فتك باثني عشر ألفًا.
والمذبحة التي دبرها إبراهيم بك وإسماعيل بك رضوان كاخية الإنكشارية والعزب إذ فتكا في سنة ١٧٤٣ بأعدائهما في (القلعة) قبل تاريخ مذبحة المماليك في (القلعة) بثماني وستين سنة.
ومذبحة الإنكشارية في ١٦ يونيو ١٨٣٦ بأمر السلطان محمود الثاني، ويروي المؤرخون أن عدد الإنكشارية الذين قُتلوا في إستامبول وفي داخلية البلاد بلغ ٤٠٠٠٠.
وجميع هذه الحوادث اقتضتها المحافظة على سلامة الدولة.
(٢) وفي رمضان سنة ١٢١٤ لحقت به زوجته المغفور لها أمينة هانم «والدة إبراهيم باشا»، وهي بنت علي باشا الشهير من أهالي قرية نصرتلي، أدت فريضة الحج وزارت الروضة النبوية المطهرة، وكان ركبها مؤلفًا من ٥٠٠ جمل تحمل خدمها وحشمها ومتاعها، وفي منى التقت بزوجها، وبالنظر لجلال موكبها وعظمة الحرس الذي كان يحرسها وفخامة الخيمة التي نزلت فيها سماها أهل الحجاز «ملكة النيل»، وقد بلغ حجاج ذلك العام ٨٠٠٠٠ حاج. ومما يروى عنها أنه لما اعتزم ابنها إبراهيم باشا السفر إلى بلاد العرب لمحاربة الوهابيين وإخضاعهم ذهب إلى والدته في يوم ٣ سبتمبر سنة ١٨١٦ ليودعها، فعانقته ووضعت بيدها الكريمة في عنقه عقدًا من الجواهر الثمينة، وقالت له: لا تنزع هذا العقد من عنقك لا في الليل ولا في النهار حتى تصل إلى الحجاز وتضعه بيدك على ضريح رسول الله. ففعل. وقد توفيت بالقاهرة في سنة ١٢٣٤هجرية — ١٨٣٤ ميلادية — ودفنت بالمدفن الكبير بالإمام.
(٣) بقي محمد بن عون ٤ سنوات في الأسر في مصر. ثم أخلى محمد علي سبيله في سنة ١٨٤٠.
(٤) دامت ولاية محمد علي على بلاد العرب ٢٥ سنة كان ينفق فيها ٣٥٠٠٠٠٠ ريال سنويًّا.
(٥) في خلال سنة ١٨٤٠، وفي مدة احتلال المصريين لجزيرة كريت، وُفِّقَ مهندس مصري تعلَّم في إنجلترا فكشف مناجم حديد ونحاس وقصدير في الجزيرة، وكانت الإدارة المصرية في الجزيرة إدارة رشيدة حكيمة لدرجة أنه لما رد محمد علي جزيرة كريت إلى تركيا في سنة ١٨٤١ طلب الترك والإنجليز من محمد علي بقاء الحاكم المصري فيها، كما طلبوا أيضًا بقاء شريف باشا حاكمًا على بلاد سوريا على الرغم من عودتها إلى تركيا.
وعن حسن الإدارة المصرية في سوريا يقول مستر باتون Paton:
L’occupation égyptienne était l’âge d’or des chrétiens—V. A history of the Egyptian Revolution.
(٦) في مودن هذه التقى سليمان باشا بالست ماريا. فهام بها وعقد عليها ورُزق منها ولدًا «إسكندر بك» وبنات ثلاثة، زهرة هانم «حرم مراد باشا حلمي»، وناظلة هانم «حرم محمد شريف باشا الفرنساوي ووالدة توفيقة هانم والدة جلالة الملكة نازلي والدة جلالة الملك فاروق الأول» وأسماء هانم «حرم محمود باشا طلعت والدة محمد بك طلعت الفرنساوي».
(٧) وفي رواية أخرى مقدار الدين ١١٠٠٠٠ جنيه، وأصل هذا الدين أنه في سنة ١٨٢٣ غضب السلطان محمود على عبدِ الله وعزله، وأمر خمسة من الباشوات منهم والي دمشق ووالي حلب ووالي أطنة بمقاتلته، فقاتلوه وحاصروه في عكا مدة تسعة أشهر، ولكنهم لم يفوزوا بالاستيلاء على عكا. وعلى أثر وساطة محمد علي باشا عفا السلطان عنه في مقابل ٦٠٠٠٠ كيس (٣٠٠٠٠٠ جنيه)، دفع محمد علي جزءًا منها (١١٠٠٠ كيس أو ٢٢٠٠٠).
(٨) وفي رواية أخرى ٦٠٠٠.
(٩) سار الجيش المصري وعدده ٢٥٠٠٠ مقاتل، منهم ٣٠٠٠ فارس تحت إمرة كوجوك إبراهيم (ابن أخت محمد علي، ولد في مصر في سنة ١٨٠٤، وهو أخو أحمد باشا حاكم الحجاز وناظر الجهادية) في ذات الطريق الذي اتبعه نابليون بونابرت عندما غزا فلسطين. تحرك الجيش من الخانكة وسار منها إلى بلبيس ثم إلى الصالحية، ثم إلى قطية وبير العبد، إلى أن وصل إلى العريش، ومنها إلى خان يونس، ثم إلى غزة، ومنها إلى يافا.
(١٠) هذه ليست أول مرة يغدر به السلطان؛ إذ إن السلطان انتهز فرصة غيبة محمد علي في بلاد العرب يجاهد ويقاتل في سبيل السلطان نفسه، وأرسل لطيف باشا إلى مصر ليدبر مؤامرة لقلب محمد علي، ولكي يستثير حماسته زوده سرًّا بفرمان به ولاه على مصر، إلا أن محمد بك لاظ أوغلو الذي أقامه محمد علي باشا مقامه في مدة غيابه كشف المؤامرة وقبض عليه وأعدمه في ١٤ ديسمبر سنة ١٨١٣.
(١١) حسين باشا هذا أصله «شيال»، ثم انضم إلى الإنكشارية، وأخذ يكيد ويدس إلى أن أصبح زعيم الإنكشارية، ثم أراد السلطان تعيينه واليًا على مصر، ولكن دهاء محمد علي حال دون تعيينه، وفي سنة ١٨٢٦ استعان به السلطان في إبادة الإنكشارية الذين كان زعيمًا لهم من قبل، والرجل رجل أحمق مغرور قيل له يومًا (في أثناء زحفه على مصر) إن حصانه انقطع عن شرب الماء، فأجاب بكل وقاحة أن حصانه آلى على نفسه أن لا يشرب إلا من نهر النيل، وجهل المثل القائل: «إن كنت ريحًا فقد لاقيت إعصارًا.» قبِل قيادة الجيش العثماني بحماسة تذكيها نار الحقد ويذكيها ثأر منيم، ويذكيها أكثر اشتمال فرمان تعيينه قائدًا عامًّا على الجيش العثماني تنصيبه واليًا على مصر وكريت وبلاد الحبشة — كذا في الفرمان — وجميع محلقاتها بدلًا من محمد علي وإبراهيم (فرمان آخر ذي القعدة سنة ١٢٤٧).
(١٢) ومن دهاء محمد علي أنه استمال إليه الأمير بشير أمير الدروز، وهو أسد أسيد صاحب حوْل وطوْل في جبال لبنان، ولعشيرته فيها هراسة، وفي هذا يقول أحد المؤرخين:
Napoléon savait de quel intérét était l’alliance des Druses pour le conquérant de cette province, et Méhémet Aly que nous retrouvons si souvent sur les traces de Napoléon dont il fut en quelque sorte le vicaire oriental, eut la fortune d’avoir pu se l’assurer dans la personne de l’Emir.
(١٣) ولكي يستميل إليه الناس كافة أصدر إبراهيم باشا أمرًا به إبطال رسوم الحكومة التي كان عبد الله قد فرضها على الحجاج النصارى واليهود الذين يزورون بيت القدس، وأباح زيارة الأديرة والكنائس والمعابد الموجودة في القدس، وأطلق للإفرنج والأروام والأرمن والأقباط إقامة الشعائر الدينية فيها بلا قيد ولا شرط، كما أبطل أجور الخفر والعوائد التي كان يتقاضاها والي عكا من النصارى واليهود عندما يدخلون كنيسة القيامة، أو يعبرون نهر الشريعة (بين بحيرة طبرية والبحر الميت). وأباح لغير المسلمين ركوب الخيل والتجول بها داخل دمشق (وكان ذلك محظورًا عليهم من قبل). وطبق فردة الرأس على المسلمين أسوة بالنصارى واليهود وكانوا معفين منها من قبل. وحذر من يخالف أمره بأشد الجزاء. وهذه السياسة كانت نفس السياسة التي اتبعها من قبل ٣٢ سنة الجنرال بونابرت لما غزا فلسطين؛ إذ إنه أوصى ضباطه وجنوده باحترام شعائر المسلمين وعقائدهم وعادتهم، وحذر من خالف أمره بأشد العقاب.
(١٤) عبد الله باشا والي عكا هو ابن علي الجركسي أحد مماليك أحمد باشا الجزار.
وقد احتفل المغفور له الملك فؤاد يوم ٢٧ مايو سنة ١٩٣٢ بالذكرى المئوية لسقوط عكا، وانتصار جده البطل إبراهيم باشا، احتفالًا فخمًا دعا إليه الأمراء والوزراء والكبراء والعلماء، وخطب فيه رئيس الوزراء حضرة صاحب الدولة إسماعيل صدقي باشا خطبة بليغة، أشاد فيها ببسالة الجندي المصري، وتلاه وزير الحربية سعادة علي باشا جمال الدين ووضع على قاعدة تمثال إبراهيم باشا إكليلًا جميلًا من زهور القرنفل البيضاء على شكل دائرتين في أرضية من أوراق الزهور الخضراء، وفي وسط الإكليل شريط طرز عليه — بواسطة مصنع الكسوة الشريفة — العبارة التالية بخط فارسي جميل: «إلى البطل الفاتح العظيم إبراهيم باشا من الجيش المصري تمجيدًا للذكرى المئوية لفتح عكا»، وأرَّخوها بيوم الاحتفال ٢٧ مايو سنة ١٩٣٢، وزين الميدان بالأعلام والأنوار، كما أقام أصحاب المتاجر الموجودة متاجرهم بالميدان زينات بديعة، وفي المساء بدا الميدان في حلة باهرة من الأنوار، ولبثت موسيقى الجيش تصدح إلى ساعة متأخرة من الليل، ولتخليد ذكرى هذا اليوم غيروا اسم ميدان الأوبرا، وسموه ميدان إبراهيم باشا، كما غيروا اسم شارع نوبار وشارع كامل باسم شارع إبراهيم باشا.
(١٥) عن مناعة عكا يقولون: Entrer dans Acre, c’est descendre an tombeau, en sortir c’est renaltre à la lumière.
وعلاوة على حصار عكا بجنود بونابرت في سنة ١٧٩٩ وحصارها بجنود محمد علي في سنتي ١٨٣١ و١٨٣٢، فإن السلطان محمود كان أراد الاقتصاص من عبد الله والي عكا، فأمر والي دمشق ووالي حلب ووالي أطنة بمحاربة والي عكا، فحاصروه في سنة ١٨٢٣ مدة تسعة أشهر، ولكنهم لم يفوزوا بالاستيلاء على عكا.
ومن المصادفات الغريبة أن خيمة إبراهيم باشا نصبت في المكان الذي نصبت فيه خيمة بونابرت من قبل باثنتين وثلاثين سنة. كما أنه من المصادفات أنه كان بين الأشخاص الذين وقعوا أسرى مع عبد الله والي عكا خورشيد بك الذي اشترك مع أحمد باشا الجزار في الدفاع عن عكا عندما حاصرها نابليون، ثم اشترك مع عبد الله والي عكا عندما حاصرها إبراهيم باشا. وفق في الحصار الأول وخاب في الحصار الثاني.
وعكا حوصرت أيضًا من قبل، حاصرها فيليب أوجست ملك فرنسا وريتشارد قلب الأسد ملك إنجلترا في زمن الحرب الصليبية الثالثة، ودام حصارها سنتين كاملتين، ثم استولى عليها ريتشارد في سنة ١١٩١.
(١٦) لما استولى الظاهر بيبرس سلطان مصر على أنطاكية الواقعة على نهر العاصي Oronte، وتم له غزو الولاية كلها، قال نكتة لطيفة: «الآن لم يبقَ عاصي إلا هذا النهر العاصي.» وكان الإنجليز فكروا في إيصال نهر العاصي بنهر الفرات، ولو كانوا نفذوا الفكرة لأصبحت هذه المنطقة من أخصب البقاع.
(١٧) من حسن المصادفات التاريخية أنه في عهد الملك المؤيد استولى ابنه إبراهيم على قونية أيضًا. ومن غريب المصادفات أيضًا أن والد سليمان باشا الفرنساوي توفي في نفس يوم واقعة قونية. وقونية هذه كانت عاصمة السلاطين السلجوقيين، واستولى عليها السلطان بايزيد الأول، وفيها أسس جلال الدين من أمراء خراسان مذهب المولوية، وكان ذلك في خلال سنة ٦٤٣ الهجرية، وفيها تكية المولوية المشهورة، وشيخ المولوية كان له امتياز تقليد من يتولى السلطنة سيف السلطان عثمان مؤسس سلطنة آل عثمان.
(١٨) ولوقوع القائد العام أسيرًا في أيدي الأعداء سابقة في يوليو سنة ١٧٩٩ عندما نزل الجيش العثماني في أبو قير لمحاربة جيش بونابرت، واشتبك الجيشان في معركة حامية وقع فيها مصطفى باشا سر عسكر الترك أسيرًا.
(١٩) من حسن الإدارة المصرية أنه كان للجيش المصري في أثناء غزواته قلم مطبوعات يذيع باللغة العربية والتركية والفرنساوية جميع أوامر إبراهيم باشا، وجميع انتصاراته، فسهل على أهالي فلسلطين وسوريا ولبنان والأناضول تتبع انتصارات الجيش المصري والدخول في طاعة محمد علي بسرعة.
(٢٠) ولتخليد ذكرى نزول الجنود الروس في خنكار أسكه لي سي نُصب حجر كبير في المكان الذي نُصبت فيه خيام الجيش الروسي نقشت عليه كلمة كتبها برتو أفندي وزير الداخلية، قال فيها: «في هذا السهل نزلت الجنود الروس ضيوفًا لزمن قصير. وقد أقيم هذا الحجر تخليدًا لذكرى هذه الضيافة فعسى الله أن يديم هذا التحالف بين الأسرتين الروسية والعثمانية، وعسى هذا الحادث التاريخي العظيم أن يبقى خالدًا في تاريخ العلاقات الودية بين الأمتين.» وليظهر السلطان رضاه الشاهاني عن سفير روسيا بوتنيف Bouteneff أهدى إليه نيشانًا رفيعًا نقش عليه «صورته»، مع أن رسم صورة الإنسان على الورق أو الحجر كان معتبرًا محرمًا في نظر العلماء.
(٢١) وها ما قاله عنها المؤرخ كادالفين:
En siguant le traité d’Unkiar Skelessi, le Grand Seigneur se ravalait aux fonctions de gardien de la frontière maritime de la Russie; le Czar n’avait pas encore la clef de sa maison, de Mahmoud il en avait fait le portier. Voir Cadalvène, p. 47.
(٢٢) كان محمد علي قد فاتح فرنسا في رغبته في فتح بلاد طرابلس الغرب «برقة وبنغازي» وبلاد تونس والجزائر، وفي مقابل ضمها إلى الإمبراطورية المصرية يتعهد بدفع ٢٠٠٠٠٠ كيس (مليون جنيه) إلى السلطان مقسطة على ١٠ سنوات، وفي ١٦ نوفمبر سنة ١٨٢٩ أرسلت فرنسا مسيو هودر Huder أحد الضباط يبلغه موافقة فرنسا واستعدادها لمساعدته، إلا أن الدولة العلية بإيعاز إنجلترا عارضت.
(٢٣) ألا تجد شبهًا كبيرًا بين فتوحات محمد علي الكبير وفتوحات علي بك الكبير الذي أعلن استقلاله عن تركيا في سنة ١٧٦٩ — وهي السنة التي ولد فيها محمد علي — غزا علي بك الكبير بلاد العرب، واحتل جدة ومكة، وزحف على بلاد اليمن، وغزا فلسطين وسوريا، واحتل غزة ونابلس والقدس ويافا وصيدا، وحاصر دمشق واستولى عليها، ومد سلطانه على سواحل البحر الأحمر، وسمى نفسه سلطان مصر وخاقان البحرين، ولا يدري إلا الله ما كان يقدر له من بسطة الملك، لولا أن خانه تابعه وأكبر قواده محمد بك أبو الدهب الذي استمالته تركيا، وولته على مصر، مقابل خيانة سيده ومولاه. وهذه سياستها دائمًا مع من تستخدمهم في قهر أعدائها.
والإمبراطورية المصرية في عهد محمد علي الكبير وفي عهد علي بك الكبير لها سوابق في تاريخ مصر:
ففي عهد الأسرة الثامنة عشرة من أسر الفراعنة غزا تحتمس الثالث فرعون مصر بلاد فلسطين، واستولى على رفح وغزة ويافا وجبل الكرمل وحيفا ومجدلة، وغزا سوريا ولبنان والعراق، وكان سلطانه يمتد من نهر دجلة إلى أقاصي بلاد أثيوبيا. بلغت غزواته ١٤ عدًّا وفي مدة حكمه بلغت مصر ذروة المجد والسلطان؛ ولذا سماه المؤرخون تحوتمس الكبير (كما سموا علي بك بالكبير ومحمد علي باشا بالكبير)؛ لكثرة فتوحاته وسعة سلطانه، وقد عثروا في خلال سنة ١٨٩٨ على تابوت هذا الفرعون الكبير في وادي الملوك، ووجدوا مومياءه في الدير البحري.
وسيتي الأول أحد فراعنة العائلة التاسعة عشرة الذي عاش في سنة ١٢٩٠ قبل ميلاد المسيح ضم إلى مصر بلاد النوبة وسوريا ولبنان وبلاد الأناضول.
ومثله ابنه رمسيس الثاني المعروف بسيزوستريس قد بسط سلطانه على إمبراطورية واسعة الأرجاء، امتدت من أقصى حدود سوريا شمالًا إلى أقصى بلاد النوبة جنوبًا.
وقد بلغت شهرة مصر وعظمة الفراعنة حدًّا كان أعظم الناس من الأسر الكبيرة في بلاد اليونان يسمون أولادهم بأسماء مصرية. خذ مثلًا برياندر Périandre، حاكم كورنته، فإنه سمى ابنه وولي عهده باسم بساماتيك (اسم فرعون مصر).
وفي زمن البطالسة وفي عهد كليوباترا ملكة مصر كانت الإمبراطورية المصرية تشمل بلاد العرب وليبيا وفلسطين وسوريا وكليكيا وجزائر قبرص وكريت ورودس.
ومعاوية بن أبي سفيان استولى على قبرص، ووصلت فتوحاته إلى أسوار مدينة القسطنطينية التي حاول فتحها ولم يوفق.
وأحمد بن طولون استولى على فلسطين وسوريا واحتل عكا ودمشق وحلب وحماة وأنطاكية.
والمعز لدين الله الفاطمي مد سلطانه على شمال أفريقيا، وضم إلى ملكه جزيرة سردينيا وجزيرة صقلية.
وصلاح الدين الأيوبي سلطان مصر استولى على حيفا ويافا وصيدا وبيروت وعسقلان والقدس وحماة وبعلبك وحمص وحلب، وبسط سلطانه على العراق، حتى وصل إلى الموصل وحاصرها.
والظاهر بيبرس البندقداري بسط سلطانه على فلسطين (وقد حاصر عكا أيضًا) وسوريا وبغداد وبرقة وبلاد النوبة.
والملك الأشرف بسط سلطانه على فلسطين وسوريا وأرمينيا وحاصر أرضروم واستولى عليها.
والملك المؤيد مد سلطانه حتى قونية (استولى عليها ابنه إبراهيم) في قلب الأناضول.
والسلطان برسباي استولى على جدة ومد سلطانه على شواطئ البحر الأحمر، ثم أرسل ثلاثة أساطيل للاستيلاء على قبرص، فانتصر في ليماسول Limassol ولارناكا Larnaca وفاماجوستا Famagousta وهيروسيتيوم Herocitium ونيكوسيا Nicosia وأسر الملك جان دي لوزنيان، وأسر معه ٢٠٠٠ من رجاله.
وقايتباي أعد جيشًا بقيادة الأمير أزبك لغزو بلاد الأناضول، واستولى على طرسوس وأطنة، وأخضع قبرص، وفرض الجزية عليها.
فالجندي المصري كان من قديم الزمان مشهورًا بالقوة والبسالة، إذا ما قاده رجال حرب ذوو دربة وحنكة وخبرة، كان من خيرة جنود العالم، وقد ظهرت بسالة الجندي المصري في معارك أخرى مثل معارك المكسيك (في أواخر سنة ١٨٦٢ طلب نابيلون الثالث من سعيد باشا نجدة تعاون الجيش الفرنساوي الذي أرسل لتأييد الإمبراطور مكسيمليان على عرش بلاد المكسيك، فأرسل إليه أورطة من ألاي المشاة التاسع عشر اشتركت في حرب المكسيك من عام ١٨٦٣ إلى عام ١٨٦٧، وقد أبلت بلاء حسنًا أدهش كبار الضباط الفرنساويين، وحسبك أن تعرف أن هذه الأورطة خاضت في عام واحد وهو عام ١٨٦٤ غمار إحدى عشرة معركة)، ومعارك حرب القرم (بين روسيا وتركيا) في سنة ١٨٥٤، عندما أرسل عباس باشا والي مصر ٢٠٠٠٠ جندي؛ لمعاونة جيش السلطان، فإن المصريين أظهروا من البسالة والإقدام ما أدهش رجال الحرب في أوروبا. كتب مؤرخ فرنساوي حكاية عن بسالة الجندي المصري في هذه الحرب:
Nous n’avons point l’intention de redire ici la guerre de Crimée, héroÏque folie où vingt mille Egyptiens, choisis par Soliman, combattirent à côté de nous et se montrèrent dignes des armées de France et d’Angleterre. Mais il nous sera permis de citer rapidement deux faits, de rappeler deux épisodes où brillèrent les drapeaux de l’Egypte; on a nommé les sièges de Silistrie et d’Eupatoria.
إلى أن قال:
Trois fois, ils s’élancèrent et abordèrent les remparts qu’ils couronnèrent un instant. Trois fois, ils furent rejetés loin des fossés au cri des Egyptiens: La ilah, Illa Allah; Arabes et Turcs les poursuivirent et quand la nuit mit fin au combat, deux mille Russes gisaient dans les iles du Danube et dans les champs.
ثم قال:
La vaillance de quelques régiments avait lassé et fait reculer une armée entière. Ce fut une gloire pour la Turquie, un triomphe pour l’Egypte dont les soldats y avaient eu une si grande part .
Plus merveilleuse encore fut la défense d’Eupatoria quand, l’année suivante, la garnison égyptienne et turque fut attaquée par Khroulef, un des plus énergiques offi. Elers de la Russie.
ثم زاد فقال:
Egyptiens et Turcs atteignirent les Russes dans les cimetières qui bordent le lac, se ruèrent sur eux dans une melée qui couvrit le sol de morts et de blessés, et leur infligèrent une de ces défaites don’t une armée ne se relève pas. Les bataillons sortirent des cimetières decimés, dispersés, à moitié anéantis.
وانتهى بأن أورد خلاصة الجريدة الرسمية الفرنساوية فقال:
Le Moniteur rendit justice aux troupes de Sélim, et en décrivant les péripéties de catte campagne, il ajoutait:
Les Egyptiens sont regardés comme les meilleurs soldats de l’armée d’Eupatoria. Ils avaient la mème réputation pendant la campagne du Danube, et on sait qu’ils ont soutenu presque en entier le poids de la défense de Silistrie.
Dans le pays et dans l’armée, ajoute le Moniteur, les Egyptiens ne sout connus que sous le nom d’Arabes. Leur maniére de combattre se capproche beaucoup de celle de ces peuples guerriers, au courage et à l’énergie desquels ils joignirent l’intelligence et la discipline. Les soldats francais leur inspirent une estime toute particalière et ils cherchent sans cesse à les imiter.
وكتب الفريق أوسمون Osmont عن بسالة الجندي المصري فقال:
Quand j’étais gouverneur d’Eupatoria, j’y ai vu une division Egyptienne d’environ douze mille hommes, qui faisait partie de l’armée d’omar-Pacha. Je l’ai vue manoeuvrer, je l’ai vue combattre à côté de deux divisions turques et je déclare qu’elle était en tout supérieure à ces divisions …
وشهد قنصل فرنسا في مصر في الخطاب الذي أرسله بتاريخ ١٠ أبريل سنة ١٨٣٢ إلى الكونت سبستياني Ct. Sébastiani وزير فرنسا في الآستانة بأنه لولا المصريون لسحق الكريتيون الجيش العثماني. قال: Sans l’appui des Egyptiens, c’en était fait des Turcs.
(٢٤) وأبلغ ما قيل عن دهاء محمد علي ومكره ما قاله مسيو جوين Gouin. قال في الصحيفة ١٥٣:
Il s’est fait renard souvent, lion toujours. Il a renversé les Osmanlis par les Mamelouks; les Mamelouks, par les Albanais; les Albanais par les Egyptiens. Il a fasciné, il a détruit quatre vice-rois, saus craindre de s’asseoir à son tour sur un trône si fragile. Y monter, a-t-on dit, c’était un chef-d’æuvre. Y rester, un miracle.
(٢٥) ولعل لسان حاله كان يردد كلمة الشاعر اللاتيني فرجيل Virgile في قصيدته المشهورة Eneide، وهي قوله Timeo Danaos قالها على لسان الكاهن لاوكون عندما نصح أهل ترواده بعدم إدخال الحصان الذي صنعه الأروام من الخشب، وتركوه لهم على شاطئ البحر، وكان في داخله جاسوس. ومعنى الكلمة أن لا تثق بعدوك مهما أظهر لك من التودد واللطف والكرم، وبهذا المعنى قال شاعر آخر:
J’eus toujours pour suspects les dons des ennemis.
(٢٦) ومعروفة باسم «كلين هانم»، وكلين كلمة تركية معناها (زوجة الابن).
(٢٧) سبق أن أبدى محمد علي مثل هذه الرغبة في خلال سنة ١٨٣٤، وعارضت فرنسا وإنجلترا والنمسا.
(٢٨) ليطلق محمد علي يد ابنه إبراهيم سافر إلى السودان يوم ١٥ أكتوبر سنة ١٨٣٨، ولم يعد إلا في ١٥ مارس سنة ١٨٣٩ بعد غياب دام خمسة أشهر تعذر فيها على رجال السياسة مقابلته.
(٢٩) ومحمد علي من جهته استصدر فتوى من الشريف محمد بن عون أمير مكة بتكفير السلطان محمود.
(٣٠) يروى أن الجواد «درزي» وقع ذات يوم في قبضة العدو، فقايض عليه إبراهيم باشا بألف ومائتي رأس من الإبل.
(٣١) كانت خيمة حافظ باشا فاخرة جدًّا، حوت من الرياش والأثاث والمتاع شيئًا كثيرًا. وجدوا فيها أريكة من الأرائك التركية المطعَّمة بالصَّدف، وكان له خدم وحشم لا يُحصى لهم عدٌّ. أما إبراهيم باشا فكان ينام تارة على سجادة يفرشها على الأرض، وتارة كان يتوسد خيشة يملأها قشًّا، وما كان له سوى خادمين اثنين. فتأمل.
(٣٢) وللحقيقة والتاريخ نقول إن من آيات البسالة التي أبداها أحد آلايات الحرس السلطاني: أنه لما أحدقت به قوة مصرية كبيرة، ورأت أن لا مناص له من الهلاك، طلبت منه التسليم حقنًا للدماء، فأبى بإباء وشمم، وأجاب قائده: «عساكر شاهانه مماننده دخي توفنكني يره قويماز.» ومعناها: «إن العساكر السلطانية لا يُلقون سلاحهم في الأرض — أي لا يُسلِّمون — ولو ماتوا.» فجاء هذا الجواب الرائع من ذلك البطل الصنديد صدى لذلك الجواب الرائع الآخر الذي أجاب به قائد حرس نابليون في واقعة واترلو لما طلب منه العدو التسليم بعد أن أحدق به: La garde meurt et ne se rend pas.
(٣٣) ثبت فيما بعدُ أنهم عرضوا على سليمان باشا الفرنساوي ولاية جزيرة قبرص على أن تكون ولايته عليها وراثية في ذريته، ومكافأة ٤٠٠٠٠ جنيه، ولقب أمير ورتبة رفيعة في الجيش السلطاني، ولكن سليمان باشا رفض وهدد بإعدام من يحاول إغراءه على التخلي عن خدمة محمد علي وإبراهيم. ويروى أنه لما بلَغ محمد علي باشا مساعي العثمانيين لإغراء سليمان باشا على التخلي عنه — كما فعلوا مع عثمان باشا نور الدين الذي خان وانحاز إلى الترك في سنة ١٨٣٤ — صاح قائلًا: «إن عثمان نور الدين كان من العبيد الذين ربَّيتُهم ورقَّيتُهم فخانني. أما سليمان فهو ولد من أولادي، خرج من أحشائي، لا يترك مصر إلا بعد أن أتركها أنا.» وكان إبراهيم باشا يعتبره ويعامله كأخ له. وليُظهر محمد علي رضاه عن سليمان باشا وثقته به أنعم عليه برتبة الباشوية في خلال سنة ١٨٣٤ (رتبة الباشوية كان لها قيمة في ذلك الزمان)، ولما زار سليمان باشا فرنسا مع البطل إبراهيم، حاول الفرنساويون إغراءه بالمال وبالمناصب الرفيعة ليعود إلى وطنه فرنسا، فأجابهم: أنا مصري، وسأبقى مصريًّا. قد أحببت ثلاثة رجال في حياتي حبًّا فوق كلِّ حب: والدي ونابليون ومحمد علي J’ai par dessus tout aimé trois hommes dans ma vie: mon père, Napoléon, et-Mohamed Aly، وقد غاب عن فرنسا ٢٧ سنة، قضاها في مصر مع محمد علي وإبراهيم، وتوفي في منزله بمصر القديمة في ١٢ مارس سنة ١٨٦٠ الساعة الثانية بعد الظهر.
(٣٤) لما فرَّ حافظ باشا طارده الكُرد وسلبوا منه أمواله (٢٧٠٠٠ كيس عبارة عن ٣٣٧٥٠٠٠ فرنك ذهب أي ١٣٥٠٠٠جنيه)، ولما وصل إلى الآستانة في ١٧ سبتمبر سنة ١٨٣٩ حاكموه أمام مجلس عسكري، واتهموه بأنه هو البادي بالعدوان على المصريين بغير أمر. فأبرز إرادة مكتوبة بخط السلطان محمود نفسه يأمره فيها بالزحف والقتال بدون انتظار أي عمل عدائي يصدر من المصريين. أمام هذه الإرادة المكتوبة بخط السلطان نفسه لم يَسعِ المجلسَ العسكري إلا الحكمُ ببراءته بإجماع آراء أعضاء المجلس. وليظهر السلطان الجديد رضاه عنه عينه واليًا على أرضروم، وعين أخاه بحري باشا واليًا على قبرص.
(٣٥) ثلاث حوادث مهمة في تاريخ السلطان محمود وقعت في شهر يوليو: ولادته وولايته وموته. ولادته كانت في ٢٠ يوليو سنة ١٧٨٥، وولايته كانت في ٢٨ يوليو سنة ١٨٠٨، ومنيَّته وافته في أول يوليو سنة ١٨٣٩، كان السلطان محمود رجلًا جبارًا، افتتح عهد ولايته بإعدام ثلاثة وثلاثين من كبار الإنكشارية الذين تآمروا على اغتيال سلفه ابن عمه السلطان سليم.
(٣٦) قلت: «من قبل»؛ لأن حادثتين مثلها حدثتا في هذا العصر؛ «الأولى»: عندما شبَّت الحرب الأهلية في روسيا بين الجنرال فرانجل Wrangel وجيش البلاشفة المعروف بالجيش الأحمر، وانكسر فرانجل في شهر ديسمبر سنة ١٩٢٠، سلَّم الجنرال فرانجل الأسطولَ الروسي كلَّه إلى فرنسا، وجعله تحت تصرفها، وفرنسا احتجزته عندها في بيزرته «تونس»؛ ضمانًا لسداد النفقات الهائلة التي أنفقتها في سبيل ترحيل الجيش الروسي من بلاد القرم، وكان الأسطول الروسي مؤلَّفًا من ٢٥ قطعة منها مدرعة وطراد وسفينتان حربيتان و٢٠ باخرة ونقالة تحمل ٦٠٠٠ بحار روسي، «والثانية»: عندما لجأ أسطول الجمهورية الإسبانية إلى فرنسا واحتجزته في بيزرته نفسها، وبعدما انتهت الحرب الإسبانية بانتصار الجنرال فرانكو، ردَّته فرنسا إلى حكومة إسبانيا الجديدة في أوائل سنة ١٩٣٩.
(٣٧) ويقول جيزو كبير وزراء فرنسا: إن تركيا فقدت «جيشها وأسطولها وسلطانها» في ثلاثة أسابيع (من ٢٤ يونيو تاريخ واقعة نزيب إلى ١٤ يوليو تاريخ تسليم الأسطول العثماني إلى محمد على.)
(٣٨) إبراهيم وأخوه طوسون حضرا إلى مصر في ٧ سبتمبر سنة ١٨٠٥، أما والدتهما أمينة هانم فحضرت إلى مصر في أواخر سنة ١٨٠٨ مع ابنها إسماعيل وبنتيها توحيدة هانم ونازلي هانم.
(٣٩) كتب مستر مري Murray قنصل جنرال دولة إنجلترا في مصر إلى لورد بالمرستون Lord Palmerston كبير وزراء إنجلترا يصف حزن أهل السلطنة عندما ذاع بينهم خبر اشتداد المرض على محمد علي باشا، فقال: إن كثيرًا من أهالي السلطنة ودُّوا لو أعطوا من حياتهم عشر سنوات؛ ليطيل الله لهم بقاء محمد علي باشا، وإن هذا الشعور عامٌّ في جميع أنحاء السلطنة، ودالٌّ على مبلغ إعجابهم وتعلقهم به، وعلى مقدار حبهم وإخلاصهم له. وعلى الرغم من أن محمد عليّ لم يتعلم القراءة والكتابة إلا في سن السابعة والأربعين، فإنه كان يميل إلى العلم بتاريخ حياة كبار رجال الحرب مثل إسكندر ذي القرنين ونابليون. وقرئ عليه كتاب روح القوانين L’esprit des Lois للعلامة مونتسكيو Montesquieu. وعن فرط إعجابه بنابليون قال الجنرال بواييه Général Boyer الذي حضر إلى مصر لتنظيم الجيش المصري في ٢٠ مايو سنة ١٨٢٥ كلمة جمعت بين الإيجاز والإعجاز قال:
Napoléon et toujours Napoléon, voilà son héros et son modéle.
وحياة محمد علي كانت كحياة نابليون أشبه شيء بحلم. ينطبق على محمد علي ما قاله جوتيه Gæthe فيلسوف ألمانيا الأكبر في نابليون. قال وما أبلغ ما قال: Il réva sa vie et vécut son réve.
(٤٠) ولد في مدينة ليون «فرنسا» في أول أبريل سنة ١٧٨٧، وبدأ بحارًا في الأسطول الفرنساوي، وشهد موقعة الطرف الأغر Trafalgar التي حطَّم فيها الأميرال نلسون الإنجليزي الأسطولين الفرنساوي والإسباني في ٢١ أكتوبر سنة ١٨٠٥ (في عهد نابليون). قبل إسلامه والتحاقه بخدمة محمد علي كان اسمه الكولونل سيف Séves. ولقوته وشدة بأسه كان إخوانه يسمونه Le Ture Séves.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠