الدرس العشرون

اقتصاديات حظر المخدرات

ستتعلم في هذا الدرس

  • تعريف «حظر المخدرات».

  • لماذا يعزز حظرُ المخدرات الفسادَ وعنفَ العصابات.

  • لماذا يقلل حظر المخدرات من سلامة المنتجات.

(١) حظر المخدرات

يشير مصطلح «حظر المخدرات» إلى العقوبات الصارمة التي تفرضها الحكومات غالبًا على استهلاك أنواع معينة من المخدرات وعلى إنتاجها والاتجار بها على وجه التحديد. ويختلف حظر المخدرات اختلافًا نوعيًّا عن «ضرائب الإثم» التي تفرضها الولايات الأمريكية والحكومات المحلية حاليًّا — وهي ضرائب مبيعات مرتفعة للغاية — لإثناء الأفراد عن شراء الخمور والتبغ. وفي نظام حظر المخدرات الأمريكي المعاصر، تعد حيازة المخدرات مثل الكوكايين والهيروين والاتجار بها على وجه الخصوص جرائم كاملة يعاقب عليها القانون ليس بغرامات كبيرة فحسب، بل تصل العقوبة إلى السجن فترات طويلة في بعض الأحيان.

وكما يوضح العنوان، سنتناول في هذا الدرس «اقتصاديات» حظر المخدرات. وباستخدام المفاهيم التي أرسيناها في الدروس السابقة، سنتمكن من فهم السبب في أن حظر المخدرات يؤدي إلى تبعات ذات أنماط مألوفة. على النقيض من ذلك، فإن الشخص الذي ليست لديه دراية بعلم الاقتصاد سيفتقد القدرة على تفسير هذه الأنماط، وستبدو تبعات حظر المخدرات له وكأنها أحداث عشوائية لا علاقة لها بسياسات الحكومة.

وينبغي أن نؤكد من البداية على أن التحليل الاقتصادي وحده لا يستطيع أن يقرر هل سياسة حظر المخدرات جيدة أم سيئة. ففي النهاية، يتعين على المواطنين وواضعي السياسات التوحيد بين أحكام قيَمهم قبل أن يقرروا هل من الجيد للحكومة أن تعاقب تجار الكوكايين بالسجن ٢٥ عامًا. غير أنه لا بد للمواطنين وواضعي السياسات من فهم العواقب الكاملة لحظر المخدرات كي يتمكنوا من اتخاذ قرارات مطلعة.

عند الحديث عن المخدرات غير القانونية، لا يكون السؤال: «هل من الأفضل العيش في مجتمع يُتداول فيه الكوكايين أم في مجتمع يخلو منه؟» هذا السؤال على وجه التحديد ليس ذا صلة، لأن الحكومة عاجزة عن القضاء على استهلاك الكوكايين تمامًا. والسؤال الأهم هو: «هل من الأفضل العيش في مجتمع يفرض عقوبات صارمة على استهلاك الكوكايين أم مجتمع لا يفرض مثل هذه العقوبات؟» ولكي نتخيل شكل المجتمع في كلتا الحالتين، حريٌّ بنا أن نتعرف على ما يقوله التحليل الاقتصادي بشأن الآثار المترتبة على حظر المخدرات. تذكر أن هناك فرقًا بين وصف أمر ما بأنه «غير أخلاقي» ووصفه بأنه «غير قانوني». على سبيل المثال: إذا قال أحد الأشخاص إن خيانة الزوجة لا تستدعي عقوبة السجن، فليس معنى ذلك أن هذا الشخص يوافق على ارتكاب الزنا.

هناك تحذير أخير قبل أن نتعمق في التحليل: فيما تبقى من هذا الدرس سنركز على الآثار السلبية (التي عادةً ما تُقابَل بالتجاهل) لحظر المخدرات. والسبب في ذلك أن الآثار الإيجابية لحظر المخدرات معروفة وواضحة للعيان؛ فكثير من الأفراد يرون أن تعاطي أنواع معينة من المخدرات أمر مُهلك للفرد وللمجتمع، ومن ثم يخلصون إلى أن سياسات الحكومة التي تجرم هذا السلوك إنما هي سياسات نافعة (في حالة ثبات جميع العوامل الأخرى). والتحليل التالي مصمَّم ليبين كيف أن العوامل الأخرى لا تكون متساوية عندما تطبق الحكومة قوانين حظر المخدرات. ولا بد من المقارنة بين مزايا الاستخدام الضئيل أو المعيب للمخدرات أو كلا الأمرين معًا، وبين مساوئ فساد الشرطة، وحرب العصابات، وحالات الموت جراء تعاطي جرعات زائدة، وجميعها أمور يعتبرها غالبية الناس «أيضًا» مُهلكة للفرد وللمجتمع.١

(٢) حظر المخدرات يُفسد مسئولي الحكومة

يشير «الفساد» في هذا السياق إلى مسئولي الحكومة الذين لا يؤدون واجباتهم القانونية لأنهم يتقاضون سرًّا أموالًا ممن يتاجرون في المخدرات والذين يُفترض أنهم يحاربونهم. غالبية الأمريكيين على علم بالفساد المستشري في حكومتي المكسيك وكولومبيا، لكن كثيرًا منهم سيُصدم إذا علم أن فسادًا (أقل وطأة) يجتاح المحاكم ومراكز الشرطة في أمريكا.

التفسير المباشر للربط بين حظر المخدرات والفساد هو أن الحظر يؤدي إلى تحقيق أرباح مالية طائلة في صناعة المخدرات مما يمنح منتجي المخدرات القدرة (والحافز بالطبع) على دفع رِشًا طائلة للمسئولين الحكوميين. وسوف يوضح التحليل الاقتصادي المبسط سبب ذلك.

عادة تحاول الحكومات منع تجارة المخدرات عن طريق فرض عقوبات صارمة للغاية على الموردين لا على المستهلكين. وهذا يرجع لسببين رئيسيين: (١) إذا كان الهدف هو الحد من إجمالي استهلاك المخدرات، فمن الأفضل استغلال موارد الشرطة المحدودة في توجيه ضربتها لموزع كبير بدلًا من آلاف المستهلكين الذين يعتمدون عليه. (٢) لن يمانع العامة في فرض عقوبات صارمة على تجار المخدرات المحترفين، لكنهم سيعترضون على العقوبات الصارمة المفروضة على من يتعاطى المخدرات عرَضًا. يفسر هذان العاملان السبب في أن الحكومات عادة تفرض عقوبات أشد قسوة بكثير على من يعملون بتجارة المخدرات، على عكس من يُقْبَض عليهم وبحوزتهم كميات صغيرة مهربة بغرض الاستهلاك الشخصي.

فساد الشرطة: ليس مشكلة المكسيك وحدها

المقتطفات التالية المأخوذة من مقال صحفي نُشر عام ٢٠٠٨ حول كمين نصبته المباحث الفيدرالية في شيكاغو توضح العلاقة بين تجريم المخدرات وفساد الشرطة:

وُجِّه اتهام لسبعة عشر شخصًا — بينهم ١٥ ضابط شرطة من الضاحية الجنوبية — في إطار تحقيق فيدرالي حول ادعاءات بأن الضباط قدَّموا تأمينًا مسلحًا لصفقات مخدرات واسعة النطاق. على ما يبدو أن هؤلاء الضباط كانوا يظنون أنهم يحمون تجار مخدرات كبارًا؛ ثم تبين أن هؤلاء التجار في الحقيقة عملاء تابعون للمباحث الفيدرالية.

اتُّهم السبعة عشر متهمًا يوم الثلاثاء بالتآمر لحيازة وتوزيع كميات عديدة تزن الواحدة منها كيلوجرامًا من الكوكايين أو الهيروين — أو كليهما معًا — في ثماني شكاوى جنائية منفصلة أُعلن عنها عقب القبض على المتهمين في وقت مبكر من يوم الثلاثاء وفقًا لبيان صادر عن مكتب المدعي العام الأمريكي.

كان عشرة من ضباط الإصلاح — وهم موظفون محلَّفون يعملون في السجون وأقسام الاحتجاز — قد وُجِّهت إليهم تهمة التآمر الجنائي. وذكرت المباحث الفيدرالية أن الضباط التابعين لرئيس الشرطة إضافة إلى أربعة ضباط شرطة من هارفي وآخر من شيكاغو قد قُبِضَ عليهم في كمين نصبته المباحث الفيدرالية.

قال المدعي العام الأمريكي باتريك فيتزجيرالد: «لم يتمكن العميل السري التابع لمكتب التحقيقات الفيدرالي من التعامل مع ضابط واحد أو اثنين، بل مع ١٥ ضابطًا من ضباط تنفيذ الأحكام باعوا شاراتهم طمعًا في المال لمساعدة تجار المخدرات في تنفيذ عملياتهم.»

ذكر ممثلو الادعاء أن الضباط حصلوا على ٤٠٠٠ دولار لكل منهم نظير توفير الرقابة والحماية أثناء تنقل هؤلاء التجار المزعومين.

أضاف البيان أيضًا أن سبع شكاوى — من أصل ثمانٍ — كانت مدعومة بشهادة مكتوبة من مكتب التحقيقات الفيدرالي، تألفت من ٦١ صفحة تكشف النقاب عن تحقيق سري تضمن حماية ضباط شرطة لألعاب البوكر وحماية نقل مبالغ طائلة من النقود، وبيع ضابطين الكوكايين، بالإضافة إلى النشاط الروتيني المتمثل في تأمين صفقات المخدرات.

ووفقًا لما ورد في البيان، فإن مروحية تتسع لستة ركاب أقلعت يوم ١٣ مايو إلى مطار دوبيدج، حيث كان ثلاثة رجال في انتظار وصولها: اثنان منهم … كانا يرافقان شخصًا يظنان أنه نفذ صفقات مخدرات على نطاق واسع، لكنه لم يكن سوى عميل سري تابع للمباحث الفيدرالية. استقل الثلاثة الطائرة التي كان يقودها عميلان سريان آخران، وشرعوا في عد عبوات قيل إن وزنها لم يكن يقل عن ٨٠ كيلوجرامًا من الكوكايين داخل أربع حقائب.

نقل [ضابطا الإصلاح من مقاطعة كوك] والعميل السري الحقائب من الطائرة وأخذوها عبر صالة المطار إلى سيارة العميل السري في الساحة المخصصة لانتظار السيارات. تبع [الضابطان] — في سيارة مستقلة — العميل السري إلى ساحة انتظار قريبة، حيث أوقف العميل سيارته وانتقل إلى سيارة الضابطين. انتظر ثلاثتهم إلى أن وصل عميل سري آخر، وأخذ الحقائب ثم انطلق بسيارته. بعدها أعطى العميل السري الذي يقوم بدور تاجر المخدرات كل ضابط ٤٠٠٠ دولار، وهو المبلغ الذي قيل إنه أعلى ما حققاه في يوم واحد على مدار علاقتهم المشبوهة بالعميل السري التي بدأت قبل عام على الأقل.

من بين المتهمين السبعة عشر، كان هناك عشرة ضباط إصلاح تابعين لرئيس الشرطة في مقاطعة كوك، وأربعة ضباط شرطة من هارفي، وواحد من شيكاغو. وورد في الشهادة أنهم كانوا يقبلون ما يتراوح بين ٤٠٠ و٤٠٠٠ دولار في العملية مقابل توفير الرقابة والاستعداد للتدخل، إذا حاول رجال الشرطة الحقيقيون أو تجار المخدرات المنافسون التدخل أثناء نقل الكوكايين والهيروين.

قال المدعي العام الأمريكي باتريك فيتزجيرالد في البيان: «المفترض أن يكون من الصعب العثور على ضابط شرطة فاسد، وألا يكون من السهل مطلقًا العثور على ١٥ ضابطًا قيل إنهم استخدموا أسلحتهم وشاراتهم في حماية أناس يعلمون أنهم يتاجرون بالمخدرات بدلًا من القبض عليهم. إن التورط في نقل وتسليم شحنات كانوا على علم أنها تحتوي كميات كبيرة من المخدرات لهو أمر صادم حقًّا.»

المصدر: شبكة سي بي إس ٢، «اتهام ١٥ ضابطًا في كمين
للمباحث الفيدرالية، تحقيق في تجارة المخدرات» ٢ ديسمبر ٢٠٠٨
http://cbs2chicago.com/local/harvey.police.raid.2.8.777.98.html
بالإضافة إلى العقوبات الرسمية الكبيرة والمفروضة على منتجي المخدرات مقارنة بمستهلكيها، علينا أيضًا أن نأخذ في الاعتبار أن احتمالية القبض على تاجر مخدرات محترف أقوى بكثير من ضبط متعاطٍ عرَضي.٢ فتاجر المخدرات المحترف في النهاية — خاصةً كلما اتسع نطاق العملية — مضطر إلى التعامل مع آخرين كُثُر في المجال، سواء أكانوا موردين كبارًا أم تجار تجزئة صغارًا. على سبيل المثال: قد ينفذ أحد تجار المخدرات عملية يشتري فيها الكوكايين من «بائعي جملة» كولومبيين، ويستأجر سائقي شاحنات مكسيكيين لتهريب الشحنة عبر حدود الولايات المتحدة، ثم يبيعون ما يتمكنون من تهريبه لرؤساء عصابات المخدرات المحلية في كاليفورنيا. وإذا استطاعت شرطة مكافحة المخدرات في كولومبيا أو المكسيك أو الولايات المتحدة اختراق أي من مراحل هذه العملية الموسعة، فسيكون هذا التاجر عرضة للقبض عليه. في المقابل، لا يكون متعاطي المخدرات العرضي في خطر إلا حينما يحتاج إلى شراء مزيد من المخدر، فضلًا عن أنه لا يتعامل إلا مع «سمكة صغيرة» أخرى كموزع الحي مثلًا. ومن ثم فالاحتمال ضئيل أن تنهار حياته بتوقيع العقوبة عليه لتورطه في تعاطي المخدرات.
وبسبب هذا التفاوت في العقوبات التي يواجهها منتجو المخدرات مقارنة بالمستهلكين، ينخفض المعروض من المخدرات المحظورة كثيرًا عن الطلب مقارنة بسوق غير خاضعة للتدخل الحكومي من الأساس. وهذا من شأنه أن يدفع سعر توازن المخدرات المحظورة إلى الارتفاع، مما يعني أن «هامش الربح» النقدي — الفرق بين النفقات النقدية لإنتاج المنتج والسعر الفعلي الذي يدفعه المستهلكون النهائيون مقابل الحصول عليه — سيكون مرتفعًا جدًّا. يوضح الرسم البياني الآتي سوق كوكايين افتراضية مستقلة مقارنة بسوق خاضعة للحظر الحكومي:
سوق الكوكايين.

في الرسم البياني السابق نرى أن سعر الكوكايين في السوق المستقلة يساوي دولارًا واحدًا للجرام. عند هذا السعر يرغب المنتجون في بيع مليون جرام من الكوكايين، ويرغب المستهلكون في شراء مليون جرام منه.

بعد فرض القوانين الصارمة من جانب الحكومة، ينتقل منحنيا العرض والطلب للكوكايين نحو اليسار. ومعنى هذا أنه عندما يكون سعر جرام الكوكايين دولارًا واحدًا، يرغب المنتجون في عرض كميات أقل (لأنهم يخاطرون الآن بمواجهة عقوبة السجن) وفي الوقت نفسه لا يرغب المستهلكون في شراء كميات كبيرة من الكوكايين. ومع ذلك، يكون الانتقال الكمي أكبر بكثير في جانب العرض عنه في جانب الطلب. ولهذا السبب فإن سعر التوازن الجديد (في ظل الحظر) صار ١٠٠ دولار للجرام الواحد، حيث يرغب المنتجون في عرض ١٠٠٠٠ جرام ويرغب المستهلكون في شراء الكمية نفسها.

أهم ما في الأمر أن الأرباح النقدية ستظل مرتفعة حتى بعد مرور سنوات على تطبيق قانون حظر المخدرات. فمنحنى العرض في الرسم البياني السابق تحرك نحو اليسار بسبب المخاطر غير النقدية المرتبطة بالبقاء في تجارة الكوكايين. ومن ثم فإن الأسعار المرتفعة التي سيدفعها المستهلكون لن تُترجم إلى زيادة في الأسعار التي تُدفع لمزارعي الكوكا في كولومبيا، بل يجب أن يبقى هامش الربح الكبير حتى يظل البقاء في هذا المجال (في نظر بعض المنتجين) أمرًا يستحق العناء المبذول في سبيله حتى مع مواجهة العقوبات الصارمة.

في ظل التوازن الجديد لا يصح القول: «الآن بات الاتجار في الكوكايين أكثر إغراءً عما كان عليه من قبل.» يختار الأفراد أعمالهم بناء على عدة عوامل لا يمثل الدخل المادي سوى عامل واحد من بينها. والأدق أن نقول إنه بسبب العقوبات الجديدة التي فرضتها الحكومة (والوصمة الاجتماعية التي يُفترض أن تلحق بتاجر المخدرات)، لا بد أن ترتفع دخول تجار المخدرات ارتفاعًا هائلًا لتعوض الجوانب السلبية الجديدة التي لحقت بالمهنة. ولا يقتصر أثر هذا المبدأ على تجارة المخدرات فحسب، بل يحصل عمال مناجم الفحم وسائقو سيارات الأجرة (الذين كثيرًا ما يتعرضون للسرقة) على شكل ضمني من أشكال «بدل المخاطر» أيضًا. الفرق أنه في حالة الاتجار بالمخدرات، لا تأتي المخاطر من الطبيعة أو اللصوص بل من المنظومة القضائية للدولة.

(٢-١) جرائم بلا ضحايا

من المهم أن ننتبه إلى أن نطاق الفساد الحكومي الناجم عن حظر المخدرات أكبر بكثير من الجرائم التقليدية الأخرى كالقتل والسرقة. والواقع أن الحديث عن «شرطي فاسد» في الولايات المتحدة يكاد يكون مرادفًا لشخص يحصل على نصيب من أموال المخدرات؛ لن يفكر أحد أن هذا المصطلح قد يشير إلى ضابط شرطة يتقاضى أجرًا ثابتًا بموجب اتفاق رسمي من القتلة المأجورين؛ حتى يمكنهم ارتكاب جرائمهم على مدار ستة أيام من كل أسبوع، مع إفلاتهم من الوقوع تحت طائلة القانون. لكن العصابات الإجرامية تدفع بانتظام لضباط الشرطة ومسئولين آخرين في الحكومة لتسهيل إتمام صفقات مخدرات كبرى في ظل حماية رسمية (وسرية بالطبع).

لفهم هذا التباين، علينا إنعام النظر أولًا في المقولة الدارجة بأن صفقات تجارة المخدرات «جرائم بلا ضحايا». وبطبيعة الحال سيرفض مؤيدو قوانين حظر المخدرات هذه العبارة بوصفها عبارة مبتذلة تفتقر إلى الدقة، لأن الأطفال لا شك يكونون ضحايا عندما يفقد آباؤهم وظائفهم ويصبحون مؤذين نتيجة إدمان المخدرات. لكن هناك جانبًا محددًا يجعل إنتاج المخدرات واستهلاكها أقل إيقاعًا بالضحايا من الجرائم التقليدية كالقتل والاغتصاب والسرقة. والفرق أنه في الجرائم التي توصف بأنها بلا ضحايا — والتي لا تقتصر في الولايات المتحدة على تجارة المخدرات، بل تشمل أنشطة أخرى مثل القمار والدعارة — يشارك جميع الأطراف في العملية طواعية. ولهذه السمة أثران مهمان يساعد كل منهما في تفسير العلاقة بين حظر المخدرات والفساد:
  • أولًا: هناك حقيقة مبسطة تؤكد على أن ضباط الشرطة، والقضاة، وغيرهم من مسئولي الحكومة لن يجدوا غضاضة في غض الطرف عن شخص يورد منتجات مرغوبًا فيها إلى مستهلكين راغبين في دفع ثمن هذه المنتجات، مثلما قد يجدون في تجاهل مسئولياتهم الرسمية الموجهة إلى منع الجرائم التي تحدث كرهًا للأشخاص والممتلكات.
  • ثانيًا: تجارة المخدرات في نهاية الأمر إنما هي نشاط تجاري. وهناك عدة ملايين من الأفراد في الولايات المتحدة على استعداد لإنفاق أموالهم في شراء المخدرات المحظورة بصفة منتظمة. ووفقًا لمكتب السياسة الوطنية لمكافحة المخدرات، فإن استطلاعًا للرأي أجري عام ٢٠٠٧ أوضح أن ٦٪ من الشباب أفادوا بأنهم تعاطوا الكوكايين العام السابق، و٢٪ منهم تعاطوا الكوكايين خلال الشهر السابق.٣ الأموال التي تُجنى من وراء تجارة المخدرات أكبر بكثير مما يُجنى من وراء القتل أو سرقة البنوك. ولأن تجارة المخدرات جريمة بلا ضحايا على النحو الذي أوضحناه من قبل، فإن إخفاءها أسهل بكثير من الجرائم التي تسفر عن وجود ضحايا لن يترددوا في إبلاغ الشرطة — وربما يكون الشرطي الذي يبلغونه واحدًا ممن لا يتقاضون راتبًا من الجناة — أو إذا تعذر عليهم ذلك، فيمكنهم اللجوء إلى وسائل الإعلام لعرض مظلمتهم.

نحن نستعرض هذه الفروق لنحكم على إحدى حجج الدفاع المألوفة عن حظر المخدرات التي تقول: «إذا كان لنا أن نجيز تجارة المخدرات بسبب الفساد، فلم لا نجيز جرائم القتل أيضًا؟» وكما أوضحنا فيما سبق، فإن نطاق الفساد الناجم عن حظر المخدرات أكبر بكثير من الناجم عن الجرائم التقليدية، والاختلاف بينهما ينشأ من طبيعة جرائم المخدرات التي تجعلها «بلا ضحايا». وهذا الفارق في حد ذاته لا يثبت وجوب إجازة الاتجار بالمخدرات، لكنه يوضح إحدى المشكلات التي تتعلق بحظر المخدرات والتي لا تكون شائعة على نطاق واسع كهذا في حالة الجرائم الأخرى.

(٢-٢) الفساد سببًا ونتيجة

ينفر كثير من الأفراد من الفساد الحكومي الممنهج لأنه يقضي على الاحترام التقليدي للقانون ويجعل المواطنين أكثر ميلًا لارتكاب الجريمة. لكن فيما يتعلق بحظر المخدرات هناك آلية أكثر تحديدًا من ذلك. فالفساد الحكومي نتيجة وفي الوقت نفسه سبب لتهريب المخدرات بطريق غير مشروع.

فيما يلي توضيح للكيفية التي تعمل بها هذه الدورة: رأينا بالفعل كيف يؤدي حظر المخدرات إلى رفع السعر السوقي للمخدرات (التي فُرض عليها الحظر حديثًا)، لأن منحنى العرض يتحرك نحو اليسار بمقدار يفوق تحرك منحنى الطلب. وهذا الارتفاع الكبير في السعر يتيح لتجار المخدرات كسب ملايين الدولارات سنويًّا، ويمكنهم من دفع الرِّشا إلى مسئولي الحكومة الذين يملكون سلطة القبض عليهم إذا لم يفعلوا ذلك. ومن هنا كان الفساد نتيجة لتهريب المخدرات بطريق غير مشروع.

غير أنه صحيح أيضًا أن الفساد مقوِّم ضروري من مقومات تهريب المخدرات، ومن هنا يكون سببًا له. في الأنظمة القمعية — مثل أفغانستان تحت حكم طالبان — تستطيع الحكومة القضاء على تجارة المخدرات تمامًا. فإذا كانت العقوبات صارمة وتُطبَّق دائمًا، يمكن تقليل العرض والطلب إلى حد بعيد حتى تصبح كمية التوازن الجديدة لإنتاج الكوكايين واستهلاكه تساوي صفرًا. لكن هذا أمر نادر الحدوث على أرض الواقع، لأن الحكومة نفسها لا تستطيع مراقبة موظفيها في الوقت الذي قد يُعرض عليهم مئات الآلاف من الدولارات سنويًّا مقابل التقاعس عن ممارسة مهامهم الرسمية.

يتيح الفساد المستشري لتجار المخدرات الإفلات من العقوبات الكبيرة التي ينص عليها القانون، ولذلك لا يتحرك منحنى العرض للمخدرات المحظورة بنفس مقدار تحركه في ظل انعدام الفساد. باختصار، يمكن القول إنه في ظل حظر المخدرات في المجتمعات المتحررة نسبيًّا، يتحرك منحنى العرض نحو اليسار إلى أن يرتفع سعر إقفال السوق إلى الحد الذي يستطيع معه تجار المخدرات تحمل دفع رواتب القضاة والضباط ممن لهم علاقة بقضايا مكافحة المخدرات.

(٣) حظر المخدرات يزيد العنف

الجميع يعلم أن تجارة المخدرات تنطوي على قدر هائل من العنف غالبًا ما يظهر في شكل حرب عصابات. والأسوأ من ذلك أن الأشخاص الأبرياء الذين يكونون موجودين عرضًا كثيرًا ما يلقون مصرعهم كضرر ثانوي مصاحب للمعارك التي تدور بين المتنافسين من تجار المخدرات. قد يستنتج المراقب العادي أن المخدرات مثل الكوكايين والهيروين ضارة بطبيعتها وأن العنف ملازم لها. لكن هذا التفسير خاطئ؛ فالنظرية الاقتصادية والتاريخ الأمريكي يوضحان أن حظر المخدرات هو ما يسبب العنف، وليس المخدرات ذاتها.

(٣-١) حظر الكحوليات في الولايات المتحدة

الشاهد التاريخي واضح وضوح النهار في حالة حظر الكحوليات. ففي الفترة من ١٩٢٠ وحتى ١٩٣٣ وبموجب التعديل الثامن عشر لدستور الولايات المتحدة،٤ اعتُبر بيع وتصنيع ونقل الكحوليات (لأغراض الاستهلاك) غير قانوني في الولايات المتحدة. لكن بالرغم من الحظر القانوني، استمر إنتاج الخمور وتوزيعها على يد «مهربي الخمور»، وظل تجمع مدمني الكحوليات أمرًا ممكنًا داخل «البارات غير المرخصة».

ومع أن الحظر لم يقض على الكحوليات، فما فعله أنه أخضع هذه الصناعة لسيطرة الجريمة المنظمة. أثناء فترة الحظر — التي تعرف عادةً باسم «التجربة النبيلة» — حقق رجال المافيا مثل آل كابوني (في شيكاغو) إيرادات هائلة من تجارة الكحوليات المحظورة، وهي الأموال التي استخدموها في رشوة المسئولين الحكوميين وتوظيف «جنود» وأتباع آخرين في شبكاتهم الإجرامية.

السمة المهمة لحظر الكحوليات أن تجارة الكحول قد تكون على نفس القدر من العنف الذي تنطوي عليه تجارة الهيروين والكوكايين في وقتنا الحاضر. فقد كانت مذبحة يوم القدِّيس فالانتاين المخزية إحدى حروب العصابات التي وقعت عام ١٩٢٩، وفيها رتَّب آل كابوني لمقتل سبعة أفراد من تنظيم منافسه بوجز موران. يورد المؤرخون دوافع مختلفة وراء تلك المذبحة، لكنهم يتفقون جميعًا على أن أحد أسباب العداوة بين كابوني وموران كان التنافس في سوق تهريب الكحوليات.

إذا كنت قد شاهدت أفلامًا أو قرأت عن جرائم حقيقية تحكي عن حروب العصابات أثناء فترة الحظر، فستبدو تلك الأحداث التاريخية مألوفة وغير مثيرة للدهشة. لكن الواقع أنه أمر مروع أن يحاول التجار المتنافسون قتل بعضهم بعضًا بسبب الكحوليات. هل تتخيل أن تسمع خبرًا في الغد بأن موزعي خمور «بدوايزر» قد أمروا بشن هجوم على موزعي «هاينيكن»؟ قطعًا سيكون هذا أمرًا غير معقول.

لم تعد الكحوليات خاضعة لسيطرة المجرمين، بل أصبحت نشاطًا تجاريًّا يجيزه القانون ويقوم عليه رجال وسيدات أعمال. ولأن القانون يجيز صناعة الكحوليات في الوقت الحاضر، يحاول المنتجون كسب حصة في السوق عن طريق تحسين جودة المنتج أو خفض سعره. ولن يخطر ببال أحدهم أن يستخدم العنف لاجتذاب عدد أكبر من المستهلكين.

ومن ناحية أخرى، أيُّ الأنشطة لا نزال نراها خاضعة لسيطرة المنظمات الإجرامية؟ هذه الأنشطة تشمل المخدرات كالكوكايين والهيروين، والدعارة، والقمار، و«المراباة الفاحشة».٥ باختصار، هي جميع الأنشطة التي لا تزال (على عكس الكحوليات التي رُفع عنها الحظر) محظورة أو خاضعة لرقابة صارمة من قبل الحكومة.

تعطينا واقعة حظر الكحوليات قديمًا دليلًا دامغًا على أن العنف الذي نربطه الآن بتجارة المخدرات إنما يحدث بسبب الحظر الذي تفرضه الحكومة، وليس بسبب طبيعة المخدرات نفسها. وفيما تبقى من هذا الجزء، سنوضح هذا الارتباط الذي لا جدال فيه باستخدام الاستدلال الاقتصادي.

(٣-٢) حظر المخدرات يرفع المنافع الحدية للعنف

رأينا كيف يؤدي الحظر إلى رفع أرباح تجار المخدرات. ومن بين تبعاته الأخرى أن هذه الزيادة في السعر تترجم إلى فائدة أعلى بكثير من وراء رفع المبيعات والتحكم في حصة أكبر من سوق التجزئة.

وفي السوق القانونية العادية، تميل المنافسة إلى تخفيض السعر حتى تصبح الإيرادات النقدية متساوية مع مثيلتها في المشروعات الأخرى. ولأن هناك «هامش ربح» ضئيلًا من تكاليف الإنتاج مقارنة بسعر التجزئة، فإن معظم أصحاب المشروعات التي يجيزها القانون لا يشعرون بتحقق زيادة كبيرة في أرباحهم النقدية جراء «سرقة» بضعة زبائن من منافسيهم.

على العكس، يلاحظ تاجر الكوكايين زيادة هائلة في إجمالي أرباحه النقدية إذا استطاع اجتذاب عدد قليل من المدمنين المنتظمين إلى قاعدة زبائنه. وذلك لأن نفقات تجارته «ثابتة» إلى حد بعيد، بمعنى أنها واحدة سواء باع ١٠ جرامات في اليوم أو باع ١٠٠ جرام. ولاحظ أن هذه السمة يزداد أثرها كثيرًا بسبب قرار الحظر نفسه، لأنه عندما يحظر القانون توزيع الكوكايين، تكون «تكاليف النشاط» معنوية في الأساس؛ أي مخاطر التعرض للسجن أو القتل على يد تاجر منافس.

ولأن حظر المخدرات يزيد من الربحية المتحققة من وراء التعامل مع الزبائن الأفراد، فإنه يزيد المنافع (الحدية) المتحققة من استخدام العنف لترويع المنافسين أو حتى قتلهم. وهذا أحد التفسيرات الرئيسية وراء رواج العنف في الصناعات المحظورة، بينما يكاد أصحاب التجارة المشروعة لا يلجئون إلى العنف مطلقًا كوسيلة للمنافسة.

وفي أي تناول عادي لاقتصاديات حظر المخدرات، غالبًا ما يشير الكاتب إلى أن المنتجين في الصناعات المحظورة لا يمكنهم الاعتماد على حماية الشرطة وتنفيذ العقود، ولذلك يضطرون للجوء إلى العنف من أجل حماية تجارتهم. لكن مثل هذه التفسيرات تُظهر صناعة المخدرات وكأنها تعاني «إهمال الحكومة»، ومن ثم تظهر العصابات التي تستخدم العنف في ظل تلك الحالة من الفوضى.

لكن مثل هذه التفسيرات تعيدنا إلى الوراء. فهناك الكثير من العلاقات التجارية في حياتنا اليومية لا تخضع لرقابة الحكومة. فعن طريق استخدام مواقع إلكترونية مثل «إي باي» و«أمازون» وغيرها، ينفق الأمريكيون مليارات الدولارات سنويًّا في شراء أشياء — غالبًا ما تكون مرتفعة القيمة — من موردين غرباء ينتشرون في أنحاء مختلفة من البلاد. ويمكن لأي شخص أن يرفع دعوى قضائية حال وقوعه ضحية عملية احتيال، لكن الواقع أن هذه المعاملات تخضع لنوع من «الرقابة الذاتية» إلى حد بعيد عن طريق قاعدة عريضة من جمهور القطاع الخاص وفي بعض الأحيان عن طريق منظومة محكمة للسمعة الحسنة تبنيها تلك الجهات.٦

النظر إلى الصناعات المحظورة على أنها تعاني غياب الشرطة والرقابة القضائية هو قلب تام للحقائق. على العكس، هذه الصناعات تحديدًا هي التي تتلقى معظم الاهتمام الحكومي. فليس صحيحًا أن الشرطة تتجاهل تجار المخدرات، حتى داخل الأحياء الفقيرة. ولو كان هذا صحيحًا، لانخفض سعر المخدرات في هذه المناطق حتى تكاد تصل إلى التكاليف النقدية للإنتاج، وسيجد المراهقون أن ترويج المخدرات ليس مربحًا أكثر من بيع الصحف. لا ينظر المواطنون إلى رجال الشرطة في بعض المناطق الموبوءة بتجارة المخدرات على أنهم موظفون حكوميون ودودون، لكن من المؤكد أنهم يطبقون قوانين حظر المخدرات — ويا ليتهم يفعلون ذلك بين الحين والآخر — ولذلك يظل سعر المخدرات مرتفعًا؛ مما يتيح لتجار المخدرات شراء السيارات الفارهة والمجوهرات النفيسة.

صحيح أنه مع انتشار تجار المخدرات ممن يستخدمون العنف، فإن أي شخص لديه الجسارة لدخول هذا العالم ومحاولة جني أرباح طائلة من ورائه سيضطر إلى التسلح والاشتهار بالقسوة، لأنه لا يمكن توقع الحماية من الشرطة. لكن مرة أخرى، هذه الملاحظة ليست سوى ملاحظة عرضية بكل تأكيد. فهي لا تفسر السبب الرئيسي لانتشار العنف في صناعة المخدرات من الأساس. فصاحب متجر التنظيف الجاف مثلًا لا يخشى إقدام منافس في الجانب الآخر من المدينة على إمطار متجره بوابل من الرصاص من سلاحه الآلي، ولا تنبع ثقته هذه بالطبع من إدراكه أن بوسعه إبلاغ رجال الشرطة الذين سيعثرون على الجاني ويعاقبونه بعد أن حصل ما حصل.

بل السبب الحقيقي في أن أصحاب متاجر التنظيف الجاف لا يتنافسون فيما بينهم باستخدام العنف هو أن «الأمر لا يستحق». وعلى النقيض، فإن حظر المخدرات يجعل تجار المخدرات يرون «الأمر يستحق» أن يقتل بعضهم البعض.

(٣-٣) حظر المخدرات يقلل التكاليف الحدية للعنف

من الجوانب الأخرى للعلاقة بين العنف وحظر المخدرات أن الحظر يقلل الكلفة الحدية لأعمال العنف الفردية. فجزء من السبب في أن واحدًا من كبار موزعي خمور «بدوايزر» لن يتفق مع قاتل مأجور للتخلص من أحد منافسيه من موزعي «هاينيكن» هو أن مثل هذا التصرف قد يغير مجرى حياته تمامًا. فهو يحظى بحرية التنقل داخل الأوساط الاجتماعية المحترمة بوصفه صاحب نشاط مشروع، وبافتراض أنه يدفع الضرائب المستحقة عليه، فلا خوف من مواجهته عقوبة السجن مدى الحياة. وفي هذه الحالة، فإن ارتكاب جريمة شائنة مثل استئجار شخص لقتل أحد المنافسين أمر ينطوي على قدر هائل من المخاطرة.

وعلى النقيض، فإن زعيم إحدى شبكات توزيع الكوكايين قد ارتكب بالفعل من الجرائم ما يكفي للزج به في السجن طيلة حياته إذا تخلف عن دفع الرِّشا لرجال الشرطة، أو أصبح هدفًا لمسئولين حكوميين رفيعي المستوى لا يمكنه رشوتهم. ولأنه مضطر إلى التعامل مع أمثاله من الخارجين عن القانون، فهو لا يخشى من قضاء ما يرتكبه من أعمال العنف على مكانته الاجتماعية في الأوساط المحترمة؛ هو نفسه فرَّط في تلك المكانة عندما قرر العمل في تجارة المخدرات.

وهناك اعتبار مهم آخر يتمثل في أن تاجر المخدرات مضطر لبناء شبكة علاقات مع مجرمين بما يمكنه من توظيف «جنود» أو الترتيب مع قتلة محترفين لتنفيذ هجمات ضد منافسيه. في المقابل، ليست لدى صاحب التجارة المشروعة أي فكرة عن كيفية استئجار شخص لقتل آخر دون أن يتورط هو شخصيًّا في الجريمة.

أخيرًا، فإن طبيعة السوق السوداء تجعل العنف خيارًا أكثر عملية من غيره. إذا أجاز القانون بيع الكوكايين وغيره من المواد المخدرة، فستعمل متاجر التجزئة في جو آمن حتى في أقسى الظروف باتخاذ تدابير أمنية مثل الفصل بين العملاء والموظفين بحواجز مضادة للرصاص. أما في حالة حظر المخدرات، غالبًا ما يعمل أفراد هذا النشاط في الشوارع مما يجعلهم فريسة سهلة أمام منافسيهم.

(٣-٤) حلقة العنف المفرغة

كما هو الحال مع الفساد، هناك ديناميكية في تجارة المخدرات (المحظورة) من خلالها يولِّد العنف عنفًا آخر. وحينما استعرضنا المنافع والتكاليف المتغيرة والمرتبطة بالتورط في أعمال العنف، ربما بدا الأمر وكأن الأفراد أنفسهم سيبيعون المخدرات سواء أكان بيعها محظورًا أم مباحًا، وأن التغير في سياسة الحكومة هو الذي حوَّل الأفراد طيبي القلب إلى زعماء جريمة قساة.

من الواضح أن الواقع ليس كذلك. فما يحدث على أرض الواقع أن حظر المخدرات يُبعد الشرفاء والمسالمين عن ممارسة هذه التجارة. كلما ابتعد المزيد من هؤلاء الأفراد، قل المعروض من المخدرات (المحظورة) مما يؤدي إلى ارتفاع أسعارها. لكن ذلك يهيئ الفرصة أمام المستثمرين الجدد لدخول السوق. ولا يُشترط أن يكون هؤلاء من أفضل المستثمرين بالمفهوم التقليدي، بل ربما لا تكون لديهم القدرة على المنافسة وتحقيق النجاح في السوق العادية. هؤلاء المستثمرون الجدد يتميزون عن منافسيهم بأنهم يفوقونهم حيلة وقوة وبإفساد المسئولين الحكوميين أيضًا. وتلك مهارات لا غنى عنها لممارسة تجارة المخدرات المحظورة. فالأفراد الذين ما كانوا ليجدوا عملًا في وظائف أخرى تواتيهم الفرصة فجأة لاستغلال «مواهبهم» في كسب ملايين الدولارات.

ولأن تجارة المخدرات المحظورة تجتذب الأفراد الذين يتسمون بالعنف والذين يفكرون في الأرباح الفورية ولا يلقون بالًا للعواقب بعيدة المدى، فلا عجب في أنه بمرور السنوات يشجع الحظر ثقافة حرب العصابات بين تجار المخدرات.

(٣-٥) العنف من جانب المستهلك

ركزنا حديثنا حتى الآن على العنف من جانب المنتجين في تجارة المخدرات. لكن جدير بالذكر أيضًا أن نشير إلى أن العنف الذي يمارسه مستهلكو المخدرات يزداد هو الآخر مع فرض الحظر، وذلك بسبب الزيادة الهائلة التي تطرأ على الأسعار. فعندما يكون هناك مدمنون على استعداد لفعل أي شيء للحصول على جرعة المخدر، يكون على المواطنين أن يفكروا مليًّا قبل تأييد السياسات الحكومية التي من شأنها أن ترفع سعر الكوكايين ١٠٠٠ مرة.

(٤) حظر المخدرات يقلل سلامة المنتجات

من التبعات غير المحسوبة لحظر المخدرات أيضًا زيادة الإصابات أو الوفيات بسبب تلوث المنتجات أو أخطاء المستهلكين. على سبيل المثال: في عام ١٩٢٠ — العام الذي فُرض فيه حظر الكحوليات في الولايات المتحدة — بلغت حصيلة حالات الوفاة بسبب تسمم الكحول ١٠٦٤ شخصًا. وبعد مرور خمس سنوات زادت الوفيات أربعة أضعاف حتى وصلت ٤١٥٤ شخصًا. وهذه النتائج دفعت الممثل الأمريكي الساخر ويل روجرز لأن يقول: «اعتادت الحكومات القتل بالرصاص فقط، أما الآن أصبح القتل بالكأس.»٧

والتفسير الاقتصادي لهذا النمط من التبعات واضح. ففي ظل الحظر يصنِّع الهواة المنتج غالبًا في منازلهم (اعتمادًا على نوع المخدر). وهذا يجعل مراقبة الجودة أمرًا صعبًا، ويقلل من نقاء المنتج. وهناك مشكلة أخرى تتمثل في أن المخدرات المحظورة عادة ما تنقل في عبوات غير محددة الهوية؛ فلن تجد زجاجة محكمة الغلق لضمان سلامة المحتويات وتوضيح مقدار الجرعة المناسبة. وبسبب صعوبة بناء علامة تجارية، لا يستطيع منتجو المخدرات (المحظورة) والآمنة حقًّا أن ينالوا من السوق ما كانوا سينالون لولا فرض الحظر. ومن ثم لا يكون أمام المستهلكين سوى المخاطرة آملين ألا يودي المنتج الذي يشترونه بحياتهم.

هناك عامل آخر يفسر الزيادة في تعاطي الجرعات الزائدة وهو أن مستهلكي المخدرات المحظورة يميلون إلى البحث عن أشكال أكثر فعالية لتعاطي الجرعة. فمن أجل تقليل عدد مرات الشراء غير القانونية ومن أجل تيسير التخفي أيضًا، ربما وجدت أحد مدمني الكحول أثناء فترة الحظر يتحول إلى شرب الويسكي بدلًا من الجعة. ولهذا الأمر تأثيره أيضًا — وربما على نحو أكبر — على الإنتاج. فالشخص الذي يزرع الماريجوانا في منزله ليس أمامه سوى مكان محدود يعمل فيه. ومن ثم فإنه ينزع إلى زراعة الأصناف الأعلى فعالية، التي بدورها تكون أعلى سعرًا في السوق. ولتوضيح ذلك، تخيل أن الحكومة قررت حظر بيع الجمبري واستهلاكه، حينها من المرجح أن تزداد نسبة الجمبري ذي الحجم الكبير على الجمبري عادي الحجم في السوق السوداء، مقارنة بنسبتيهما في سوق قانونية يمكن لتجار التجزئة فيها تخزين الجمبري في مبرِّدات كبيرة.

التَّبِعات غير المقصودة لحظر الكحوليات

كان إرفينج فيشر اقتصاديًّا صاحب مكانة مرموقة في جامعة شيكاغو، وكان من أشدِّ المؤيدين لحظر الكحوليات، لكن فيشر نفسه قال: «أعلم علم اليقين أنه لو أُجري تقدير متحفظ جدًّا سيُظهر أن الآثار السمِّية للمشروبات المهربة مقارنة بالكحوليات الدوائية تساوي عشرة إلى واحد؛ بمعنى أن درجة السُّكر التي كانت تُحدثها كمية معينة من الكحول قبل الحظر ستتحقق بتناول عُشر الكمية فقط من الشراب المهرب. وطبعًا السبب في ذلك أن الشراب المهرب يكون مركَّزًا للغاية، ويكاد دائمًا يحتوي على سموم فتاكة أخرى أكثر فتكًا من الكحول الإيثيلي.»

إرفينج فيشر، اقتباس ورد في دراسة أعدَّها
مارك ثورنتون بعنوان «حظر الكحول كان إخفاقًا»
تحليل السياسات رقم ١٥٧، معهد كاتو، ١٧ يوليو ١٩٩١

خلاصة الدرس

  • هناك فارق مهم بين الأنشطة التي توصف بأنها غير أخلاقية وتلك التي توصف بأنها غير قانونية. ففي حالة المخدرات المحظورة، لا تعارض بين تأييد إجازتها قانونيًّا وبين إدانة تعاطيها على المستوى الشخصي. (ربما يرى أحد الأفراد أن الخيانة الزوجية يجب ألا تستدعي عقوبة السجن، دون أن يترتب على ذلك قبوله ارتكاب الزنا.)

  • حظر المخدرات يرفع السعر السوقي للمخدرات، مما يؤدي إلى تحقيق أرباح (محاسبية) طائلة. ولأن تجارة المخدرات المحظورة نشاط مربح للغاية، ولأنها «جريمة بلا ضحايا»، فإن الحظر يؤدي إلى فساد الشرطة.

  • حظر المخدرات يرفع المنافع الحدية ويقلل التكاليف الحدية لاستخدام تجار المخدرات العنفَ ضد منافسيهم. علاوة على ذلك، فإن الحوافز المرتبطة بالحظر تدفع المنتجين والمستهلكين إلى التحول إلى مخدرات ذات مفعول أقوى تحتوي على جرعات زائدة وتسبب مشكلات صحية أخرى.

مصطلحات جديدة

  • حظر المخدرات: عقوبات مشددة تفرضها الحكومة على استهلاك المخدرات، وبخاصة على إنتاج وبيع أنواع بعينها.
  • ضرائب الإثم: ضرائب مبيعات مرتفعة تفرضها الحكومة على بعض السلع مثل التبغ والكحول، ليس فقط بدافع زيادة إيرادات الدولة وإنما للحد من استهلاك الأفراد لتلك المواد الضارة.
  • الفساد: فيما يتعلق بتجارة المخدرات، هو فشل رجال الشرطة ومسئولي الحكومة الآخرين في تأدية واجباتهم، إما لحصولهم على رِشًا من تجار المخدرات أو لأنهم أنفسهم يعملون في تهريب المواد التي يجرمها القانون. وفي بعض الأحيان يسرق ضباط الشرطة نقود تجار المخدرات تحت تهديد السلاح لعلمهم أنهم لن يلجئوا إلى طلب المساعدة من أحد.
  • بدل مخاطر: الأرباح المرتفعة واللازمة لجذب العمال إلى قطاعات يكون العمل فيها أكثر خطورة من غيرها.
  • المراباة الفاحشة: إقراض المال بمعدلات فائدة مرتفعة واستخدام أساليب غير مشروعة في استعادة ذلك المال.
  • قوانين المراباة: سقوف سعرية تُفرض على معدلات الفائدة.
  • التكاليف الثابتة: النفقات النقدية التي لا تزداد بزيادة الإنتاج. على سبيل المثال: قيمة فاتورة المياه المدفوعة في أحد صالونات الحلاقة تكاد تكون واحدة شهريًّا سواء قام صاحب المكان بقص شعر زبون واحد أو مائة زبون في اليوم، ولذا فهي من التكاليف الثابتة.

أسئلة الدرس

  • (١)

    ما الدور الذي يلعبه علم الاقتصاد في تحليل حظر المخدرات؟

  • (٢)

    كيف يحصل تجار الكوكايين (في ظل حظر المخدرات) على بدل مخاطر؟

  • (٣)
    ما العلاقة بين الفساد وبين «جريمة بلا ضحايا» مثل ترويج الكوكايين؟
  • (٤)

    كيف يرفع حظر المخدرات المنافع الحدية لاستخدام العنف على يد تجار المخدرات؟

  • (٥)

    كيف يمكن أن يؤدي حظر المخدرات إلى تعاطي جرعات زائدة تسبب الوفاة؟

هوامش

(١) كما هو الحال مع تحليلنا للأنواع الأخرى من التدخل الحكومي، سنركز في هذا الدرس على الحجج الواقعية وذلك بالنظر إلى عواقب حظر المخدرات. سنتجاهل الحجج (المؤيدة أو المعارضة) المبنية على أساس أخلاقي محدد أو مراعاة حقوق الملكية أو النطاق المناسب للأداء الحكومي. لا شك أن مثل هذه الآراء مهمة، لكنها تقع خارج نطاق كتاب تعليمي يتناول أسس الاقتصاد.
(٢) علينا أن نوضح أن احتمالية إلقاء القبض على تاجر مخدرات محترف أعلى بكثير من احتمالية إلقاء القبض على واحد من زبائنه لولا الرِّشا التي تُدفع بانتظام لرجال الشرطة مقابل الحصول على الحماية. نحن نحاول أن نفهم كيف يغير حظر المخدرات نتاج السوق الأصلي، وبعدها سنتعرف على نطاق الفساد.
(٣) انظر http://www.whitehousedrugpolicy.gov/drugfact/cocaine/cocaineff.html#extentofuse. وفيما يتعلق بالماريجوانا، فإن استطلاع رأي أجري بين عامي ٢٠٠٦ و٢٠٠٧ كشف عن أن أكثر من ١٠٪ من الأمريكيين المشاركين في الاستطلاع استخدموا المخدر في العام الماضي. انظر http://economix.blogs.nytimes.com/2009/08/11/drug-use-across-the-united-states-or-rhode-island-needs-more-rehab/.
(٤) أُقرَّ «التعديل الثامن عشر» فعليًّا عام ١٩١٩، لكن لم يُفعَّل حظر الكحول حتى عام ١٩٢٠.
(٥) يشير مصطلح المرابي الفاحش إلى الشخص الذي يُقرض قروضًا قصيرة الأجل بمعدلات فائدة مرتفعة للغاية (وهو ما قد يخالف «قوانين المراباة») وغالبًا ما يلجأ إلى العقوبة الجسدية لضمان سداد القرض.
(٦) الواقع أنه لو استطاع تجار المخدرات عقد صفقات كبرى باستخدام وسائل السداد الإلكترونية عن طريق طرف ثالث يحظى بالثقة على نطاق دولي، فسينخفض عدد صفقات المخدرات التي يشوبها استخدام العنف. وبدلًا من إحضار حقائب النقود (وعليها حراسة مشددة) إلى ساحات انتظار السيارات في عتمة الليل، يمكن لتاجر كوكايين بالتجزئة أن يودع مليون دولار لدى مؤسسة مالية حسنة الصيت توافق على تحويل المال إلى تاجر جملة كولومبي حالما يتسلم تاجر التجزئة بضاعته. (ويمكن أن تتم العملية على مراحل إذا أراد الكولومبيون التأكد من أنهم لن يقعوا ضحية عملية احتيال.) السبب الذي جعل تجار المخدرات يحجمون عن التصرف على هذا النحو حاليًّا ليس خوفهم من سرقة البنك أموالهم، وعندها لن يستطيعوا إبلاغ الشرطة بما حدث. فما إن يحدث شيء كهذا حتى يمتنع جميع الأفراد — بمن فيهم من لا علاقة لهم بتجارة المخدرات — عن التعامل مع هذا البنك. الواقع أن تجار المخدرات لا يستخدمون هذه الطريقة البسيطة التي أشرنا إليها بسبب احتمال مصادرة الحكومة لأموالهم بوصفها «أموال مخدرات». وهكذا نرى أن ما يدفع لاستخدام العنف في تجارة المخدرات ليس تجاهل الحكومة وإنما تفعيل الحكومة لقوانين المخدرات.
(٧) الإحصاءات الخاصة بحالات الوفاة وأيضًا مقولة ويل روجرز مأخوذتان من دراسة أعدَّها مارك ثورنتون بعنوان «حظر الكحول كان إخفاقًا»، تحليل سياسات رقم ١٥٧، معهد كاتو، ١٧ يوليو ١٩٩١. انظر الرابط: http://cato.org/pubs/pas/pa157.pdf.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١