تصدير

قد لا تروق لك، مثلي تمامًا، كل فكرة تقرأ عنها في هذا الكتاب.

ربما تشعر بشيء من الغرابة في أن يبدأ أحدٌ تصدير كتابه بعبارة كهذه. لكن بالنسبة لي، هذا هو عينه السبب الذي يجعل هذا الكتاب عملًا ذا قيمة. فقد آمنت دائمًا بأن قراءتك كتابًا بهدف تأكيد ما تعتقد أنك تعرفه بالفعل مضيعة للوقت. فليس الغرض من كتاب كهذا التأكيد بل التحدي. وهذا العمل الفريد يفعل هذا وأكثر.

إن مهنتَي المحاسبة والمحاماة في مفترق طرق. فانهيار إنرون وورلدكوم ومؤخرًا أدلفيا للاتصالات، معناه أن سمعة المحاسبين على الأقل قد شُوِّهت ومستقبلهم أصبح مجهولًا. والتحديات التي تواجهها المهنتان حاليًّا هي نتيجة حتمية لاعتلال ناشئ‎ عن الرضا بالوضع الراهن وعدم الاستجابة لقوى التغيير التي تؤثر تأثيرًا قويًّا على البيئة التي تنشط فيها. بعبارة أخرى، أصبح النموذج الذي خدم هاتين المهنتين على مدى المائة العام الماضية غير مناسب إلى حد كبير.

يتحدَّى الكتاب الذي بين أيدينا هذا النموذج بطرق مهمة جدًّا. وهذا وحده يجعله إضافة مناسبة وفي حينها إلى أدبيات المجال وكتابًا لا غنى عن قراءته لأي مهني لديه اهتمام بمستقبل شركته ومهنته.

على مدى أكثر من ٣٠ عامًا، ظللتُ أعمل في مختلف المهن وأعكف على دراستها. وفي عام ١٩٩٢، ارتقيتُ بهذه الدراسة إلى مستوى جديد عندما بدأنا أنا وبول دان التعاملَ مع مهنة المحاسبة. حينذاك، لم يكن لدينا فكرة عن الوجهة التي ستأخذنا إليها الرحلة. أنشأنا مؤسسة «ريزالتس أكونتانتس سيستمز» بهدف الارتقاء بالمهنة من التركيز على الامتثال والإذعان لما هو قائم إلى التركيز على إضافة قيمة بطرق أخرى (مثل استشارات الأعمال). في ذلك الوقت، بدأ العديد من المنتسبين إلى المهنة يتساءلون حول مدى أهمية إسهامهم، والأهم من ذلك، حول مستوى الرضا الشخصي الذي يحققونه من عملهم.

راق الأمر كثيرًا للغالبية العظمى من الناس الذين اختاروا المشاركة في معسكر تدريب المحاسبين الذي نظمناه؛ فما كنا نقوله أنا وبول بدا منطقيًّا وكان هو الشيء نفسه الذي أردوا أن يسمعوه. وعاد الكثيرون منهم إلى شركاتهم وفعلوا أشياء رائعة. وقد قصصنا أخبار بعض هؤلاء الأشخاص المذهلين في هذا الكتاب. ومع ذلك، سرعان ما وجدنا أنفسنا قد انخرطنا في تفعيل التغيير، وتطلب هذا منا أكثر بكثير من مجرد نقل رؤية جدلية متماسكة ومنطقية ومقنعة لفعل شيء مختلف وتوفير الأدوات والموارد اللازمة لمساعدتهم في فعل ذلك. والأهم من هذا أن الأمر كان بمنزلة دعوة إلى إحداث تغيير في نمط التفكير وعلى وجه الخصوص في السبب الجوهري وراء الاشتغال كمحاسب ممارس في مجال الأعمال. وهذا الكتاب يتناول هذه القضايا المهمة.

الكتاب الأول بقلم رون بيكر الذي بعنوان «دليل المهني في التسعير القيمي» (والذي نُشر عام ١٩٩٨ للمرة الأولى) كان بمنزلة تحدٍّ للطريقة التي ننظر بها أنا وكثيرون غيري إلى تشغيل شركات الخدمات المهنية (أو ما قد نُطلق عليه شركات المعرفة) والكثير من الأمور المهمة المتعلقة بها. أخبرني الكثيرُ من الناس أن هذا الكتاب قد غيَّر حياتهم. وأضمن لك أن الكتاب الذي بين يديك لديه القدرة على فعل هذا أيضًا؛ فقدرة رون على التعبير عن أفكار معقدة بطريقة بسيطة ومقنعة وممتعة موهبة نادرة. إنني أعشق أسلوبه في الكتابة وإن لم أكن أتفق معه في جميع ما يتوصل إليه من استنتاجات.

إن هذا الكتاب بمنزلة امتداد منطقي لعمله السابق، وقد استفاد استفادة عظيمة من رؤى بول دان الكاشفة والخبرات التي اكتسبها من تعامله مع آلاف الشركات المحاسبية حول العالم. في السنوات العشر التي سعدتُ خلالها بالعمل مع بول، كنت أشعر دائمًا بالدهشة من قدرته على التركيز على جوهر قضية ما، وهي القدرة التي تتضح عبر صفحات هذا الكتاب. خلال شراكتنا، كنت أنا من يقول «لماذا؟» وكان بول من يقول «ولِمَ لا؟» وفي نهاية المطاف، كانت الرغبة في تحدي الوضع الراهن هي التي تؤدي إلى تحقيق أفضل الأشياء في أغلب الأحيان وإلى حياة أكثر إثارة للاهتمام دائمًا. لقد تعلمت أشياء كثيرة من بول لكن أهم درس تعلمته منه هو عدم الخلط بين «الوضع الراهن» و«الوضع الممكن تحقيقه».

عندما قرأت مسوَّدة هذا الكتاب لأول مرة وتأملت ما قرأته، كان السؤال الذي استحوذ على تفكيري هو «لِمَ لا؟» إذا فعلتَ نفس الشيء (وهو أمر أعتقد أنك ستفعله)، يكون بيكر ودان قد حققا هدفهما؛ وهو تشجيعك على تغيير أسلوب تفكيرك بشأن شركتك ومهنتك. وإذا فعل عدد كافٍ من الناس نفس الشيء، فإن ثمة مستقبلًا مذهلًا بانتظار المهن. والكتاب الذي بين يديك يساعدك على الاستعداد لدورك الذي ستلعبه في هذا المستقبل.

ريك باين
رئيس شركة «برينسيبا» ومديرها التنفيذي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠