تمهيد

أحب أحلام المستقبل أكثر من حبي لتاريخ الماضي.

توماس جيفرسون

•••

بول: أرغب أن يوضع على قبري لوحة مكتوب عليها: «أحدث فارقًا في مهنته.»

كان هذا ردي في عام ١٩٩٢ على صديق تساءل بصوت مرتفع قائلًا: «لماذا تفعل كل هذا إذن؟» ما كنت أفعله هو أنني كثيرًا ما كنت أعمل لمدة ١٨ ساعة في اليوم؛ بهدف تأسيس مؤسسة «ريزالتس أكونتانتس سيستمز». كانت هذه الشركة بمثابة المبادرة الأولى التي يُقدم عليها شخص من خارج مهنة المحاسبة (وهو أنا) على مخاطرة يبذل فيها كل شيء من أجل بناء شركة وتأسيس عملية (وهي معسكر تدريب المحاسبين)، وهما أمران من شأنهما أن يغيرا المهنة إلى الأبد.

أخبرني الناس بأن هذا غير ممكن. قالوا لي إن المحاسبين لن يسافروا إلى مكان مركزي واحد في أستراليا لينفقوا ٤٠٠٠ دولار أسترالي (في ذلك الوقت) ويقضوا أربعة أيام كي يتعلَّموا كيف يتعاملون على نحو مختلف مع عملائهم. وأردفوا قائلين: «المحاسبون كائنات غريبة. هم لديهم أنظمة قيمية غريبة. سوف يقضون يومهم هناك وهم يحصون الساعات التي يقضونها في قاعة المحاضرات بمعسكر تدريب المحاسبين ويضربونها في معدلهم بالساعة؛ ليحسبوا كم من المال قد خسروا. ليس هذا فحسب، بل إنه لا توجد طريقة تستطيع بها الاستمرار في جذب اهتمامهم من الساعة ٨:٣٠ صباحًا إلى ١٠:٣٠ ليلًا.»

حسنًا، لقد أخطأ هؤلاء الناس فيما أخبروني به. ففي أول دورة لمعسكر تدريب المحاسبين احتشد ١٧٠ شخصًا في القاعة، واستحوذ التدريب على إعجابهم!

أخبرناهم بأن يتوقفوا على الفور عن التركيز على الامتثال، وأن يخرجوا عما هو مألوف ليفعلوا أشياء مختلفة مع عملائهم. أخبرناهم كذلك بألَّا يجعلوا من أنفسهم مؤرِّخين، بل يساعدوا عملاءهم الذين يختارونهم في «صنع» مجدٍ لأنفسهم. وقد استثمروا في أنظمة ابتُكرت خصيصًا من أجل مساعدتهم في فعل هذا بالضبط.

وهكذا اكتملت عملية وضع الأساس لشركة المستقبل على خير وجه.

من هناك، انتشرت ظاهرة (وحُقَّ لها هذا الوصف) مؤسسة «ريزالتس أكونتانتس سيستمز» ومعسكر تدريب المحاسبين حيث وصلت إلى أمريكا الشمالية في البداية، بمساعدة جون دونليفي ومؤسسة «كاليفورنيا» لتعليم المحاسبين القانونيين، ثم إلى المملكة المتحدة من خلال معهد المحاسبين القانونيين في إنجلترا وويلز. ولاحقًا، سوف تتوغل أكثر لتصل إلى ألمانيا والنمسا وهونج كونج.

وبحلول نهاية عام ١٩٩٩، بلغ عدد الشركات التي تفاعلت مع مؤسسة «ريزالتس أكونتانتس سيستمز» في أستراليا ونيوزيلندا وأمريكا الشمالية وإنجلترا ٣٥٠٠ شركة، وهو عدد مذهل، وأنشأت المؤسسة شبكة دولية تضم معظم تلك الشركات عُرفت باسم شبكة «ريزالتس أكونتانتس».

ربما لم يَزِدْ عدد الساعات كثيرًا عن ١٨ ساعة، لكن بالتأكيد أصبح ما يُفعل خلال تلك الساعات أكثر تعقيدًا. فمن أربعة أشخاص في قاعة واحدة صغيرة عام ١٩٩٢، أصبح العدد ٧٥ شخصًا من بلدان شتى. وبعد أن كنت أُدير المشروع بنفسي، انضم إليَّ شريكٌ. أصبحتُ كثير الأسفار واعتدت التنقُّل بين الفنادق وانتقلت من ندوة إلى أخرى. أجل، لقد كنت أقدم إسهامًا؛ لعلي سأصبح جديرًا بتلك اللوحة على قبري. كانت المشكلة أنني كنت سأنتقل إلى القبر قبل أن أريد ذلك بوقت طويل!

لذا في ٢٠ أبريل ٢٠٠٠، بعتُ أسهمي في مؤسسة «ريزالتس أكونتانتس سيستمز» وانتقلت إلى فرنسا. بطبيعة الحال، قيدتني بشدة القيود القانونية التي منعتني من مراسلة الشركات المحاسبية أو التعامل معها بأي طريقة أخرى، لكن الحماس لم يفتُر. ويعكس هذا الكتاب الذي ألَّفته بالتعاون مع رون جانبًا من هذا الحماس.

لكن لنعد قليلًا إلى الوراء. جميعنا يمر بلحظات تطهيرية في حياته، لحظات نتأملها في وقت لاحق لندرك أنها بمنزلة محطاتٍ نتوقف فيها عن الطريقة التي كنا نفكر أو نتصرف بها قبل قدوم تلك اللحظات. جاءتني تلك اللحظة في أبريل ١٩٩٦، بالرغم من أنني لم أدرك ذلك حينها. فخلال ندوة عقدتُها في سان فرانسيسكو لمؤسسة «كاليفورنيا» لتعليم المحاسبين القانونيين، أتاني رجل ودودٌ وأخبرني عن مدى شعوره بروعة البرنامج. لقد أخبرني قائلًا: «أنا الآن أقدم برامج لمؤسسة التعليم ومن الواضح بالنسبة لي أننا على توافقٍ في الرؤى. آمل أن نتوصل إلى طريقة للعمل معًا.»

شكرته بشدة وأخبرته بأني مُضطر للمغادرة كي ألحق بطائرة أخرى. صافحني رون بيكر من جديد وتركني.

بعد مرور عامين ونصف العام في لندن، تلقيت في عام ١٩٩٨ رسالة إلكترونية من عميل في الولايات المتحدة. جاءت رسالته على النحو التالي: «لقد فرغت لتوي من قراءة أروع كتاب عن المهنة. احرص على اقتناء نسخة منه على الفور.»

وصلتني الرسالة الإلكترونية من مصدر مرموق لذا فعلت مثلما طُلب مني: اشتريت الكتاب من خلال موقع أمازون. وعندما علمت أنه سيصلني خلال أسبوع، أتذكر أنني فكرت قائلًا: «٩٩ دولارًا إضافة إلى رسوم الشحن. لا بد أنه كتاب جيد بالفعل.»

لم يكن الكتاب جيدًا فحسب، لكنه كان (ولا يزال) نقطة تحول بكل ما تحمله الكلمة من معنى. لم أستطع أن أتركه كما ميَّزتُ باللون الأصفر أجزاءً منه أكثر مما فعلت في أي كتاب آخر. أرسلت رسالة إلكترونية إلى المؤلف لأخبره كم انبهرت به وعبَّرتُ له عن رغبتي في إجراء حوار معه عبر الهاتف من لندن خلال بضعة أيام.

بعد مرور ثلاثة أيام، تناقشنا أنا ورون بيكر عبر الهاتف حول الكتاب. قلت له: «إن «دليل المهني في التسعير القيمي» هو أفضل كتاب قرأته حتى الآن عن المهنة. عندما يُكتب تاريخ المهنة، سوف ينظر الناس إلى الوراء قائلين إن هذا الكتاب قد غيَّر إلى الأبد الطريقة التي يُؤدَّى بها العمل المحاسبي.»

ثم ذكرني رون بلقائنا قبل ذلك الموعد بعامين ونصف في سان فرانسيسكو.

منذ ذلك الحوار الهاتفي عام ١٩٩٨، جمعتنا أنا ورون صداقة متينة. فقد قضينا أيامًا معًا ونحن نحاضر في ندوات. وتبادلنا آلاف الكلمات عبر البريد الإلكتروني. إحدى تلك الرسائل وصلتْني من رون في ٢١ أبريل ٢٠٠٠ وجاء فيها: «لا بد أن نتعاون معًا في تأليف كتاب؛ لدينا الكثير من الأشياء التي يمكننا قولها.»

لذا بدأنا عملية تآزر طويلة وممتدة.

عادةً ما يُعرف التآزر بأن «واحدًا مضافًا إليه واحد يساوي ثلاثة»، وهي عملية يعمل خلالها شخصان معًا لكن يُنجزان ما هو أكثر بكثير. بيْدَ أن ستيفن كوفي يشير في كتابه «العادات السبع للناس الأكثر فعالية» إلى شيء مهم عن التآزر. فهو يوضح كيف أنه عندما تُحضر شخصين متشابهين للعمل معًا، لا يتحقق التآزر؛ فغالبًا ما تكون المعادلة «واحد مضاف إليه واحد يساوي واحدًا». يقول كوفي: «يتحقق التآزر عندما يعمل شخصان مختلفان أو أكثر معًا.»

أنا ورون مختلفان؛ فرون لديه طابع تحليلي حقيقي (منحة ربانية!) في حين أنني أميل إلى الإصغاء إلى حسي الداخلي (غالبًا ما تخبرني النساء بطريقة لطيفة بأنني أمتلك حسًّا حدسيًّا أنثويًّا). الاختلاف بيني وبين رون معناه أن بمقدورنا مناقشة النقاط التي نختلف عليها. إنه يعني أن كلًّا منا لديه فرصة في أن يجادل، لكنه، في أغلب الأحيان، يعني أن بإمكاننا الجمع بين خبراتنا الفريدة لتصبح كُلًّا جديدًا.

على سبيل المثال: اختلفنا أنا ورون حول عنوان هذا الكتاب لكننا لم نختلف على الهدف. وأحيانًا وجد كل منا صعوبة في تصور التصميم الذي يكون عليه الكتاب، بالرغم من أن كلينا كان يعرف أننا نريد الإشارة إلى كل منا حتى يعلم القارئ دائمًا أيًّا منا يتحدث.

بعد ذلك، وتحديدًا في مارس ٢٠٠٢، تجلى الطابع التحليلي لرون. فقد أجرى تعديلًا مهمًّا على معادلةٍ ابتكرها في الأساس ريك باين في مؤسسة «ريزالتس أكونتانتس سيستمز». إنها معادلة استخدمناها لوقت طويل، أطلقنا عليها اسم «معادلة الممارسة»؛ حيث إنها حددت العلاقة بين العائد في شركة متخصصة وعدة متغيرات رئيسة. سوف تعرف خلال وقت قصير التعديل الذي اقترحه رون. يكفي الآن القول إن حسي الداخلي قد استوعب هذا التعديل على الفور. وقد جعلنا هذا التعديل أكثر انفتاحًا ومكننا على نحو أكثر فعالية من ترسيخ ما كنا نحاول أن نقوله.

لنعد إلى عنوان الكتاب لبرهة: دائمًا ما شعرتُ بالقلق بشأن عنوان قد يفهمه البعض على أنه يشير ضمنيًّا إلى أن بمقدورنا التنبؤ بالمستقبل، لا سيما أن شركة المستقبل موجودة حاليًّا على أي حال. كل ما هنالك أنه بالنسبة لك أيها القارئ، بعض الأشياء التي نشير إلى أنك بحاجة إلى فعلها ربما لم تصبح بعدُ أشياء اعتنقتها بصدق.

علاوة على ذلك، شركة المستقبل ليست شيئًا يبدأ في وقت معين مستقبلًا. إنه شيء بدأ عام ١٩٩٢، على الأقل بالنسبة لي. فشركة المستقبل ليست من نوعية الأشياء التي تحدث مرة واحدة في العمر، بل شيء تشعر أولًا من داخلك أنه صحيح، ثم تستخدم شيئًا من المنطق لتبرير شعورك هذا، بعد ذلك سوف تُطبق أنظمة لجعل تلك الشركة واقعًا بالنسبة لك. إنها عملية وليست حدثًا، وهي كالكائن الحي. فمعظم الشركات، كما نعلم إما أن تتطور وتتكيف وإما أن تموت وتندثر.

وهنا يأتي الحديث عن مستقبل الشركات. تأكد تمامًا أنني أنا ورون لا يمكننا التنبؤ بمستقبل الشركات؛ لا سيما مستقبل شركتك. فما يؤثر في مستقبلك في الأساس هو أنت وطريقتك في التفكير والكيفية التي تتصرف بهاK بل طريقتك في ارتداء الملابس. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فبعض الأحداث الخارجية يمكن أن تؤثر على مستقبلك أيضًا، ولعل أبرز هذه الأحداث فضيحة شركة إنرون والسقوط المدوي لشركة محاسبية كبرى (آرثر أندرسن) في بداية عام ٢٠٠٢. قبل إنرون، كانت قلة قليلة من الناس هم من كانوا يعتقدون وجود حتى أدنى احتمال لإفلاس الشركات (لا سيما الشركات الكبيرة). إن ما تفعله فضيحةً إنرون هو أنها تُسلط الضوء على أنه قد لا يوجد فعليًّا مستقبل لبعض الشركات المهنية.

لكن ثمة أسبابًا أخرى وراء احتمال عدم وجود مستقبل بالنسبة لبعض الشركات أيضًا. تأمَّل هذه العبارة البسيطة التي أخبرني بها أحد الأستراليين من بني جلدتي: «المهنة بلغت حد التشبُّع.» كلمة «تشبُّع» ككثير من الكلمات التي يستخدمها الأستراليون تحتاج إلى توضيح. ربما كانت الطريقة المهذبة لترجمة مقصده بعبارته أن المهنة قد «وهنت»، أو «لم تعد مجدية».

حسنًا، لقد أخطأ زميلي في جانبٍ مما قاله؛ فالمهنة فعالة ومن الواضح أنها لا تزال مجديةً بالفعل، لكنه أصاب في جانب آخر؛ فالمهنة تترنح ولا تُجدي نفعًا بالقدر المعقول. إنها تسير في الاتجاه المعاكس لتطوُّرها.

إذا بدت هذه مبالغة، يمكنك أن تسأل شخصًا عن المهنة التي سيختارها إذا أُتيحت له فرصة تغيير مهنته إلى المهنة الأكثر إثارةً وتحديًا وإشباعًا على ظهر الكوكب. بطبيعة الحال، قد يعطيك هذا الشخص إجاباتٍ متنوعة. لكننا على يقين من أن هناك إجابةً قد لا تسمعها. فهذا الشخص قد لا يختار أبدًا مهنة المحاسبة ويعبر عن ذلك بحماس ويقين.

هذا أمر لا يحمل الكثير من الغرابة، أليس كذلك؟ فهذه المهنة العجيبة التي لا تكاد تخلو منها شركة أو مشروع تجاري لها الكثير من المساوئ. هل تريد دليلًا على ذلك؟ من المؤسف أن النذر اليسير من المحاسبين ممن أعرفهم يستيقظون في الصباح وهم يمتلكون تحمُّسًا وتطلُّعًا إلى يومهم. فأغلبهم يتضرعون إلى ربهم مرتين كل أسبوع: الأولى في يوم الجمعة (حمدًا لله، هذا يوم الجمعة) والثانية يوم الاثنين (يا إلهي، إنه يوم الاثنين، سوف يتعيَّن فعل كل هذا من جديد خلال الأسبوع).

ليس هناك ما يدعو لأن تسير الأمور على هذا النحو.

يبين العمل الذي بذلناه بشأن معادلة الممارسة الجوانبَ التي أدت فيها المعادلة القديمة إلى المشكلاتِ التي نراها في المهنة اليوم. بعبارة أخرى، إذا تبنَّيْتَ معادلة الممارسة الجديدة التي ستقرأ عنها هنا، فمن المؤكد أن شركتك والطريقة التي تمارس بها المحاسبة ستصبحانِ أكثرَ إثارة وتحفيزًا وتحديًا وإشباعًا.

رؤيتنا بسيطة ومفعمة بالتفاؤل. اتبع أنماط التفكير والأفكار المطروحة هنا. تبنَّاها واحتضنها. افعل ذلك وسوف تصبح شركتُك تلقائيًّا واحدةً من شركات المستقبل. ولعل ما هو أهم من ذلك، أنك سيكون لديك مستقبل مشرق تتطلع إليه أيضًا.

•••

رون: ذات مرة سأل أحدُهم الفيزيائيَّ ألبرت مايكلسون لماذا يبذل كل هذا الجهد في عمله بشأن قياس سرعة الضوء؟ أجابه مايكلسون بالقول إن ذلك أمر ممتعٌ حقًّا.

منذ ذلك الحين، أعلنتُ أن رسالتي الوحيدةَ في الحياة هي القضاءُ على نظام تقديم الفواتير المعتمد على عدد الساعات في مجال المحاسبة والمحاماة. كثيرًا ما سُئلتُ كيف لي أن أطلبَ هذا الطلب الغريب. إجابتي باختصار، مثل مايكلسون، هي أنه من الممتع كثيرًا تحدي الأفكار والمعتقدات التقليدية لدى زملائك ومحاولة إقناعهم بأن ثمة طريقةً أفضل.

أما الإجابة بالتفصيل، فهي أنني متحمسٌ بشأن الحاجة إلى تحسين مستوى الحياة في مختلف المهن. إن الكتاب الذي تحمله بين يديك الآن، بالنسبة لي، بدأ في عام ١٩٨٩، عندما بدأتُ الاستكشاف الجديد لفلسفات خدمة الجودة الشاملة وطبقتُها على ممارستي المحاسبية. وكثمرة لهذا الجهد البحثي، بدأتُ نشاطًا تجريبيًّا فيما يتعلق بالاتفاقيات ذات السعر المحدد سلفًا ثم أوامر التغيير. بعد ذلك، سنحت لي فرصة التدريس لزملائي.

لقد تطلعتُ دومًا إلى التدريس وتأليف كتاب. وقد مُنحتُ الفرصة الأولى في التدريس عام ١٩٩٥ من قِبل مؤسسة «كاليفورنيا» لتعليم المحاسبين القانونيين؛ إذ درَّست مقررًا بعنوان «كيف تبني شركة ناجحةً من خلال خدمة الجودة الشاملة». وقد خصصتُ جزءًا موجزًا بالمقرر لمناقشة التحول من نظام تقديم الفواتير المعتمد على عدد الساعات إلى التسعير القيمي الذي أثار موجة عارمة من النقاش والجدل. وباعتباري اقتصاديًّا أكثر مني محاسبًا قانونيًّا، بدأت في دراسة ما أفضى به الاقتصاديون عن السعر والقيمة؛ وهو شيء أقل ما يُوصف به أنه هائل. في الواقع، لا يوجد من يتناول هذه الموضوعات أفضل من الاقتصاديين الذين عكفوا على دراستها لقرون من الزمان.

لقد قرأت لنوابغ الاقتصاديين بَدءًا من ميلتون فريدمان ونجله ديفيد وصولًا إلى ستيفن لاندسبرج ومارك سكوزن وتوماس سويل وغيرهم الكثير. لكنني تعلمتُ نظريات قيمة العمل والأهم من ذلك النظريات التي حلَّت محلها من المدرسة النمساوية في الاقتصاد. في كتاب «تشريح السوداوية» (الطبعة الثانية، ١٦٢٤)، قال ريتشارد بيرتون: «الأقزام الذين يقفون على أكتاف العمالقة يرون أكثر مما يراه العمالقة أنفسهم.» هذا بالضبط ما شعرت به. فمع مزيد من الدراسة، تعرفت على التمييز السعري وكم هو منتشر في السوق. كما تعرفت أيضًا على سيكولوجية الأسعار والدور المهم الذي تلعبه في تحديد سعر معين، لا سيما بالنسبة إلى المهنيين. وانطلاقًا من هذه الدراسة، صممتُ مقرري الثاني لمؤسسة «كاليفورنيا» لتعليم المحاسبين القانونيين: «التحول من نظام تقديم الفواتير المعتمد على عدد الساعات إلى التسعير القيمي». كان هذا المقرر يُحدثُ جدلًا كلما درَّسته؛ لأنني كنتُ أنادي بقوةٍ بأن يقدم المحاسبون القانونيون اتفاقياتٍ محددةَ السعر سلفًا وأوامر تغيير وضمان خدمة وشروط دفع ثابتة، وجميعها أمور يجري الاتفاق عليها مقدمًا مع عملائهم لكل خدمة يقدمونها. ولم يقف الأمر عند هذا الحد؛ بل كنت أنادي بالتخلي عن سجلات ساعات العمل وهو أمرٌ لم يكن معلومًا لأحد في عام ١٩٩٦ بالرغم من أنني كنت قد أوقفت العمل بها في شركتي في عام ١٩٩١.

بالتوازي مع اشتغالي بالتدريس، بدأت أمارس الكتابة أكثر، وكما يعلم المشتغلون بالمعرفة، فإن كِلَا الأمرين يتعلق باكتشاف ما تعتقده. قال مارك توين ذات مرة: «لا أكتب كتابًا إلا إذا استوعبت موضوعه تمامًا.» كانت تلك تجربتي مع كتابي الأول الذي حمل اسم «دليل المهني في تسعير القيمة» (الآن في طبعته الرابعة). فموضوع الكتاب كنت قد قتلته بحثًا من نواحٍ عدة بالفعل؛ إذ درَّسته لسنوات عديدة قبل جمع أفكاري فعليًّا في صورة كتاب. وقد نُشرت الطبعة الأولى منه في يوليو ١٩٩٨، وبِيعت منه نسخ تفوق توقعاتنا في العام الأول، وكل عامٍ تالٍ.

واصلتُ التدريس والكتابة وفي كل عام أُجري تحديثًا على الكتاب، بإضافة المعرفة التي كنت أكتسبها من التدريس لزملائي حول العالم. يصف بول لقاءنا الأول عام ١٩٩٦، وبالتأكيد كنت أعرفه بفضل سمعته الطيبة؛ إذ تحدثتُ إلى الكثيرين من المحاسبين القانونيين الذين حضروا معسكر تدريب المحاسبين. من الصعوبة وصف حماس بول للمهنة؛ يجب أن تجربَ هذا الحماس بنفسك. أذكر أنني حضرتُ ندوةً عقدها في سان فرانسيسكو عام ١٩٩٦ وفكرتُ حينها في نفسي قائلًا: «هذا الرجل لا ينتمي إلى المهنة، ومع ذلك يُحدث ثورةً فيها ويسعى لتطويرها.»

عندما اتصل بي عام ١٩٩٨ بعد قراءة كتابي، بدأنا حوارًا استمر منذ ذلك الحين، لكن دعني أعرض عليك بعض العناصر التي لم يعرضها بول من هذا الحوار. عقدتُ برنامجي الأول مع بول في سبتمبر ١٩٩٩ في سان دييجو. ولسوء الحظ، رتَّب منظم الحدث كلمتي بعد كلمة بول. لا ينبغي قط أن يعقب متحدث عادي متحدثًا بارعًا، ورغم أنه من النادر أن يصيبني التوتر قبل التحدث أمام الجمهور، أصابني التوتر هذه المرة مع جلوس بول في نهاية القاعة.

في تلك الليلة، تناولت أنا وبول الغداء وتحدثنا لوقت طويل حتى حان وقت إغلاق المطعم والحانة. فنادرًا ما تُتاح للمرء فرصة مقابلة شخص لديه حماس متقد لما يفعله وملتزم لهذه الدرجة بتطوير المهنة التي وقع عليها اختياره. لا يمكنك أن تمنع نفسك من طرح السؤال التالي عليه: «لماذا تفعل هذا؟» ويدعم بول الإجابات بأفعاله؛ إنه يستمتع فعليًّا بالأمر وهذا ملحوظ.

يُعرِّف كارل جوستاف يونج التزامنية بأنها «صدفة ذات مغزى يقع فيها حدثان أو أكثر في الوقت نفسه حيث تتضمن شيئًا آخر خلاف احتمالية الحدوث.» هذا يصف العلاقة بيني وبين بول. بالتأكيد يبدو الأمر كما لو أن القدر جمعنا معًا. فمن أول لقاء جمع بيننا عام ١٩٩٦، لم أكن أعلم أنني خلال أربعة أعوام سوف أجلس مع بول أعلى فندق ريتز كارلتون المطل على مدينة سيدني الخلابة في أستراليا وأرتاد الحفلات معه وأشاركه إعداد عرض تقديمي باستخدام برنامج باوربوينت كنا نُرتب لتقديمه في عشر مدن في أستراليا ونيوزيلندا وعدد كبير من المدن الأمريكية. ومن منظور مهني، كان هذا بمنزلة ذروة مساري المهني الجديد كمؤلف ومتحدث عام؛ فقد أحدث موجات متتابعة من التأثير في حياتي.

عندما انتهت جولتنا وباع بول نصيبه في مؤسسة «ريزالتس أكونتانتس سيستمز»، علمتُ أن علينا أن نؤلف كتابًا معًا؛ فلدينا الكثير من الأشياء التي نريد أن نعرضَها وكان ينتابنا شعورٌ مفعمٌ بالقوة والحماس بأن المهن يمكن أن تصبحَ أفضلَ حالًا مما هي عليه.

لقد انتابتْنا مجموعة كبيرة من المشاعر ونحن نؤلِّف هذا الكتاب؛ بَدْءًا من التفاؤل والتشاؤم وصولًا إلى أفكار مجهولة وغير مفهومة وكمٍّ بينيٍّ كبيرٍ من التنافر المعرفي؛ بالتأكيد ستشعر بالشيء نفسه وأنت تقرأ هذا الكتاب. نحن لا نعتبر هذا عيبًا أو دليلًا على عدم وضوح أسلوبنا في التعبير، بل على العكس هو نتيجة لا لبس فيها للتعامل مع الجوانب الأبرز من المهن؛ فأنت ببساطة تحتاج إلى بذل شيء من الجهد إذا كنت تريد الوصول إلى الحقيقة. نحن ننخرط في هذا الاجتهاد يوميًّا، وبينما أواصل التدريس والتوجيه في أنحاء العالم، دائمًا ما أقترب خطوة من الحقيقة. أعلم أنني لن أصل أبدًا.

إن ما ستقرؤه هو، إلى حد بعيد، رسالة تهدف إلى تغيير الأفكار الحالية التي تتبناها المهن؛ لأننا اكتشفنا أن معظم ما يمر باعتباره مفهومًا متعارفًا عليه أصبح باليًا وغير صالح. تأمل طبعة عام ١٩٨٩ من «الملخص الإحصائي للولايات المتحدة» وهو منشور يصدر عن مكتب التعداد السكاني، الذي يجمع بياناته من مجموعة كبيرة من الهيئات الحكومية بما في ذلك وكالة المخابرات المركزية. كان من بين التقديرات المنشورة حجمُ اقتصاد جمهورية ألمانيا الاتحادية واقتصاد جمهورية ألمانيا الديمقراطية، أو ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية، كما كانتا تُعرفان حينذاك، وكان إجمالي الناتج المحلي للفرد عام ١٩٨٥ في كلا البلدين متساويًا، مع ارتفاع طفيف في إجمالي الناتج المحلي في ألمانيا الشرقية.

لكن ربما أخبرك أحدُ سائقي عربات الأجرة في مدينة برلين عند عبوره نقطة تفتيش تشارلي بعد سقوط جدار برلين؛ أن اقتصاد ألمانيا الشرقية كان أدنى مرتبة على نحو واضح من اقتصاد ألمانيا الغربية، لكن بطريقة ما — نتيجة لما مُورس من «تدريب مُقيِّد» للخبراء على الأرجح — أخطأ من كانت لديهم دراية في فهم الأمر خطأً جسيمًا. انظر إليَّ أنا وبول باعتبارنا اثنين من سائقي سيارات الأجرة ونحن نسير على الطريق الرائع الذي هو المهن. لسنا متأكدَيْن من الوجهة التي سننتهي إليها، لكننا سنقدم ملاحظات عديدة مناسبة على طول الطريق. ونتمنَّى من أعماق قلوبنا أن تستمتع بالرحلة.

بول دان
بروفانس، فرنسا
رونالد جيه بيكر
بيتالوما، كاليفورنيا
١٦ أكتوبر ٢٠٠٢

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠