الفصل الأول

مقدمة

فكرنا في كل شيء من قبل، لكن المشكلة هي أن نفكر فيه من جديد.

يوهان فولفجانج فون جوته

في الفيلم الكوميدي «ريزينج آريزونا»، يلعب هولي هانتر ونيكولاس كيدج دور زوجين لا يستطيعان الإنجاب؛ ومِن ثَمَّ قرَّرا سرقة أحد الأطفال. قرآ في الجريدة عن امرأة أنجبت لتوها خمسة توائم، ومِن ثَمَّ اتَّجها بسيارتِهما إلى منزلها حيث صعد كيدج سلمًا إلى نافذة غرفة نوم الطابق الثاني وأخذ أحد الأطفال الخمسة. وعند خروجه، شاهد نسخة من كتاب د. سبوك الشهير عن تربية الأطفال ووضعه في جيبه الخلفي. وعندما سلَّم الطفل إلى زوجته هولي هانتر التي كانت تنتظر خلف عجلة سيارة الهروب، تذكَّر الكتاب وأعطاه لها قائلًا: «أوه، هذا دليل الاستخدام.»

•••

رون: لا يمكننا أن نعطيَك «دليلًا» بشأن شركة المستقبل أكثر من ذلك الذي يعطيك إياه د. سبوك بشأن تربية الأطفال. فكلاهما مغامرات محفوفة بالمخاطر وعجيبة، وحافلان بالمجازفات ويكتنفهما حالة من عدم اليقين ويخضعان للعوامل الوراثية. بدلًا من ذلك، قرَّرْنا أن نقدم كتابًا «وصفيًّا» في مقابل كتاب «كمي». أما الأول فيتناول «الأشياء» التي ينبغي أن تفعلها وتفكر فيها، وأما الآخر فيغطي «الطريقة» التي تفعلها بها. نريد منك أن تفكر معنا وليس مثلنا بشأن مستقبل مهنتك. ليس لدينا حلولٌ ولكننا نقدم القيم التي نرجو أن تقود إلى الحلول المطلوبة. سوف نحاول تسليط الضوء على الفارق بين ما هو كائنٌ وما يمكن أن يكون.

قال الملك الإسباني ألفونسو العاشر في القرن الثالث عشر دون أي اعتدال ظاهر: «لو كنت حاضرًا وقت الخلق، لأعطيتُ بعض تلميحات بشأن ترتيب أفضل للكون.» بالمثل، لم نكن أنا وبول حاضرَيْن عند «خلق» المهن. لقد دخلت مهنة المحاسبين القانونيين عام ١٩٨٤ وأنا موظف شاب لديَّ من الحماس والتصميم الكثير حيث كنت واحدًا ضمن «الثمانية الكبار» حينذاك، وكنت أومن بأنني سأصبح أحد الشركاء. تعلمتُ منذ اليوم الأول أغلب ما تعلمه جيلان من المحاسبين قبلي: «أنت تبيع وقتك.» لم يكن يوجد ما يدعوني إلى الاعتقاد بأن هذا التصور التقليدي صحيح؛ وبرغم كل شيء، أصبحت أُحاسَب بالساعة، الأمر الذي حدَّد مركزي ومكانتي في الترتيب الهرمي للشركة. وكان عليَّ استيفاء سجل ساعات العمل المُقسَّمة على أساس أرباع الساعة كل أسبوعين وإلا احتُجز راتبي. كان يبدو منطقيًّا وعقلانيًّا تمامًا أن كل ما كان يتعين عليَّ تقديمه لعملاء الشركة هو وقتي الشخصي.

عندما أطلقتُ شركتي الخاصة، كنت نموذجًا مصغرًا لما يُطلِق عليه الإحصائيون «النمط التابع للمسار»؛ بعبارة أخرى، كلما تقدمتُ في العمر، زادت احتمالات أن يتأثر ما سأُصبح عليه مستقبلًا بما كنته في الماضي. ولم أبدأ في الاعتراض الجدي على التصورات السائدة في مهنتي التي اخترتها إلا بعد أن استقللت ذاتيًّا لبضع سنوات.

كما يقولون، نتائج الحياة لا يمكن حسابها أو التنبؤ بها خلال الوقت الذي ما زلنا نشق فيه طريقنا نحو المستقبل؛ فالسنوات تُعلمنا الكثير والكثير مما لم تعرفه الأيام قط. فلو أنني كنت أعلم حينذاك ما أعلمه الآن مثل ألفونسو العاشر، لقدمتُ بالتأكيد نظامًا أفضل للشركات التي تقدم خدمات مهنية وفهمًا أعمق للقيمة التي يقدمها المشتغلون بالمعرفة لعملائهم. وهذا الكتاب ثمرة ما تعلمته طيلة تلك السنوات التي تخللت المرحلتين.

في فترة الستينيات من القرن العشرين، صاغ فريتز ماكلوب، اقتصادي برنستون، والاستشاري الإداري بيتر دراكر في الوقت نفسه وعلى نحو مستقل مصطلَحَيْن هما «مجتمع المعرفة» و«المشتغلون بالمعرفة»، وقد ذكرهما الأخير في كتابه «عصر الانقطاع». عندما دخلت المهنة، لم أعتبر نفسي قطُّ «موظفًا خدميًّا»، وهو مصطلح صيغ نحو عام ١٩٢٠. لكن هذا مصطلح مفرط في التبسيط لوصف مهام المشتغلين بالمعرفة؛ فنحو ٤٠٪ من قوة العمل اليوم تعمل في مجالات المعرفة، كما أنها أيضًا أسرع شرائح قوة العمل نموًّا. في الماضي، كان الاختيار يقع على مسئولين وقادة مؤسسيين لأنهم كانوا «فاعلين» لا «مفكرين»؛ فهم لم يقضوا وقتهم في العمل على وضع نظريات، لكنهم اشتغلوا بالتحدي العملي المتعلق مثلًا بتأسيس أحد مصانع «بيبسي» في ليننجراد أو أحد مصانع السيارات في البرازيل، وخُصصت الأيديولوجيات والنظريات المجردة للانتخابات السياسية وليس لعمليات التشغيل اليومية.

واليوم، صار المحامون والمحاسبون من بين المشتغلين بالمعرفة الذين يحققون ثراءً للعملاء ممن يحظون بخدمتهم من «الأفكار» و«الرصيد الفكري» اللذين يحققونهما. ومع ذلك، لا يزال عدد هائل منا يعتقد أننا موظفون خدميون ولسنا مشتغلين بالمعرفة، وثمة بون شاسع بين الأمرين؛ فنحن نعمل في ظل نظرية للشركات تزداد انفصالًا عن عوامل النجاح الحاسمة التي تحدِّد مصيرنا ومصير عملائنا. لا نزالُ عالقين في فكرة أن الطريقة التي نحقق بها الثراءَ لشركة ما هي الاستفادة القصوى من الأشخاص وساعات العمل. فبرغم كل شيء، حقق هذا النمط من التفكير نجاحًا في الماضي وأسَّسَ شركات ضخمة ووفَّر مستوًى جيدًا من المعيشة للمهنيين من جميع القطاعات.

لكن عند مرور وقت كافٍ، تسوء الأمور الإنسانية كافة؛ فلا شيء يُخفق أكثر من النجاح، ودائمًا ما يُفرز واقعًا مختلفًا وتحديات جديدة. والاشتغال بالمعرفة ممارسة يُسعى من خلالها إلى البحث عن نظرية دقيقة، وما يعيب الممارسة القديمة ليس النظرية في حد ذاتها وإنما النظرية «السيئة». جميع النظريات تخضع للدحض، وسوف نبذل قصارى جهدنا لدحض النظرية القديمة للشركات على نحو حاسم. سوف نحاول، بعد ذلك، التعامل مع المهمة الأكثر صعوبة والمتمثلة في تقديم نظرية جديدة للشركات؛ وهنا نواجه مخاطر أكبر. ومع ذلك، ثمة حاجة إلى نظرية جديدة، وسوف نقدم نظريتنا على أمل أن ثمة شخصًا ما في وقت ما في مكان ما سوف يدحض هذه النظرية بل يقدم بديلًا أفضل لها. هذه هي الكيفية التي تتطور بها المعرفة، من خلال عملية متكررة لا تنتهي أبدًا، أفضل ما تُوصف به أنها «زحف معرفي».

وهذه ظاهرة مثيرة للاهتمام إلى حد ما؛ لأنها تشير ضمنيًّا إلى أن معظم النظريات الجديدة — لا سيما التقاليع الإدارية — لا بد أن تكون خاطئة أو غير مناسبة، وإلا سارت المعرفة كل يوم بسرعة البرق وتقدَّمت بقفزات مذهلة كتلك التي حققها أينشتاين أو نيوتن. هذا لا يحدث، مما يصعِّب الأمر على محرري وناشري الدوريات العلمية والكتب؛ إذ إنهم لو أرادوا التزام الصدق مع أنفسهم، فيجب أن يعترفوا بأن معظم ما ينشرونه تافه أو غير صحيح. ثمة مثل فرنسي رائع يقول: «لا يرى الحمقى الجمال إلا في الأشياء الجديدة.» نحن نواجه المخاطر نفسها — وربما المصير نفسه — في هذا الكتاب. الفارق هو أننا نفهم الظاهرة ولا نفترض أن لدينا القرار الأخير فيما يتصل بشركة المستقبل؛ فلسنا على استعداد لأن نخترع العجلة من جديد، بل على النقيض، نحاول إصلاح العجلة القديمة.

بالرغم من ذلك، لا نزال نجد ضرورة في تحدي التصورات والمفاهيم التقليدية والنظرية السائدة بين أصحاب المهن المتخصصة. هذا الكتاب لا يتعلق بالتنبؤ بالمستقبل وإنما بالإسهام في تشكيل المستقبل وصنعه؛ فلا أحد يمكنه التنبؤ بالمستقبل ولا يسعى إلى ذلك سوى الحمقى، لكن بمقدورنا التأثير على المستقبل بناءً على القرارات والخيارات التي نتخذها. إن العالم ليس محكومًا ببندول للتاريخ دائم التأرجح أو قدَر خارجي. نحن نصنع المستقبل بالأشياء التي نفعلها اليوم؛ فجدار برلين لم يسقط بسبب ظروف طقس عاتية، لكنه سقط «بفعل فاعل». والتاريخ كله في نهاية المطاف هو سرد لسيرة البشر.

على مدى تاريخ التسعير البالغ ثلاثين عامًا، لم يصبح قضيةً من القضايا الخمس الكبرى للإدارة المحاسبية إلا في عام ٢٠٠٠، ويرجع الفضل في الأساس لكتاب «دليل المهني في التسعير القيمي». لم يكن هذا الكتاب أكثر من مجرد تطبيق للزحف المعرفي في مجال القيمة والتسعير — من اقتصاديي قرون خلت في الأساس — على المحاسبين والمحامين. إن بمقدور الأفراد أن يُشكِّلوا المستقبل بالفعل.

إن محاولة تشكيل المستقبل مهمة محفوفة بالمخاطر وتنطوي على قدر من السخرية والتهكم والمعارضة العنيفة وفترات التشاؤم العميق. وكما قال تشارلز كترنج، صاحب الابتكارات الرائعة في عالم السيارات: «إذا أردتُ وقف برنامج بحثي، يمكنني دائمًا أن أفعل هذا عن طريق دعوة عدد من الخبراء لبحث الموضوع؛ لأنهم يعلمون على الفور أنه من الحُمق المحاولة من الأساس.» وبرغم ذلك، فإن عدم محاولة تغيير المستقبل والاكتفاء بدلًا من ذلك بالاعتماد على ما حقق نجاحًا في الماضي أمرٌ ينطوي على مخاطر أكبر. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل إنه في بعض الجوانب، يكون «المستقبل قد حدث بالفعل، كل ما هنالك أنه يُوزَّع على نحو غير متكافئ.» كما أشار ويليام جيبسون (مقتبس في هامل، ٢٠٠٠: ١٢٨).

ولا ينطبق هذا على شيء أكثر مما ينطبق على مجالات المعرفة حيث تُفهم عوامل النجاح الحاسم وتُعزَّز على النحو الملائم. فمن «مايكروسوفت» و«أوراكل» إلى «ماكنزي» و«أكسنتشر»، تُدرك المزيد والمزيد من الشركات أن المعرفة والأفكار — وليس الأشياء المادية كالعقارات والنفط — هما ما يصنعان الثروة. نحن نعيش في عالم يهيمن عليه «العقل» وليس «المادة». ومعظم شركات المعرفة هذه لديها الآن مسئول أول للمعرفة مهمته التأكد من أن الشركة على معرفة بما تحتويه من معرفة، أو بعبارة أخرى لديها القدرة على الوصول إلى المخزون العميق من المعرفة الموجود داخل الشركة من أجل تحقيق الاستفادة القصوى منها لتحقيق مزيد من الثراء لعملائها. ثمة رصيد فكري هائل بانتظار الطلاب الراغبين في استخلاصه من تلك الشركات.

التعليم ليس مجرد حشو لعقول الآخرين بالمعرفة؛ فالأصل في التعليم هو استخراج القدرات الكامنة وليس الحشو بالمعرفة، والطلاب الراغبون في المعرفة ولديهم الاستعداد لها هم مَن تقع على عاتقهم المسئولية في النهاية وليس المعلم. وفي حين قد تكون الكتب بمنزلة المعلم الغائب، فإنك أيها القارئ سوف تكون صاحب القرار النهائي. لقد اتبعنا «قانون الدرس المستفاد»: «يجب أن تُكتسَب الحقيقة التي يُراد تدريسها عن طريق الحقيقة التي عُرفت بالفعل.» وعن طريق دراسة أفضل العقول التي يمكن أن نجدها في نطاق الرصيد الفكري وفلسفة الأعمال، نأمل في تغيير الطريقة التي تفكر بها في مستقبل شركتك ومهنتك.

(١) منحنى القيمة المُحبب لدينا

وضع ويليام كوب إحدى النظريات المفضلة لدينا فيما يخص الشركات، وهو استشاري للشركات القانونية والمحاسبية. يطرح منحنى كوب للقيمة ما نعتقد أنه أفضل تمثيل بياني رأيناه للمهن؛ كون جذوره متأصلة في النظرية الاقتصادية. وقد كان كوب من الكرم لكي يسمح لنا بإعادة نسخ ما أسميناه «منحنى القيمة المُحبب لدينا» (انظر شكل ١-١).

يبين المنحنى أن القيمة النسبية التي يضيفها المهني تتناسب عكسيًّا مع حساسية العميل للسعر؛ وفي حين أننا لا نفضل مصطلح «السلع» بأي حال من الأحوال — كما نشير إلى ذلك في الفصل التاسع — فإن هذا المنحنى يتضمن الكثير من الدروس المستفادة. من المهم الآن أن تفهم أن شركتك تخضع لهذا المنحنى فيما يتصل بأي عميل في أي وقت. والخطأ الفادح الذي يرتكبه المهنيون هو التعامل مع جميع العملاء على نحو متكافئ عن طريق تسعير خدماتهم على أساس عدد الساعات، بصرف النظر عن موقعهم على المنحنى. نظرية الممارسة القديمة ليس لديها آلية لامتلاك مستويات متباينة من القيمة — من خلال سياسات تسعير مبتكرة — تقدمها الشركة.

أحد الأهداف الرئيسة لهذا الكتاب هو مساعدتك في فهم موقعك بالضبط على هذا المنحنى، ومحاولة دفعك نحو القمة، لكن هذا ليس كافيًا؛ فالعقول الأكثر ثراءً في مجال الأعمال — توماس أديسون، هنري فورد، جيه دبليو ماريوت، ستانلي ماركوس، راي كروك، توماس واطسون، بيل هوليت، ديف باكارد، بيل جيتس، فريد سميث، لاري إليسون، ريتشارد برانسون، وغيرهم الكثير — لم يصعدوا المنحنى فحسب، بل إنهم تجاوزوه، وبقدر ما نستطيع أن نُحفز هذا النوع من السلوك ونجعل المهن تسعى باستمرار لرفع معاييرها عن طريق تقديم خدمات جديدة ومبتكرة لعملائها — ومِن ثَمَّ تحقيق المزيد من الثراء لكل منهم في الأثناء — سوف يتجاوز هذا الكتاب حتى أبسط توقعاتنا وآمالنا.

شكل ١-١: منحنى كوب للقيمة

ولتحقيق تغيير سلوكي في المستقبل، يجب أن نؤثر على نمط تفكيرك الحالي. سوف يغطي هذا الكتاب نطاقًا كبيرًا، وغالبًا ما سوف يُحدث ذلك بعمق كبير للغاية، وسوف يتحدَّى دون شك المفاهيم والتصورات التقليدية التي ترسَّخت على مدى العصور، لكننا حاولنا دائمًا أن نضع في الحسبان أكثر أسئلة ميلتون فريدمان إثارةً بينما نكشف النقاب عن مواقفنا ومعتقداتنا: «كيف تعرف؟» و«ماذا إذن؟» فجميع الأبحاث والمعارف الجديدة بحاجة إلى الإجابة عن هذَين السؤالَين باستمرار، وأنا على يقين من أنه بالرغم من أننا نبذل قصارى جهدنا للقيام بذلك، فسوف نفشل أحيانًا من وجهة نظرك. وبقدر ما تتفق معنا — ونحن نأمل ذلك — فإننا نتحداك أن تطرح هذَين السؤالَين فيما يتعلق بأفكارك وآرائك أيضًا.

إن السفر حول العالم والالتقاء بالمهنيين لهو فرصة تعليمية مبهجة. فنحن نكتسب دائمًا من المعرفة أكثر مما نهب. وبهذه الطريقة، تعلمنا أن المهنيين في جميع البلدان — بالرغم من الانحراف الثقافي والطفيف المتباين في مهاراتهم وممارساتهم — تجمعهم أشياء تفوق الأشياء التي تفرقهم. ومن بين تلك الأشياء المشتركة التدهورُ الدائمُ في الروح المعنوية لدى أصحاب تلك المهن. فعندما يقول الغالبية من المهنيين إنهم «لن» يدخلوا المهنة لو تعين عليهم إعادة الكرة من جديد، فإن ثمة خطأً ما.

إن المهن بمنزلة دعوة نبيلة تُتيح الفرصة لخدمة الآخرين والإسهام في حياتهم، كما تُتيح صنع فارق في العالم يدوم. وبالرغم من هذا، فإن الحماس والروح المعنوية السائدَين في هذه المهنة — واللذين يُعدَّان مؤشرًا أساسيًّا على سلامة وحيوية أي دعوة — تراجعا لعقود. ونرى أن هذا يرجع في جزء منه إلى عنصر في النظرية القديمة التي تقول إن الطريق للنجاح ممهدٌ بعدد ساعات عمل مدفوعة الأجر يتزايد باستمرار. لا أحد يدخل المهنة بهدف الحصول على أجر أكبر عدد من الساعات. وهذه النظرية التي تمثل جوهر نمط تفكير معظم المهنيين تؤدي إلى التآكل التدريجي لتلك الدعوة النبيلة، وحان الوقت للاستعاضة عنها بنظرية جديدة، ونحن نقترح هذا لا من أجل كسب المزيد من المال، بل لتصنعَ فارقًا في حياة الأشخاص المهمين بالنسبة لك. إن هذا الكتاب يدق ناقوس الخطر لزملائنا حول العالم على أمل أن يلحقوا بنا لإعادة معنى الحياة إلى تلك المهن.

•••

بول: عندما أتى الناس إلى معسكر تدريب المحاسبين الذي بدأتُه عام ١٩٩٢، جاءوا بتوقعات كبيرة وتشكُّك هائل أيضًا. فقد حضر شخص من خارج المهنة وقال إنه توجد طرق أفضل لأداء الأشياء. وحضر شخص ثانٍ أعطاهم مجموعاتٍ جديدةً من المهارات؛ مهارات علمتُ أن عملاءهم يريدون منهم أن يكتسبوها. وثمة شخص أعطاهم نوعًا جديدًا من الحماس للمهنة؛ فلا يوجد ما يدعو لأن تكون المهنة كئيبةً ومملةً بعد اليوم. لقد اجتهدنا في ذلك على مدار أربعة أيام (من الساعة الثامنة صباحًا حتى العاشرة ليلًا)، وقدمنا لهم مفاهيم ومهارات وتصورات جديدة للتعامل مع عملائهم وفرقهم. وبينما كانوا يغادرون معسكر تدريب المحاسبين، كان من الطبيعي تمامًا أن يقول كل منهم: «هذه التجربة غيَّرت حياتي.» ونريد أن يفعل هذا الكتاب الشيء نفسه أيضًا بطريقة تتسم بالعمق.

لقد رأى كلانا ما يصفه أحد أصدقائي بأنه «الوجه الجيد والسيئ والقبيح» للمهنة. نحن نعلم أن هذه المهنة تتضمن جوانب كثيرة جيدة وأخرى قبيحة. ونريد أن نُرجح الكفة باتجاه ما هو جيد ونعلم أن ذلك أمر ممكن.

قدم لي أحد المحاسبين (ويُدعى جون جورج) في بريزبن رؤيةً كاشفةً مهمة بهذا الشأن. لقد زُرتُ مكتب جون ورأيتُ جميع الأشياء الرائعة التي كان يفعلها. أخذ يتجول بي بفخر في أرجاء ردهة الاستقبال (التي كانت رائعة كما لو كنت تقرأ عنها في كتاب)، حتى إنه أصرَّ على أن أذهب إلى المرحاض لرؤية مجموعة العطور المعروضة هناك!

بعد ذلك، جلسنا في مكتبه وتحدثنا عن النمو المذهل الذي حقَّقه. لقد أضاف أكثر من مليون دولار خلال عام واحد إلى الإيرادات. وعرض عليَّ خطابات كان قد تلقاها من عملائه يشيدون فيها به وبالكيفية التي ساعدهم بها في إحداث تحوُّل في أعمالهم. كما أخبرني عن الروح الجديدة المذهلة لدى فريقه وكيف أصبحوا يُنجزون أكثر مما توقَّع، وأيضًا أخبرني عن الكيفية التي أعاد بها تسعيرَ خِدْماته على نحو كامل وحوَّلها بفعالية إلى منتجات بأسعار ثابتة بدلًا من التسعير على أساس عدد الساعات.

بعد ذلك عاد إلى المليون دولار الإضافية. قال: «أريد أن أخبرك بشيء يا بول. كنت دائمًا تقول إن الأمر لا يتعلق بالمال أبدًا. ومعك كل الحق في ذلك.»

سألته: «وما مردودُ ذلك عليك يا جون؟» صمت، لا لأنه لم يعرف كيف يجيب، بل لأن الإجابة كانت ستأخذه إلى أشياء لم نتطرق إليها من قبل. لقد أخبرني كيف أنه الآن أصبح لديه قدرٌ كبيرٌ من الوقت ليقضيه مع زوجته، وإلى أي مدى أصبح يستمتع بالوقت الذي يقضيه مع ابنه في اللعب وفي تعليمه. ظننتُ أنه سيتوقف عند ذلك. فتلك إنجازات جديرة بالثناء وتستحقُّ السعي لتحقيقها وبلوغها برغم كل شيء. لكنه لم يتوقف عند هذا الحد.

«منذ أن كنت صبيًّا وأنا أحلم أن يكون لديَّ تلسكوب أراقب النجوم به؛ فهي تأسرني بجمالها. ومنذ وقت ليس ببعيد، اشتريت أفضل تلسكوب يمكن شراؤه؛ هو ضخم إلى حد كبير. وليلة أمس فقط استطعت أن أجلس في شرفتي وأُوجه هذا التلسكوب صوب السماء. إن المشهد رائع حقًّا يا بول!»

أعجبتني هذه القصة؛ ليس فقط لأنها «رائعة حقًّا»، بل لأنها تُصيب الهدف المقصود كذلك؛ وهو أن تجعلك المهنة أكثر ارتباطًا بالحياة بدلًا من الاقتصار على الحسابات والأرقام.

أدركتُ ذلك عندما اشتريت المنزل الذي أعيش فيه حاليًّا لجزء من السنة في بروفانس في فرنسا. ثمة تعلمٌ حقيقي في النظر في تعجب وتساؤل إلى تغير الفصول هنا. وأهم جزء من التعلم هو أنه توجد صورة أكبر بكثير مما يراه معظمنا في حياتنا العملية العادية. على سبيل المثال، في صبيحة يوم الاثنين الذي أكتب فيه هذا، كنت قد قضيت وقتًا في الحديقة وكان ينتابني شعور بالروعة من جمال الربيع. كيف تزدهر هذه البراعم؟ لم يخطر ببالي قط أنه كان من الممكن النظر إلى البراعم والتساؤل على هذا النحو.

على سبيل المثال، يوجد خارج منزلنا مباشرة كرمة قديمة (وكبيرة). الآن ونحن في أواخر شهر مارس، تبدو الكرمة أشبه بعصا قديمة خشنة. قد يقرر شخص ما اقتلاعها، لكنه مخطئ في قراره لأن هذه الشجرة من شأنها أن تُثمر عنبًا أكثر مما تتخيَّل. وأشجاري التي زرعتُها مؤخرًا تُزهر في كل مكان. من الرائع حقًّا النظر إليها ومن المثير تأملها.

كثيرًا ما تفوتنا الروعة باستغراقنا فيما نفعله، غافلين تمامًا عما يجري حولنا. أتمنى أن تحفزك قراءة هذا الكتاب على التوقف وتأمل الأشياء بطريقة مختلفة تمامًا. أتمنى كذلك أن يشجعك الكتاب على التوقف والتساؤل على الأقل. في الواقع، قد لا تصل إلى إجابات، لكنني على يقين أنك سوف تطرح أسئلة أفضل كثمرة لقراءتك هذا الكتاب.

وهذه الأسئلة تحديدًا والإجابات التي تحصل عليها سوف يقودانك إلى بعث المهن من جديد. ليس هذا الأمر مهمًّا للغاية فحسب، ولكن من الرائع تأمله أيضًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠