الفصل العاشر

قياس الأمور المُهمَّة: الفَعالية قبل الكفاءة

الأمور الأكثر أهمية يجب ألَّا تكون أبدًا رهينة الأمور الأقل أهمية.

الهوس بالأرقام أول علامة على أنَّنا لسنا على دراية بما نفعله.

يوهان فولفجانج فون جوته
إبَّان القرن السادس عشر، ظهرت كلمة جديدة في القواميس الإنجليزية هي Pantometry ومعناها إحصاء كل شيء. ومنذ ذلك الحين، أصبح البشر مهووسين بإحصاء الأشياء، بدءًا من أنفسهم إلى الأغنام وكميات التَّبْغ المستوردة إلى طلبات الهامبرجر الذي تُقدِّمه ماكدونالدز. فالقُدرة على العدِّ والقياس واحدة من السمات التي تُميز البشر عن الحيوانات. نُقِشت عبارة اللورد كلفن الشهيرة — مع قليلٍ من التحريف — على حجارة مبنى العلوم الاجتماعية في جامعة شيكاجو: «إذا لم تكن قادرًا على قياس معرفتك ولا التعبير عنها بأرقام، فإنَّ معرفتك هذه نوع من المعرفة الضَّحلة وغير المُرضية … قد تكون تلك بداية للمعرفة، لكنَّك لم ترتقِ في تفكيرك بعد لبلوغ مرحلة العلم» (مُقتبَس في مكلوسكي، ٢٠٠٠: ٨٠).

•••

رون: والآن، كُلُّنا سمع المثل الشهير (الذي غالبًا ما يُشار إليه باسم حكمة ماكنزي، على اسم الشركة الاستشارية الشهيرة)، «ما يُمكنك قياسه يمكنك إدارته.» لقد أصبح هذا من الكليشيهات في عالم الأعمال؛ لأنه إما خادع وإما بغير معنى؛ خادع لأنَّ الشركات أحصَتْ وقاست الأشياء منذ أن قدَّم العالم الإيطالي لوكا باتشولي مسك الدفاتر بطريقة القيد المُزدَوج إلى العالم عام ١٤٩٤، وبلا معنًى لأنه لا يُخبرنا بما يجب قياسه. القياس لأجل القياس أمرٌ لا معنى له، على نحو ما فهم فيليب كروسبي رائد الجودة عندما قال: «صُنع ميزان أفضل لا يُغيِّر وزنك.»

•••

بول: خلال برامج «معسكر تدريب المحاسبين» التي دامت أربعة أيام عرَضْنا، خلال الساعة الأولى، شريحةً مكتوبًا عليها: «ما يُمكنك قياسه يُمكنك إدارته.» عندما ظهرت، أمكن رؤية أعين المحاسبين وهي تلمع. ثم جعلنا المحاسبين يشعرون بمشاعر أفضل من خلال سؤالهم: «مَن الشخص الذي تعرف أنه بارع ومُدرَّب تدريبًا خاصًّا على القياس في واقع الأمر؟ أنت.» كان الأمر كما لو أنهم فجأةً رأوا قيمتهم وأهميتهم الحقيقية. لذلك أصبح قياس أيِّ شيءٍ تقريبًا هو المعيار، ومع ذلك لم يُطلَق العنان بعد لمجموعة أخرى من الخُبراء في قياس كل شيء!

•••

رون: المشكلة بالنسبة لخبراء قياس كلِّ شيء هي نفسها التي تُواجه رجال الأعمال اليوم: ما الذي ينبغي قياسه؟ لا تُقدِّم الحقائق والأرقام سياقًا ولا تكشف الحقيقة. ما زلنا بحاجة إلى مُخيِّلتنا وإبداعنا. يشتهر جيريمي بينثام، مُؤسِّس مذهب النفعية الاجتماعية، ومؤلف كتاب «مُقدِّمة في مبادئ الأخلاق والتشريع»، الذي نُشر في عام ١٧٨٩، بنظريته القائلة إنَّ الجنس البشري يحكمه شيئان: الألم والمتعة. وكان يعتقد أنَّ هذه العلاقة بين الألم والمتعة تحتاج إلى مِقياس كَمِّي، وهو ما أطلق عليه مقياس المشاعر. وقد بذل جهدًا كبيرًا في محاولة قياس كليهما، باستخدام وحدة قياس الرضا الافتراضية، كما لو كان بإمكان المرء وضْع قيمةٍ رقمية للفرح والحُزن. يعتقد بينثام أن الهدف النهائي للمجتمع يجب أن يكون مبدأ السعادة العظمى؛ أو بعبارة أخرى «أعظم سعادة بأكبر قيمة رقمية». لا شكَّ أن رؤاه قد قادَتْ إلى تحليل التكلفة – الفائدة، الذي ينصُّ على أنه يجب تنفيذ المشروع فقط إذا كانت الفوائد تفوق التكاليف. لكن المشكلة الأكبر بالنسبة إلى بينثام أن الأرقام وحدها لم تُقدِّم الإجابة عن كيفية تحقيق السعادة للجميع.

عندما تنبَّأ روبرت مالثوس بالمجاعة الجماعية في كتابه «مقال عن السكان» الذي صدر عام ١٧٩٨ — لأنَّ النمو السكاني سيزداد بوتيرةٍ هندسية بينما يزداد إنتاج الغذاء فقط بوتيرةٍ حسابية — لم تُوفِّر جميع الأرقام التي بحثَ فيها الحلَّ للمشكلة المزعومة. واتَّضَح أنه كان على خطأ، وذلك يرجع في الأساس إلى أنه لم يفعل شيئًا سوى تحليل الأرقام ولم يأخذ في الاعتبار البراعة التي لا تُقاس لدى البشر في حلِّ مجموعة متزايدة من المشكلات.

كان أبرز مظاهر هذه العقلية هو روبرت ماكنمارا، وزير الدفاع في عهد الرئيس جون أف كينيدي في الفترة من ١٩٦١ إلى ١٩٦٨، ورئيس البنك الدولي بعد ذلك. كان ماكنمارا مُدرِّسًا مُحاسبيًّا في كلية هارفارد للأعمال قبل الحرب العالمية الثانية، ثم عمل مُتخصِّصًا في مشروعات أبحاث العمليات لدى الحكومة الأمريكية أثناء الحرب. بعد الحرب، عيَّنه هنري فورد الثاني مع الفريق الذي يُطلَق عليه «الأولاد النابغون»، لتنشيط الأرباح المُتراجعة لدى شركة فورد للسيارات. واصطحب معه عقليته الميكانيكية إلى الحرب في فيتنام، مُحاولًا إدارتها بدقَّة عن طريق الأرقام. وقد اعتذر عن هذه الاستراتيجية العشوائية في سيرته الذاتية عام ١٩٩٥.

إن الاعتماد الأعمى على القياسات يمكن أن يحجب الحقائق المهمة. المشكلة في الأرقام والقياسات تتمثَّل فيما «لا» تُخبرنا به، وكيف تمنحنا إحساسًا زائفًا بالأمان والتحكُّم من خلال إيهامنا بأنَّنا نعرف كلَّ ما يجري. في الواقع، يمكن للمرء أن يسوق الحجة — التي تتعارض مع حكمة ماكنزي — القائلة إنَّ أهمَّ الأشياء في الحياة لا يُمكن قياسها. على الرغم من محاولة بينثام النبيلة، كيف لك أن تقيس السعادة؟ كيف لك أن تقيس الحُبَّ أو الفرح أو الاحترام أو الثقة؟ كيف لك أن تقيس مدى نجاح حياتك الزوجية؟

تأمَّل القياس التقليدي لنصيب الفرد من الدخل. افترِضْ أنَّ هناك عائلة مُكوَّنة من شخصَين، وقد أنجبت الزوجة للتوِّ أول مولود لها. هذا يعني أن نصيب الفرد من الدخل قد انخفض بمقدار الثُّلث، وإذا اعتبرْنا أن هذا هو القياس الصحيح — أو حتى التقريبي — للسعادة، فإنَّ ولادة الطفل يجب أن تكون من بين أسوأ اللَّحظات في حياتك. لكن كم من الآباء والأُمَّهات سينتابُهم هذا الشعور؟ إذن لا يمكنك «قياس» السعادة. يجب أن «تُعايش». ثَمَّة خلَلٌ جسيم في القياس الذي يُحدِّد‎ المقدار المتناقص لنصيب الفرد من الثَّروة عند ولادة طفل، ويزداد عندما يُولَد خروف (لأنه يرفَع إجمالي الناتج المحلي).

مثال آخر يُوضِّح كيف أنَّ قياس الدخل لا يُخفي الحقيقة فحسْب، بل يُضلِّل أيضًا، من خلال النظر إلى دخل الفرد في مدينة ستانفورد (في جامعة كاليفورنيا) ومدينة إيست بالو ألتو بولاية كاليفورنيا. إذا لم تكن قد زرت هذين المكانَين من قبل واعتمدتَ فقط على إحصاءات الدخل والثروة، فستستنتج بشكلٍ قاطع أنَّ مدينة إيست بالو ألتو أكثر ثراءً من ستانفورد؛ إذ إنَّ مُعظم سكان ستانفورد طُلَّاب؛ ومِن ثَمَّ لديهم دخل مُنخفض نسبيًّا. إذا كُنَّا سنحسب ونقيس، يجب أن نفعل ذلك فقط مع تلك الأشياء التي تكون ذات مغزًى حقيقي.

في عالم رأس المال الفكري تكون التكاليف الماثلة في العناصر الملموسة للبرمجيات والسيليكون — أو ورق هذا الكتاب وتغليفه — جزءًا صغيرًا من القيمة التي تُقدِّمها. وهذا بالضبط السبب الذي يجعل عقلية التسعير بالتكلفة والرِّبح أقلَّ أهمية في اقتصادٍ يعتمِد في الغالب على رأس المال الفكري والبشري. فالبشر لا يخضعون لقياسات سهلة. ربما نحتاج إلى لازمة منطقية لقول ماكنزي المأثور، والتي يُطلق عليها الكاتب ديفيد بويل «مُغالَطة ماكنزي»: كلُّ ما هو مهم بحق لا يُمكن قياسه.

ومع ذلك، فإنَّ هذه اللازمة المنطقية لمقولة ماكنزي المأثورة ستُقابَل بلا شكٍّ بمعارضة هائلة؛ إذ تتعارَض مع العقلية التقليدية التي يتَّسم بها طُلَّاب ماجستير إدارة الأعمال الذين هم خبراء قياس كلِّ شيء في العصر الحديث؛ فهم يتعلَّمون أنَّ كلَّ شيءٍ يحتاج إلى قياسٍ وحسابٍ كمِّي وعَدٍّ. قال الروائي والناقد الاجتماعي الروسي ألكسندر سولجينتسين ذات مرة: «إنه لأمر خطير للغاية التحدُّث ضد الاتجاه السائد في العصر.» لكنَّنا سنفعل ذلك على أي حال، ودَعُونا نبدأ باستعراض كيف أصبحت مقولة ماكنزي تقليدًا سائدًا.

(١) مبدأ الكفاءة

عندما تستأجر عاملًا، تذكَّر دومًا أنه يأتيك كإنسان لديه من الحاجات المعنوية والاجتماعية ما يحتاج إلى الاهتمام من جانبك.

هنري فورد
رون: في العقود الأولى من القرن العشرين، اجتاح البلاد الشغف بالكفاءة، ووُصفت ﺑ «الصحوة العلمانية الكبرى». كان لدى خبراء الكفاءة آنذاك أفكار نفَّذُوها في الشركات والمصانع والمستشفيات والمدارس والكنائس والمنازل وعلى كلِّ المستويات الحكومية. وأدَّى ذلك إلى تأسيس بعض أقدم مؤسَّسات الأبحاث السياسية الباقية، مثل معهد «بروكينجز»، وصندوق القرن العشرين، والمكتب الوطني للأبحاث الاقتصادية. لطالما انشغل البشر بإيجاد طرق أفضل وأكثر كفاءة — وأقل استهلاكًا للوقت — لتحقيق النتائج المرجوة منذ اختراع النار.
على الرغم من ادِّعاء خُبراء الإدارة الحاليِّين أنهم اكتشفوا مفهوم الكفاءة الجوهرية، فإنه في الواقع مبدأ قديم جدًّا، وقد شرحه آدم سميث في أطروحته، «استقصاء حول طبيعة ثروات الأمم وأسبابها»:

يقوم أحدُهم بسحْب السلك، والآخر يُقوِّمه، ويُقطِّعه الثالث، ويجعله الرابع مُستَدقَّ الطرف، ويُهيِّئ الخامس الجزء العلوي منه لاستقبال الرأس؛ ولصُنع رأس دبوس يتطلَّب الأمر عَمليَّتَين أو ثلاث عمليات مستقلَّة؛ ويستدعي تركيبه عملًا منفصلًا، ولتبييضه عمل آخر؛ بل إنَّ وضعه في عبوته عملٌ آخر في حدِّ ذاته … لقد رأيتُ مصنعًا صغيرًا من هذا النوع كان يعمل فيه عشرة رجال فقط، قام بعضهم بإجراء عَمليَّتَين أو ثلاث عمليَّات مُتمايزة. ولكن على الرغم من أنهم كانوا فقراء للغاية؛ ومِن ثَمَّ كانوا يتعاملون مع الآلات اللازمة بلا مبالاة، كان يمكنهم، عندما يبذلون أقصى جهدهم أن يصنعوا نحو اثني عشر رَطْلًا من الدبابيس في اليوم. يحتوي الرَّطْل الواحد على نحو أربعة آلاف دبُّوس من الحجم المتوسط. بناءً على ذلك، فإن هؤلاء الأشخاص العشرة يمكنهم أن يصنعوا فيما بينهم ما يصل إلى ثمانيةٍ وأربعين ألف دبُّوس في اليوم الواحد … ولكن إذا عمل كلٌ منهم على نحو مُنفصِل ومستقل، فبالتأكيد لا يستطيع أيُّ واحدٍ منهم أن يصنع عشرين دبُّوسًا أو ربما لا يستطيع حتى أن يصنع دبُّوسًا واحدًا في اليوم. (مُقتبس في دوجَرتي، ٢٠٠٢: ٥٣)

يُوضِّح مثال مصنع الدبابيس الشهير الذي ساقه سميث أهمية تقسيم العمل وتوزيعه، وهو سبب رئيس في ثراء الأمم التي كتَبَ سميث عنها ببلاغة. وقد توصَّل هنري فورد إلى نتيجة مُشابهة عندما كان يقوم بجولةٍ في مصنع لتعليب اللُّحوم في شيكاجو؛ حيث رأى جثث حيوانات مُعلَّقة على قُضبان حديدية علوية تنتقل من جزَّار إلى آخر. عندما استفسر فورد عن المدة التي قَضَوها في مُعالجة اللحوم على هذا النحو، كان الرد من قبيل، «هكذا كنا نفعَل لسنوات.» ومن هنا أصبح تقليدٌ سارٍ في إحدى الصناعات بمنزلة ثورةٍ هائلة في صناعة أخرى.

كان أشهر الدَّاعين إلى مبدأ الكفاءة هو فريدريك وينسلو تايلور، الذي رصد طرُقًا لا حصر لها لجعْل العمل الذي يُؤدِّيه العُمَّال أكثر عقلانيةً وعلميًّا وقابلًا للقياس الكَمِّي، وكتب عن موضوعي «علم التجريف» و«قانون العمل الشاق»، وهما موضوعان ربما لا تُحقِّق الكتب التي تتناولهما مبيعات كبيرة اليوم، ولكنها في زمن تايلور بشَّرت بعهدٍ جديد من التفكير الإداري. وُلِد تايلور في ٢٠ مارس ١٨٥٦، في عائلة بارزة ميسورة الحال منتسبة لجماعة الأصدقاء الدينية «الكويكرز» في ضاحية من ضواحي الطبقات المتوسطة العُليا تقع في مدينة فيلادلفيا، وعندما كان في سنِّ المراهقة، أصبح مهووسًا بالكريكيت، والتي — كحال لعبة البيسبول — هي لعبة تكون فيها الإحصائيات ومُعدَّلات الضرب أكثر إثارة من اللُّعبة نفسها. ويُقال إنه لم يُدخِّن ولم يشرب الكحول أو الشاي أو القهوة قط. وعندما كان يحضر حفلات رقْص، كان يرسم مُخطَّطات بيانية تُصنِّف جميع الفتيات الحاضرات باعتبارهن جذَّابات أو قبيحات، فحسب وقته بدقَّة بحيث يقضى نصف الوقت في محادثة كلٍّ واحدة منهن.

أصبح تايلور مُهندسًا صناعيًّا يختبر نظريات الوقت والحركة على أرض المصنع بين زملائه في شركة «ميدفيل ستيل» في فيلادلفيا. وكما يشرح ديفيد بويل في كتابه الرائع، «حصيلة التذمُّر: لماذا تجعلنا الأرقام غير منطقيِّين»، كانت تجارب تايلور تسير على نحو أشبه بما يلي:

أولًا، تُحلِّل كلَّ مهمَّة عمل إلى أجزائها الأساسية والحركات الأساسية المُتضمَّنة فيها بقدر الإمكان.

بعد ذلك، تُحدِّد وقتًا لإنجاز كلِّ جزء من تلك الأجزاء باستخدام ساعة ميقاتية لمعرفة مدى السرعة التي يمكن بها إنجاز هذا الجزء من المهمة من جانب العُمَّال الأسرع والأكثر كفاءة.

بعد ذلك، تتخلَّص من أي جُزءٍ غير ضروري من المهمة.

ثم تضيف نحو ٤٠ بالمائة إلى الوقت المُخصَّص للتأخيرات أو فترات الراحة الحتمية. وكان هذا الجزء ما اعتاد أن يُطلَق عليه «القاعدة الأساسية» قبل أن تقتضي فكرة الإدارة العلمية عدم وجود شيء كهذا. وكان هذا الجزء دائمًا واحدًا من الأجزاء الأكثر إثارة للجدل في هذه السلسلة من الإجراءات.

وأخيرًا، تقوم بتنظيم نظام الأجور الخاص بك بحيث يتمكَّن الأشخاص الأكثر كفاءة من كسب المزيد من المال من خلال إنجازهم العمل في التوقيتات المُثلى، في حين يُكافح الأشخاص مُتوسطو الكفاءة لمواكبة مَن هُم أكثرُ كفاءة. (بويل، ٢٠٠١: ٩٣)

فصل تايلور العاطفة عن العمل، وبدلًا من أن يكون العمل «حِكرًا على من يمتلكون المهارة» قُسِّم إلى سلسلة من الخطوات البسيطة، كحال العاملين في مصنع الدَّبابيس الذين رصدهم آدم سميث. كلُّ المميزات الأخرى للجنس البشري، من الإبداع، والمبادرة، والابتكار، وغير ذلك، كان مكانها في موضع آخر في المؤسَّسة، عادةً في نطاق الإدارة العُليا، التي كانت تضطلع «بالتفكير» في الوقت الذي يضطلع فيه العُمَّال «بالعمل». لم يُعزِّز هذا التقسيم وشائج الثِّقة في المصانع التي نُفِّذت فيها أفكار تايلور، ولكنه أدَّى إلى زيادة الإنتاجية، ممَّا أدَّى بدوره إلى زيادة أجر العامل المتوسط. كان تايلور، في النهاية، هو من غيَّر عبارة «العمل بمزيد من الجدية» لتحلَّ محلَّها عبارة «العمل بمزيد من الذكاء».

ومع ذلك، لم تُنفَّذ أفكار تايلور بدون إثارة خلافات ومشاحنات. فقد أظهر كلًّا من المديرين والعُمَّال «بلهاء»، وكانت المعارضة النقابية في ازدياد. وفي عام ١٩١٥، أصدر الكونجرس تشريعًا، استمر العمل به حتى عام ١٩٤٩، حُظرت بموجبه ساعات تايلور الميقاتية في المصانع الحكومية. ومن المثير للاهتمام أنَّ تايلور التقى المهندس فرانك جيلبريث عام ١٩٠٧، والذي كان قد أجرى تحليله الشخصي للزمن والحركة وعلاقتهما بعملية رصِّ الطوب لأغراض البناء، وتمكَّن من زيادة سرعة الرصِّ من ١٠٠٠ إلى ٢٧٠٠ قالب من الطوب في اليوم الواحد. على ما يبدو، كان جيلبريث مهووسًا بساعته الميقاتية أكثر من تايلور، حيث كتب اثنان من أبنائه الاثني عشر في وقتٍ لاحق سيرةً تتناول قصتَه بعنوان «أرخص بكميَّات وفيرة»، الذي تحوَّل في وقت لاحق إلى فيلم في هوليوود مع كليفتون ويب في دور جيلبريث. لو كان تايلور يعتبر شخصًا غريبًا، فإن جيلبريث سيُعدُّ شخصًا أكثر غرابة، على نحو ما يقول بويل مازحًا:

كان جيلبريث مهووسًا بالقياس؛ إذ كان يُحلِّل كلَّ عملية يدوية إلى ما أسماه «ثيربليجز» (وهو مقلوب الاسم جيلبريث). وكان يُزرِّر سترته من أسفل إلى أعلى لأنها تستغرق بذلك وقتًا أقل بأربع ثوانٍ من تزريرها من الأعلى إلى الأسفل. كما اقتطع ١٧ ثانية من وقت حلاقته باستخدامه فُرشَتَين. وباستخدامه ماكينتي حلاقة اختصر ٤٤ ثانية أخرى، ولكن بعد ذلك جرح نفسه واضطرَّ إلى قضاء دقيقتَين أُخريَين يبحث عن اللاصق الطبي. وأخذ معه مُعظم أبنائه في رحلات عمل وتجوَّل معهم بين المصانع، مُدجَّجين بالأقلام وألواح الكتابة، لكن منزلهم في مونتكلير بولاية نيوجيرسي، بدا أشبه بمصانع تايلور:

[وفقًا لأحد أبناء بويل] «قام أبي بتثبيت رسومات العمل ومراحله في الحمامات. وكان على كلِّ ابنٍ من أبنائه يستطيع الكتابة — وكان والدي يتوقع أن يبدأ أبناؤه بالكتابة في سِنٍّ مُبكِّرة — أن يكتُب الأحرف الأولى من اسمه على الرسم البياني في الصباح، بعد أن يكون قد نظف أسنانه، واغتسل ومَشَّط شعره، ورتَّب فراشه. وفي الليل، كان على كلِّ طفلٍ أن يزِن نفسه، وأن يضع الرقم على الرسم البياني، ثم يكتب الأحرف الأولى من اسمه على الرسم البياني مرَّة أخرى بعد أن يُؤدِّي واجبه المدرسي، ويغسل يديه ووجهه، ويُنظِّف أسنانه. أرادَتْ أُمِّي أن يكون لها مكان على الرسم البياني لتلاوة الصلوات، لكن أبي قال إنه بحسب علمه فإنَّ الصلوات عملٌ تطوُّعي.» (المرجع السابق: ١٠٠)

استمرَّ جيلبريث في ذلك حتى انتهى به الأمر إلى إنكار صحَّة دراسات الوقت والحركة مُعتبرًا إيَّاها غير أخلاقية وأنها «لا قيمة لها على الإطلاق». وبالرغم من ذلك، استمرَّ تايلور في تأليف نظرياته على مدى السنين؛ إذ نشرها أخيرًا بشكلٍ سِرِّي في عام ١٩١١ في كتاب «مبادئ الإدارة العلمية» (نشرتها لاحقًا دار نشر «هاربر آند براذرز»). وقد نُسِب الفضلُ إلى نظريات تايلور في مُضاعفة الإنتاج ثلاثة أضعافٍ أثناء الحرب العالمية الثانية، وجعْل قطارات موسوليني تعمل وفق الجداول الزمنية المُحدَّدة في إيطاليا، والهندسة الدقيقة الألمانية وخطط لينين الخمسية، والنَّزعة الاستهلاكية، وغُرَف غاز هتلر (المحرقة)، والقضاء على الشيوعية، كلُّ ذلك بفضل ساعة ميقاتية بسيطة. لا شكَّ أنَّ نظريات تايلور أسهمَتْ في مُعظم هذه الأشياء، وعلى نحو أكثر دقةً أسهمت في بعضها أكثر من البعض الآخر.

وينسب بيتر دراكر الفضل إلى تايلور في صياغة مصطلحَي «الإدارة» و«الاستشاري» (فقد عرَّف تايلور نفسه في بطاقة التعريف بأنه «استشاري إدارة»، وكان يحصل على مبلغ ٣٥ دولارًا أمريكيًّا في اليوم، وهو مبلغ ضخم، مُقابل مُحاضرته التي تستمرُّ عادةً لمدة ساعتَين)، ولكونه أول «المشتغِلين بالمعرفة» في العالم. فقد قال في مُحاضرته، يجب على كلِّ عاملٍ طرح سؤالَين:

يجب على كلِّ إنسان أن يسأل نفسه مرارًا وتكرارًا كلَّ يومٍ، وسنةً بعد أُخرى، سؤالَين. أولًا، «ما اسم الرجل الذي أعمل الآن من أجله؟» وبعد أن يُجيب على هذا، يسأل نفسه السؤال التالي: «ما الذي يُريدني هذا الرجل أن أفعلَهُ الآن؟» وليس «ما الذي يجب عليَّ فِعله لمصلحة الشركة التي أعمل بها؟» أو «ما هي واجبات الوظيفة التي أشغلها؟» أو «ما الذي اتَّفقتُ على القيام به عندما قاموا بتوظيفي هنا؟» أو «ماذا عليَّ أن أفعل من أجل مصلحتي الشخصية؟» بل بوضوح وبساطة، يطرح على نفسه هذا السؤال فحسب: «ما الذي يُريدني هذا الرجل أن أفعله؟» (مقتبس في المرجع السابق: ٩٤)

في شتاء عام ١٩١٤، أُصيب تايلور بالتهابٍ رئوي، وكان في مشفاه ينهض كلَّ صباح من فراشه ليملأ ساعته الثمينة. وفي صباح أحد الأيام، تحديدًا في صبيحة ٢١ مارس ١٩١٥، رأته إحدى المُمرِّضات وهو يملؤها في وقتٍ مُبكِّر على غير عادته، كان ذلك في الساعة ٤:٣٠ صباحًا. وعندما عادت بعد نصف ساعة، كان تايلور قد فارق الحياة، بعد يوم واحد من عيد ميلاده التاسع والخمسين. من الجدير بالذِّكر أنَّ العديد من خبراء الكفاءة كما أطلَقَ عليهم وافتْهُم المنية مُبكِّرًا، مما يجعلك تتساءل ماذا كان هدفهم بالضبط من توفير كلِّ هذا الوقت؟

(٢) فريدريك تايلور يقتحم المهن

رون: اجتاح بحث تايلور عن «الطريقة المثلى» للاستفادة من العمالة والمواد بفعالية والتحكُّم في الإنتاجية (دون التطرُّق كثيرًا لرصْد التكاليف المالية بالمستوى نفسه) جميع مُستويات المؤسَّسات الاقتصادية والاجتماعية في العالم. ففي كُتيِّبها الدعائي لعام ١٨٩١ أعلنت شركة «إلكتريك سيجنال كلوك»، عن ساعة زمنية تُسمَّى «أوتوكرات» أو الحاكِم المُطلَق، عدَّدت لها هذه الفوائد:

تُعطي دقة كتلك المطلوبة في الحياة العسكرية، وتُكسِب الرُّوح العملية والسرعة والدقة أينما اعتُمِدت. فالمدرسة أو المكتب أو المصنع الذي يستخدم هذا النظام لا يقَعُ تحت رحمة مُراقِبِ الوقت البشري أو غيره من المُعرَّضين للسَّهو والنسيان؛ إذ إن الساعة المكتبية هي التي تُعطي التوقيت القياسي للمصنع [حيث تُقدِّم للإدارة والمشرفين وسيلةً لتوسيع نطاق إجراءاتهم التأديبية بما يتجاوَزُ رؤيتهم].

أشار كتالوج عام ١٩١٤ لشركة «إنترناشيونال تايم ريكوردينج» [التي أصبحت لاحقًا شركة أي بي أم الشهيرة] إلى أنَّ الساعات الزمنية «ستوفِّر المال، وتُحقِّق الانضباط وتزيد من وقت الإنتاجية». كما أنَّ الوقت المسجَّل يؤدِّي إلى الالتزام بالمواعيد من خلال غرْس قيمة الوقت في كلِّ فرد. (ليفين، ١٩٩٧: ٦٧-٦٨)

تجلَّت نظريَّات تايلور في شركات الخدمات المهنيَّة في سِجلِّ ساعات العمل. فجنبًا إلى جنب مع مُعادلة «دو بونت» للعائدات على الاستثمار، بدأت شركات المُحاماة في وقتٍ مُبكِّر من عام ١٩٤٥ باستخدام سجلَّات ساعات العمل كوسيلة لمُراقبة التكاليف والدخل الصافي المنشود من كل مشروع، كما هو مُوضَّح في الفصل التاسع. وعلى الرغم من أنَّ سجلَّات ساعات العمل كانت في الأصل قد اعتُمِدت باعتبارها إجراءً من إجراءات مُحاسبة التكاليف، فإنها سُرعان ما تحوَّلَت إلى أداةٍ لقياس إنتاجية المهني، ثم في نهاية المطاف، لتسعير الخدمات المهنيَّة.

سيُقدِّم هذا الفصل سجلَّات ساعات العمل لمحاكمة حاسمة. في الشركات المهنية اليوم، يخدم سجل ساعات العمل أغراضًا مُتعدِّدة، على الأقل وفقًا لأشدِّ المُدافعين عنه. فأولًا وقبل كلِّ شيء، هو أداة تسعير، تسمح للشركة بتتبُّع العمل في أيِّ مهمة وتحديد السعر وفقًا لذلك. بالطبع هذا ليس إلَّا أثرًا من آثار نظرية ماركس المعروفة باسم نظرية قيمة العمل. وثانيًا، يُستخدَم الجدول الزمني لقياس «إنتاجية» أعضاء الفريق و«فعاليَّتهم» والتحكُّم في سير العمل. وثالثًا، تُستخدَم «لمحاسبة التكاليف» — أو بحدٍّ أقلَّ في تقدير التكاليف المُعتمِدة على النشاط — من أجل تحديد ربحيَّة أي عميلٍ أو عمل.

لدينا شكوك جِدِّية حول كون سجلَّات ساعات العمل هي الأداة الأكثر فعالية لجميع هذه المقاصد، ولقد فكَكْنا بالفعل الارتباط بين الوقت والتسعير. بعد ذلك نُريد مواجهة الدِّفاعَين الآخرين وتقديم نظام قياس بديل — يُعرَف باسم المؤشرات الرئيسة للأداء — ليحلَّ محلَّ سجلَّات ساعات العمل. لكن قبل أن نصل إلى هذه النقطة، دَعُونا نتَّخذ مُنعطفًا تاريخيًّا آخر مهمًّا ونشرح كيف أقدَمَت مهنة الاقتصاد على الانخراط في أعمال الإحصاء والقياس.

(٣) اقتصاديُّون يطرحون نظريات

رون: بينما كانت المدارس والشركات تعمل على تطبيق نظام الساعات الميقاتية وإجراء دراسات الوقت والحركة، وكانت شركات الخدمات المهنية تشرع في استخدام سجلَّات ساعات العمل، لمساعدتها في تطبيق نظريات تايلور، وكانت مهنة الاقتصاد في أرجاء العالم تعكف على تطوير محاسبة إحصائية فيما يتعلَّق بالدخل والناتج القومي لقياس الاقتصاد الكلي. في الولايات المتحدة، في أوائل الأربعينيات من القرن العشرين، صاغ سايمون كوزنتس (١٩٠١–١٩٨٥)، وهو اقتصادي روسي الأصل، وأستاذ بجامعة هارفارد، مُصطلح إجمالي الناتج القومي (المعروف الآن باسم إجمالي الناتج المحلي). وقد فاز في عام ١٩٧١ بجائزة نوبل لجهوده الرائدة في مجال الإحصاء فيما يتَّصل بالدخل القومي.

حالما شرَعْنا في قياس الأداء الاقتصادي لاقتصاد وطني ما، كانت الخطوة المنطقية التالية هي البَدْء في «التنبُّؤ» بأداء ذلك الاقتصاد. ومن أجل القيام بذلك، كان على الاقتصاديِّين ابتكار عدد كبير من المؤشرات الاقتصادية لقياس اتِّجاه الاقتصاد، عن طريق فحص وضْعه حينذاك. لا يُوجَد مبرر لمناقشة كيفية ظهور هذه المؤشرات، أو حتى صلاحيتها. على العكس، سنُركِّز على الغرض الذي تخدمه وكيف أن هناك مؤشرات مختلفة لأغراض مختلفة.

تُعطي المؤشرات الاقتصادية لمحةً عن حالة الاقتصاد. وعلى غرار الطريقة التي يفحص بها الطبيب مؤشراتك الحيوية، قد يفحص الخبير الاقتصادي المؤشرات الحيوية للاقتصاد من خلال النظر إلى إجمالي الناتج المحلي أو مؤشِّر أسعار المستهلك أو معدَّل البطالة. وعلى عكس المحاسبين الإداريين والمدقِّقين الحسابيين الذين يميلون إلى التركيز على مؤشرات متأخِّرة — مثل التقارير المالية للشركة — فإن الاقتصاديِّين لم يبتكروا «مؤشرات متأخِّرة» فحسْب، بل ابتكروا أيضًا «مؤشِّرات موجهة ومتزامنة». تُشير هذه المصطلحات إلى توقيت نقاط التحوُّل في المؤشرات المتعلِّقة بدورة الأعمال التجارية:
  • تتوقَّع «المؤشرات الموجهة» الاتجاه الذي يتَّجِه إليه الاقتصاد.

  • تُوفِّر «المؤشرات المُتزامِنة» معلوماتٍ حول الوضع الحالي للاقتصاد.

  • تتغيَّر «المؤشرات المُتأخِّرة» بعد أشهر من حدوث انكماشٍ أو تحسُّنٍ في الاقتصاد.

وفيما يلي الأنواع المُختلِفة من المؤشرات، التي قدَّمَتْها في الأساس وزارة التجارة ويُقدِّمها الآن مجلس المؤتمرات الذي يُديره القطاع الخاص، تلك المؤشرات التي تستخدمها الحكومة والمؤسَّسات الأخرى لقياس مجموع النشاطات الاقتصادية، وللتَّعرُّف على الوضع الاقتصادي الحالي والمستقبلي:

مؤشرات مُوجهة تتنبَّأ بدورة العمل

متوسط ساعات العمل الأسبوعية (مجال التصنيع).
طلبات إعانة البطالة التي تُقدَّم لأول مرة.
الطلبات الجديدة للسلع والمواد الاستهلاكية.
أداء البائعين.
طلبات المنشآت والمُعدَّات.
تصاريح الأبنية الجديدة المتعلِّقة بالوحدات السكنية الخاصَّة.
التغيُّر في المخزون السِّلعي.
أسعار المواد الحسَّاسة.
أسعار الأسهم (وفقًا لمؤشر ستاندرد آند بورز ٥٠٠).
المعروض النقدي (النقد المتداوَل/النقد المتداوَل + الودائع الادِّخارية + الصناديق المشتركة وخلافه).
التغيُّر في مديونية المستهلك.

المؤشرات المُتزامِنة: تعمل في تَزامُنٍ مع دورة العمل

عددُ الموظفين المُقيَّدين في كشوف الأجور غير الزراعية.
الإنتاج الصناعي.
الدخل الشخصي مطروحًا منه المدفوعات المُحوَّلة.
حجم مبيعات التصنيع والتجارة.
نسبة العَمالة المدنية إلى عدد السُّكان.
إجمالي الناتج المحلي.

مُؤشِّرات مُتأخِّرة: تتْبَع التغيُّرات الحادثة في دورة العمل

مُتوسِّط فترات البطالة.
مخزونات التصنيع والتجارة.
قروض تجارية.
النسبة بين مديونية المستهلك والدخل الشخصي.
التغيُّر في تكلفة العمالة لكلِّ وحدةٍ إنتاجية في مجال التصنيع.
أسعار الفائدة قصيرة الأجل.

هذا ليس معناه أن الاقتصاديِّين يستطيعون «التنبُّؤ» بالمستقبل، بل على العكس من ذلك. فهذه المؤشرات، كما أشار البعض، فشلت في التنبُّؤ بأيٍّ من فترات الركود الأمريكية الثلاث الأخيرة. وتؤكد وقائع كثيرة من التاريخ الملاحظة القائلة أنه لا يُمكن لأحدٍ التنبُّؤ بالمستقبل. (للاطِّلاع على كتابٍ رائع يتطرَّق لهذا الموضوع، انظر: «الخبراء يتحدَّثون: المُلخَّص الواضح للتضليل الموثوق فيه» لكريستوفر سيرف وفيكتور نافاسكي، من معهد دراسة الخبراء، والذي غرضه الوحيد هو جمع التنبُّؤات من أشخاص بارزين ونشرها للأجيال القادمة. هناك دعابة قديمة تقول: لماذا خلق الله الاقتصاديين؟ الجواب: حتى يبدو المُتنبِّئون بالطقس في صورة جيِّدة). لا شكَّ أنَّ هذه المؤشرات قد وسَّعت من معرفتنا بآلية عمل اقتصادٍ ما، بل قد تُقدِّم دليلًا على اتجاهه، ولكنَّها لا تزال تشتمل على خُلاصةٍ من المتوسِّطات، والمُتوسِّطات قد تكون مُضلِّلة للغاية؛ ففي المتوسِّط مثلًا، كلُّ شخصٍ في الولايات المتحدة لديه خِصية واحدة. علاوةً على ذلك، فإنَّ النقاش حول المؤشرات التي ينبغي استخدامُها لا تزيد بأي حالٍ عن كونها نظريات. ففي حين يُركِّز الاقتصاديُّون الكينزيون (نسبة إلى كينز) على مؤشرات جانب الطلب، يهتمُّ أتباع المدرسة النقدية بتأثير المعروض النقدي؛ فيما يركز مؤيدو اقتصاديات جانب العرض على الاستثمار في الأعمال التجارية، ونموِّ المشروعات واستثمارات رأس مال المخاطرة والإنتاج.

الشيء الذي تُعلِّمنا إياه هذه المؤشرات هو كيفية وضع نظرية حول الاتجاه الذي يسير فيه اقتصادٌ ما. تَذكُر من الفصل الثاني أنَّ النظرية يجب أن تكون قادرة على تفسير نتائج أو سلوكياتٍ مُعيَّنة أو توقُّعها أو وصْفها. والمؤشرات المذكورة هنا هي مُجرَّد نظريات قابلة للاختبار على أرض الواقع لمعرفة مدى نجاحها في تحقيق هذه الأهداف الثلاثة. فإذا ثبَتَ عدم صحة هذه النظريات، يجري مُراجعتها واختبارها مرة أخرى. لقد وضع تايلور نظريات حول الكفاءة اختُبرت في مؤسَّسات في جميع أنحاء العالم، وتأكَّدَتْ صحَّتُها. وإنها لَمهمَّةٌ أسهلُ بكثيرٍ أن نضع مجموعة من المؤشرات لمشروع تجاري لا من أجل اقتصاد بأكمله.

مع ذلك عندما يدرُس المرء المؤشرات الرئيسة في عالم الأعمال، لا سيما المؤشرات التي يهتمُّ بها المحاسِبون، يجِد أنها مؤشرات مالية مثل الميزانية العمومية وبَيان الدخل وبيان التدُّفقات النقدية. وهذه أمثلة لمؤشرات مُتأخِّرة أو لاحِقة؛ إذ تُقدِّم تقارير عن وضع المشروع التجاري حاليًّا. قد يُفيدُ هذا أو لا يُفيد في تحديد الوجهة التي يسير نحوها المشروع التجاري. يمكن للقوائم المالية اللَّحظية أن ترتقي إلى مستوى المؤشرات المتزامِنة، لأنها ستتعقَّب الأداء الحالي. ولكن ما يجب على كلِّ شركةٍ تطويره هو مجموعة من المؤشرات المُبكرة التي ستُمكِّنها من فهم الوجهة التي يتَّجِه نحوها المشروع التجاري.

(٤) المُحاسَبة ليست نظرية

رون: يتطلَّب ابتكار مؤشرات مُوجهة وضع مجموعةٍ من النظريات القابلة للتفنيد، يُمكن أن تُجرِّبها الشركة لتحديد العلاقة بين تلك المؤشرات والأداء المالي المستقبلي. مهنة المحاسبة ببساطةٍ لم تأخذ زمام المبادرة في هذا المجال. ويمكن تفسير سبب هذا من خلال دعابة قالها طالب دراسات عليا في علم الاقتصاد:

في أحد الأيام في محاضرة الاقتصاد الجزئي، كان الأستاذ يكتب «الافتراضات الأساسية» المعتادة استعدادًا لشرح نموذج جديد. التفتُّ إلى صديقي وسألته: «كيف سيكون علم الاقتصاد بدون افتراضات؟» فكَّر للحظةٍ ثم أجاب: «علم المحاسبة».

«المحاسبة ليست بنظرية»، وعلى الرغم من حقيقة أن اختبارات المحاسبين القانونيين تختبر الطلاب في النظرية المحاسبية، فإنَّ مبادئ المحاسبة ليست نظرية. إنها ببساطة مجموعة من الإرشادات والقواعد والإجراءات التي تهدف إلى قياس العناصر المالية، مثل الأصول والالتزامات والإيرادات والمصروفات، التي ترتكِز على مُسلَّمات مثل الملاءمة والموثوقية والأهمية المادية. فهل من عجبٍ أنَّ مهنة المحاسبة لم تأخُذ زمام المبادرة في حركاتٍ مثل بطاقة الأداء المتوازن، أو المُراجعات الاجتماعية والبيئية، التي تحاول النظر إلى مؤشرات أكثر من مُجرَّد المقاييس التاريخية للأداء المالي؟ ومع ذلك، يجب على كلِّ فريق إداري ابتكار مجموعة من المؤشرات المبكرة يمكنه استخدامها لقيادة الشركة في الاتجاه الصحيح نحو الربحية والتميُّز.

جرِّب هذه التجربة الذهنية. تخيَّل أنك المدير التنفيذي لشركة «كونتيننتال إيرلاينز»: ما المؤشرات المُوجِّهة التي ترغب في الاطلاع عليها يوميًّا أو حتى كل ساعة أو أقصر من ذلك لتحديد ما إذا كانت الشركة ستُحقِّق ما تصبو إليه من نقل المسافرين حول العالم على نحوٍ مُربِح؟ من السهل نسبيًّا وضع مؤشرات مُتأخِّرة، مثل الرِّبح، والإيرادات لكلِّ مُسافر بالميل، والتكلفة لكلِّ مُسافر بالميل، وتكرار الحجز من جانب العملاء، والأميال المُتراكمة من السفر الدائم، وما إلى ذلك. ولكن هذه المؤشرات مُتأخِّرة، ولن يتمكَّن جميع الموظفين من التحكُّم في هذه النتائج على أساسٍ يومي. كيف سيتغيَّر سلوك عُمَّال نقل الحقائب عند علمهم بحجم حمولة الطائرة الشهر الماضي؟

يمكنك بالتأكيد وضع مؤشرات «مُتزامنة»، من خلال التتبُّع اللَّحظي لجميع المؤشرات المُتأخِّرة المذكورة آنفًا. ولا شكَّ أن شركات الطيران تقوم بذلك داخليًّا إلى حدٍّ ما. ولكن ذلك لا يُساعد بالضرورة طاقم الطائرة، أو عُمَّال نقل الحقائب، أو مُقدِّمي خدمات الطعام على تحقيق أهداف وغايات شركة الطيران. إن ما نحتاجه هو مُؤشِّرات مُوجِّهة لها بعض القدرة «التنبُّؤية»؛ بعبارةٍ أخرى، إنهم يتوقَّعون النتائج المالية لشركة «كونتيننتال». في كتابه «من الأسوأ إلى الأفضل: ما جرى خلف كواليس العودة المُذهلة لشركة كونتيننتال»، يشرح جوردون بثيون كيف أنه استطاع أن يُدير شركة الطيران الفاشِلة (التي كانت قد قدَّمت طلبًا للإفلاس مرَّتَين حسب الفصل السابع من القانون خلال العقد الماضي) بين فبراير ١٩٩٤ و١٩٩٧، ليُحوِّلها إلى واحدةٍ من أفضل شركات الطيران وأكثرها ربحيَّة. إنها قصة رائعة، وهي تُوضِّح أهمية استخدام مؤشرات الأداء الموجِّهة الرائدة لتركز المنظمة بأكملها على غرضها ورسالتها. يتَّبِع بثيون في الأساس ثلاثة مؤشرات أداء مُوجِّهة بصفةٍ يومية:
  • الوصول في الوقت المُحدَّد.

  • الأمتعة المفقودة.

  • شكاوى العُملاء.

كانت شركة «كونتيننتال» تتذيَّل القائمة وفق هذه المؤشرات، والتي تقيسها وزارة النقل أيضًا. حلَّل بثيون المشكلات — التي كانت كثيرةً — واكتشف أنَّ ثقافة الشركة كانت تُركِّز على خفض التكلفة حسب الأميال لكل مقعد (المقياس القياسي للتكلفة في مجال خطوط الطيران). لقد خفَضَت التكاليف بقدرِ ما تستطيع ومتى أُتيحَت الفرصة، بتعبئة الطائرات بمزيدٍ من المقاعد، وتقليص كميات الطعام والشراب، ودفْع رواتب هزيلة للموظفين، وما إلى ذلك. واعتقدت أن مهمَّتَها هي خفض التكاليف؛ ولكن كما أوضح بثيون باستمرار، «نحن لسنا في مجال الأعمال لتوفير المال، بل لتقديم مُنتج جيد … يمكنك صُنع البيتزا بتكلفةٍ رخيصة جدًّا لدرجة أنه لن يرغب أحد في أكلها. ويُمكنك أن تُقدِّم خدمات طيران بتكلفةٍ رخيصةٍ جدًّا لدرجة أن لا أحد سيرغب في أن يُسافر على متنها» (بثيون، ١٩٩٨: ١٢٣، ٥٠). ثمة فرق هائل بين التحكُّم في تكاليف الخدمة وبين كونها رخيصة. يجب أن يُستثمَر النشاط التجاري فيما يُقدِّم قيمةً للعملاء.

يعود بنا هذا إلى مفهوم التسويق لدى بيتر دراكر القائل إنَّ الغرَض الوحيد من النشاط التجاري هو تكوين ثروة لعملائه، وليس مُجرَّد تحقيق الكفاءة. إن ما يجعل المؤشرات الثلاثة التي سرَدْناها للتوِّ مُوجِّهة أنها تقيس النجاح بالطريقة نفسها التي يقيسه بها العميل. وهذا أمر بالغ الأهمية؛ لأنَّ نجاح أيِّ نشاطٍ تجاري في نهاية المطاف هو نتيجة لعودة العملاء الذين لديهم ولاءٌ له. بعبارة أخرى، الرِّبح هو مُؤشِّر مُتأخِّر لما هو موجود في قلوب وعقول عملائك. المؤشر المُوجِّه، بحكُم التعريف، يجب أن يقيس النَّجاح بالطريقة نفسها التي يقيسه بها العميل. لن يظهر أيٌّ من المؤشرات الثلاثة في قائمةٍ مالية، ولكن كما تعلم شركات الطيران على مرِّ السنين — من خلال اختبار النظرية — فإنَّ لها ارتباطًا تنبُّؤيًّا بالأرباح. من المُرجَّح أن يكون أي مؤشر يمكن الحصول عليه من قائمة مالية مُؤشِّرًا مُتأخرًا أو مُتزامنًا في أفضل الأحوال؛ نظرًا لأنَّ مُعظم المؤشرات الرئيسة غير مالية في طبيعتها. والنقطة المهمة الأخرى حول المؤشرات الثلاثة هي أنَّ كلَّ موظف في شركة «كونتيننتال» يمكنه التأثير على نتائج أي موظف آخر، من عمَّال نقل الأمتعة وأطقُم الرحلات إلى وكلاء البوابات وموظفي الحجوزات. يجدُر بنا أن نقتبس من بثيون هذه النقطة الحيوية:

قبل أن أعمل في شركة «كونتيننتال»، أرادت الشركة أن تكون شركة طيران ناجحة. لكنها كانت تقيس شيئًا واحدًا فقط: التكلفة. وهذا ما جعل «كونتيننتال» شركة طيران تعمل بتكلفةٍ مُنخفِضة، وكانت تدفع لموظفيها أجورًا دون المستوى، وتُقدِّم مُنتجًا سيئًا بحق. لم يكن هذا ما يُريده عملاؤنا. (المرجع السابق: ٢٣٣)

لا تنسَ أن شركة «كونتيننتال» حصلت على ما بدا أنها تُريده في ذلك الوقت: فمن خلال قول إنَّ التكلفة هي ما حدَّدت نجاحها، فإنَّ إدارة شركة «كونتيننتال» قد جعلت الجميع يُركِّزون على التكلفة. ولكن تبيَّن أن هذا هو الشيء الخطأ الذي ما كان يجدُر التركيز عليه، ولم يكن بمقدورهم أن يفهموا هذا. كان خفْض التكلفة هو ما ركَّزوا عليه، وما قاموا بقياسه؛ إذ كانوا يعتقدون ببساطة أنه سيؤدي إلى النجاح بطريقة ما. لهذا السبب، حتى قبل أن تستسلم للفشل حتى عندما كانت لا تزال تحاول بذل قصارى جهدها، لم تتمكَّن شركة «كونتيننتال» ببساطةٍ من العثور على مفتاح النجاح؛ لأنَّ المفتاح لم يكن في خفض التكلفة، وهو الشيء الأساسي الذي كانت تُركِّز عليه شركة «كونتيننتال». (المرجع السابق: ٢٣٣)

عندما نبحث عن أهداف لشركةٍ بأكملها، نحرص على أن يكون مُوظَّفونا على دراية بما نَصبُو إليه، ألا وهو: وصول الطائرات في أوقاتها المُحددة، وليس مُجرَّد تحقيق عائدٍ مُعيَّن على الاستثمار. فالأهداف مثل صافي أصول مُعيَّنة أو مُعدَّلات الدَّين أو نِسَب الفائدة تصلح لأعمال المحاسبين، كما أنَّ السعي إلى إصلاح عددٍ مُحدَّد من المحركات أو تقليل عدد الثواني قبل الردِّ على الهاتف هي أهداف مُحدَّدة لإداراتٍ مُعيَّنة. ولكن عندما يتعلَّق الأمر بالشركة بأكملها، فإنَّنا بحاجةٍ إلى هدفٍ على مستوى الشركة؛ شيء يمكن للموظفين تحديده على الفور. (المرجع السابق: ٢٠٨)

رغم خطورة الإفراط في تبسيط الأمر، فإنَّ هذا هو الأساس في إدارة مشروع ناجح. عليك أن تُقرِّر ما الذي يصوغ النجاح. إذا اعتبرتَهُ مُسابقة للصيد، فهل الأفضل محاولة اللَّحاق بأثقل الأسماك وزنًا أم أطولها؟ وإذا كان لعبةَ بيسبول، فما الذي يجعلك تُفوِّت الضربة وما الذي يجعلك تُحرز نقطة؟ وإذا كانت شركة طيران، فما المؤشرات الدالَّة على أنها تؤدِّي أداءً جيدًا؟ عليك أن تشرح للأشخاص الذين يعملون معك ما هي تلك المؤشرات، ويجب عليهم أن يتقبَّلوا ذلك. عليك قياس ذلك، وإخبارهم بكيفية قياسه. وعليك أن تُكافئهم إذا نجحوا. هذا كلُّ ما في الأمر. (المرجع السابق: ٢٣٢)

إنَّ موظفيك أذكياء جدًّا. إنهم يُولون اهتمامًا شديدًا لما ترغب فيه. وما تقيسه وتكافئ عليه، سيفعلونه. لذا، حتى لو حدَّدتَ معايير النجاح الصحيحة، لكنك قِستَ وكافأتَ على الشيء الخاطئ، فإنَّ الموظفين سيكتشفون ما تقيسه وسيُنفِّذونه لك. إذا كُنَّا قد قُلنا إنَّ هدفنا هو أن نكون شركة طيرانٍ كبيرة تصِل طائراتها إلى وجهاتها في الوقت المُحدَّد وتُعامِل عملاءها كما ينبغي، فقد قُلنا أيضًا إنَّنا سنقيس التزامنا بذلك عن طريق التحقُّق عن كثبٍ من الإقبال والتأكُّد من اتِّباع الموظفين لقواعد دليل الموظفين بكلِّ حذافيره [الذي أحرَقَه بثيون في الباحة المُخصَّصة لوقوف السيارات، عندما أصبح الرئيس التنفيذي]. بهذا سنكون قد حقَّقنا أفضل هدفٍ في العالم، لكن سينتهي بنا الأمر مع موظفين مُلتزمين فقط بدليل الموظفين. ولربما أدَّى ذلك إلى رداءة خدمة شركتنا. (المرجع السابق: ٢٣٤)

هذه واحدة من أكثر المشكلات شُيوعًا في الشركات. فالشركات تفشل لأنها تُريد الأشياء الصحيحة ولكنَّها تقيس الأشياء الخاطئة؛ أو أنها تقيس الأشياء الصحيحة بطريقة خاطئة، مما يؤدِّي إلى الحصول على نتائج خاطئة. تذكَّر جيدًا؟ نجاحك هو ما يراه عملاؤك نجاحًا. (المرجع السابق: ٢٣٣)

من الواضح أنَّ مؤشرات الأداء الرئيسة لصناعة الطيران سوف تتطوَّر بمرور الوقت؛ لأنها تعتمد على توقُّعات العملاء، والتي تتسم بالديناميكية وليست ثابتة. ونظرًا لأنَّ مؤشرات الأداء الرئيسة نظرية في حقيقتها، يجب اختبارها ومحاولة دَحْضها باستمرار، كما يجب تطويرها لتُواكِب ظروف السوق المتغيِّرة. تلك المؤشرات الرئيسة للأداء ليست حاسمة فقط للإدارة الداخلية، ولكنها أيضًا تتحول إلى معلومات تُفيد المستثمرين الخارجيين والأطراف الخارجية الأخرى التي تهتمُّ بتقييم صحَّة واتجاه العمل. فقد بدأت أطراف ثالثة في المطالبة بمعلومات عن رضا الموظفين والعملاء، ومقاييس النجاح في المبيعات والتسويق، وقيمة العلامة التجارية، والنسبة المئوية للإيرادات المُتحقِّقة من المنتجات الجديدة المعروضة، وعدد براءات الاختراع التي يُحصَل عليها، ومجموعة من القياسات الأخرى التي لا يمكن للمرء أن يَجِدها في القوائم المالية للشركة.

وما يجَعْل المهمَّة أكثر صعوبة، لن تستخدم أيُّ شركتَين مؤشرات الأداء الرئيسة نفسها، على الرغم من إمكانية وضع معايير مُعيَّنة للصناعة الواحدة، مثل معايير «تريبل كراون» التي نوقشت من أجل مجال شركات الطيران. وقد ابتكَرَت شركة «ديل كمبيوتر»، على سبيل المثال، «لوحة تحكُّم» للعميل تقيس ثلاثة عوامل نجاح حاسمة لنشاطها التجاري وهي تلبية الطلب، وأداء المنتج، ودعم الخدمة. هذه العوامل الحاسمة للنجاح يُشار إليها أحيانًا بأنها لوحة تحكُّم؛ لأنها تخدم الغرض نفسه الذي تخدُمه لوحة عدَّادات السيارة؛ فهي تُبلغ السائق بالقياسات الرئيسة التي يرغب في مُراقبتها باستمرارٍ والضرورية للحفاظ على استمرارية حركة السيارة إلى الأمام: التزويد بالوقود، والسرعة، وعدد الدورات الكاملة للمُحرِّك في الدقيقة، ودرجة الحرارة، وضغط الزيت، وما إلى ذلك.

تَعتبِر شركة «لكزس» أن تكلفة الملكية الدائمة للسيارة مؤشِّر أداء رئيس للعميل، وتعمل بجدٍّ لتخفيض تكاليف امتلاك سياراتها مدى الحياة، وهو ما يتحقق عن طريق استخدام أجزاء عالية الجودة في تصميمها وتطوير برنامج للسيارات المُستعملة المعتمدة يُتيح للتجَّار تجديد السيارات المُستعمَلة وتقديم ضمان الشركة المُصنِّعة لما يصِّل إلى ١٠٠ ألف ميل، ومِن ثَمَّ زيادة قيمة إعادة البيع لسيارات لكزس، مِمَّا يُقلِّل من تكلفة الملكية الدائمة للعملاء. الشركة الأم للسيارة «لكزس»، وهي شركة «تويوتا»، تستخدم أيضًا تكلفة الملكية الدائمة هذه كمؤشر أداء رئيس.

قبل أن نمضي قُدُمًا، ضعْ في اعتبارك أنه لكي يكون مؤشر الأداء الرئيس مُؤشِّرًا مُوجِّهًا، يجب أن يكون تعريفه للنجاح يتطابق مع تعريف العميل له.

(٥) الساعة ١٢:٤١ صباحًا: هل تعلم أين طرْدُك، ومُحاسبك القانوني؟

رون: إنه التاسع من سبتمبر لعام ٢٠٠٢، حيث سيُغادر مُحاسبان قانونيَّان ظهرًا من مَطارَين مختلفين في منطقة خليج سان فرانسيسكو ويلتقيان في مطار ممفيس الدولي، بولاية تينيسي، في تمام الساعة العاشرة مساءً. وفي تمام الساعة العاشرة والنصف مساءً، سيلتقيهما كارل، مدير قسم الجودة وتحسين الأداء، في شركة «فيدكس». وبينما يأخُذان جولة بالسيارة حول موقف السيارات ويقتربان من مبنى شركة «فيدكس» الواقع على مساحة ٤٠٠ فدان، إذا بهما يُفاجآن بهذا الحجم الهائل للمبنى. يدخُلان المبنى في الساعة ١١:١٥ مساءً، ويستقبلهما بالترحيب الحارِّ مُمثلو شركة «فيدكس» من كل الأقسام، مع إعطائهما شارات أسماء خاصة بالضيوف، ثُمَّ يمُرَّان عبر أجهزة الكشف عن المعادن — فهو مطار في النهاية — ثم إلى مركز شركة «فيدكس» الرئيسي.

في تلك الليلة، ستهبط نحو ١٧٤ طائرة في مطار ممفيس قادِمة من شتَّى أرجاء العالم؛ حيث يقوم ٩٠٠٠ من أعضاء فريق شركة «فيدكس» بتفريغ وترتيب وإعادة تحميل ما بين ١٫٢ و١٫٥ مليون طرد. كل هذا العمل سيحدُث في الفترة بين ١٠:٣٠ مساءً و٤:٤٥ صباحًا، في عرضٍ رائع للتنسيق والكفاءة وحُسن التوقيت والفعالية. سيُستخدَم أكثر من ٤٠٠ ميل من الأحزمة الناقلة لفرْز الطرود، في أثناء مُرورها على الماسِحات الضوئية الليزرية التي تلتقِط كمًّا هائلًا من المعلومات، مثل عنوان الوجهة الذي يُوجَّه إليه كل طردٍ من «الفرز الأساسي» إلى ناحية «الفرز الثانوي». وتظهَر لوحات الفيديو الإلكترونية في كل مكان لتُظهِر العدَّ التنازُليَّ والأوقات المُتوقَّعة المختلفة التي يجب أن يجري فيها تحميل الطائرات لتحقيق أهداف التسليم في الوقت المحدَّد (الحديث هنا عن المؤشرات الموجهة). يُشاهد المحاسبون القانونيُّون غرفة التحكُّم المركزية؛ حيث تُحسبُ كل الأوقات التقديرية وتُتابَع وتُحَلُّ جميع المشكلات.

في وقت ما بعد الساعة ٤ صباحًا تُحمَّل الطائرات وينتظر الطيارون الإذن من مركز التحكم. وفي غضون ٩٠ ثانية تتدفَّق أسراب الطائرات إلى الجو، كل طائرة لوجهتها، لتفريغ طرودها وتحميلها على أسطول من ٥٠٠ ألف سيارة عبر أنحاء العالَم وتُحمَل باليد إلى وجهاتها. يمرُّ نحو نصف الحجم الإجمالي لشركة «فيدكس» عبر مركز ممفيس، بينما تُعالَج نسبة اﻟ ٥٠ بالمائة المتبقية من العمليات في مراكز صغيرة في جميع أنحاء البلاد.

إنه تفعيل لبيان القيمة لدى شركة «فيدكس» الذي يرتكز على «الموظفين – الخدمات – الأرباح» كل ليلة. وبينما يُتابع المحاسبان جولتهما، يمُرَّان بجانب الطائرات فيُلاحِظ أحدهما أسماءً كُتبت أسفل نوافذ الطيارين على كلِّ طائرة، فيسأل إذا ما كانت هذه الأسماء الأولى للطيارين، وكانت الإجابة بلا، بل هي أسماء اختِيرت بالاقتراع في فعاليَّات طلاء الطائرات التي يحقُّ لكلِّ موظفٍ في «فيدكس» أن يُشارك فيها، وعند طلاء كلِّ طائرة، يُكتَب عليها اسمٌ جديد وتُنسَب الطائرة لصاحب ذلك الاسم الذي يكون عادة طفلًا لأحد أعضاء فريق شركة «فيدكس». يتساءل المحاسب كيف يكون شعور طفلٍ في العاشرة عندما يكون اسمه مكتوبًا على طائرة لشركة «فيدكس»!

مُعظم أعضاء الفريق المكون من ٩٠٠٠ موظف يعملون بدوامٍ جُزئي، ولديهم وظائف في أماكن أخرى. ومع ذلك، تُوفِّر لهم شركة «فيدكس» مزايا تُعادِل مزايا العمل بدوامٍ كامل مثل التأمين الصحي ومعاش التقاعُد ونظام المزايا المحدَّدة (على سبيل المثال، يعمل المرشد السياحي المرافق للمُحاسبين خلال النهار لدى شركة غير ربحية، وقال إنَّ العمل لدى «فيدكس» كان بمنزلة «التقاعُد» بالنسبة له).

إنه بالفعل مشهد مُدهش؛ لقد قطعت فيدكس شوطًا كبيرًا منذ اليوم الأول لانطلاقها في ١٢ مارس ١٩٧٣، عندما كان لديها ستَّة طرود فقط لتسليمها؛ أربعة منها كانت من مندوبي المبيعات الذين يختبرون النظام، واثنان فقط من عُملاء يدفعون المقابل. لم يكن ذلك سيئًا بالنسبة لفريد سميث، وهو الشخص الذي حصل على تقدير «مُتوسِّط» في بحثه الأكاديمي الذي اشتمل على تلك الفكرة لشركة «فيدكس».

لسنوات عديدة، عملت شركة «فيدكس» بقاعدة نسبة ٩٥ بالمائة، وهو منحنًى أظهر أنَّ تحسين التسليم في الوقت المُحدَّد بنسبة دقَّة أعلى من ٩٥٪ سيكون باهظ التكلفة وسيتطلَّب سعرًا غير مقبول من غالبية عُملائها، كما أنَّ مُراعاة الدقَّة في توصيل الطرود بنسبةٍ أقل من ٩٥ بالمائة لن يكون مقبولًا أيضًا بالنسبة للعميل، لذا كان يُعتقَد أن ٩٥ بالمائة هي نسبة الدقَّة المُثلى للعمل، وذلك في كلا جانبي الربحية وخدمة العملاء. وكما يُوضِّح مايكل باش في كتابه «ثقافة العميل: كيف تضع شركة فيدكس وغيرها من الشركات الكُبرى العميل أولًا كل يوم»:

لدى فريد سميث طريقة مُميزة في التراجُع عن الأعمال وتحدِّي المبادئ الأساسية للأعمال التجارية. يومًا ما تحدَّى «قاعدة ٩٥ بالمائة»، التي كان لا يجوز المساس بها أو انتقادها في ذلك الوقت.

«إذا كُنَّا نتعامَل مع مليون طردٍ في اليوم ونخطئ بنسبة ٥ بالمائة، فهذا يعني أنَّنا قُمنا بإفساد ٥٠ ألف طرد في اليوم»، على حدِّ تعبيره. «وبما أنَّ هناك شخصًا يشحن طردًا إلى آخر، فهذا يعني أنَّنا خذلنا ١٠٠ ألف شخص كل يوم. لا يحتاج الأمر إلى عالِم صواريخ ليعلم أنه قبل أن يمضي وقتٌ طويل، ستكون قد خابت آمال الجميع الذين يشحنون أو يتسلَّمون طرودًا في أمريكا.»

ثم ابتكر ما أسماه «التسلسل الهرمي للمخاوف». من نسبة خمسة بالمائة من خيبات الأمل، ما أسوأ شيء يمكن حدوثه للعميل؟ وما هو ثاني أسوأ شيء؟ وهلمَّ جرًّا، وقد حدَّد هو وفريق الإدارة العُليا ثمانية مخاوفٍ رئيسة. (باش، ٢٠٠٢: ١٦٢)

كان ما أُطلِق عليه «تسلسُل المخاوف الهرَمي» هو بداية ظهور مؤشر جودة خدمة «فيدكس»، وهو عبارة عن نظام لمؤشرات الأداء الرئيسة التي تقيس المهام ذات الأهمية البالغة بالنسبة للعميل. يقيس مُؤشِّر جودة خدمة «فيدكس» المهام التالية؛ إذ يتمُّ تقييم كلٍّ منها وفقًا لدرجة غضب العميل الناتج عن إخفاقٍ في الأداء. يُضرَب عدد «مُتوسِّط نقاط الفشل اليومية لعنصرٍ ما» في الأهمية المُعطاة لهذا العنصر من أجل حساب مُؤشِّر جودة خدمة «فيدكس»:

الإخفاق درجة الأهمية
تسليم مُتأخِّر في اليوم المُحدَّد. ١
تسليم مُتأخِّر في غير اليوم المُحدَّد. ٥
معلومات ناقِصة (بيانات ناقِصة حول أحد الطرود في النظام الإلكتروني). ١
تكرار الشكاوى من قبل العُملاء. ٥
عدَم التسليم في المكان المُتَّفَق عليه. ١
طلب تعديلات في الفاتورة. ١
طرود لم تُجمَع. ١٠
طرود تالِفة. ١٠
طرود مَفقودة. ١٠
طرود فُقِدَت وعُثِر عليها. ٥
مُكالمات لم يُرَد عليها. ١
مؤشر جودة الخدمة الدولي. ١ (ألبريخت ورون زيمكي، ٢٠٠٢: ٩٤)

منذ أن جرى استخدامه في عام ١٩٨٧، مكَّن مؤشر جودة الخدمة «فيدكس» من تحسين أداء التسليم في الموعد المُحدد من ٩٥ بالمائة إلى ٩٩٫٧ بالمائة دون إضافة تكاليف هامشية كبيرة. تؤكد «فيدكس» على التزام أعضاء الفريق بتحقيق هذه النتيجة المذهلة، وهي تجربة شبيهة بالتحوُّل الذي شهِدَتْه شركة الخطوط الجوية «كونتيننتال» على يد بثيون.

إنَّ التقنية الأكثر أهميَّةً التي تُمكِّن «فيدكس»، وعُملاءها، من تتبُّع كلِّ حزمةٍ في أي مكان في النظام هو نظام تتبُّع الطرود المتطوِّر، والمعروف الآن باسم «كوزموس®»، المعني بنظام التشغيل الإداري والخدمي المعني بالعُملاء المُعتمَدين لدى «فيدكس». تراقب «كوزموس» حركة جميع الشحنات داخل شبكة «فيدكس» — أكثر من ثلاثة ملايين شحنة في كل يوم عمل. ويمكن للعملاء الاستفادة من نظام «كوزموس» عبر الإنترنت للتحقُّق من حالة الشحنة — وهم يفعلون ذلك ملايين المرَّات كلَّ شهر.

عندما نفَّذ فريد سميث نظام التتبُّع، سأل الكثيرون عن سبب استثماره لِمِثل هذه المبالغ الضخمة من المال في تقنية لا تُسرِّع من عملية التسليم بواقع ثانيةٍ واحدة. لكن هذا لم يكن الهدف. فمن خلال تمكين عملاء «فيدكس» من الوصول الآني إلى بيانات طرودهم، كان يعمل على خلق ثقافة اللَّاأعذار داخل شركة «فيدكس»، من خلال تصميم نظام يجعل جميع أعضاء الفريق مسئولين عن عوامل النجاح المهمة للعميل.

لطالما استخدمنا «فيدكس» كمثالٍ لمؤشِّرات الأداء الرئيسة التي يجب استخدامها في شركات الخدمات المهنية، وقد ناقَشْنا تأثيرات ما تعلَّمناه من «فيدكس» على شركات المستقبل.

(٦) مؤشرات الأداء الرئيسة لشركة المستقبل

رون: عند طرح النظريات، يتعيَّن على المرء أن يتأكَّد من أنها قابلة للاختبار على أساس الواقع الملموس، وأنها منطقية في تفسير السلوك الفعلي.

وضع أحد العلماء وعاءَين كبيرَين أمامه، أحدهما به عددٌ كبير من البراغيث، والآخر فارغ. يُخرج برفقٍ برغوثًا من وعاء البراغيث، ويضعه على الطاولة قُبالة الوعاء الفارغ، ويخطو إلى الخلف، ويُوجِّه له الأمر، «اقفز»، وعندها يقفِز البرغوث إلى الوعاء الفارغ. وهكذا بانتظام، يُخرج كلَّ برغوثٍ برفق، ويضعه على الطاولة، ويقول «اقفز»، فيقفز البرغوث في الوعاء الفارغ أصلًا.

وعندما نقَل كلَّ البراغيث بهذه الطريقة، صار يُخرج كلَّ برغوث من الوعاء المُمتلئ الآن، ويستأصِل أرجُلَه الخلفية بعناية، ثم يضع البرغوث على الطاولة قُبالة الوعاء الأصلي، ويقول «اقفز»، لكن البرغوث لا يتحرَّك. يأخُذ برغوثًا آخَر من الوعاء ويستأصِل أرجله الخلفية بعناية، ويضعه على الطاولة، ويقول مرة أخرى «اقفز»، ولكن البرغوث لا يتحرَّك. يُكرِّر الأمر مع البراغيث المتبقِّية، ويحصل على النتائج نفسها. وهنا يُسجِّل العالم في دفتر مُلاحظاته مُبتهجًا: «إذا استأصلتَ الأرجل الخلفية للبراغيث فإنها تفقِد حاسَّة السمع.» (بافلوس، ٢٠٠٠: ١٢٩-١٣٠)

حدَّد الفيلسوف البريطاني ألفريد نورث وايتهيد «مُغالطة التشخيص الخاطئ للأشياء» بأنه الخطأ المُتمثِّل في الخلط بين أعراض/مظاهر شيءٍ ما وكينونة الشيء نفسه. فكلُّ طبيبٍ يعرِف أن الحُمَّى ليست مرضًا، وأنها مُجرَّد عرَض من أعراض مرضٍ ما، ومن المهم تشخيص المرض وعلاجه، وليس الحُمَّى فقط. ولاعب الجولف غير المحترِف يُمكنه أن يُصبح لاعب جولف محترفًا لو مارس اللعبة بما فيه الكفاية واكتسب المهارة اللازمة.

ينطبِقُ الشيء نفسه على الربح، فهو مُؤشِّر مُتأخِّر لقياس سلوك العملاء. إن الهدف من مِثالَي شركتي «كونتيننتال إيرلاينز» و«فيدكس» مُهِمٌّ ويَخلُصُ إلى ما يجب على شركة الخدمات المهنية قياسه. من يستطيع أن يقول إن عملاء شركات الخدمات المهنية يُعرِّفون النجاح استنادًا إلى عدد الساعات التي تُسجَّل في سِجلِّ ساعات العمل؟ هل هذا هو المقياس الصحيح لتتبعه؟ وما الذي يقيسه بالضبط؟ ولماذا تُكرِّس الشركات في كلِّ مكانٍ مثل هذا القدر الهائل من الوقت لملء التقارير وتتبُّعها وطباعتها استنادًا إلى الساعات التي يُمكن إعداد فواتير بها؟ نحن نعتقِد وجود فجوةٍ هائلة بين ما يُريده مديرو الشركات من موظفيهم — ساعات عمل — وما يُريده العميل منهم.

لنَكُن واضحين: سجلَّات ساعات العمل هي مؤشِّر «مُتأخِّر»؛ فهي لا تقيس بأيِّ حالٍ نجاح المهني بالطريقة نفسها التي يقيسه بها العميل. سيكون الأمر كما لو أن شركات الطيران تتبَّعَت مقدار الوقت الذي تقضيه الطائرات في الجوِّ بدلًا من التأكد من وصولها في الموعد المحدد. قبل أن نتمكَّن من القياس، علينا أولًا أن نفهم. ولأن من المهم أن نتذكَّر كيف يَحكُم العملاء على مدى نجاح أو فشَل المهنيِّين الذين يتعاملون معهم، فلنتأمَّل من جديدٍ أسباب خسارتنا للعُملاء. لقد ناقَشْنا هذا في الفصل التاسع، ولكنَّنا سنُراجعه هنا لننظُر إلى هذه العوامل بمنظورٍ مُختلفٍ يمثِّل أحد تأثيرات مؤشرات الأداء الرئيسة.

وفقًا لمقال أكويلا وكولتين، فإنَّ الأسباب السبعة التي جعلت الأشخاص يتركون مُحاسبيهم هي:
  • (١)

    «مُحاسبي الشخصي لا يُعاملني بطريقةٍ جيدة» [ثلثا الردود].

  • (٢)

    يتجاهل المحاسبون القانونيون العملاء.

  • (٣)

    لا يتعاون المحاسبون القانونيون مع العملاء.

  • (٤)

    يتسبَّب المحاسبون القانونيون في فقدان الشركاء.

  • (٥)

    لا يحرص المحاسبون القانونيون على إطلاع عملائهم بالمستجَدَّات.

  • (٦)

    يتعامل المُحاسبون القانونيون مع العملاء باعتبارهم فنيين.

  • (٧)

    يستخدم المحاسبون القانونيُّون العملاء كحقل تدريب [لأعضاء الفريق الجُدد]. (أكويلا وكولتين، ١٩٩٢: ٦٧–٧٠)

لنسترجع الآن دراسة مُؤسَّسة «روكفلر» حول أسباب فقدان العملاء:
١٪ وفاة العميل.
٣٪ انتقال العميل إلى محل إقامة آخر.
٥٪ لدى العميل صديق [يُقدِّم الخدمة].
٩٪ فقدان العميل لصالح أحد المنافسين.
١٤٪ عدم رضا العميل عن [أحد جوانب] الخدمة.
٦٨٪ شعور العميل بعدم اهتمام مُقدِّم الخدمة به.
لنتذكَّر أيضًا على أيِّ أساسٍ يختار الناس محاسبيهم:
  • مهارات التواصُل مع الآخرين.

  • الجرأة.

  • الاهتمام بالعميل.

  • القُدرة على شرْح الإجراءات بحيث يمكن للعميل فَهمها.

  • الرغبة في تقديم المشورة.

  • النزاهة الملموسة. (وينستون، ١٩٩٥: ١٧٠)

يُقدِّم ديفيد ميستر، من مكتب «ذا ترستيد أدفيزور»، رغبات العملاء الأكثر شيوعًا بشأن ما يُريدونه من محاسبهم المُحترف:
  • (١)

    إحداث تأثير فعلي في شركتنا، وليس التركيز على الأمور الظاهرية فحسب.

  • (٢)

    المبادرة بفعل أشياء جديدة على سبيل التجربة. (أي؛ استثمار الوقت في عملٍ تمهيدي في مجالات جديدة.)

  • (٣)

    قضاء المزيد من الوقت في مُساعدتنا على التفكير، وإعانَتِنا على وضع الاستراتيجيات.

  • (٤)

    توجيه تفكيرنا. وإخبارنا كيف ستبدو شركتُنا بعد ٥ أو ١٠ سنوات من الآن.

  • (٥)

    «المسارعة» للحصول على ما استجدَّ من معلوماتٍ لدينا، للبقاء على اطِّلاعٍ دائم على ما يجري في شركتنا. واستخدام بياناتنا لمَنْحنا مُستوًى إضافيًّا من التحليلات، والمبادرة بطلَب المعلومات، لا أن تنتظر حتى نُوافيك بها.

  • (٦)

    عقد بعض الاجتماعات خارج الموقِع معًا. والانضمام إلينا في جلسات العصف الذهني بشأن شركتنا.

  • (٧)

    بذل جهد إضافي لفهم كيفية سير أعمالنا: حضور اجتماعاتنا.

  • (٨)

    مُساعدتنا في عقد مُقارنات بيننا وبين الآخرين سواء داخل أو خارج مجالنا.

  • (٩)

    إخبارنا لماذا يفعل مُنافسونا ما يفعلونه.

  • (١٠)

    التباحُث معنا حول أشياء أخرى علينا فعلها؛ نحن نُرحِّب بجميع الأفكار! (ميستر وآخرون، ٢٠٠٠: ١٨٠)

إذا رغبتْ شركة خدمات مهنيَّة في وضع مؤشِّرات أداء رئيسة، أفلا يجب عليها أن تدرُس هاتَين القائمتَين المهنيَّتَين؛ — قائمة «التسلسل الهرَمي للمخاوف»، المُستخلَصَة من عبارة فريد سميث، وقائمة الخدمات التي يرغَب فيها العملاء — لتحديد كيفية وضع مؤشرات الأداء الرئيسة إمَّا بتثبيط أو تشجيع السلوك الموصوف فيها؟ هذا يتطلَّب صياغة نظرية من العوامل ذات الأهمية للقياس والمكافأة، وهي ليست بمهمَّة بسيطة بالنسبة إلى المهن. ومن واقع خِبرتنا مع آلاف الشركات في جميع أنحاء العالم، قلَّة قليلة جدًّا هي من استغرقت الوقت الضروري للقيام بذلك، فضلًا عن التفكير في الأمر.

لحُسن الحظ، تمكَنَّا من عقد المئات من ورش العمل حول هذه المسألة بالذات، وكان لدَينا مُتخصِّصون من جميع الفئات يقومون بعصفٍ ذهني للتوصُّل إلى بعض مؤشرات الأداء الرئيسة لشركة خدمات مهنية. لن نُشارك جميعها معكم، لسَببَين: الأول، أنَّ بعضها أفضل بكثيرٍ من الأخرى؛ والأهم من ذلك، أننا وجدْنا أن تقديم كم أكبر مما ينبغي من مؤشرات الأداء الرئيسة يكون مُربكًا للشركات العادية، مِمَّا يترك الأعضاء يُعانون من عجز التحليل، ما يعني أنهم مُلتزمون بسجلَّات ساعات العمل. نحن نُؤمِن بأنَّ مؤشرات الأداء الرئيسة التالية هي بديل ممتاز لسجلَّات ساعات العمل، وحتى كتابة هذه السطور، هناك العشرات من الشركات نعرِف أنها تخلَّصت من سجلَّات ساعات العمل واستعاضت عنها بمؤشرات أداءٍ رئيسة من بين المؤشرات التالية.

من المهم أن نُلاحظ وَفْرة الدلائل على أن ما بين ثلاثة وعشرة مؤشرات أداء رئيسة تكون كافية «لأي» شركة لديها القدرة التنبُّؤية للعوامل الرئيسة الدافعة للقيمة بالنسبة إلى العملاء. لقد قدَّمْنا ما يكفي هنا حتى يمكنك على الأقل البدء في التفكير في هذا الاتجاه وربما وضع مؤشراتٍ أفضل منها بما يتناسَب مع ظروف شركتك. وهذه المؤشرات مُقسَّمة إلى مؤشرات أداء رئيسة على مستوى الشركة ومؤشرات أداء رئيسة على مستوى أعضاء الفريق:

مؤشرات الأداء الرئيسة على مستوى الشركة: السرعة

الوقت المستغرق في إنجاز العمل.
حجم الأعمال المُنجَزة/غير المُنجَزة (والنسبة بينهما).

مؤشرات الأداء الرئيسة على مستوى الشركة: مالية

نصيب الفرد من العائدات.
تكلفة العمالة كنسبةٍ مئوية من إجمالي الدخل.
مبيعات الابتكار.
نسبة صافي الدخل.
نسبة الرِّبح لكلِّ شريك.

مؤشرات الأداء الرئيسة على مستوى الشركة: التسعير

النسبة المئوية لاتفاقيات السعر الثابت المرفوضة.
متوسط الفرق بين السعر المبدئي والنهائي.
النسبة المئوية للسعر التَّحفُّظي والسعر المأمول والسعر المثالي.

مؤشرات الأداء الرئيسة على مستوى الشركة: العميل

ولاء العميل.
الحِصَّة من محفظة العميل.
الفجوة في القيمة.
النسبة المئوية للعائدات من عملاء الفئات «أ» و«ب» و«ﺟ» و«د» و«و».
انسحاب العملاء.
الاستبعاد الإجباري للعملاء.

مؤشرات الأداء الرئيسة على مستوى الأفراد

هامش الإسهام في عائدات الشركة.
آراء العملاء.
مهارات الاستماع الفعَّال.
مهارات التواصُل الفعَّال.
المخاطرة والابتكار والإبداع.
الحصول على المعرفة.
الإنتاج والاستهلاك الفعَّال للمعرفة.
القُدرة على التَّعاطي مع التغيير.
التعلم المُستمرُّ.
القدرة الفعَّالة على التفاوض.
مهارات التوجيه والتدريب.
تطوير الذات.
خطة التسويق الشخصي.
الفخر المهني.
عدد مرَّات التواصل مع العملاء في الأسبوع.
يُرجى أن تضعَ في اعتبارك أنَّنا قَطعًا لا نقترح عليك اعتماد جميع مؤشرات الأداء الرئيسة الواحد والثلاثين المُبيَّنة هنا. لا تَسْعَ لفِعل المستحيل. فإذا حاولتَ قياس الكثير من مؤشرات الأداء الرئيسة، فسينتهي بك الأمر بعدم معرفة أيِّ شيء، بل إنك سوف تستعيض حتى عن طريقة سجلَّات ساعات العمل بشيءٍ أكثر إرهاقًا، كما قال «جيفري بيفر» الذي يشغل كرسي «توماس دي دي» أستاذ السلوك التنظيمي في كلية «ستانفورد» للدراسات العليا في إدارة الأعمال؛ حيث قال في مُقابلة مع شركة «فاست»:

ثمة مقولة قديمة في مجال الأعمال تقول: ما يُقاس هو ما يُنجَز. لكن ما يحدُث اليوم على النقيض من ذلك. فقد أصبح القياس عائقًا يحول دون إنجاز أيِّ شيء.

لقد ابتكرتُ ما أُحبُّ أن أطلق عليه نظرية «أوتيس ريدينج للقياس» التي سُمِّيَت تيمُّنًا بأغنيته «جالسٌ على رصيف الخليج». في تلك الأغنية، يُغني ريدينج، «لا أستطيع أن أفعل ما يَطلُب مِنِّي عشرة أشخاص أن أفعله، لذا أعتقِد أنَّني سأبقى على حالي.» تبدو هذه الكلمات وكأنها تتحدَّث عن المفاهيم الخاطئة لدى الشركات حول القياس.

لقد أقنعت الشركات نفسها أنه بما أنَّ ما يتمُّ قياسه هو ما يتمُّ إنجازه، فإنه كلما قاست أكثر، أنجزت المزيد من المهام. في الصيف الماضي، التقيتُ امرأة تعمل في شركة كبيرة للنفط، وأخبرَتْني بأنَّ الشركة لديها ١٠٥ مقاييس هي مسئولة عنها. لذلك سألتها: «كم من هذه المقاييس اﻟ ١٠٥ تُوليها اهتمامًا؟» أتدْرُون ما كان جوابها؟ «لا شيء.» لأنها في النهاية تقيس الكثير من الأشياء لدرجة أنها لا تُولي لأيٍّ منها اهتمامًا؛ ١٠٥ يُساوي صفر. (بيفر، ٢٠٠٠)

(٦-١) اختيار مؤشرات الأداء الرئيسة المناسبة لشركتك

التميُّز هو فنٌّ يُنال بالتدريب والتعوُّد.

فنحن عبارة عمَّا نقوم به مرارًا وتكرارًا.

أرسطو

لا تُوجَد قواعد هنا! نحن نحاول تحقيق شيءٍ ما!

توماس أديسون

عند اختيار مُؤشِّرات الأداء الرئيسة لمؤسَّستك، لا تُغرِق في التحليل المنطقي للعملية. فاختيار مُؤشِّرات الأداء الرئيسة ليس مُجرَّد مسألة تحليل منطقي أو حسابات وقياسات؛ فالتحليل الإبداعي والعاطفي لدى شركتك أمرٌ مُهم. أنت تختبر نظرية، سوف تؤثر كثيرًا على ما تَقيسه وتُراقبه. أنت تبحث عن مؤشرات الأداء الرئيسة التي ستقوم بقياس ومكافأة ما يَنتُج عن الأنشطة، والإنتاج قبل المُدخلات، والأداء قبل المنهجية، والمسئوليات قبل الإجراءات، والفعالية قبل الكفاءة. إن سجلَّات ساعات العمل تقيس الجهود. ولكن العُملاء لا يدفعون مُقابل الجهود، إنما يدفعون من أجل النتائج؛ لذلك يجب أن نُوائم مَقاييسنا مع السلوك المطلوب. تنطبِقُ المُزحة القديمة الرائجة بين الأطباء هنا، حيث يُعجَب الجرَّاح بكفاءته قائلًا: «كانت العملية ناجحة تمامًا! فعلى الرغم من أنَّ المريض قد مات، فقد احتفَظْنا به في تَوازُنٍ «إلكتروليتي» مثالي طوال الوقت!»

فلندرُس كُلًّا من مؤشرات الأداء الرئيسة المدرجة، الخاصة بالشركة كَكُلٍّ وفريق العمل، ونشرح المنطق وراءها والنتائج التي تحاول قياسها والسلوك الذي تُحاول تشجيعه.

الوقت المُستغرَق في إنجاز العمل

يُحب مايكل ديل الإشارة بمصطلح السرعة إلى الفجوة الزمنية بين طلَب العميل، وتجميع وشحْن الشركة للمُنتَج النهائي. نحن نؤمن بأن شركات الخدمات المهنية يجب أن تجتهد أيضًا في تتبُّع كل مشروع، وتحديد تاريخ الإنجاز المطلوب وقياس النسبة المئوية للأعمال المنتهية في الوقت المحدد. فهذا من شأنه أن يمنع التسويف، وتفويت المواعيد النهائية، والمشروعات العالقة في الشركة دون إبلاغ العملاء بذلك.

بالاستعانة بفلسفة فريد سميث في خلق «ثقافة اللاأعذار»، تخيَّل أنه تمَّ تركيب كاميرات ويب بزاوية ٣٦٠ درجة في كلِّ مكانٍ في شركتك. تخيَّل أيضًا أنَّ عملاءك يُمكنهم تسجيل الدخول إلى موقعك المؤمَّن على الويب، وكتابة أسمائهم وكلمات المرور الخاصَّة بهم، فتجِد كاميرا الويب المناسبة مَلفَّهم وتُعطيهم صورة فورية له، ربما وهي موضوعة على أرضية الشريك أو على مكتبٍ في انتظار المراجعة. هل سيُغير هذا من طريقة تناول الأعمال داخل شركتك؟ وهل سيُحمِّل ذلك الشركة المسئولية عن النتائج، وليس مُجرَّد الجهود؟ تقوم شركتا «فيدكس» و«يو بي أس» بهذا بالضبط، بل إن بعض شركات المحاماة الكبيرة تستخدم الشبكات الداخلية التي تُوفِّر لعملائها إمكانية الوصول الفوري إلى العمل الذي يتمُّ تنفيذه نيابةً عنهم. بل إن بعض دور رياض الأطفال قامت بتثبيت كاميرات الويب حتى يتمكَّن الآباء من مُشاهدة أطفالهم عبر الإنترنت أثناء العمل. إن من شأن هذا المقياس وحده أن يقطع شوطًا طويلًا في حلِّ مُعظَم المشكلات التي تدفع العملاء للإعراض عن التعامُل مع الشركة (لا يُطلِعُهم أحد على شيء، ويشعرون أنهم يتعرضون للتجاهل، وما إلى ذلك).

يُطبِّق مؤشر الوقت المُستغرَق في إنجاز العمل أيضًا طريقة بيتر دراكر لتجنُّب مثالب المُماطَلة، من خلال تطبيق ثالوث الخطوات المُتَجاورة:

التحديد والتفويض والموعد النهائي. يحتاج المدير التنفيذي إلى تحديد المشكلة أو المهمة، وتفويض المسئولية إلى شخصٍ مُعيَّن، إلى جانب المسئولية عن الشيء المُحدَّد نفسه الذي يتعيَّن إنجازه، وتحديد موعدٍ نهائيٍّ ثابتٍ لإنجازه. يضمَن التحديد استيعاب الهدف، ويُحدِّد التفويض من الذي سيقوم بالعمل الفعلي، ويضع الموعد النهائي التحرُّك والجدية محلَّ الخمول والتراخي. (مقتُبس في فلاهيرتي، ١٩٩٩: ٣٢٨)

من المثير للاهتمام أن نتساءل عما إذا كان على الشركة إبلاغ الموعد النهائي للعميل أم لا. لقد رأينا شركاتٍ تقوم بذلك، وهي تُقسِم بأنَّ هذه السياسة قد حسَّنَت خدمة العملاء والتواصُل بدرجةٍ كبيرة. بالطبع تقتضي بعض الظروف تمديد الموعد إذا لم يُقدِّم العميل جميع المعلومات، ولكن من الصعب المُجادلة في النتائج التي حقَّقتْها هذه الشركات من خلال إعلام العُملاء بتاريخٍ يُمكنهم توقُّع انتهاء عملهم فيه.

إذا أصابك ذلك بالتوتُّر الشديد، فإنَّ الخطوة المرحلية الجيدة هي ببساطة تحديد مَوعدٍ نهائي داخلي، وتحميل أعضاء الفريق المسئولية عن نسبة الأعمال المُنتهية في الوقت المُحدَّد (الأفضل من ذلك، أن يُقرِّر الفريق الموعد النهائي). يُمكن تتبُّع الوقت المُستغرَق في إنجاز المهام على مستوى الشركة، وكذلك على مستوى أعضاء الفريق. فإذا تخطَّى موظفٌ ما مواعيده النهائية، فإنَّ ذلك يُعتبَر مُؤشِّرًا قويًّا على أنه قد كُلِّف بالكثير من العمل، ولم يكن لديه التدريب الكافي للقيام بما كُلِّف به، أو على عدم وضوح مسئوليات التكليف، أو ببساطة لا يرقى إلى مستوى المهمة. وبغضِّ النظر عن ذلك، يوفِّر الوقت المستغرق في إنجاز المهمة مؤشِّرًا مُوجِّهًا للمديرين التنفيذيين للشركات للتدخُّل وعلاج أي مشكلات. أما سجلَّات ساعات العمل فلا تُوفِّر هذه الميزة؛ لأنه بمجرَّد اكتشاف الأمر، يكون قد فات وقت تدارُكها.

إذا كان علينا الالتزام بمؤشر أداء رئيس واحد فقط لشركة ما، فسنختار الوقت المُستغرَق في الإنجاز؛ فهو سيُسلِّط الضوء سريعًا على الكثير من الأسباب التي تجعل العملاء غير راضين عن مِهنييهم. وكلُّ شركة استعاضَتْ عن سجلَّات ساعات العمل بمؤشرات الأداء الرئيسة، طبقَّت مؤشر الوقت المُستغرَق في الإنجاز، كما اقترَحْنا عليهم بشدَّة.

حجم الأعمال المُنجَزة/غير المُنجَزة (والنسبة بينهما)

استُخدم مؤشر الأداء الرئيس هذا من قِبَل شركات الضرائب التي تتعامَل مع كمٍّ كبير من العمل خلال الموسم المُزدحِم. يعرف كل عضوٍ في الفريق عددَ الإقرارات الضريبية التي يتحمَّل مسئوليتها، ويجري تعقُّب نسبة الإنجاز للتنبُّؤ بالطَّاقة الاستيعابية في المستقبل. وعلى الرغم من أنه ليس بديلًا عن مؤشر الوقت المستغرق في الإنجاز، فإنَّ مؤشر الأداء هذا يُستخدَم في بعض الشركات ليحلَّ محلَّ سجلَّات ساعات العمل.

نصيب الفرد من العائدات

يعد هذا من مؤشرات الأداء المالية، ويَعني ببساطةٍ إجمالي عائدات الشركة مقسومًا على عدد أعضاء العاملين بدوامٍ كامل في الشركة بالتساوي (سواء أكانوا مهنيين أو الفريق ككل، اعتمادًا على نوع الإحصائيات التي تتَّخذها أساسًا للمُقارنة)، ثم يُسترشَد بهذه النتيجة لمُقارنة شركتك بشركات أخرى لمعرفة وضعها من المنافسة في السوق. وعلى الرغم من كونه مؤشرًا مُتأخِّرًا، فإن من الممكن استخدامه لصياغة أهداف نموٍّ وأرباح مُحدَّدة لمستقبل الشركة. (ملحوظة: أي مؤشر أداء رئيس يمكن الحصول عليه من قائمة مالية عادة ما يكون مُتأخِّرًا؛ أما إذا كانت المعلومات آنية، فهو مؤشر «مُتزامِن».)

يُعتبَر المَيل الطبيعي لتقسيم العائدات على الأشخاص مرة أخرى حسب عدد الساعات المحسوبة لكلٍّ منهم زائدًا عن الحاجة. فما الذي يعكسه هذا بالضبط عن الشركة؟ وهل مُعظم الشركات تفعل ذلك لمجرَّد أن الجميع يفعل ذلك؟ ألا تُعدُّ نسبة العائدات لكلِّ شخصٍ مُقارنة كافية؟ لماذا يُحلَّل هذا الرقم أكثر، لا سيما أنه لا يُوجَد عميل يشتري ساعات؟

تكلِفة العمالة كنسبة مئوية من إجمالي الدخل

على الرغم من كونه مُؤشِّرًا مُتأخِّرًا أيضًا، فإنه يُعدُّ مقياسًا مُفيدًا لقياس الأداء مُقارنة بالمنافسين. فالأهمية لا تقتصر على النسب الأولية وحدها، ولكنها تمتد أيضًا لتغيُّر النسبة. لماذا تزداد أو تنقُص؟ وهل نحتاج إلى زيادة أو تقليل طاقتنا الاستيعابية؟

مبيعات الابتكارات

يقيس هذا المقياس العائد من الخدمات المطروحة في السنوات الأخيرة، ويقيس مدى ابتكار الشركة في تقديم خدمات إضافية لعملائها. إنه مقياس أساسي لتحديد القيمة الدائمة للشركة بالنسبة إلى العميل، كما ناقَشْنا في الفصل الثامن. على سبيل المثال، تُريد شركة «هوليت-باكارد» أن يكون ٥٠ بالمائة من عائداتها من المنتجات التي لم تكن موجودة قبل عامين. كما تُحقِّق شركة «إنتل» نسبة ١٠٠ بالمائة من عائداتها من المنتجات التي ابتكرَتْها خلال السنوات الثلاث الماضية. وتستهدف شركة «ثري أم» عائدات بنسبة ٣٠ بالمائة من المنتجات التي لم تكن موجودة قبل أربع سنوات.

تُنفِق الشركات كمًّا هائلًا من الموارد في قياس ساعات العمل المفوترة ومعدلات التنفيذ، لكنَّنا وجَدْنا عددًا قليلًا للغاية يقيس مبيعات الابتكار ويجعل ذلك الرقم عنصرًا أساسيًّا في رؤيته الاستراتيجية. إذا قرَّر المسئولون التنفيذيُّون في الشركة أنَّ مؤشر أداء رئيسًا ما مُهِمٌّ، فإنه يكتسِب هالة المؤشر الموجِّه، أو ربما مؤشر القيمة؛ فنحن عبارة عما نقيسه. نحن لا ندَّعي أن الشركات مُعادية للابتكار؛ فالأمر يتعلَّق أكثر بعدَم كونها مؤيدة للابتكار؛ بسبب عدم وجود مقاييس وأنظمة مكافأة لتشجيع هذا السلوك. فالابتكار أمر ضروري لخلق ثروة جديدة، وكما يتساءل جاري هامل: «ماذا يُهمُّ المستثمر إن كانت الشركة تكسب تكلفة رأس المال إذا كان منافسوها يَستحوذون على نصيب الأسد من الثروة الجديدة في مجالٍ ما؟» (هامل، ٢٠٠٠: ٢٨٥).

نِسبة صافي الدخل والربح لكلِّ شريك

مجموعة أخرى من المؤشرات المُتأخِّرة، ولكنها معايير مرجعية مُفيدة للمُقارنة مع المنافسين. مرَّة أخرى، نحن لَسْنا مُهتمِّين فقط بالنسبة المئوية والأرباح المُطلَقة، ولكنَّنا مُهتمُّون أيضًا بالتغيير. لماذا يزداد أو ينقُص؟ هل تقوم الشركة باستثماراتٍ كافية في رأس مالها الفِكري من أجل المستقبل، أم أنها تستهلك كلَّ رصيدها في سحوبات الشريك من الشركة والأجور؟

النسبة المئوية لاتفاقيَّات السعر الثابت المرفوضة

لتغيير ثقافة الشركة إلى ثقافة التسعير المتعمَّد أو المخطط له، نُقدِّم ثلاثة مؤشرات أداء رئيسة يمكن استخدامها لقياس معدل النجاح — والفشل — في تنفيذ نموذج التسعير الجديد. النسبة المئوية لرسوم اتفاقيات السعر الثابت المرفوضة هي طريقة لتتبُّع مُعدَّل نجاح الشركة في جعل العملاء يدخلون في علاقة طويلة الأمَد مع الشركة. لا تقَعْ في فخ الاعتقاد بأن النسبة المُثلى هي ١٠٠ بالمائة؛ هذه علامة على أنك تتَّخِذ نوعًا خاطئًا من العُملاء أو لا تُسعِّر عملك وفقًا للقيمة.

مُتوسِّط الفَرْق بين السعر المبدئي والسعر النهائي

مقياس آخر لتحديد أسعار القيمة وقُدرة الشركة على الفهم والتَّواصُل والإقناع والاستحواذ على القيمة التي تُقدِّمها الشركة للعميل. إذا كانت الفجوة بين السِّعرين كبيرة جدًّا، فقد تكون علامةً على أنَّ الشركة لا تقوم بعملٍ مُلائم لتأهيل العميل أو تحديد ما يحتاجه العميل بالضبط. كما يُمكن أن يُشير إلى أن الشركة لا تحصُل على ما يكفي من مشاركة العملاء في وضع وتحديد بنود اتفاقيات السعر الثابت.

النِّسبة المئوية للسِّعر التَّحفُّظي والسعر المأمول والسعر المثالي

هذا مُؤشِّر رئيس آخَر على أن الشركة تستحوذ على القيمة من عُروضها. يمكن أن يدل الارتفاع البالِغ في نسبة إحراز السعر المثالي إلى المستوى الشديد الانخفاض الذي يُحدَّد بناءً عليه. وهذا هو السبب في أهمية تحليل التسعير بعد انتهاء المهمة، كي تعمل الشركة على جعل التسعير من المهام الجوهرية لدى موظفيها. ونعتقِد أنَّ تحقيق السعر المثالي يجب أن يكون بين ٢٠ و٤٠ بالمائة من الوقت، في حين يجب أن يُحقَّق السعر المأمول بنسبة ٥٠ بالمائة، والسعر التَّحفُّظي بنسبة تتراوَح بين ١٠ و٣٠ بالمائة.

ولاء العميل

وفق تقديرات فريدريك ريكهيلد، خلال فترة عمله لدى شركة «باين آند كومباني»، فإن أقلَّ من ٢٠ بالمائة من قادة الشركات يتتبَّعون بصرامةٍ عملية الاحتفاظ بالعملاء. بالنسبة إلى شركات الخدمات المهنية، التي تستمدُّ من ٨٠ إلى ٩٥ بالمائة من عائداتها من العُملاء الحاليين، فإن هذا خطأ كبير. أيضًا، إذا علمتَ أن تكلفة الحصول على عميلٍ جديد تزيد عن تكلفة الاحتفاظ بعميلٍ قديم بما يتراوَح بين ٤ و١١ ضعفًا في المتوسِّط، فيجب أن يُصبِح هذا المقياس جزءًا من نظام القيمة لدى الشركة.

الحصَّة من محفظة العميل

وهذا يُحوِّل تركيز الشركة من حصَّة «السوق» ونموِّ العائدات إلى نموٍّ «أفضل» عن طريق زيادة النسبة المئوية التي تتحصل عليها الشركة من ميزانية كل عميل المخصَّصة للخدمات المهنية. ولزيادة هذه الحصة مع مرور الوقت، يجب على الشركة أن تشرح لجميع العملاء أن حصتها من المحفظة جزء مُهمٌّ من علاقتهم طويلة المدى. ما لم يكن لديك سبب استراتيجي للقيام بذلك، يجب ألا تسمح الشركة لعملائها بتوزيع عملهم بين العديد من الشركات. يجب أن تجعل جزءًا من توقُّع كلِّ عميلٍ أنك تُريد نصيب الأسد من العمل، على المدى الطويل. وهذا يضمَن علاقة أعمق، وزيادة الولاء، وأسعارًا مُتميِّزة، وارتفاع تكلفة التحوُّل إلى شركاتٍ أخرى، وزيادة الربحية.

الفجوة في القيمة

يحاول هذا المقياس إظهار الفجوة بين مِقدار ما نحصل عليه من عملائنا ومِقدار ما نستحقُّه فعلًا. إنها طريقة مُمتازة لمكافأة الخدمات الإضافية المبيعة بطريقة البيع العابر، وزيادة القيمة الدائمة للشركة لدى العملاء، والحصول على نسبةٍ أكبر من محفظة العميل. ما الإجراءات التي يُمكن أن تتَّخِذها شركتك لسدِّ فجوة القيمة؟

النسبة المئوية للعائدات من عملاء الفئات «أ» و«ب» و«ﺟ» و«د» و«و»

يقيس هذا المؤشر كيفية توزيع الطَّاقة الاستيعابية الثابتة لشركتك بين المسافرين من الدرجة الأولى، ودرجة رجال الأعمال، والدرجة السياحية الكاملة الأجرة، والمخفضة، ورحلات المُواساة أو التَّعزية. يجب أن تحصل على حصَّتك من عملاء الفِئتَين «أ» و«ب»، وإلَّا فأنت تُسيء توزيع طاقتك الاستيعابية بتخصيصها لعُملاء لا يُقدِّرون إجمالي عروضك.

انسحاب العُملاء

هذا مِقياس آخر يقيس ولاء ونفور العميل. فببساطة تَقسِم عددَ العملاء الذين فُقِدوا على عدد العملاء المكتسبين. يمكنك أيضًا استخدام العائد من فقدان العميل مقسومًا على أرباح العميل الجديد. إذا كنتَ في طَور الاستغناء عن العملاء، فبالطبع سيزداد هذا المُعدَّل، وهو أمر جيد. لكن ينبغي التأكُّد من أنك تقوم بفلترة عُملاء الفئات «ﺟ» و«د» و«و»، وليس عملاء الفئتَين «أ» و«ب».

الاستبعاد الإجباري للعملاء

كما تناوَلْنا في الفصل الثامن، فهذه طريقة مُمتازة يمكنك تطبيقها إذا كنتَ ترغب في التَّخلِّي عن العملاء ذَوي المستوى المنخفِض تدريجيًّا. واستنادًا إلى عدد عملاء «ﺟ» و«د» و«و» الذين لديك، فإنَّ الاستبعاد الإجباري سوف يُملي عليك التخلي عن عدد يتراوح بين عميلٍ واحدٍ وأربعةٍ من العملاء القُدامى مُقابل كلِّ عميلٍ جديد تحصل عليه. إنها طريقة ممتازة لترقية العُملاء في شركتك.

مُلاحَظة: فيما يلي نقوم بتحليل مؤشِّرات الأداء الرئيسة الفردية لأعضاء الفريق. بالطبع يمكن تتبُّع بعض مؤشرات الأداء الرئيسة على مستوى الشركة، مثل الوقت المُستغرَق والمهام المُنجَزة مُقابل غير المُنجَزة ومؤشرات الأداء الرئيسة للتسعير، على أساسٍ فردي. نحن نحاول تطوير مقاييس من شأنها تشكيل سلوكيَّات أعضاء الفريق بطريقةٍ يُقدِّر العملاء قيمتها. إذا كان ما نقوم بقياسه هو ما يُمثِّلنا، فقد حان الوقتُ لقياس ما نُريد أن نكون عليه. ستُلاحظ أن بعض مؤشرات الأداء الرئيسة هذه «غامضة»، و«ذاتية»، وتُعتَبر «مقاييس شخصية» من قِبَل بعض النُّقَّاد الذين يُفضِّلون مقاييس «فنية» و«موضوعية» (حتى لو قاموا بقياس أشياء غير مُهمَّة للعميل، مثل ساعات العمل المفوترة). يبدو الأمر كما لو أنهم يُفضِّلون أن يكونوا على صوابٍ تامٍّ في إجابتهم على السؤال «الخطأ» عن أن يُخطئوا في إجابة السؤال «الصحيح». أما نحن، فنرى أن من الأفضل أن نكون مُحقِّين على نحوٍ غامضٍ بشأن مِقياسٍ شخصي من أن نكون مخطئين بوضوح بشأن مقياسٍ فني. لقد حاوَلْنا تطوير مؤشرات أداء رئيسة لأعضاء الفريق تستأصل القواعد البيروقراطية وحصص ساعات العمل المفوترة وتضع محلها المقاييس التي يراها العميل مُهمة؛ لأنها تُمثِّل العامل الحاسم في الحُكم على النجاح من عدَمِه. هذه الأنواع من مُؤشِّرات الأداء الرئيسة تفعل ما لا يستطيع المُشرف أو قائد الفريق القيام به؛ فهي تُوجِّه الأداء من معيارٍ خاضعٍ للرقابة الخارجية وتغرِس الشعور بالفخر بمساعدة الآخرين، وهو أحد الأسباب الرئيسة التي تجعل الناس يَمتهِنون هذه المِهَن.

هامش المساهمة في عائدات الشركة

هذا لا يعتمد على دفتر أعمال الفريق، أو ما هو أسوأ، مُعدَّلات العمل بالساعات؛ بل يَقيس «هامش» المساهمة التي يُقدِّمونها في عائدات الشركة. على سبيل المثال؛ كم عدد العملاء الجُدُد المُكتسَبين؟ هل قاموا بتقديم أيِّ خدمات إضافية من خدمات الشركة للعملاء الحاليين بطريقة البيع العابر؟ هل تفاوَضوا على أيِّ اتفاقيات سِعر ثابت أو أوامر تغيير؟ ما السِّعر التَّحفُّظي أو المأمول أو المثالي الذي حقَّقوه؟

تزعم الشركات أنها تُريد من أعضاء الفريق امتلاك عقلية مُبدِعة، لكنَّها نادرًا ما تقوم بقياس ومُكافأة مِثل هذا السلوك؛ إذ تُفضِّل بدلًا من ذلك أن تُلزِم الأعضاء الصِّغار في الفريق بحصص ساعاتٍ صارمة تُحتَسَب في فواتير. لكن لا أحد يُنمِّي لديه مهارات التسويق أو استقطاب العملاء من خلال تحجيمها بوقت. فهذا التطوير يتطلَّب الموارد والتعليم والشركة التي تُحَمِّل الأشخاص المسئولية عن أدوارهم في نموِّ الشركة. لا يقتصِر الأمر على أن يكون الجميع مستقطِبًا لعملاء جُدُد، ولكن يستطيع كلُّ عضوٍ في الفريق إجراء أوامر تغيير أو بيع خدمات إضافية للعملاء الحاليين. ويجب أن تكون هذه الأشكال من العائدات المتزايدة جزءًا من تقييمات أداء كلِّ عضوٍ في الفريق.

آراء العملاء

ما الذي يقوله العميل — سواء أكان جيدًا أم سيئًا — عن عضو فريق العمل؟ هل ترضى بمُقايضة بعض الفعالية مُقابل أحد الموظفين المحبوبين جدًّا من جانب عملائك؟ كيف تطلب الشركة آراء عُملائها في أداء أعضاء الفريق؟ هل تقوم الشركة بمكافأة أعضاء الفريق لتقديمهم خدمة عملاء مُتميزة أو لتقديمهم أكثر ممَّا هو مطلوب منهم لأحد العملاء؟ هل تُعمَّم هذه الأخبار على بقية الشركة بحيث يمكن أن تُصبح جزءًا من ثقافتها، كما هو الحال في شركات «نوردستروم» و«ساوث وست إيرلاينز» و«فيدكس» و«ديزني»؟

مهارات الاستماع والتواصُل الفعَّالَين

إذا كانت القراءة والكتابة متلازمين، فكذلك الحال بالنسبة إلى التحدُّث والاستماع. ومع ذلك، هل يجري تعليم أحدٍ أن يستمع؟ من المعروف جيدًا أن التَّحدُّث والاستماع أصعب في تعليمهما من القراءة والكتابة، وإذا كُنَّا نشعُر بالأسى لتدنِّي مستوى القراءة والكتابة في المدارس، فكيف الحال بمهارات التحدُّث والاستماع الأقل تطورًا؟ فعلى عكس القراءة والكتابة، وهي عبارة عن أنشطة انفرادية، فإن الاستماع والتحدُّث يتضمَّنان تفاعُلات بشريَّة دائمًا.

شرح كتاب أرسطو، «الخَطابة»، فنُّ الإقناع عن طريق استخدام الكلمات اليونانية الثلاث: ethos أي الرُّوح، وpathos أي العاطفة، وlogos أي الشعارات. تُشير كلمة الرُّوح إلى شخصية الإنسان، بمعنى أنه يمكنك الوثوق فيها ومعرفة ما تتحدَّث عنه. بينما تُثير العاطفة شغَفَ المستمِعين؛ حيث تُوجِّه عواطفهم في الاتجاه الذي تحاول أن تأخُذه. هذا هو العامل المحفِّز. أما الشعارات فهي الحُجَج العقلية؛ لاحِظْ أن الإغريق يضعونها في نهاية الترتيب. تأمَّل القول المأثور: «لا يهتمُّ الناس بمدى معرفتك حتى يعرِفوا مدى اهتمامك.» يمكن استخدام الدوافع والحُجَج لتعزيز موقفك، ولكن الشغَف هو الذي سيُحرِّك المُستمعين في الاتجاه الذي تُريده.

لكن كيف تقيس مهارات الاستماع والتواصُل؟ إنه في الحقيقة مقياس شخصي، لكن ألا يُعَدُّ مهارةً بالغة الأهمية لتطوير مهني حقيقي؟ لقد شاهدتُ حلقة نقاشٍ في اجتماع مجموعة المائة التي تتْبَع «المعهد الأمريكي للمُحاسبين القانونيين المعتمَدين» الذي ضمَّ أفرادًا من شركات وهيئات حكومية تستعين بخدمات المحاسبين القانونيين. أولى المهارات التي يبحثون عنها والتي تؤثر على قرارهم بالتعاقُد مع شركة محاسبية ما على حساب أخرى، قبل السعر أو الجودة، هي مهارات التواصل. وتحتاج الشركات إلى الاستثمار في التعليم الضروري لجعل فريقها استثنائيًّا في هذه المهارات.

المُخاطرة والابتكار والإبداع

يُمثِّل هذا مقياسًا آخر شخصيًّا، ولكنها مهارات حاسمة لأيِّ مهني. كم مرَّةً يخوض أعضاء الفريق مخاطرات، أو يَبتكِرون طرُقًا جديدة لإنجاز أعمال العُملاء أو الشركة؟ هل ينخرِطون في التفكير الإبداعي عند إنجاز عملهم؟ تقول مُعظَم الشركات إنها تُريد أن يُفكِّر مُوظَّفوها خارج الصندوق، ولكن عندما تنظُر إلى ما تقيسه وما تُكافئ عليه، ستجِد فجوةً هائلة بين ما تقوله وما تفعله. لكن هذه القصة من شركة «برايس ووتر هاوس كوبرز» تُحيي بعض الأمل:

لتعزيز قُدرتها الابتكارية، أضفَتْ شركة الخدمات المهنية «برايس ووتر هاوس كوبرز» طابعًا شخصيًّا على قضية العمل، حيث جعلت الأمر يخصُّ كلَّ موظف في الشركة. يقول جورج بيلي، أحد الشركاء الإداريين لدى «برايس ووتر هاوس كوبرز»: «قد نُلقِي خطبًا حول مدى أهمية الابتكار وما إذا كان قابِلًا للتطوُّر أم سيندثر، ولكن شتَّان بين التحدُّث عن ذلك وإقناع الناس به. لا يزال الناس يُقيِّمون على أساس عدد ساعات العمل المفوترة.» ولتغيير تلك المُعادلة ولمكافأة الابتكار والاحتفاء به وتشجيعه، تولَّت الشركة رعاية مُسابقة. ونظرًا لاحتوائها على أكبر قائمة في العالم من الموظفين الذين يتقاضَون أكثر من ١٠٠ ألف دولار أمريكي سنويًّا، لم يكن مُرجَّحًا أن تتمكَّن الشركة من جذب انتباه الأشخاص بهدايا من نوعية لوحات فأرة الكمبيوتر أو قسائم الهدايا أو تناول العشاء في «أوليف جاردن». بدلًا من ذلك أعلنت الشركة في يوليو ١٩٩٩ عن جائزة بقيمة ١٠٠ ألف دولار لكلِّ مُبتكِرٍ من إجمالي ١٥٠ مُبتكرًا، وهؤلاء المبتكرون كان مسموحًا لهم بأن يكونوا أفرادًا أو فرقًا. كان الأمر مُثيرًا للغاية؛ فمائة ألف دولار تُحفِّز تركيز أي عقل بشدَّة، حتى عقل الاستشاري. ولكن بالنسبة لشركة بحجم «برايس ووتر هاوس كوبرز»، لا يعد مبلغ ١٥ مليون دولار كبيرًا ولو دُفِع من أجل فكرةٍ واحدة رائعة؛ فهو مبلغ متواضع إذا كان من شأنه أن يُحقِّق مكاسب هائلة. وهذا ما تحقَّق بالفعل: فبحلول الموعد النهائي للمسابقة في عام ١٩٩٩، تلقَّت «برايس ووتر هاوس كوبرز» ٧٠٠ طلَبٍ من بضع مئات من الأفراد والفرق. وكان من بَين هؤلاء (ومن بين الفائزين)، مُبتكرو لغة ترميز المنتجات المالية «أف بي أم أل»، وهي طريقة للصق بطاقات أسماء إلكترونية على مُنتَجات المُشتقَّات المالية (باستخدام بروتوكول برمجيات لغة الترميز القابلة للامتداد «أكس أم أل»)، التي ابتكرتها «برايس ووتر هاوس كوبرز» بالتعاون مع جيه بي مورجان؛ تُتيح لغة ترميز المنتجات المالية للمؤسَّسات المالية تداوُل المشتقَّات والأدوات المالية الأخرى عبر الإنترنت وأصبحت معيار التجارة الإلكترونية في الصناعة. فكرةٌ أخرى تمثَّلَت في عملية لإعادة هيكلة الأصول العقارية العديمة القيمة التي تحتفِظ بها البنوك اليابانية. وثالث تتمثل في منح شهادة اعتماد للمنتجات الخشبية (مُستَوحاة من مُلصقات «دولفين – سيف – تونا» الداعية إلى صيد سمك التونة بدون القتل العرَضي للدلافين) وهي شهادة تُؤكِّد أنها قُطعِت وفقًا لمعايير الإدارة المستدامة للغابات. هل كانت لتحدُث هذه الأشياء بدون المسابقة؟ ربما؛ ولكن ليس جميعها. لقد أرسلت المسابقة رسالةً مُثيرة إلى الشركة حول أهمية الابتكار، والتي (بالاشتراك مع حقيقة أنَّ المسابقة قد تكرَّرَت) زادت من حجم ابتكارات الشركة ومكانة الأشخاص الذين يُحقِّقونها. علاوة على ذلك، من خلال الترويج للأفكار، سرَّعت المسابقة من وتيرة تبنِّي تلك الأفكار ونشرها. يقول بيلي: «لا يسأل أحد حتى إذا ما كُنَّا حصَلْنا على قيمة أموالنا؛ فقد حصَلْنا عليها عدَّة مرَات.» (مقتبس في ستيوارت، ٢٠٠١: ١٨٥-١٨٦)

ينبغي الإشادة بجهود شركة «برايس ووتر هاوس كوبرز»، بيْد أنها تدفع المرء إلى التساؤل عما إذا كان الأمر يتطلَّب مُسابقة للمهنيين ليصبحوا مُبدعين. أليس من الأفضل ألا يُنظَر إلى الابتكار والإبداع كجانبٍ مستقلٍّ عن بقية جوانب العمل، بل باعتباره جزءًا لا يتجزَّأ منها؟ ألا يجب أن تعمل الشركات لجعل الابتكار أمرًا عاديًّا؟

ولهذا السبب على وجه التحديد، طبَّقت شركة «ثري أم» «قاعدة ١٥ بالمائة»، التي تُشجع المتُخصِّصين الفنيِّين على إنفاق ما يصل إلى ١٥ بالمائة من وقتهم على مشروعات من اختيارهم ومبادرتهم. ولقد حَظينا باحتفاءٍ حماسيٍّ عندما اقترَحْنا على شركات الخدمات المهنية تبنِّي سياسةٍ مُماثلة. ولكن من يستطيع أن يُنكِر حقيقة أنَّ شركة «ثري أم» واحدة من أنجح الشركات من حيث الربحية والابتكار؟ يقول إيكوجيرو نوناكا في كتاب «شركة صناعة المعرفة: كيف تصنَعُ الشركات اليابانية ديناميكيات الإبداع؟»: «اسمح للموظفين بالوقت لمُتابعة مُخطَّطاتٍ طائشة أو مجرَّد الاجتماع للدردشة، وقد تحصُل على فكرةٍ تُغيِّر السوق. على الجانب الآخر، أجبِرهم على حساب كلِّ دقيقةٍ من يومهم، وستظلُّ أسيرَ مُنتجاتك الروتينية.»

استنباط المعرفة

يصِف روس داوسون في كتابه «تنمية علاقات العملاء القائمة على المعرفة: مستقبل الخدمات المهنية»، استنباط المعرفة بأنها «عملية مساعدة الآخرين لتوليد معرفتهم الخاصَّة». لاحِظ أنَّ هذا يشمل أكثر من مُجرَّد تعلُّم أشياء جديدة؛ فالأمر هنا ينطوي على تثقيف الآخرين حتى يُشكِّلوا معرفتهم الخاصة. ومن أكثر الأساليب فعاليَّة بالنسبة للمُشتغلين بالمعرفة للتعرف على أي موضوع — لا سيما على مستوًى عميق للغاية — هو أن يُدَرِّسوه لغيرهم. كما يقولون، التدريس هو التعلُّم مرَّتَين. كم مرَّةً ينظم أعضاء الفريق جلسة لتناول وجبة غداء والتعلَّم من مقالٍ أو كتاب قرءوه أو ندوة في التعليم المهني المستمرِّ حضَرُوها؟ ما مدى إجادتهم لتعليم لعملائهم؟

الإنتاج والاستهلاك الفعَّال للمعرفة

صُمِّم هذا المعيار لقياس مدى نجاح أعضاء الفريق في الاستفادة من رأس المال الفكري للشركة والمساهمة فيه. هل هُم ببساطة مُستهلِكون لرأس المال الفكري فقط، أم أنهم مُنتِجون له أيضًا؟ كم عدد مُراجعات ما بعد إتمام الأعمال التي كتَبُوها؟ كم عدد المرَّات التي اطَّلع فيها مُوظَّفون آخرون على مُراجَعات ما بعد إتمام الأعمال؟ إلى أي مدى يستطيعون تحويل معارفهم «الضمنية» إلى معرفة «ظاهرة» يمكن للشركة إعادة استخدامها وجعلها جزءًا من رأس مالها الهيكلي؟ هل يبحثون عن الطريقة الأكثر فعالية للاستفادة من المعرفة، أم أنها مجرَّد إعادة اختراع للعجلة؟ سيُساعد هذا النوع من التقييم على ضمان دعم الشركة لما يُهمُّ حقًّا — رأس مالها الفكري — وتطوير المزيد منه.

القدرة على التعاطي مع التغيير

إلى أيِّ مدًى يتكيَّف أعضاء الفريق مع الانقطاع والالتباس والتغييرات المُربِكة؟ كيف يُساعِدون الآخرين — الزملاء والعملاء على حدٍّ سواء — في التعامُل مع التغييرات؟ من المؤكد أنَّ هذه مهارةٌ أخرى من المهارات الشخصية، ولكن لها أبلغ الأثر في تهيئة الاستعداد النفسي اللازم لكي يُصبِح المرء مهنيًّا ناجحًا.

التعلُّم المستمر

ماذا يعرف أعضاء الفريق هذا العام أكثر من العام الماضي ما يجعلهم أكثر قيمة للشركة وعملائها؟ هذا أكثر من مُجرَّد تسجيل وقت في دورات التعليم المهني المستمر؛ بل سيقيس هذا المعيار بالفعل ما تعلموه. هل هم مستمرون في تحسين مهاراتهم ليُصبحوا مهنيِّين أكثر فعالية؟ كم كتابًا قرءوه هذا العام؟ والأهمُّ من ذلك، ماذا تعلَّموا من الكُتب التي يقرءونها؟ هل تستثمر الشركة بما فيه الكفاية في تعليم أعضائها من أجل تحقيق هذه المهمة؟ مُعظَمُها لا يفعل ذلك، في حين أنَّ غالبية أعضاء الفريق مُتعطِّشون للحصول على تعليمٍ إضافي، وسوف ينجذِبون إلى تلك الشركات التي تُقدِّم لهم ذلك.

التفويض الفعَّال

يقول ديفيد ميستر وباتريك ماكينا: «التقديرات التي قدَّمها لنا عملاؤنا عن مقدار [العمل الذي يُؤدُّونه] والذي يمكن أن يُؤدِّيَه شخص آخر أحدَث أو أصغر سِنًّا تصِل إلى ٥٠ بالمائة أو أكثر من وقت كلِّ مُوظَّف قديم» (ماكينا وميستر، ٢٠٠٢: ١٧). إن صحَّ ذلك — ونعتقِد أنه صحيح، على الرغم من أنَّنا لا نعرِف أي دراسةٍ تجريبية تؤكد ذلك — فهذا إحصاء مُذهِل، ويدعم الادِّعاء الذي قدَّمْتُه لسنواتٍ عديدة، وأشرتُ إليه عدَّة مراتٍ في هذا الكتاب، بأن ما يحدُث بالفعل في عددٍ كبيرٍ للغاية من شركات الخدمات المهنية يُكافئ قيام جرَّاحِين كبارٌ بعملياتٍ بسيطة مثل ثَقْب الأذنين. فكِّر في الفائدة المكتسَبة إذا كان أعضاء الفريق الكبار بمؤسَّستك لديهم القدرة والاستعداد لتفويض ما يصِل إلى ٥٠ بالمائة من أعمالهم. إنك بذلك لن تُتيح فقط المهارات التي يحتاج إليها أعضاء الفريق المُبتدئين، بل ستُوفِّر المزيد من الطاقة الاستيعابية لخدمة العُملاء من الدرجة الأولى ودرجة رجال الأعمال من خلال مشروعات أعلى مُنحنى القيمة. وإذا أصبح المسئولون التنفيذيُّون في الشركة أفضل في التفويض، فسيزيد ذلك من الربحيَّة عدَّة أضعاف ما يُمكن أن تُحقِّقه زيادة الكفاءة. هل تُشجِّع مؤسَّستُك كبار أعضاء الفريق ليُصبِحوا مُفوِّضين فعَّالين، بدلًا من اكتناز العمَل لتلبية حصَص الساعات التي تُسجَّل في الفواتير؟ إن الأمر جدير بالتفكير فيه.

مهارات التوجيه والتدريب

إلى أي مدًى تُطوِّر الشركة أعضاء الفريق الذين يُمكنهم تدريب وتوجيه أولئك الأقل خبرة؟ هل تُستثمَر موارد كافية في هذا المجال؟ لقد رأينا عددًا كافيًا من برامج التوجيه التي تُخفِق، ونحن غير مُقتنِعين بجدارتها. ربما يكون السبب في ذلك أنه لا يُمكن فرض مُرشِدٍ أو مُدرِّبٍ على شخصٍ ما؛ بل هي علاقة تطوُّعية تتطوَّر بمرور الوقت. لكن هذا لا يمنع حدوثها داخل الشركة؛ والتدريب مُهمٌّ أيضًا. فنحن نرى أنه لا يمكن إدارة المهنيين؛ تذكَّر زعْمَنا بأنَّ هذه الكلمة عفا عليها الزمن. وعلى الرغم من ذلك، يُمكن تدريبهم وتحفيزهم وتوجيههم وتركيز انتباههم وإلهامهم. حتى تايجر وودز يحصُل على تدريب، وأفضل اللاعبين ليسوا بالضرورة أفضل المدربين.

تطوير الذَّات

ما الذي يُلهِم أعضاء الفريق؟ ولماذا دخلوا المهنة في المقام الأول؟ ما رؤيتهم المُفضلة للمستقبل؟ كيف تُساعد الشركة في تطوُّرِهم المهني أو تُعرقِله؟ هذه كلها جوانب حيوية إذا كنتَ تنوي الاحتفاظ بمُستثمِري رأس المال البشري، الذين هم في النهاية مُتطوِّعون.

خطَّة التسويق الشخصي

في العديد من الشركات الصاعدة، يضَعُ جميع أعضاء الفريق من جميع المستويات خطَّةً تسويقية. وقد يشمل ذلك قياس عدد اجتماعات العُمَلاء ووجبات الغداء، أو الانضمام إلى المنظمَّات المهنية، أو إلقاء الخُطَب أو الندوات، أو كتابة المقالات، أو تحديد أهداف للعائدات وتلبية أهداف البيع العارض والعملاء الجُدُد. إذا كانت شركتك تمتلك مُديرًا للتسويق، فهذا هو الشخص المثالي لمساعدة كلِّ عضوٍ في الفريق بخطة التسويق الخاصَّة به، ثم يتحمَّل كل شخص مسئوليته عن خطته بعد ذلك.

الفخر المهني

نحن نتَّفِق مع جون كاتسينباخ، الذي شارك في تأليف كتاب «حكمة الفريق» في قوله:

الفخر هو مُحفِّز أكثر فعالية لإبراز ملَكَات المهني من المال. ويُمكنك تحفيز تلك الملَكَات بالفخر بأكثر من مُجرَّد الانتماء. فهناك فخر بمنتج العمل المُحدَّد الذي تقوم بتسليمه للعملاء، وفخر بأنواع العملاء الذين تخدمهم، وفخر بالخبرات التي لديك، وفخر بقيمة شركتك. (مقتبس في المرجع السابق: ١٤٨)

إذا كُنتَ تعتقِد أنَّ بعض مؤشرات الأداء الرئيسة الأخرى تلك يصعُب قياسها، فكيف بقياس الفخر؟ لكنَّ من الواضح لنا أن فخر الشخص بعمله وعملائه وزملائه وقيَمه أمرٌ حاسم للعمل بشغفٍ والتزام.

عدد مرَّات التواصُل مع العُملاء في الأسبوع

بما أنَّ ثُلثي العملاء يعزفون عن الشركات المهنية بسبب اللَّامُبالاة الملموسة، فلماذا لا نشجِّع جميع أعضاء فريق الشركة على الاجتماع بانتظام مع العُملاء الذين يخدمونهم؟ هذا لا يعني أنَّ أعضاء الفريق الجُدُد يجب أن يتناوَلوا الغداء مع المُديرين التنفيذيِّين لشركات عملائك، ولكن يمكنهم تطوير علاقةٍ مع شخصٍ على مستوًى مُكافئ داخل شركة العميل. هذا من شأنه أن يجعل الشركة مرئية باستمرار للعميل وحاضرة في ذهنه، كما يؤدِّي إلى زيادة في الطلب على الخدمات والفوز بحصَّة أعلى من محفظة العميل الاستثمارية. وهذا من شأنه تنمية مهارات التواصُل والاستماع لدى الفريق؛ وزيادة ولاء العملاء.

(٦-٢) مُلخَّص مؤشرات الأداء الرئيسة

الشركات التي تخلَّصت من سجلَّاتها الزمنية واستعاضت عنها ببعض من مؤشرات الأداء الرئيسة المُدرَجة هنا (عادة ما بين ثلاثة وثمانية) نفذت هذا التغيير بطريقة عقلانية جدًّا. بعبارة أخرى، أشركت أعضاء الفريق في التغيير. وعلى الرغم من الاعتقاد الواسع النطاق أن الناس لا يحبون التغيير، فإننا نعتقد أن ثمة فرقًا بين التغيير «المفروض» والتغيير «المُتَبنَّى». كما يُذكِّرنا مايكل باش: «الناس لا يُعارضون التغيير. لكنهم يُعارضون أن يُفرَض عليهم.»

دعْ أعضاء الفريق يُقرِّرون ما هي مؤشرات الأداء الرئيسة التي يُريدون أن يتحمَّلوا المسئولية عنها. فأولئك الأشخاص أذكياء وبارِعون ومُتحمِّسون ومُحترفون، وهم يُريدون أداء عمل رائع ليس فقط من أجل العملاء والشركة، ولكن أيضًا من أجل أنفسهم. إنهم يعرفون ماهية الدوافع الرئيسة للنجاح. إن النِّقاش حول الرقابة التنظيمية ليس نقاشًا حول ما إذا كانت هناك حاجة إليها — فهي بالتأكيد لا غنى عنها — ولكن حول أفضل طريقةٍ لتحقيق ذلك. قد يؤدي فرض ضوابط مِثل الساعات المفوترة، والتي لا ترتبط ارتباطًا واضحًا بنجاح العميل، إلى الامتثال والحد الأدنى من الجهد للحصول على المعايير، لكنه لن يقود الشركة إلى التميُّز. بطبيعة الحال، سوف تُواجِه مُقاومة من أولئك الذين يُحاسَبون على أكبر عددٍ من الساعات — فالكلب الذي قُطِع ذيله سيُمجِّد قطْع الذيل وفقًا للمؤرخ كولينجوود — وكذلك من جانب مَنْ يشعرون بالخطر بسبب مؤشرات الأداء الرئيسة التي تقيس المُعطيات والنتائج الفعلية. لكن ماذا بعد؟ هذه هي بالضبط العقلية التاريخية الهيستيرية التي نُحاول تغييرها.

جميع الشركات التي تركت الفريق يُقرِّر بشأن مؤشرات الأداء الرئيسة اكتشفت، بما يُعدُّ مفاجأة سعيدة لها عادةً، أن الفريق اختار مؤشرات أداء أكثر صرامةً على أنفسهم مما كان يمكن أن يختاره الشركاء. عادةً ما يكون الأشخاص الذين يختارون أهدافهم أكثر قسوةً على أنفسهم مما لو اختيرت لهم تلك الأهداف.

يُطلِق روبرت بي سيالديني، أستاذ علم النفس وعضو هيئة التدريس في جامعة ولاية أريزونا، على هذا المنحى «مبدأ الاتِّساق». وفي مقالته المعنونة «الاستفادة من علم الإقناع» في مجلة «هارفارد بيزنس ريفيو»، أوضح هذا المبدأ:

ينسجم الناس مع التزاماتهم الواضحة. اجعل التزاماتهم نشِطة وعامَّة وطوعية. لقد أثبتت أبحاثي الخاصَّة أنَّ مُعظم الناس، بمجرَّد اتخاذ موقف أو فور تصريحهم بالانحياز لموقف ما، فإنهم يُفضِّلون الالتزام به … كتب باحثون إسرائيليون في عام ١٩٨٣ في «نشرة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي» كيف طلبوا من نصف سكان مُجمَّع سكني كبير توقيع عريضةٍ لصالح إنشاء مركز ترفيهي للمُعاقين. كان الهدف وجيهًا وكان المطلَبُ بسيطًا؛ لذلك وافق جميع الأشخاص الذين طُلِب منهم التوقيع. وبعد مرور أسبوعين، في احتفال اليوم الوطني لمساعدة المعاقين، تُووصِل مع جميع المقيمين في المجمع بمنازلهم وطُلب منهم التبرُّع لصالح القضية. وقدم أكثر من نصف الذين لم يُطلَب منهم التوقيع على العريضة مُساهمة. لكن ٩٢ بالمائة من أولئك الذين وقَّعوا تبرَّعوا بالمال. لقد شعَرَ سُكان المُجمَّع السكني بواجبهم في الوفاء بالتزاماتهم؛ لأنَّ هذه الالتزامات كانت نشِطة وعامَّة وطوعية.

قبل أكثر من ٣٠٠ عام، كتب صامويل بتلر مَقطعًا يشرَح بإيجازٍ سبب وجوب أن تكون الالتزامات طوعية لتكون فعَّالة ومُستدامة: «الشخص الذي تُخضِعه على غير إرادة منه، سيظلُّ مُتشبِّثًا برأيه‎.» (سيالديني، ٢٠٠١: ٧٦-٧٧)

تُعتبَر الضوابط الاجتماعية أكثر فعالية من الضوابط المالية للتأثير على سلوك أعضاء فريقك. وهذا يفسر السبب في أنَّ مُعظَم الشركات المهنية التي كانت تستخدم سجلات ساعات العمل وتخلَّصَت منها تميل إلى عقد اجتماعات مُتكرِّرة — في كلٍّ من التسويق والعمل قَيد التنفيذ — يخضع فيها الجميع للمُحاسَبة على مؤشِّرات الأداء الرئيسة المُحدَّدة. إذا كنتَ تعرف أنَّ نظراءك يُحمِّلونك المسئولية عن أنشطتك، فغالبًا ما ستتصرَّف بطريقةٍ تتوافَقُ مع رغبات المجموعة.

جيم كاسي، مُؤسِّس شركة «يو بي أس» في عام ١٩٠٧، قال في عام ١٩٤٧: «يمكن قياس قيمة رجلٍ بالنسبة إلى مُؤسَّسة بمقدار ما يتطلَّبُه من إشراف.» أما آن لشركات الخدمات المهنية أن تعرف أنها تتعامَلُ مع مُشتغلين بالمعرفة، وليس عُمَّالًا في مصنع؟ إن عمل المعرفة لا يخضع لنفس أنماط وإيقاعات خطِّ التجميع؛ إنها عملية تكرارية للعقل، ودراسات الوقت والحركة التقليدية لا مكان لها في الشركات الحديثة. لقد حان الوقت لشركات المستقبل أن تُزيل السيف المُسلَّط على رقاب المهنيين — المتمثل في سجلَّات ساعات العمل — وتُحِّررهم من نظرية لم تعُد تنطبق على الاقتصاد الرأسمالي الفكري للمُؤسَّسة الحديثة. سأقتبِس عبارة من السطور الأخيرة في «بيان الحزب الشيوعي» لكارل ماركس: «يا مهنيي العالم اتَّحِدوا! ليس لديكم ما تخسرونه إلَّا سجلَّات ساعات العمل.»

(٧) تفنيد مزاعم المُدافعين القائلين بفاعلية سجلَّات ساعات العمل

هل كان أينشتاين يُعاني «محدودية الميزانية» بينما كان يُجري أبحاثه؟ من يعرف؟ أو يبالي؟

توم بيترز، «٥٠ طريقة لتأسيس شركة خدمات مهنية»
رون: المهنيون هم المشتغلون بالمعرفة، والمعرفة لا تُقاس «بالكمِّ» بقدر ما تُقاس «بالجودة». وكما هو مُوضَّح في الفصل التاسع، فإنها أيضًا لا تُقاس «بالتكاليف». إنما تُقاس «بالنتائج». قد يكون من الممكن في مصنع للإنتاج بالقطعة العمل بمزيد من الجدِّية والكد، ولكن في مصنع المعرفة، فإن العمل بطريقةٍ أكثر ذكاءً هو الخيار الوحيد. بدأ فريدريك تايلور بفرضية تقول إنَّ ثمة «طريقة واحدة مُثلى» لتحقيق الإنتاجية، ولا تحدِّدها الخصائص المادية — أو حتى الذهنية — للوظيفة. ولكن في العمل المعرفي، استُعيض عن الأدوات التقليدية للقياس «بالحكم»، وهناك فرْق بين القياس والحكم: القياس يتطلَّب عصا فقط، بينما الحُكم يتطلَّب المعرفة.

لم يحاول فريدريك تايلور قياس إنتاجية وكفاءة المشتغلين بالمعرفة لأنه لم يكن هناك الكثير منهم في أيامه. فلم يركز انتباهه على كيفية تدريب العاملين على أداء المهمَّة على نحوٍ أفضل في المرة القادمة؛ لأنه وضع أنظمةً وإجراءات أزالت الحاجة إلى استخدام خيالهم. لقد استعاض عن التفكير بالقواعد. واستغرَق الأمر نحوَ نصف قرنٍ قبل أن تبدأ الشركات في إدراك أن هذا من شأنه أن يجعلها مُستسلِمة للوضْع وغبية، وهذه ليست السمات التي ترغب فيها في مصنع سيارات، فضلًا عن المهنِيِّين. لا يمكن تصميم العمل المعرفي إلَّا من قِبَل المُشتغلين بالمعرفة أنفسهم. بعبارة أخرى، لا يمكن تصميمه من أجلهم أو نيابةً عنهم. في المصنع، يخدم العامل النظام أمَّا في بيئة المعرفة، فيجب أن يخدم النظام العامل.

لا تزال قياسات الإنتاجية في العمل المعرفي في مراحلها الأولى؛ فليس لدَينا فريدريك تايلور في العصر الحديث أجرى أبحاثًا رائدة في هذا المجال. رُبما يُستثنى من ذلك بيتر دراكر (ومُفكِّران آخَران سنُقدِّمهما لاحقًا). هذا ما قاله دراكر عن إنتاجية المشتغلين بالمعرفة في كتابه «تحديات الإدارة في القرن الحادي والعشرين»:
بدأ العمل على إنتاجية المشتغلين بالمعرفة بالكاد. ومن حيث العمل الفعلي على إنتاجية المشتغلين بالمعرفة، فإنَّنا في عام ٢٠٠٠ كُنَّا تقريبًا حيثما كُنَّا في عام ١٩٠٠، أي مُتخلِّفينَ قرنًا بالمقارنة بإنتاجية العامل اليدوي. لكنَّنا لدينا بالفعل معرفة أكبر بكثيرٍ للغاية عن إنتاجية المُشتغلين بالمعرفة مِمَّا كنَّا نعرفه آنذاك عن العامل اليدوي. بل إننا نعرف العديد من الإجابات. ولكننا نعرف أيضًا التحديات التي لا نعرف بعدُ إجابات عنها، والتي نحتاج إلى العمل عليها. هنالك ستَّةُ عوامل رئيسة تُحدِّد إنتاجية المشتغلين بالمعرفة:
  • (١)

    تتطلَّب إنتاجية المشتغلين بالمعرفة أن نطرح السؤال التالي: «ما هي المهمة؟»

  • (٢)

    كما تتطلَّب مِنَّا فرض المسئولية عن إنتاجيتهم على الأفراد المشتغلين بالمعرفة أنفسهم. فيتعيَّن على المُشتغلين بالمعرفة إدارة أنفسهم. يجب أن يكون لديهم «استقلال ذاتي» في إدارة أنفسهم.

  • (٣)

    يجب أن يكون الابتكار المُستمرُّ جزءًا من العمل أو المهمة، وتقع المسئولية عنه على عاتق المشتغلين بالمعرفة.

  • (٤)

    يتطلَّب العمل المعرفي التعلُّم المستمر من جانب المشتغلين بالمعرفة، سواء بسواء مع التدريس المستمر.

  • (٥)

    إنتاجية العامل المعرفي ليست — على الأقل في المقام الأول — مسألة تتعلَّق ﺑ «كمِّ» المُخرجات. ﻓ «الجودة» لها القدْر نفسه من الأهمية على أدنى تقدير.

  • (٦)

    أخيرًا، تتطلَّب إنتاجية المشتغلين بالمعرفة أن يُنظَر إلى المشتغل بالمعرفة ويُعامَل على أنه «أصل» [أو لنَقُل مُتطوِّع] وليس «تكلفة». كما تتطلَّب أن يرغب المشتغلون بالمعرفة في العمل لصالح الشركة مُفضِّلين إيَّاها على فُرَص العمل المتاحة الأخرى. (دراكر، ١٩٩٩: ١٤٢)

يؤمن دراكر بأنَّ التركيز الأساسي لدى المشتغلين بالمعرفة يجب أن يكون مُنصبًّا على المهمة المُفترض إنجازها — مع التخلُّص من جميع عوامل التشتيت الأخرى قدر الإمكان — وهذا ما يُحدِّده المشتغل بالمعرفة نفسه. عندما نلتقي بالشركات، نطرح الأسئلة التالية على أعضاء الفريق، ونتعرف على الكثير عن الشركة (هذه الأسئلة مُقتبَسة بشيءٍ من التعديل من بيتر دراكر ومصادر أخرى):
  • ما مهمتك؟

  • ماذا كان يجب أن تكون؟

  • ما الذي يُتوقَّع منك المساهمة به؟

  • إلى أيٍّ تعد تلك التوقُّعات عادلة؟

  • ما الذي يُعيقك في أداء مهمَّتك ويجب التخلُّص منه؟

  • كيف يمكنك تقديم أكبر «مُساهمةٍ» من خلال جوانب قُوَّتِك، وطريقتك في الأداء، وقيمتك، تجاه ما يجب عمله؟

  • ما «النتائج» التي يتعيَّن تحقيقها لإحداث فرْق؟

  • ما الذي يُعيقك في أداء مهمَّتك ويجب التخلُّص منه؟

  • ما التقدُّم الذي تُحرِزه في حياتك المهنية؟

  • كيف تُساعدك الشركة في تحقيق أهدافك وتَطلُّعاتك المهنية؟

  • ما الذي تفعله الشركة على نحوٍ صحيح وما الذي يجب أن تستمرَّ في فعله؟

  • ما جوانب الضَّعف لدى الشركة وما الذي يجب أن تتوقَّف عن فعله؟

  • ما الأشياء البالِغة الأهمية التي يجب أن تبدأ الشركة في فعلها؟

هذه أسئلة ممتازة يُمكن لقادة الشركات طرْحُها على أعضاء الفريق بصورة دورية. وما بين مؤشرات الأداء الرئيسة المُدرجة وهذه الأسئلة، ستكون الشركة قادرة على تركيز مواردها واهتمامها على الفُرَص الخارجية، وليس على الإجراءات البيروقراطية الداخلية والقواعد والأنظمة التي ربما لا تُضيف قيمةً كبيرة لتجربة العميل.

يبدو أنَّ العديد من قادة الشركات الذين نلتقيهم في الواقع خائفون من فِكرة التخلُّص من سجلَّات ساعات العمل؛ فهم يشعرون كما لو أنهم يتنازلون عن السيطرة الكاملة على فريقهم. والأسوأ من ذلك، أنهم يعتقدون أنَّ اقتراحنا بالتخلُّص من سجلَّات ساعات العمل هو بمثابة منح أعضاء الفريق الحرية الكاملة، وسوف يخلق حالةً من الفوضى في الشركة. لكنَّنا لا نُوصي بمنح الحريَّة للناس كي يفعلوا ما يحلو لهم؛ هذه ليست حُريَّة، بل هي «رُخصة». فمع مؤشرات الأداء الرئيسة، تُحمِّل الموظفين المسئولية عن «النتائج» التي يُحقِّقونها، وتلك ليست وصفةً لخلق الفوضى والاضطراب. نحن نؤمن بحقٍّ أنه عندما يشعُر قادة الشركات بأنهم بحاجةٍ إلى التحكُّم بشدَّة في المشتغلين بالمعرفة، فقد ارتكبوا خطأً في التوظيف. قدَّم بيتر دراكر اقتراحًا عمليًّا لمساءلة الموظفين عن مُساهمتهم، أَطلق عليها «رسالة الإدارة»:

إنَّ [وضع الأهداف] مهم للغاية لدرجة أنَّ بعض المُديرين الأكثر فعالية الذين أعرفهم يَخطُون خطوةً إضافية. فهم يجعلون كلَّ عضوٍ من مرءوسيهم يكتبون «رسالة المدير» مرَّتَين في السنة. في هذه الرسالة التي يُوجِّهها إلى رئيسه، يُحدِّد كلُّ مدير في البداية أهداف وظيفة رئيسه ووظيفته هو حسبما يراها، ثُمَّ يُحدِّد معايير الأداء التي يعتقد أنه يتوجَّب تطبيقها عليه. بعد ذلك، يسرد الأمور التي يجب أن يفعلها بنفسه لتحقيق هذه الأهداف والأشياء الموجودة داخل وحدته التي يعتبرها بمثابة عقباتٍ رئيسة. ويسرد الأشياء التي يفعلها رئيسه وتفعلها الشركة التي تُساعده وكذلك تلك التي تُعيقه. وأخيرًا، يكتب ما ينوي القيام به خلال العام المُقبل لتحقيق أهدافه. إذا قبل رئيسه هذا البيان، تُصبِح «رسالة المدير» هي الميثاق الذي يعمل بموجبه المدير. (مُقتبَس في فلاهيرتي، ١٩٩٩: ٩٣)

يتطلَّب تطبيق مؤشرات الأداء الرئيسة ورسالة الإدارة التي اقترَحَها دراكر اعتماد مبدأ القيادة، وليس الإدارة. وقد لُوحِظ في كثيرٍ من الأحيان أنَّ مُعظم قادة الشركة لا يستطيعون قيادة طابور من النمل إلى مأدبة غداء. قد يكون هذا صحيحًا أو لا؛ لقد رأَيْنا أدلَّةً تدعم كلَّ استنتاج. ولكن ما من شك في حقيقة أنَّ نظام القياس القديم لسجلِّ ساعات العمل يُدمِّر الرُّوح المعنوية للمهني ويُعيق الفعالية وخدمة العملاء. وبما أنها ليست طريقةً فعَّالة لقياس نتائج المُشتغِلين بالمعرفة، فلماذا تُصرُّ المهن على التمسُّك بها، بالرغم من جميع الأدلة التي تُرجِّح وجود بديلٍ مُمتاز؟

ليس الأداء بكفاءة هو الغرض من وجود الأعمال التجارية. إنما هدفها تحقيق الثراء للعملاء. إن التركيز التقليدي على الكفاءة في الاقتصاد القائم على رأس المال الفكري في غير محله. هذا لا يعني أن الإنتاجية ليست مُهمَّة، لكنها لا ينبغي أن تكون الدافع الذي يوجِّه الشركة إلى غرضها الأساسي ألا وهو تحقيق الثراء.

يمكن أن تصل الكفاءة إلى مستويات مُتطرِّفة تُثير الضحك. على سبيل المثال، أشكُّ في أن أي خبير كفاءة قد اقترح على الإخوة «نوردستروم» وضع آلات البيانو واستئجار عازفي البيانو في المتاجر الخاصة بهم. ما الذي يمكن أن يُضيفه هذا إلى الكفاءة؟ ولكن ما مدى «فعاليته» في توفير التميُّز التنافسي الذي يمكن لشركة «نوردستروم» الاستفادة منه لخلْق تجربة أكثر قيمةً لأعضاء فريقها وعملائها؟

إذا كانت الكفاءة هي الهدف النهائي لشركةٍ ما، فربما كان ينبغي على والت ديزني أن يكتفي بابتكار «سنووايت والأقزام الثلاثة»؛ فكَّر في توفير التكاليف من خلال التخلِّي عمَّا يقرُب من ٦٠ بالمائة من الأقزام!

تفهم شركات المعرفة هذه الديناميكية. فشركات «ديزني» و«مايكروسوفت» تعلم بوجود فرقٍ كبير بين الكفاءة و«القدرة على الإقناع». وقد شهد جوردون بثيون بنفسه التأثيرات السلبية للتركيز على التكاليف وحدها دون سواها عندما تولَّى قيادة شركة «كونتيننتال إيرلاينز». وحتى شركة «بِن آند جيري» فهمِتْ أن أيَّ شركة لا يمكن ببساطة أن تعمل بكفاءة بنسبة ١٠٠ بالمائة. فالشركات الجديدة التي حقَّقت الكثير من الثروة في العقود الماضية، بدءًا من «ياهو!» و«إنتل» وحتى «ستاربكس» و«مايكروسوفت» لم تصِل إلى المكانة التي وصلت إليها بالتركيز على الكفاءة؛ بل بالتركيز على تحقيق الثراء لعملائها. لماذا إذن تُقدِّس الشركات المهنية الكفاءة؟

لقد حان الوقت للاستعاضة عن الكفاءة بالفعالية، والبدء في قياس ما يهم، بدلًا من ممارسة المحاسبة من أجل المحاسبة. إن سجلَّات ساعات العمل ليس لها مكان في شركات المستقبل؛ لأنها لا تُمثل مقياسًا دقيقًا للنتائج والثروة اللَّتَين يُحقِّقُهما المشتغلون بالمعرفة لعملائهم.

مرة أخرى، الدفاعات الرئيسة الثلاثة عن سجلَّات ساعات العمل هي أنها:
  • أداة للتسعير.

  • أداة لقياس الإنتاجية والكفاءة.

  • أداة لمحاسبة التكاليف.

لقد دحَضْنا أول اثنَين من هذه الدفاعات، وسنُركِّز الآن على الثالث.

(٨) تفنيد الزعم القائل إنَّ سجلَّات ساعات العمل أداة لمحاسبة التكاليف

رون: ربما يكون الدفاع عن سجلات ساعات العمل بصفتها أداةً لحساب التكاليف هو الأقوى من بين الدفاعات الرئيسة الثلاثة المطروحة، ولكن ذلك لا يجعله عصيًّا على التفنيد. وكافتتاحية ادِّعائية ضد هذا الدفاع تحديدًا، سنستدعي من الفصل التاسع كيفية حساب المعدَّل القياسي المحسوب بالساعة في شركات الخدمات المهنية:

الحقيقة الأولى التي نُلاحظها أنَّ هذه ليست مُحاسبة تكاليف، بل هي توقُّعات بالأرباح. لا يُوجَد أي محاسبة تكاليف تُحدِّد الربح المطلوب — أو عائد الاستثمار — بين تكاليفه. هذا هو مفهوم تكلفة الفرصة البديلة. وبينما قد يستخدم الاقتصاديُّون هذه النظرية، فإن المحاسبين لا يفعلون ذلك. فبُمجرَّد حذف صافي الدخل المنشود من المعادلة، يُصبِح من الواضح في المقام الأول انخفاض السِّعر بالساعة بمقدار بين الثُّلث والنصف، أو ربما أكثر، اعتمادًا على نسبة صافي الدخل للشركة. بالنظر إلى هذا التخفيض، يُصبح من الواضح في المقام الثاني أنه من الصعب للغاية «إهدار» المال في شركة خدمات مهنيَّة على أي عميل أو مشروع. ومِن ثَمَّ، فإنَّ السؤال الأكثر أهمية الذي يتعيَّن على الشركات طرحه هو: «هل استطعنا «تحسين» الأرباح التي نجنيها من هذا العميل؟» وليس «هل حقَّقْنا أرباحًا من هذا العميل؟» احتمالات أنكم فعلتم ذلك مُرتفعة للغاية. ولا يمكن للمعادلة — أو محاسبة التكاليف على وجه الخصوص — الإجابة عن ذلك السؤال الأهم.

هذا لا يعني أنَّ الخسائر لا تحدُث، لكنها تأتي كنتيجةٍ لأخطاء التسعير واتِّساع نطاق النشاط أكثر من حدوثها بسبب تخصيص الكثير من المصروفات العامَّة لهذه المهمَّة. فبرغم كلِّ شيء، يُحدِّد السعر التكلفة، وإذا أهدرت الشركة المال على أيِّ عميل، فالأرجح أن تسعيرها — أو تكاليفها الداخلية المُتوقَّعة — غير صحيح. وعلى الرغم من هذه الحجة، فإن مُعظَم الشركات لا تستخدم سجلَّات ساعات العمل لأغراض حساب التكاليف؛ بل تستخدمها للتسعير. وبما أنَّ أخطاء الأسعار والفُرص الضائعة لا تظهر في تقارير محاسبة التكاليف وتقارير تحقيق الإيرادات، فإنَّ الشركة لا تكتسب أي معرفة جديدة فيما يتعلَّق بكيفية التسعير على نحوٍ أفضل مستقبَلًا. ويمكن للشركات زيادة الربحية من خلال تحسين طريقة التسعير أكثر بكثير من محاسبة التكاليف الدقيقة.

علاوة على ذلك، فإنَّ المصروفات العامَّة في شركة الخدمات المهنية «ثابتة»، على الأقل على المدى القصير والمُتوسِّط. أما على المدى الطويل، فتكون جميع التكاليف تقديرية؛ لأنَّ خيار إغلاق الشركة يكون متاحًا لك دومًا. في الواقع، لدى الشركات المهنية نِسبة مئوية أعلى من التكاليف الثابتة مُقارنة بشركات الطيران، ولكن انظُر كم مرَّة تُغير شركات الطيران أسعارها — نحو ١٢ مليون مرة في اليوم — من أجل تغيير قيمة كل مقعد، لا لأنَّ تكاليفها تتغيَّر هذا العدد من المرَّات. بمجرَّد تعيينك للمهني براتب ثابت، لا يهمُّ كثيرًا ما إذا كان يُقدِّم عطاءات على موقع «إي باي» (ساعات الذُّروة الزمنية لتقديم العطاءات تقَعُ بين الظهر والساعة ٦ مساءً، ويُفترَض أن يكون ذلك عندما يُصبح مُعظم الأمريكيِّين مُنهمِكين في أعمالهم.) أو يقوم بالنَّسخ أو يؤدِّي أعمالًا عقارية عالية المستوى: فالراتب ثابت. لا تُعيِّن الشركة مُوظَّفًا إضافيًّا في المقام الأول إلَّا عندما تتوقَّع على نحوٍ معقول أنَّ العائدات الإضافية من ذلك الشخص سوف تتجاوز تكلفته. فلِمَ الحاجة إلى إهدار تلك التكلفة الثابتة على عميلٍ واحد أو مهمَّةٍ واحدة لعميل واحد؟

نحن ببساطة لا نعتقِد أنَّ المهنيِّين لا يعرفون من هم عملاؤهم المُربحون وعملاؤهم غير المُربحين. في النَّدوات، دائمًا ما نطرح هذا السؤال: «هل يُمكنك ترتيب عملائك حسب الربحية، دون النظر إلى أي قوائم مالية؟» ودائمًا ما يكون الجواب نعم، كما ينبغي أن يكون. هناك ارتباط وثيق بين العملاء الذين تستمتع بتقديم الخدمة لهم وبين مدى ربحِيَّتهم؛ إنه ليس الارتباط الأمثل، ولكن نقترح عليك عدم العمل مع أشخاصٍ لا تستمتع بالعمل معهم، حتى لو كانوا مُربحين.

ومن المُثير للاهتمام أنَّ هذا السؤال نفسه يُطرح كذلك فيما يتعلق بأعضاء الفريق: «هل تعرف أي أعضاء فريقك هم المتميزون ومن ليس كذلك من دون النظر إلى سجلَّات ساعات العمل؟» ودائمًا ما يكون الجواب نعم. إذا كان هذا هو الحال، فما الحقيقة التي تَستجليها سِجلَّات ساعات العمل؟

انهمِكْ في التجربة الفكرية التالية: إنه اليوم الأول من السنة المالية، أو الميلادية. وبالنِّسبة للسَّنة القادمة، سيكون لشرِكتك العملاء أنفسهم، الذين ستُؤدِّي شركتك العمل نفسه من أجلهم، بسعر العام الماضي نفسه، وبهيكل التَّكلِفة نفسه في العام الماضي. إذا كنتَ قد تبنَّيتَ اتفاقيَّات السعر الثابت — لن يكون هناك أي أوامر تغيير لأنك لن تبيع خدمةً إضافية — مع جميع هؤلاء العُمَلاء الذين اتَّفقْتَ معهم على شروط السداد، هل ستحتاج إلى سِجلَّات ساعات العمل لكي تعرِف أأنت رابِح أم لا؟ الجواب هو لا.

الآن وَسِّع نِطاق التجربة. لنفترِض أنه في مُقابل كلِّ عميلٍ جديد، أو كلِّ أمر تغيير يخصُّ عميلًا حاليًّا، تستخدم التسعير بفلسفة الفصل التاسع، أي التسعير القائم على الربحية والهادف إليها. يمكنك تعزيز عرض القيمة الخاص بشركتك، وأن تعرِض شروط السداد وتُقلِّل من الحاجة إلى إرسال الفواتير، وأن تعرض خدمة وضمان السعر، وحزم خدماتك، وما إلى ذلك: هل ثمة أيُّ شكٍّ في ذهنك أنك ستكون قادرًا على التسعير بسعرٍ أعلى ربحية من الساعات المُفَوتَرة؟ سوف يُظهِر بيان دخلك قدرَ ربحيَّتك. نعم، إنه مؤشر مُتأخِّر، لكن سجلَّات ساعات العمل مؤشر مُتأخِّر أيضًا.

إذا كان أحد الاستشاريين يستطيع الولوج إلى الشركة من الخارج، وإجراء تحليل باريتو، وتحديد كيفية تصنيف مقاعد طائراتك (نسبة الدرجة الأولى، ودرجة رجال الأعمال، والسياحية الكاملة، والسياحية المخفضة، والترفيه)، وطرح أسئلة بيتر دراكر على أعضاء الفريق، وتحليل القوائم المالية لشركتك ومُقارَنتها بقوائم الشركات المُنافِسة استنادًا إلى بياناتٍ معيارية، وحساب بعض مؤشرات الأداء الرئيسة المُدرَجة، فهل لديك أدنى شكٍّ في أن ذلك الاستشاري سيكون قادرًا على الحصول على صورة دقيقة عن شركتك؟ إذا كان بالإمكان فِعل ذلك «من الخارج»، فلماذا لا يُمكن أن يفعل قادة الشركة الشيء نفسه من الداخل؟ إن سِجلَّات ساعات العمل، مثل القوائم المالية، مُؤشِّرات مُتأخِّرة للأداء المالي. نحن نُفضِّل تقييم القوائم المالية للشركة بصورة إجمالية، بدلًا من تحليل نتائج تحقيق مُعدَّلات الفائدة بالساعة، والتي لا تُقدِّم معلومات حول كيفية تحسين الربحية.

عندما تُكافئ الأشخاصَ على الساعات المُفَوتَرة، ستحصُل على ساعات مُفوتَرة، حتى إذا كانت الساعات المُسجَّلة في سِجلَّات ساعات العمل أكاذيب صريحة أو لا قيمة لها من حيث تحقيق نتائج للعميل. يُمكنك أيضًا وضْع قياسٍ مُثير يُبرهِن على صحَّة قانون سي نورثكوت باركيسون الذي يَنصُّ على ما يلي: «يحدُث التوسُّع في العمل لشَغْل الوقت المُتاح.» إن أيًّا من مُؤشِّرات الأداء الرئيسة لأعضاء فريق العمل المُوضَّحة في هذا الفصل ستؤدي مهمة فائقة في تحديد قيمة أحد الزملاء إذا ما قُورن ذلك بالاستناد فحسب إلى الساعات المُفَوتَرة.

كان من أقوال أندرو كارنيجي المأثورة المُفضَّلة: «اعتنِ أنت بالتكاليف وستعتني الأرباح بنفسها.» وفي شركات المستقبل، سنستعيض عن هذا القول ﺑ «اعتنِ أنت بأسعارك، وستعتني الأرباح بنفسها.»

الآن، من الواضح أنَّ الأمر ينطوي على ما هو أكثر من السعر، لكن التسعير هو الطريقة التي «تحصد» بها الشركة نتائج عرْض القيمة الذي تُقدِّمه، وبما أنَّ الأساس في نشاطك التجاري هو التسعير، فإنَّنا لا نُريد أن نُضيف تعقيدًا إلى المبدأ.

هذا الجدل بين مُحاسبة التكاليف والربحية لم يَنتَهِ بعد. فلا يزال يوجد الكثير من العمل في هذا الجانب. في عام ١٩٨٧، نشَرَ كلٌّ من أتش توماس جونسون وروبرت أس كابلان كتاب «الأهمية المفقودة: صعود وأُفول نَجْم المُحاسبة الإدارية»، الذي اختير في عام ١٩٩٧ كواحدٍ من أكثر ١٤ كتابَ إدارةٍ تأثيرًا ليَظهر في قائمة أول ٧٥ عامًا من تاريخ مجلة «هارفارد بيزنس ريفيو». ويرجِع الفضل إلى هذا الكتاب في إطلاق ثَورة التكلفة القائمة على النشاط. ومع ذلك، فقد سلك هذان المُفكِّران مَسارَين مُختلِفَين للغاية في الآونة الأخيرة: يُؤدِّي كابلان عملًا رائدًا في مجال بطاقة الأداء المُتوازِن، وانتقل جونسون إلى ما يُسمِّيه «الإدارة بالوسيلة». في الواقع، هما الآن في حالة خِصام، ولم يتحدَّث أيٌّ منهما إلى الآخر منذ سنوات.

ولأنَّ هذا الكتاب لا يتعامَل فحسب مع مستقبل الشركات، ولكن أيضًا مع مستقبل المِهَن، كُنَّا نعتقد أنه سيكون من المُفيد تسليط الضوء على الخلافات بين هذين المُفكِّرين الرائِدَين في مجال المحاسبة والإدارة؛ ومِن ثَمَّ تقديم بعض المُلاحظات الختامية حول موقِفِنا من مُناقَشَتِهما. إنَّنا نفعل ذلك لأن هذا النقاش لم ينتهِ بعد، كما أشرْتُ للتوِّ، وسيستمرُّ في التأثير على التفكير الإداري لعقودٍ قادمة. شكل ١٠–١ هو مَقال من تأليف آرت كلاينر بعنوان «ما هي التدابير المُهمَّة؟» لقد أعدتُ تقديمه هنا كاملًا، وقد ظهرَ لأول مرة في الربع الأول من عام ٢٠٠٢، في مجلة «ستراتيجي + بيزنس»، التي تنشرها شركة «بوز ألن هاملتون».

لقد كان كلٌّ من كابلان وجونسون مصدرَ إلهامٍ لنا. فقد استُلهِمت العديد من مؤشرات الأداء الرئيسة من مُقاربة بطاقة كابلان للأداء المتوازن لتحديد المؤشرات غير المالية التي تُحقِّق الربحية. وبما أنَّ بطاقة قياس الأداء المُتوازن تُنفَّذ في جميع الشركات من جميع الأحجام، سيتعيَّن إجراء المزيد من الأبحاث التجريبية لاختبارِ تأثيراتها الحقيقية. ومع ذلك، ما من شكٍّ في أن أيَّ نشاطٍ تجاري يجِب أن يكون قادرًا على التوصُّل إلى مؤشرات الأداء الرئيسة — أو عوامل النجاح الحاسمة — التي لها صفاتٌ تُؤهِّلها لتكون مُؤشرًا موجِّهًا ويمكن أن تساعد في تشكيل استراتيجية الشركة ورؤيتها.

شكل ١٠-١: ما هي التدابير المُهمَّة؟

كتبه: آرت كلاينر
مُناظَرة دامت عشر سنوات بين مُعلِّمَين مُتنازِعَين تُسلِّط بعض الضوء على مسألةٍ مُربِكة تتعلَّق بمجال الأعمال.

مِثل كل الشخصيات الرئيسة في قصَّةٍ جيدة تحكي عن خصومة، أصبح بوب كابلان وتوم جونسون رمزَين حيَّين لشيءٍ أكبر بكثيرٍ من نفسيهما. كانا في وقتٍ من الأوقات شريكَين بحثِيَّين ومُؤلِّفَين مُتعاوِنَين وكانا يتشاركان نجاحَهُما. لكنهما تخاصما لسنوات، وبنى كلٌّ منهما سمعتَهُ المهنيَّةَ على إثبات خطأ الآخر.

إنَّ نزاعهما، الذي دام أكثر من ١٠ سنوات، هو في جوهره خلافٌ أساسيٌّ حول مصدر نجاح الأعمال. هل يتحقَّق لأولئك الذين يقودون أعمالهم بأهدافٍ رقمية ومقاييس أداء، كما يؤكد البروفيسور كابلان؟ أم يتحقَّق لأولئك الذين يعتقدون، كما يقول البروفيسور جونسون، أنَّ الإدارة بالمقاييس أمرٌ خطير في جوهره؟

النِّزاع، بطبيعة الحال، لا يقتصِر فقط على قياس أو تقييم الأعمال. بل يتمحوَرُ حول السيطرة. في مُعظَم الشركات، تعتمِد الإدارة العُليا على القياسات — ليس فقط أهداف المحصلة النهائية، ولكن الأهداف الرقمية الأخرى بدءًا من «أهداف الدورة السريعة» إلى النتائج المرغوب فيها لاستطلاعات «رضا العملاء» — للإشارة إلى أولوياتها. هل تلك طريقة سليمة لإدارة شركة، أم لا؟

بالنسبة إلى البروفيسور كابلان، الأمر ليس سليمًا فحسب، ولكنه أساسي في تحقيق الربح. روبرت أس كابلان، البروفسيور الحاصل على كرسي مارفن باور لتنمية المهارات القيادية في كلية «هارفارد» للأعمال، وهو الشخصية الأبرز وراء نظرية التَّكلِفة المُعتمِدة على النشاط وبطاقة الأداء المتوازن (التي تُعدُّ أيضًا جزءًا من عنوانٍ لأفضل الكتب مَبيعًا في عام ١٩٩٦ «بطاقة قياس الأداء المتوازن: ترجمة الاستراتيجية إلى أفعال»، وهو كتاب نشرَتْه مطبعة كلية هارفارد للأعمال، وقد شارك في تأليف الكتاب البروفيسور كابلان مع المستشار ديفيد بي نورتون). وعلى الرغم من أن نظرية التكلفة المُعتمِدة على النشاط وبطاقة الأداء المتوازن مُستمدَّتان من طرق المحاسبة، يرى البروفيسور كابلان في كلٍّ منهما تغييرات ثقافية شاملة للإدارة بوجه عام. إنهما يكسِران الحواجز الثقافية الضِّمنية بين المالية والمحاسبة من جهة، والإدارة المعنية بالعمليات من جهةٍ أخرى، كل ذلك في سبيل تطوير استراتيجيات تشمل كلا الأمرين.

على سبيل المثال، التكلفة المُعتمِدة على النشاط، تَدمج في الحسابات المالية للشركات أنواع التكاليف المخفِيَّة التي لم تكُن واضحةً عادةً سوى داخل المصنع: الأخطاء في عملية الإنتاج مع تضخُّمها تدريجيًّا بحيث تخرُج عن نطاق السيطرة، وإهدار الجهد في عمليات مُعرقِلة تتعلق بترتيب الأجزاء، أو الوقت المُنقضي في الانتقال من مبنًى إلى آخر. ومن خلال الاستفادة من أجهزة الكمبيوتر لجمع هذه المعلومات من قياسات خطِّ التجميع واستطلاعات الموظفين، تُقسِّم طريقة التكلِفة المُعتمِدة على النشاط هذه التكاليف بين مشروعات وعمليَّات ومُنتَجات مُعيَّنة. وهذا يعني، على سبيل المثال، أنه إذا خُفِّضت نسبة اﻟ ١٠ بالمائة من المُنتَجات الأقل ربحيَّةً باستخدام طريقة التكلفة المُعتمِدة على النشاط، فسيكون هذا الخفْض أكثر دقَّةً — ويؤدي إلى زيادة الربحية أكثر — ممَّا كان سيحدُث في إطار مُحاسبة التكاليف التقليدية.

آراء مُعارِضة

إذا كانت طريقة التكلفة المُعتمِدة على النشاط تُساعد المراقبين الماليين في رؤية ما يراه موظفو العمليات، فإن طريقة كابلان الأخرى، بطاقة الأداء المُتوازِن، تتحرَّك في الاتجاه الآخر؛ فهي تساعد المديرين على دمْج رؤى المحاسبين في استراتيجياتهم؛ ونقصد بذلك أفضل المحاسبين، الذين يعرفون كيف يستخلِصون من كتلة البيانات العددية تلك الإحصائيات والنتائج القليلة ذات الأهمية الفعلية.

إن بطاقة الأداء المُتوازن، التي طُوِّرت نُسخة منها في الأصل لدى شركة «أنالوج ديفايسيز» (إحدى شركات أشباه المُوصِّلات ومقرُّها منطقة بوسطن)، هي نوع من التحديث لنظام الإدارة بالأهداف الذي ساعد بيتر دراكر في ريادته في فترة الستينيات من القرن العشرين. في ظلِّ نظام الإدارة بالأهداف، طُلِب من المُديرين وضع أهدافٍ مالية ومُحاسبة أنفسهم. وسَّعت بطاقة الأداء المُتوازِن نِطاق هذا الأمر بحيث لا يقتصر على الأهداف المالية، ولكن يشمل أيضًا أهداف تحسين العمليات التجارية وأهداف رضا العُملاء وأهداف «التعلم والنمو» (على سبيل المثال، «ما الذي فعَلْتَه في هذا الرُّبع من السنة لتحسين قُدرات المُوظَّفين في قِسمِك؟»). «التوازُن» في بطاقة النقاط هو الطريقة التي يتدرَّب بها المُديرون على أخذ جميع المعايير الأربعة في الاعتبار، وتقييمها على جميع المستويات الأربعة؛ مِمَّا يُقلِّل بشدَّة من احتمالات (على سبيل المثال) طرح مُنتجات تُلبِّي أهداف التكلفة النهائية ولكن لا تَجِد من يَشتريها.

يقول البروفيسور كابلان: «تُمثل طريقة بطاقة الأداء المُتوازِن مُنحنى العرْض من الاقتصاد الجُزئي ١٠١. إنها تُخبِرُك عن ماهية الأشياء، لا عن قيمتها. تُشبِهُ بطاقة الأداء المُتوازِن مُنحنى طلبٍ مُتعدِّد الأبعاد. إنها تُخبِرُك بالأشياء التي تَصنع قيمة.» ويقول إنَّ النِّظامَين معًا «يجعلان مفاهيم الاقتصاد عمليةً بالنسبة للشركات المُعقَّدة.»

هذا هو المكان الذي يضع فيه خصمُه في النزاع الحدَّ الفاصل. فيرى أتش توماس جونسون، الحائز على مقعد البروفيسور رتسلاف لإدارة الجودة في جامعة «بورتلاند» في ولاية أوريجون، أن تكييف الاقتصاد الجزئي مع عملية صُنع القرار الإداري خطأ جسيم يعود تاريخه إلى خمسينيات القرن العشرين على أدنى تقدير. وكما يشرح في كتابه الأخير (الذي كتبه بالتعاون مع الاستشاري السويدي أندرس برومس)، «أرباح طائلة: نتائج استثنائية من خلال الاهتمام بالعمل والموظفين» (سايمون آند شوستر إنك، فري برس، ٢٠٠٠)، تقوم كُلِّيَّات الأعمال التي يُهيمِن عليها عِلم الاقتصاد عن طريق الخطأ بتعليم طُلَّاب ماجستير إدارة الأعمال الشباب اتِّخاذ القرارات بالكامل استنادًا إلى معلوماتٍ كَمِيَّة، بدلًا من المعرفة الواضحة والمُفصَّلة عن كيفية أداء الشركة لعمَلِها. وفي ذلك كتَبَ البروفيسور جونسون يقول: «بمرور الوقت، أسهَمَ هذا النوع من التعليم في الهوَس الحديث في مجال الأعمال التجارية بتحقيق أرقام هائلة في الأرباح بغَضِّ النظر عن الضَّرَر الذي يحدُث في النظام الأساسي للعلاقات التي تدعم أيَّ مُؤسَّسة عِمادُها البشر.»

لا يُحبُّ البروفيسور جونسون أن يَعتبِر نفسه شخصًا مُتحمِّسًا أو مُبشِّرًا بفكرةٍ جديدة، ولكنه فعلًا كذلك؛ فهو يكتب عن استخدام الأرقام لتحديد الأولويات وعمليات التحكُّم، ويستخدِم كلماتٍ مِثل «المُعرقِلة» و«الفتَّاكة». كما يُلقي باللائمة على المشكلات التي تعترِض الشَّرِكات على وجه العموم — على سبيل المثال، المآزِق الحالية التي تواجهها ثلاث شركات لصناعة السيارات في الولايات المتحدة — على سُوء استخدام القياس. ويقول إنه إذا ركَّزت الشركات على «الوسائل» (على سبيل المثال، تصميم نظام إنتاج يجعل الأخطاء مرئيَّةً وقابلة للتَّصحيح في لحظة حدوثها)، فلن يُضطرُّوا إلى القلق بشأن فرْض الأهداف والغايات. ومِن الطبيعي أن تنخفِض أعداد الأخطاء. وستتولَّى «الغايات» أمرَها بنفسها.

حتى بالنسبة لبعض أصدقاء البروفيسور جونسون، يبدو هذا وكأنَّهُ حلم مِثالي في بعض الأحيان، وكان سيُواجِهُ مشكلةً كبيرة في إثبات صحَّة مذهبه لو أنه لم يستطِعْ تفسير حقيقة أنَّ شركةً كُبرى مُتعدِّدة الجنسيات تُدير بنجاحٍ جميع مصانعها بهذه الطريقة. من المُحتمَل أن تكون هذه الشركة هي شركة التصنيع الأكثر إثارة للإعجاب والتي تتطلَّع إليها الأنظار في أرجاء العالم: شركة «تويوتا موتور كوربوريشن».

الموت بالأرقام

مما لا شكَّ فيه أن البروفيسور كابلان هو أنجح الخصمَين، على الأقل إذا حكمت على أساس عدد الشركات التي تتبنَّى أفكاره. فقد ظهرت استراتيجية التجزئة الجديدة الجذَّابة لدى شركة «إكسون موبيل» من خلال تدريب بطاقة الأداء المتوازِن. وقد ورَدَ ذِكر كلٍّ من «فاني ماي» و«براون آند روت» و«سيجنا»، ومدينة شارلوت بولاية نُورث كارولاينا في كتاب البروفيسور كابلان والسيد نورتون الجديد، «الشركات المُرتكِزة على الاستراتيجية: كيف تزدهر شركات بطاقات الأداء المُتوازِن في بيئة الأعمال الجديدة» (مطبعة كلية هارفارد للأعمال، ٢٠٠٠). تستخدم عشرات الشركات طريقة بطاقات الأداء المتوازِن، والقيمة الظاهرية لما يُعرَف باسم «الأهداف العالية السقف» وأنواع أخرى من معايير الأداء لم تكن أعلى من قبل ممَّا هي عليه الآن.

إذن، ما الذي يراه توم جونسون ولا يَراهُ بوب كابلان؟ أو على نحوٍ أكثر دقَّة، أيُّهما أكثر نجاحًا «تويوتا» أم أي شركة تصنيع أخرى معروفة اليوم؟

للحصول على إجابةٍ شافية على هذا السؤال عليك أن تعود إلى عام ١٩٨٣، عندما كان البروفسور كابلان عميدًا لكليَّة الدراسات العُليا في الإدارة الصناعية بجامعة «كارنيجي-ميلون» في بيتسبرج. أشار أحد المديرين التنفيذيين في شركة «وستينجهاوس إلكتريك»، ويدعى توماس جيه مورين (وهو الآن عميد في كلية الأعمال بجامعة «دوكين») على البروفيسور كابلان بقراءة مَقالٍ مُثير للجدَل في مجلة «هارفارد بيزنس ريفيو» نُشر قبل عدَّة سنوات. كان هذا المقال، الذي عنوانه «إدارة طريقِنا نحو الركود الاقتصادي»، والذي كتَبَه ويليام جيه آبرناثي وروبرت أتش هايز من جامعة «هارفارد»، الأول في سلسلةٍ من هجومٍ ضارٍ على مبادئ الإدارة الموجهة ماليًّا. قال المقال إنَّ الشركات الأمريكية التي تَعيش على الأرقام كانت تموت بسبب الأرقام؛ إذ كانت تُغلِق خطوط الإنتاج المُربِحة لأنها بدَتْ مُكلِّفة على الورق، وكانت تُعرِّض نفسها دون داعٍ لمُنافِسين من اليابان.

كان البروفيسور كابلان نفسه رجلًا ماليًّا، لكنه وجد أنَّ الحُجة مُقنعةً. عندما طُلب منه التحدُّث في هذا الشأن في مؤتمر مُحاسبي كبير، بحث عن مؤرِّخ في مجال الأعمال لمساعدته على تتبُّع جذور المشكلة. وأوصى صديق مُشترك بالبروفيسور جونسون الذي درس مع أبرز مؤرخي إدارة جامعة «هارفارد» ألفريد تشاندلر. وقد أدرك الأستاذان كابلان وجونسون اهتماماتهما المشتركة، وتعاونا في كتابٍ لمطبعة كلية «هارفارد» للأعمال، نُشِر في عام ١٩٨٧ تحت عنوان «الأهمية المفقودة: صعود وأفول نجم المحاسبة الإدارية».

طُبِع الكتاب المذكور تِسع مرَّات منذ ذلك الحين، بما يكفي لجعله أحد كلاسيكيَّات الكُتب في مجال الأعمال. أتذكَّر بوضوحٍ أول مرة التقيتُه فيها، كمؤرِّخ ناشئ في مجال الإدارة، يسعى باستماتة لفَهم تأثير الأساليب المالية على عمليَّةِ اتِّخاذ القرار في الشركات. فلمَّا قرأتُ الكتاب، شعرتُ أنَّني قد حللتُ الشفرة. أظهَرَت الفصول التاريخية (التي كتَبَ مُعظمها البروفيسور جونسون) كيف أنَّ المُحاسَبة الإدارية لم تكن مُجرَّد «سمةٍ» من سمات الشركات الكبيرة الناشئة حديثًا في القرن التاسع عشر؛ بل الأرجح أنها جعلتها مُمكنة. على سبيل المثال، كان شعار أندرو كارنيجي هو «راقِب التكاليف، وستتولَّى الأرباح أمر نفسها.» فقد أعطى تحليل التكلفة عائلة كارنيجي في مجال الأعمال الأمريكي (وخُلفاءهم، مثل «ألفريد سلون» من «جنرال موتورز»، ورالف كوردنر من «جنرال إلكتريك») القوَّة لإنشاء شركاتٍ ضخمة ومُتعدِّدة الجوانب ومُتماسِكة ومُتَّسِقة طالما تفوَّقَت باستمرارٍ على مُنافِسيها براعةً وميزانية.

لكن مُحاسَبة التكاليف في حدِّ ذاتها لم تعُدْ كافية (على حدِّ زعم الأستاذين كابلان وجونسون) في ظلِّ المنافسة العالمية؛ نظرًا للمُتطلَّبات المُلحَّة من جانب المُستهلكين، والضغوطات القاسية في فترة السبعينيَّات من القرْن الماضي وما بعدَها. في الواقع، ومِثل العديد من العِلاجات التي يُفرَط في استخدامها، أصبحَتْ مُحاسبة التكاليف مُدمِّرة إلى حدِّ الإهلاك بالنسبة إلى مَن يتبنَّاها. وسأل المؤلِّفان سؤالًا استعاريًّا: لماذا استغرَقَ الأمر وقتًا طويلًا لهذه الدرجة حتى أصبح الضَّرَر البالغ للمُحاسبة مثل عائد الاستثمار واضحًا جليًّا؟ وقد فسرَّا ذلك بقولهما إنَّ المديرين قد عوَّضوا ذلك، بصورةٍ غير ظاهرة للعيان، بالتقييم البشري. ولكن عندما ازدادت الضغوط القصيرة الأجل، وقضى المديرون وقتًا أقلَّ في كلِّ منصب، تضاءل التقييم البشري. وكانت النتيجة هي ازدياد اعتماد المُديرين على الأرقام.

أخذ البروفيسور كابلان على عاتِقِه مهمَّة كتابة مُعظم المواد المُتعلِّقة بالمُمارسات الإدارية الحالية، وفي ذلك فصلَين يصِفان الحلول المُحتمَلة؛ فبما أنَّ المحاسبين قد تسبَّبوا في هذه الفوضى، فكيف يُمكنهم المساعدة في القضاء عليها؟ وقد بدأ مُؤخَّرًا العمل مع روبن كوبر، عضو هيئة التدريس في جامعة «هارفارد» الذي تركَّزت أبحاثه على الممارسات المُبتَكَرة لإدارة التكاليف، والذي كان يكتُب دراسة حالة لشركة «شريدر بيلوز»، وهي شركة مكوِّنات هيدروليكية يقع مقرُّها في كارولينا الشمالية. وقد ربطت الشركة بنك معلوماتها «أم أر بي» (وهو نظام «تخطيط موارد تصنيع» حاسوبي قياسي لجدولة الإنتاج، كانت تبيعه شركة «آي بي أم» في تلك الأيام) لضخِّ المعلومات مُباشَرةً في مُحدِّدات التكاليف العامة على المنتجات. لم يُذكَر مصطلح حساب التكلفة المُعتمِدة على النشاط على نحوٍ مُباشر في كتاب «الأهمية المفقودة»، ولكن سرعان ما أصبحت المُمارَسات الأولية للتكلفة المُعتمِدة على النشاط الموضحة في الكتاب هي نتيجته الأساسية، ومِن ثَمَّ كانت الموضوعَ المحوريَّ لمحاضرات وأحاديث المؤلِّفين.

يقول البروفيسور جونسون: «إنَّنا لم نتجادَل؛ لقد كانت الفُرصة سانِحةً وقد انتهزناها.»

وتهيَّأت الساحة للمعركة

ثم كان دور البروفيسور جونسون ليقترِب منه أحد رجال التصنيع. وكما يتذكَّر البروفسور جونسون، فإنَّ ريتشارد شوينبرجر، أستاذ الهندسة الصناعية في جامعة «نبراسكا»، قد أخذه جانبًا بعدَ حديثٍ له ليقول: «هذا أمر جيدٌ حقًّا. لقد أخبرتَ المحاسبين بما حاول المهندسون الصناعيون إخبارهم به طِيلةَ عقود. لكنَّك لا تتعمَّق في الأمر بما فيه الكفاية. فالتكلفة المُعتمِدة على النشاط تتحدَّث عن تعقُّب المصروفات العامة وصولًا إلى عناصر العمل. ولكن إذا كنتَ تستطيع تنظيم العمل على نحوٍ مُختلف، فلن تكون المصروفات العامة موجودةً من الأساس. وبدون تلك المصروفات العامة، لماذا تحتاج إلى محاسبة التكاليف من الأساس؟»

هكذا اضطُرَّ البروفيسور جونسون إلى الاعتماد على سعيه الخاص. فبدأ في دراسة طُرُق الجودة اليابانية والأمريكية، وديناميكا النظام، وأفكار الإدارة المُتأصِّلة في «العلوم الجديدة» مثل الفيزياء الكمومية والبيولوجيا التطوُّرية. (أودُّ أن أُفصِح هنا وأُضيف أنَّ هذا المسار أدَّى به إلى أن يُصبِح مُساهمًا في كتابٍ قُمتُ بتحريره، عنوانه «رقصة التغيير: تحديات الاحتفاظ بالزَّخم في مُؤسَّسات التعلُّم» مع بيتر سينج وآخرين). بحلول سبتمبر ١٩٩٢، غيَّر البروفسور جونسون آراءه بما يكفي لنشر مقالٍ في مجلة «ماندجمنت أكونتينج» بعنوان: «حان الوقت للكفِّ عن المُبالَغة في الإطراء على المفاهيم المُعتمِدة على النشاط». وقال في ذلك المقال: «لقد نتَجَ عن أنظمةٍ مثل بطاقة الأداء المُتوازِن عملياتٌ غَير مستقرَّة، وعُملاء غير سعداء، وفقدان للوظائف.» قام كابلان بالردِّ بعدَ شهرَين فقط في المجلة عينها، في شكل حوار سُقراطي. وجاء فيه: «بعض المؤيدين قد اكتَسَبوا إيمانًا خفيًّا بقُدرة [تحسين الجودة] على حلِّ جميع المشكلات الإدارية والتنظيمية تقريبًا.» مِن الواضِح أنه كان يعني البروفيسور جونسون.

ودُقِّتْ طبول الحرب. وتوقَّف الاثنان عن التحدُّث بعضهما إلى بعض، وفي كُتُبهما التالية «استعادة العلاقة: من التحكُّم المُتَّجِه من أعلى إلى أسفل، إلى التفويض المتَّجه من أسفل إلى أعلى» (شركة «سايمون آند شوستر»، «فري برس»، ١٩٩٢) للبروفسور جونسون، و«التكلفة والأثر: استخدام أنظمة التكلِفة المتكاملة للدَّفع بالربحية والأداء» (مطبعة كلية هارفارد للأعمال، ١٩٩٧) للبروفيسور كابلان والبروفيسور كوبر؛ كرَّس كلٌّ منهما فصلًا للنَّقد اللَّاذِع لأفكار الآخر.

بعد ذلك بفترةٍ وجيزة، دُعِيَ البروفيسور جونسون لدراسة نظام «تويوتا» مُباشرة، لا سيما في مصنعها الجديد في جورج تاون بولاية كنتاكي. ويَصِف في كتابه «أرباح طائلة»، النتائج التي توصَّل إليها بالتفصيل. يُنتج المصنع نحو ٥٠٠ ألف سيارة في السنة، ويعمل به نحو ٧٥٠٠ شخص لتحقيق ذلك. وعلى العكس من معظم شركات صناعة السيارات، لا تطلُب «تويوتا» من تُجَّارها أن يُخمنوا ما هي الباقات الأكثر شعبيةً من الخيارات والطُّرُز، ثم تقوم بتصنيع مُنتجاتها وفقًا لذلك. عوضًا عن ذلك، فإنها تعمل على تجميع كل سيارة لتتناسب مع مواصفات العميل الفردي على الفور.

وعلى الرغم من أن شركة «تويوتا» تستفيد من بعض المؤشرات الكميَّة للأداء — مثل معدلات الطاقة الإنتاجية، ومعدلات العيوب، ومعدلات العمل المباشر لرؤساء مجموعات العمل — فإن هذه المؤشرات لا ترتبِط كثيرًا بصُنع القرار التشغيلي. في الأساس، يُحدِّد أعضاء الفِرَق ورؤساء المجموعات الإجراءات داخل المصنع. ويُصمَّم كلُّ شيء من حولهم لتحسين مستوى اليقظة والاهتمام ورفاهية العاملين هناك. فالمنشآت نظيفة وهادئة على نحوٍ لافت (كما أشار مُراقب صناعة السيارات المُحلِّل ماريان كيلر). كما يتبادل الأشخاص مواقعهم على الخطِّ كلَّ ساعتَين لتجنُّب الإجهاد والملل. وقد قال أحد المهندسين المُتخصِّصين في الهندسة البشرية في «تويوتا» للبروفسور جونسون ذات مرَّة: «الخروج من أيِّ مُناوبة عمل يجِب أن يُعطي شعورًا بإنهاء تمرينٍ قاسٍ لكنه مُحفِّز.»

تُعدُّ كلُّ محطةٍ في الأساس مَوردًا للمحطة التالية في خط الإنتاج (عميلها الداخلي)؛ حيث تُوفِّر المكونات التي تحتاجها المحطة التالية في اللحظات المناسبة تمامًا. وهذا بدَوره يعني أن العاملين في كلِّ محطة يجب أن يكونوا على دِراية بتدفُّق المنتَج عبر المصنع كله. إنهم يصلون إلى تلك الدرجة من الوعي؛ لأنَّ خط التجميع لم يُضبط لتحقيق هدفه بناءً على التكلفة أو الاعتبارات المالية الأخرى. بل ينحسِر ويتدفَّق وفقًا لوتيرة الطَّلَب من جانب العملاء. (يُطلِق العاملون في «تويوتا» على هذا الإيقاع اسم «تيكت تايم» «الوقت اللازِم لإنتاج وحدةٍ من المنتج»، وهذا المصطلح اشتُقَّ من المقابل الألماني لمصطلح «العداد الموسيقي» وقد استعارته الشركة خلال ثلاثينيات القرن العشرين.) وتعمل الآلات وكذا العمال على إعادة ضبط أنفسهم بكل سهولة مع كل مُنتَج جديد. يعمل الأشخاص في تناغُمٍ مما يُسهِّل ملاحظة أي قصور قد يظهر بعد مرور عدة أسابيع كرقم في جدول بيانات التكلفة المعتمِدة على النشاط ويتلافَونه في الحال.

يمكن شدُّ أحبالٍ وضُعت قريبًا من كل محطة عند «الشعور» بخطأ ما. وعند شدِّ أحد تلك الأحبال، فإنه لا يتسبَّب في إغلاق الخط بأكمله (كما هو الحال في مصنعٍ نمطي، مع وجود مُشرفين قلقِين بشأن آلاف الدولارات التي فُقدت خلال فترة التوقُّف). بل يُهرَع فريق الدعم للتحقيق في الأمر؛ جُزء من الخطِّ قد يتوقَّف بينما تستمرُّ بقية العمليات.

إنَّ مصانع مِثل مصانع «تويوتا» توفِّر المال ويتحقق ذلك جزئيًّا عن طريق التخلِّي عن المصروفات العامة الضخمة لأنظمة المحاسبة والتحكم. إنهم يستعيضون عنها بثقتهم بأنَّ العاملين، في ضوء التدريب المناسب والتصاميم التكنولوجية، سوف يُديرون الإنتاج بطريقةٍ أكثر فعاليةً من الأرقام. يقول البروفيسور جونسون: «مشكلة الإدارة بالبيانات أنها تخلُق طريقة تفكيرٍ تدفع العاملين إلى إعطاء اهتمامٍ أقلَّ لتفاصيل العمل اليومية.»

تعرَّض البروفيسور جونسون لانتقاداتٍ لكونه غامضًا وغير مُقنِع. لكن أكبر أسباب انتقاده (كما قال دبليو إدواردز ديمنج أمامه، والذي أشار إلى عملية وضع الأهداف بأنها «إدارة بالخوف» ووصفَها بأنها «عديمة الجدوى») تمثَّلَت في أن المقاييس والتصنيفات تبدو طريقةً طبيعية لدفع الناس إلى التحسن. يعتقد معظم المديرين حدسيًّا أنه لا يمكن الحصول على نتائج أفضل إلَّا بتحديد الأهداف والغايات، لا سيما «دوافع العمل» المتطوِّرة لبطاقة الأداء المتوازن والطُّرق المشابهة. إذا خفض المُدراء، بعد هذه الأهداف، التكاليف بطُرُق آلية أو غير فعالة، فعندئذٍ لن يكونوا مُنضبطين بما يكفي. وقد قال البروفيسور كابلان في مقابلة أُجريَت معه مؤخرًا: «إنَّ التكلفة ليست أمرًا طبيعيًّا يمكن قياسه مِثل العائدات، إنه بناء؛ يجب أن تُشيِّده.» ويحتجُّ بالقول إنه بدون مثل هذا البناء، حتى الشركات التي تحرِص على الجودة يمكن أن تفشل ماليًّا.

الأميبا مُقابل البلُّورة

بالنسبة لشخصٍ مِثلي يكتب عن الإدارة دون أن يكون مسئولًا عن النتائج، مِن المُغري جدًّا الوقوف في صفِّ البروفيسور جونسون و«تويوتا». ولكن بعد ذلك أفكر فيما قاله ديفيد إي ميدور. إنه المسئول المالي الأول لدى شركة «دي تي إي أنيرجي»، وهو مُوظَّف مالي سابق في شركة «كرايسلر»؛ حيث كان مسئولًا عن تطبيق نظام بطاقة الأداء المتوازن. «بعض الناس يسمعون توم يتحدث ويقولون: «الأمر أشبه بمن يقود الشركة نحو المجهول. إنه إلهاء حقيقي عن النتائج القريبة الأجل.» وأنا أعلم أنَّ هذا يُصيبه بالإحباط، لأنه ليس قصده. لكن صه، إذا لم أُحفِّز على تحقيق بعض النتائج القريبة المدى، فلن يكون لديَّ وظيفة. اجعل الشركة قادرةً على المنافسة وحافِظ لي على وظيفتي، وبعد ذلك يُمكنني العمل على بعض التعزيزات والتحسينات.»

بعبارة أخرى، كي تمضي بشركتك قُدمًا على خُطى «تويوتا»، ينبغي عليك التخلي عن معظم ممارساتك الحالية وإيمانك المعتاد والمُتجذِّر بأن الأمور ستُنجَز فقط إذا تُحكِّم بها دون هوادة ورُوقِبت. تقوم شركة «تويوتا» بصَقْل منظومة التصنيع لديها منذ أكثر من ٦٠ عامًا، استنادًا إلى خبرتها السابقة كشركةٍ مصنِّعة للنسيج. وعلى النقيض من ذلك، يمكن تأسيس نظام لبطاقة الأداء المتوازن قابل للتطبيق في غضون سنةٍ أو اثنتَين.

نحن نعلم أنَّ مزايا منهج جونسون ستتجلَّى ببطء، وسوف تكون المقاومة الأولية كبيرة. ونعلم أن منهج كابلان سيُؤتي ثماره على نحوٍ أسرع، وستتجلَّى المزايا سريعًا. لكنَّنا لا نعرِف الأخطار الطويلة المدى لأساليب كابلان. ماذا لو كان الاستخدام المستمرُّ لما يُعرَف باسم «دوافع العمل»، والقياسات، والأهداف الممتدَّة، يشلُّ الشركات على المدى الطويل، من خلال إنهاك موظفيها إلى أن يغادروا الشركة أو تضمُر مهاراتهم؟ هذا هو بالضبط ما لاحظه أستاذا جامعة «هارفارد»، آبرناثي وهايز، في المقال الذي وضع كلًّا من البروفيسور جونسون والبروفيسور كابلان على بداية هذا المسعى الفكري الطويل.

إذا كان البروفيسور جونسون على حق، فإنَّ العديد من المؤسسات التي تتبنى نظرية بطاقة الأداء المتوازن ستُواجِهُ نفس النوع من الانحدار في النهاية. في الواقع، يُعبِّر بعض المؤيدين الأوائل لنظرية بطاقة الأداء المتوازِن عن خيبة أملهم بشأن نتائجها في الوقت الحالي. فقد قال روبن كوبر مؤخَّرًا: «لا أحد يُنكر قُدراتها الفائقة. ومع ذلك، تأمَّل جميع الشركات التي جرَّبتْها وستجد أن عددًا كبيرًا منها فشل في الاستفادة من الرُّؤى الكاشفة التي قدَّمَتْها.»

حسب علمي، لم يُجرِ أحد حتى هذا النوع من التحليل المتعمِّق الطويل المدى على نجاحات وإخفاقات شركاتٍ مُتنوِّعة بالقدْر الذي يُساعدنا في الحُكم أي الأستاذَين على صواب. وفي الوقت نفسه، يُمكنك أن تكون واثقًا على نحوٍ معقول — مع تثبيت العوامل الأخرى — من أنَّ أساليب البروفيسور كابلان ستجعلك مُتقدِّمًا في المجال، ومُتفوِّقًا في أدائك على جميع المنافسين على الأقل على المدى القصير. وبالطبع يستثنى من ذلك العدد المحدود جدًّا من الشركات مثل «تويوتا» التي تتبع مسارًا مختلفًا تمامًا عن مبادئ نجاح الإدارة. هي حتمًا تكتسب سُمعة استثنائية لا مثيل لها، وهي تختلف عن الشركات التقليدية كما تختلف الأميبا عن البلُّورة. فالبلُّورة تبدو وكأنها الرهان الرابح، ولكن الأميبا فقط هي التي لديها استعداد لأن تتطوَّر.

«ما هي التدابير المُهمَّة؟» بقلم آرت كلاينر، من مجلة «ستراتيجي آند بيزنس»، العدد ٢٦، الربع الأول من عام ٢٠٠٢، مجلة الإدارة الفصلية التي تصدُر عن دار نشر «بوز ألن هاملتون». www.strategy-business.com & http://www.well.com/user/art.

ومع ذلك، من الصعب دحْض وجهة نظر جونسون. فكتابه، «أرباح طائلة: نتائج استثنائية من خلال الاهتمام بالعمل والموظفين»، هو عمل رائد، على الرغم من أنه لم يُطوَّر بالكامل بعد. وفي حين أنَّ لديَّ تحفُّظات بشأن اللغة المُتأنِّقة التي استخدمها في الكتاب بوجهٍ عام، لكنه عندما يصِف كلًّا من «تويوتا» و«سكانيا» — التي تملكها الآن شركة «فولفو» — بأنهما شركتان لا تطبقان نظامًا قياسيًّا فيما يتعلق بمحاسبة التكاليف، فإنه يقف على أرضية صلبة. من الصعب أن نُجادل في النتائج؛ فشركة «تويوتا» واحدة من أفضل الشركات مكانةً في العالم، وقد أنتجتْ واحدةً من أفضل المنتَجَات بأقلِّ تكلفةٍ في الصناعة لسنوات. والشركة لدَيها سِجلٌّ من الأرباح لا مثيل له، مع انعدام تسريح العمال، وهي مُبتكِرة جبَّارة منذ عام ١٩٦٠ (سجل لا مثيل له في الصناعة). وتحتل المرتبة الأولى في أي مِقياس للإنتاجية تهتمُّ بتحليله. وتقترِب القيمة السوقية من القيمة الإجمالية لصُنَّاع السيارات الثلاثة الكبار مجتمعين في كل عام تقريبًا باستثناء عام ١٩٩٨. وفي عام ١٩٩٧، تجاوزت القيمة السوقية لشركات السيارات الثلاث الكبرى.

وكما يقول جلين أومينجر، وهو مُراقب مالي منذ عام ١٩٨٨ في مصنع «تويوتا موتور مانيوفكتشرينج» بولاية كنتاكي — الذي يَدرُسه جونسون بعُمق في كتابه — إذ يقول: «لم يكن لدى شركة «تويوتا موتور مانيوفكتشرينج» بولاية كنتاكي قطُّ نظام تكلفة قياسي لتتبُّع تكاليف التشغيل، والأرجح أنَّ هذا لن يحدُث أبدًا.» فكيف يفعلون ذلك؟ كيف يمكن لشركة تصنيع أن تعمَل بدون نظامٍ قياسي لحساب التكاليف؟ تكمُن الإجابة في نظرية ذاتية القيمة التي شرحناها في الفصل التاسع، وكيفية تسعير لي أياكوكا للسيارة فورد موستانج. تُدرِك «تويوتا» أن الأسعار تؤثر في التكلفة، وليس العكس. فيما يلي شرح جونسون لذلك في كتابه «أرباح طائلة»:

لا يعني أي من هذه التعليقات أن «تويوتا» ليس لدَيها أنظمة معلوماتية تتعلق بالمحاسبة ووضع الخطط الإنتاجية. في الواقع، هي لدَيها هذه الأنظمة. فالشركة تمتلك مجموعة شاملة من أنظمة المعلومات، والأنظمة المُحاسَبيَّة وغير ذلك، توضع الخطط استنادًا إليها، قبل العمليات، وبموجبها «تُعد التقارير» بشأن نتائج العمليَّات بعد تحقُّقها. لكن «لا يُسمَح للمعلومات المستقاة من هذه الأنظمة بالتأثير على القرارات التشغيلية». (جونسون وبرومز، ٢٠٠٠: ١٠٦)

تتحمَّل إدارة «تويوتا» مسئوليتها عن التكاليف لا عن طريق اتخاذ خطوات اعتباطية في التعامُل مع العمليات، وإنما تضطلع بهذه المسئولية في مرحلة تصميم المركبات بالأساس. فخلال مرحلة التصميم، وقبل تخصيص قرشٍ واحدٍ لصُنع سيارة بوقتٍ طويل، دائمًا ما كانت شركة «تويوتا» تعلق أهميةً كبيرة على تحديد أهداف التكلفة وتحقيق تلك الأهداف. وللقيام بذلك، ابتكرَتْ شركة «تويوتا» على مرِّ السنين أسلوبًا شهيرًا للتكلفة المُستهدفة. والتَّكلفة المُستهدفة — ببساطة — هي التكلفة القُصوى التي يمكن للشركة تكبُّدها لإنتاج وبَيع سيارة، مع تحقيق ربحٍ مطلوب بالسعر المتوقَّع من العملاء دفعه. (المرجع السابق: ١٠٩)

بالتأكيد تعمل شركات الخدمات المهنيَّة على أساس هوامش ربحٍ إجمالي أعلى من «تويوتا»؛ إذن إن كان بإمكان «تويوتا» الانخِراط في التسعير المُستهدَف، فما عُذر الشركات المهنيَّة؟ يُتابع جونسون شرْح نظريته بأنَّ «تويوتا» تعمل تحت منظومة «الإدارة بالوسائل» وليس «الإدارة بالنتائج». إنها وجهة نظر مُثيرة للاهتمام لأنها تنظُر إلى الشركة باعتبارها نظامًا حيًّا، يقوم على علاقات مُترابِطة، والتي تكاد تكون مُستعصِية على الإحصاء. ويُشير إلى ملاحظة د. إدواردز ديمينج أنَّ أكثر من ٩٧ بالمائة من الأحداث التي تؤثِّر على نتائج الشركة لا يُمكن قياسها، في حين أنَّ أقلَّ من ٣ بالمائة ممَّا يؤثر على النتائج النهائية يمكن قياسه. ويقول:

بطبيعة الحال، سيقبَل المديرون الذين يتبنَّون الأفكار الجديدة المطروحة هنا الفكرة القائلة إنَّ ما يُقرِّر مدى ربحية الشركة على المدى الطويل هي الطريقة التي تُنظم بها عملها، وليس مدى نجاح أعضائها في تحقيق الأهداف المالية. يُقارن هذا الفصل بين السجلَّات الطويلة الأمد لشركة «تويوتا» وشركات صناعة السيارات الأمريكية «الثلاث الكبار» لإثبات صحَّة هذا الطرح. إنه يَعتبِر مبادئ «تويوتا» مثالًا للتفكير الإداري الجديد الذي يُطلَق عليه «الإدارة بالوسائل». ويختلف أسلوب الإدارة بالوسائل تمامًا عن مُمارسات «الإدارة بالنتائج»، المعروفة لدى المنافِسين الأمريكيين ﻟ «تويوتا». فأولئك الذين يُديرون بالنتائج يُركِّزون على الهدف النهائي، ويَعتبرون أنَّ تحقيق الأهداف المالية يُبرِّر المُمارسات المُدمِّرة بطبيعتها. أما من يُديرون بالوسائل فيرَون أن الغاية المرغوب فيها ستتحقَّق بصورةٍ طبيعية كنتيجةٍ لرعاية أنشطة جميع المُوظَّفين والمورِّدين بطريقةٍ إنسانية. تتطلَّب الإدارة بالوسائل تغييرًا جذريًّا في التفكير والذي يعدُّ بديلًا جريئًا للتفكير والممارسة الإداريَين التقليدِيَّين. (المرجع السابق: ١٢)

إن المحاسبة الإدارية تأخُذ ببساطةٍ المعلومات المتعلِّقة بالعائدات، والتكلِفة، والربحية، والتي تُناسِب قياس النتائج المالية الإجمالية للشركة وتُحاول على نحوٍ غير مُلائم تعقُّبها فيما يتعلق بأنشطةٍ ومنتجاتٍ مُعيَّنة للشركة أدَّت إلى تلك النتائج. وتخصيص مثل هذه التدابير الكمية لأجزاءٍ من نظامٍ آلي أمرٌ منطقي. ومع ذلك، لا يُمكن معالجة أجزاء من نظامٍ حي طبيعي بهذه الطريقة. فلا يمكن للإجراءات المحاسبية اختراق الاتحاد العضوي المُتعدِّد الأوجه بين العميل والشركة والذي هو في النهاية مصدر النتائج المالية للشركة. وهذا الاتحاد هو السبب في وجود أي شركة. (المرجع السابق: ١٤٥)

ونظرًا لأنَّ التكلفة والرِّبح عبارة عن خصائص تنشأ عن العلاقات، فإنَّ المقاييس الكمية يمكن أن تصِفَها فقط، دون تفسيرها. فلا تستطيع المقاييس الكمية، على عكس الفن أو الموسيقى أو القصص والأساطير التي يصُوغها البشر بالكلمات، أن تنقل فهمًا للأنماط المتعدِّدة الأبعاد التي تُشكِّل العلاقات التي تنشأ عنها النتائج، مثل التكلفة والأرباح، الناشئة عن نظام حي. (المرجع السابق: ١٨٨)

إذا كان كارنيجي قد قال: «راقِب التكاليف، وستتولَّى الأرباح أمرَ نفسها.» فإن جونسون يقول: «اهتمُّوا بالوسائل، وستتولَّى النتائج أمرَ نفسها.» وكابلان يقول: «قِس النتيجة، وستتولَّى الوسائل أمر نفسها.» ونحن نقول: «اهتمَّ بتسعيرك، وسوف تتولَّى الأرباح أمرَ نفسها.» وعلى الأرجح أنَّ الحقيقة تكمُن في مكانٍ ما بين ذلك، وهذا هو السبب في أنَّنا استعرْنا أفكارًا من هذَين المُفكِّرَين. ومع ذلك فإنَّنا نعتقد أن جونسون أقرب إلى الحقيقة من كابلان، كما قد يتَّفِق معنا بيتر دراكر:

لا أعتقِد أن بإمكان المرء إدارة شركة من خلال التقارير. أنا رجل أرقام، وكميات مُحددة، وأحد هؤلاء الأشخاص الذين تتحدَّث معهم الأرقام. وأعرف أيضًا أن التقارير تجريدات، وأنها لا يمكن أن تُخبرنا إلَّا بما قرَّرنا السؤال عنه. هي تجريدات عالية المستوى. هذا لا بأس به إذا كان لدَينا الفهم والمعنى والإدراك الحِسِّي. يجب على المرء قضاء الكثير من الوقت في الخارج، حيث تكون النتائج. فداخل الشركة، ليس لدى المرء سوى التكاليف. فلينظُر المرء إلى الأسواق، والعُملاء والمجتمع، والمعرفة، وكل هذه الأشياء تقَعُ خارج شركته، كي يعرِف ما يحدُث بالفعل. هذه التقارير لن تُخبِرك بشيءٍ من ذلك أبدًا. (مُقتبَس في فلاهيرتي، ١٩٩٩: ٨٦)

يحتاج العالم إلى شخص جديد كفريدريك تايلور— وباستثناء بيتر دراكر، الذي هو متفرد في مكانته — فإن كابلان وجونسون هما بالتأكيد من المنافسين الجدِّيين. لذا فليستمر العداء.

(٩) هل مِن مقياسٍ اقتصادي أمثل يُمكن اتِّباعه؟

رون: في كتابه «من الجودة إلى الروعة: لماذا تنجح بعض الشركات في تحقيق قفزة … وبعضها لا ينجح»، يطرح جيم كولينز سؤالًا ممتعًا يستحقُّ التأمُّل فيما يتعلق بشركات المستقبل:

لقد لاحظْنا شكلًا مُثيرًا للغاية من الرؤية الاقتصادية التي حقَّقتها كل شركة من الشركات المتحولة من الجودة إلى الروعة، وهذا ما نُطلِق عليه مفهوم «المقياس الاقتصادي» الواحد. فكِّر في الأمر من خلال السؤال التالي: «إذا كان بإمكانك اختيار معدل واحد فقط — الربح لكل س (أو في القطاع الاجتماعي، التدفُّق النقدي لكل س) — لزيادة مُنتظمة بمرور الوقت، فما هي س التي سيكون لها أعظم وأكبر تأثير مُستدام على مُحركك الاقتصادي؟» لقد تعلَّمْنا أنَّ هذا السؤال الفردي يؤدِّي إلى رؤية مُتعمِّقة بشأن الآلية الداخلية لاقتصاد أي شركة.

حولت شركة «والجرينز» تركيزها من الرِّبح لكل متجرٍ إلى «الربح لكلِّ زيارةٍ يقوم بها العميل». إن المواقِع الملائمة باهظة الثمن، ولكن من خلال زيادة الربح لكل زيارة لعميل، تمكنت شركة «والجرينز» من زيادة إمكانية الوصول إلى متاجِرها (تسعة متاجر في نطاق ميل!) وفي الوقت نفسه زيادة الربحية عبر منظومتها بالكامل.

«جيليت»: رِبح لكل عميل. الفكرة المفتاحية: عَكَس التحوُّل من الربح لكلِّ قِسم إلى الربح لكلِّ عميل القُدرة الاقتصادية لعمليات الشراء المتكررة (على سبيل المثال، عبوات أمواس الحلاقة) مضروبة في الربح المرتفِع لكل عملية شراء (على سبيل المثال، ماكينة جيليت ماك ثري، وليس شفرات الحلاقة ذات الاستعمال للمرة الواحدة). (كولينز، ٢٠٠١: ١٠٤–١٠٦)

•••

بول: تعاوَنَت لاري سلدن من كلية الأعمال بجامعة «كولومبيا» مع مدير تحرير مجلة «فورتشن» جيفري كولفين لكتابة مقال رائع في طبعة ٣٠ سبتمبر ٢٠٠٢ من المجلة. كان عنوان المقال: «هل سيُقلِّل هذا العميل من قيمة سهمِك؟ إليك أحدث طريقة للحصول على الميزة التنافُسية: تعرَّف على مدى ربحية عملائك.» تمسُّ افتتاحية المقال وترًا حسَّاسًا:

من هم عملاؤك غير المُربحين؟ لقد طرَحْنا مؤخرًا سؤالًا على كبار المسئولين التنفيذيين في إحدى كُبريات شركات البيع بالتجزئة في أمريكا. وقد ردُّوا بتحدٍّ بأنهم ليس لديهم عُملاء غير مُربحين.

اعلم الآنَ أنَّ هذه الشركة كانت تُواجِهُ متاعب؛ فهي لم تكن تربَح ما يكفي لتغطية تكلفة رأس المال. كان مُحلِّلو «وول ستريت» ينتقدونها وكانت أسهمها أسوأ من معظم مُنافِسيها. غير أن قادتها أصرُّوا على أنه من خلال ممارسة مالية غامضة من نوعٍ ما، أسهم ملايين العُملاء الرابحون بطريقةٍ ما أو بأُخرى في خسارة الشركة.‎

الحقيقة التي صدمَتْهم هي أنَّ بعض عُملائهم كانوا غير مُربحين مُطلقًا. ببساطة كان مجرَّد القيام بأعمالٍ تجارية مع عملاء مُعيَّنين يُقلِّل من أرباح الشركة وقيمة المساهمين. ثمة عملاء آخَرُون كانوا مُربحين على نحوٍ مُذهِل، لكن تأثير العُملاء السَّيِّئين كان يُغطي على تلك الأرباح.

«كانت هذه الشركة تُنفِق في الواقع الأموال لجلب العملاء الذين تسبَّبوا في خفض قيمة الشركة.» (سلدن وكولفين: ٢٠٠٢)

ويمضي المقال في توضيح قيمة مقياس الربح لكل عميل بالنسبة إلى الشركات بدءًا من تجَّار التجزئة وصولًا إلى البنوك. إنه مقالٌ يدعو للتبصُّر مثل تعليق رون: «العملاء السيئون يُطيحون بالعُمَلاء الجيِّدين»، والذي أُشير إليه باسم قانون بيكر. ولا تغضَّ النظر عن هذه النقطة: حتى لو تمسَّكتَ بالعملاء السيئين لأنك خائف من أن تفقِدَهم، فإنهم هم من سيُطيحون بك!

•••

رون: إذن ما المقياس الوحيد لشركة المستقبل؟ نحن لا نعلم. ربما الربح لكل وحدة من رأس المال الفكري، ولكن ليس لدَينا حتى الآن الأدوات والمنهجيَّات لقياس هذا (على الرغم من وجود النماذج التي تُحاول القيام بذلك). نحن نميل إلى فكرة فجوة القيمة التي شرَحْناها في معرض الحديث عن مؤشرات الأداء الرئيسة؛ وتعني الفجوة بين ما يمكن أن تُقدِّمه لأحد العملاء على مدى حياته في مُقابل ما تُقدِّمه فعليًّا (يُقاس بالعائدات). من شأن سدِّ هذه الفجوة أن يزيد من ولاء العملاء، ويُقلِّل من تفلُّت العملاء، ويسمح بالتسعير الممتاز، ويحافظ على وضع الشركة في أعلى مُنحنى القيمة.
أو ربما كان تشارلز هاندي على حق. ففي مُحاضرةٍ ألقاها أمام «الجمعية الملكيَّة للفنون» في لندن عام ١٩٩٦، قال عمَّا أسماه «مُغالَطة المعيار الوحيد»:

من الخطأ مُحاولة العثور على رقمٍ واحد يجتمع فيه كلُّ شيء. فلا يُوجَد إطلاقًا رقم واحدٌ يُفسِّر النجاح في الحياة، وسيكون من الحماقة أن نظنَّ وجود شيء مثل ذلك. كما أنه ليس المال بالتأكيد. تعرِف الشركات جيدًا أنَّ الربح ليس هو المقياس الوحيد. لدى الشركات العاقلة الآن نحو ١٨ رقمًا مختلفًا ينظرون إليه. ومع ذلك، فإنَّ الأسطورة التي تعمُّ المجتمع، أنه إذا كنتَ تحقِّق ربحًا، فأنت ناجح. أو إذا كنتَ في القطاع الحكومي، فإنَّ الكفاءة هي ما يُهِمُّ. لكن الكفاءة ليست كالفعالية. يمكنك الحصول على مُستشفًى فعَّال للغاية إذا كنتَ لا تقبل أشخاصًا شديدي المرَض أو أشخاصًا غير قابِلين للتحسُّن، مثل الأشخاص المسنين. لذلك لا تقبلهم. صحيح أنك تتمتع بالكفاءة لكنك لستَ فعَّالًا بالدرجة الكافية. إن البحث عن رقم واحد أفسد مجتمعنا. (مقتبس في بويل، ٢٠٠١: ١٩٢)

إنَّ هاندي مُحقٌّ في أحد الجوانب عندما يتعلق الأمر بشركات الخدمات المهنية: المعيار الوحيد ليس هو الإنجاز لكل ساعة. فلا يُخبرنا هذا المقياس عن مدى جودة تسعير الشركة، وكمِّ الأموال المهدرة، أو أي شيءٍ يتعلق بالثراء الخارجي الذي تحققه الشركة لعملائها. إن هذا المقياس قد أفسد المهن بالفعل.

مُوجَز ونتائج

إنَّ الحقيقة العلمية الجديدة تنتصر بموت مُعارضيها لا بإقناعهم.

ماكس بلانك، عالم فيزياء

يُوصي بيتر دراكر بأنه لكي تُوصَف شركة بأنها مُبتكرة بحق، يجب ألَّا تقوم فقط بأشياء جديدة، بل عليها أن تتوقَّف عن فعل الأشياء القديمة. ليس من الممكن خلق الغد ما لم يتخلَّص المرء من الأمس. دائمًا ما يكون التمسُّك بالأمس أمرًا صعبًا ومُستهلِكًا للوقت، ويُهدِر الموارد بلا جدوى. يمتلك جسم الإنسان آلية تلقائية للتخلُّص من الفضلات، لكن أجسام الشركات لا تملك هذه الآلية، فالأمر يتطلَّب قيادة. إنه يتطلَّب مُراجعة كل سياسةٍ وإجراءٍ وخدمةٍ ونشاطٍ للتدقيق في جدواه، كلَّ سنتَين إلى ثلاثِ سنوات، ومن الممكن الاستعانة بالأسئلة التالية: «لو لم نكُن طبَّقنا ذلك بالفعل، فهل كُنَّا سنُصبِح في الوضع الذي نحن عليه الآن؟» وإذا كان الجواب لا، فإنَّ السؤال هو: «فماذا كُنَّا سنفعل؟» (دراكر، ٢٠٠٢: ٧١).

بعد أن عرفتَ الآن الآثار الضارَّة للتسعير بالساعة، واستخدام سجلات ساعات العمل كمؤشرٍ متأخِّر لأداء الشركة، ألم يحِن الوقتُ للتخلِّي عن هذه الإجراءات والأنشطة؟ دائمًا ما نُسأل عمَّا يستلزِمه الأمر لتنفيذ هذه الأفكار، ويتوجَّب علينا الردُّ عليها عن طريق الاختلاف — بقوَّة — مع ما يقوله ماكس بلانك كما يتَّضِح من الاقتباس أعلاه. فنحن لا نعتقِد أنَّ أيَّ مهنةٍ ستتقدَّم بالتخلُّص من مُنتسبيها السابقين. فمن السذاجة أن نقول إن الناس لا يرغبون في التغيير. الحقيقة هي أنَّ الناس يُحبُّون التغيير إذا جلب الأمل في مستقبلٍ أفضل.

يتطلَّب الأمر قيادة ورؤية. يتطلَّب التأكد من أنك تؤدي الأمور الصحيحة، لا أن تؤدِّيها بالصورة الصحيحة فحسب. يتطلَّب الأمر تركيز الشركة على النتائج الخارجية التي تحققها للعميل، وفي الوقت نفسه، بناء نوع الشركات الراسخة التي تفخَر بأن تكون جُزءًا منها وتُسهِم فيها. يتطلَّب الأمر إحساسًا بالكرامة وتقديرًا كبيرًا للذات بأنك تستحقُّ كل قرشٍ تتقاضاه، وأنك ستعمل فقط مع هؤلاء العملاء الذين تُحبُّهم وتحترمهم والذين يُبادلونك تلك المشاعر. إنه يتطلَّب نهجًا تجريبيًّا، لا مُجرَّد القيام بالأشياء نفسها؛ لأنك ترى أنَّ هذه هي الطريقة التي كانت تسير بها الأمور دائمًا. أنت بحاجةٍ إلى قدرٍ أقل من القياس وقدرٍ أكبر من الثقة.

نحن نُقدِّم هذه النظريات باعتبارها فرضيَّاتٍ علمية، ونُدرك أنها ستكون عُرضةً للنقد، وسوء الفهم، والرفض، واستكشاف البدائل، وبعد فترة، سيصِل الأمر إلى الاستيضاح ثم القَبول على مَضَض، وأخيرًا الاقتناع بها باعتبارها جزءًا من القواعد الراسخة. بعد ذلك نأمل أن تحلَّ محلَّها نظريات أفضل. نأمل فقط أن يُمَدَّ في أعمارنا كي يتسنَّى لنا رؤية ما تُثمر عنه هذه العملية من نتائج.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠