الفصل الحادي عشر

الشركة المستدامة

هدفي دائمًا هو بلوغ أقصى ما في استطاعة البشر؛ فأنا لا أقبل بأقل من ذلك. لقد قطعتُ على نفسي عهدًا بأن أساعد الآخرين على بلوغ أقصى إمكاناتهم.

بنجامين زاندر، قائد «أوركسترا بوسطن الفيلهارمونية»

قبل ثلاث أو أربع سنوات لدى مؤسسة «ريزالتس أكونتانتس سيستمز»، استخدمنا نموذجًا لتسليط الضوء على العناصر التي تُعزز الأرباح في شركة خدمية (محركات الربح). كان الهدف من النموذج هو نقل تأثير السُّلَّم:

•••

بول: من المهم أن نستهلَّ بالقول إننا تحدَّثْنا عن هذا النموذج قبل أن نبتكر معادلة الممارسة الجديدة، واليوم، نستعيض عن «الإنتاجية» ﺑ «الفعالية». ومع ذلك، عندما تنظر إلى السُّلَّم، لاحظ أن العديد من الشركات التي تحاول أن تُحدث فرقًا (ربما عن طريق بعض برامج التدريب الجديدة) تبدأ من خلال العمل على «الدرجات» الخمس العُليا من السُّلَّم. ومما لا شكَّ فيه أن القيام بذلك سيكون له بعض الآثار الإيجابية. لكن شركات المستقبل تفهم أنَّ تلك الدرجات الخمس العُليا يمكن أن تكون (وغالبًا ما تكون) إصلاحات مُؤقَّتة فحسب.

إن ما نحتاجه هو الإصلاحات التي تمتاز بالقوَّة والقُدرة على التحمُّل. عندما تفكر في الأمر بهذه الطريقة، فإنك تُدرك أن العمل على الدرجات الخمس الدُّنيا هو مفتاح الأداء المُستدام، لذلك دَعُونا نتحدث باختصار عن كل واحدة منها.

(١) النموذج يُعزز الرؤية

بول: يمكنك أن تُلاحظ بشيءٍ من الامتعاض أن أي برنامج يستحقُّ التقدير أُطلق منذ عام ١٩٨٠، يجب أن يشتمل على كلمة «نموذج». لقد أصبحتْ واحدةً من تلك الكلمات الشائعة في فترة الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين. وهي هنا تفي بغرضها جيدًا؛ لأننا نستخدمها لنقل الشعور بأن نظرتك إلى العالم، أو بعبارةٍ أُخرى الإطار المرجعي الذي تستخدِمه، أمر بالِغُ الأهمية بالنسبة إلى الطريقة التي تشرَح بها رؤيتك.

من منظورٍ كلاسيكي، إذا كُنتَ ترى العالم مكانًا مليئًا بالأشخاص الذين ينتظرون الاستفادة منك، كمكانٍ للندرة، فلن تشرح رؤيتك بطريقة تفصيلية. وعلى العكس، إذا رأيتَ العالم مليئًا بالفرص المتاحة لك لإحداث فرْق، كمكانٍ للوَفْرة، فسوف تُعبِّر عن رؤية مليئة بالإيجابيات والإمكانيات.

(٢) الرؤية تُعزز القيادة

بول: هناك العديد من التعريفات التي يمكن أن نُقدِّمها للرؤية ومدى الحاجة إليها، لكننا نظن أنك تعرفها بما فيه الكفاية. لذلك سنقوم بتعريفها بأبسط المصطلحات: الرؤية هي المكان الذي ترى فيه نفسك غدًا أو في مرحلة أبعد قليلًا في المستقبل؛ لذلك فهي عنصر حاسم في ثقافتك، فبدونها لن يكون لديك أي فكرة عن المكان الذي ستذهب إليه؛ ومِن ثَمَّ لن يكون لديك أي فكرة عن متى «ستصِل» (لا يستخدم «الوصول» هنا بمعناه التقليدي). إليك مثالًا على ذلك:

في عام ١٩٩٤، غامرتُ للمرة الأولى بالمساهمة في شركة إنجليزية تُدعى «ليثمز»، في بلدة تشورلي الصغيرة. كانت «ليثمز» بالفعل شركة رائدة في مجالها؛ فقد كانت تفوز بأعمال عالية الجودة بين الشركات الخمس الكبرى وشركات الدرجة الثانية. في ذلك الوقت، كُنَّا نَصفها بأنها تفي بالعديد من معايير شركات المستقبل.

كان كيث سيلي قد أنشأ الشركة قبل ١٤ عامًا. وفي وقت زيارتي، كانت الشركة تشغل مبنًى مُؤلفًا من تسعة طوابق وكان المبنى مُميزًا بحقٍّ في البلدة الصغيرة؛ إذ كان يمكن رؤيته من على بعد أميال. في اليوم الأول، اصطحبني كيث إلى منزلٍ صغيرٍ لطيف يَفصله عن المبنى خمسة أبنية حيث كان قد أسَّس هذه الشركة في ذلك المنزل. وقد أشار إلى أنه كانت تُوجَد ثلاثة منازل أُخرى في هذا الشارع بدأ فيها مُحاسبون شركاتهم المحاسبية في الوقت نفسه تقريبًا. وهؤلاء المُحاسِبون الآخرون ما زالوا يعملون في مواقعهم الأصلية.

سألتُ كيث عن السبب الذي عزا إليه الفرْق الملحوظ إلى حدٍّ ما في النموِّ بين شركته وشركاتهم. عندما اصطحبَني عائدًا إلى مبناه المُكوَّن من تسعة طوابق، أشار إلى كلمات على اللوحة المُعلَّقة فوق مكتب الاستقبال، كان مكتوبًا عليها الجملة التالية: «رؤيتنا هي مساعدة عملائنا وأنفسنا على تحقيق أكثر ممَّا كنَّا نظن أنه ممكن، وأن نستمتع بالقيام به»، بعد أن فرغتُ من قراءة ما كُتب على اللوحة، أضاف قائلًا: «كنتُ وما زلتُ أومن بذلك. ومن المهم أن نفهم أنَّ الغرض من رؤيتنا هو أن نضع لأنفُسنا هدفًا نسعى دائمًا إلى تحقيقه ولكننا لا نصِل إليه في الواقع؛ لأنَّنا مُستمرون في تحريك الهدف.»

قد تنظر إلى بيان رؤية كيث، وتتساءل على نحوٍ مُبرَّر «ما هو الهدف؟» إذ لم يتم تحديد أي هدف. ولكن عند الفحص الدقيق، سترى أنَّ ثمة هدفًا بالفعل. سنعود إليه سريعًا.

لكن عليك أولًا أن تأخذ بعين الاعتبار هذا التعبير الأكثر رسميةً نوعًا ما عن رؤية فعَّالة:

بعد ١٠ سنواتٍ من الآن، سنشتهر بأنَّنا شركة المحاسبة الأبرز في منطقتنا. سيتحقَّق لدينا ٧٠ بالمائة على الأقلِّ من عائداتِنا من خلال خدمات استشارات الأعمال. سيُحَدَّد هدف العائدات لدينا بمبلغ ١٠ ملايين دولار وهو مُعدَّل نمو مطلوب بنسبة ٢٧ بالمائة سنويًّا.

سيكون عملاؤنا وأعضاء الفريق من الداعمين المُخلِصين للشركة. وستُبادر الشركة بمتابعة هدف زيادة ثروة عملائها. ستكون الشركة مكانًا مُمتعًا للعمل لكلٍّ من الشركاء وأعضاء الفريق.

سيكون الربح لكل شريك من بين أعلى المعدلات في المجال بالنسبة إلى الشركات ذات الحجم المماثل، وسوف يستفيد أعضاء الفريق من مستويات المكافآت المتميزة.

ستُوظِّف الشركة فقط أفضلَ الأشخاص المُتاحين وستضمَن حصولهم على أفضل تدريبٍ وفرص تجريبية وفرص مِهنيَّة ممتازة طويلة الأجل. سيسعى الناس بشغفٍ إلى العمل لدى الشركة.

إن هذا البيان على الأقل يشتمل على بعض أهداف العائدات، وكذلك بعض معدلات النمو المطلوبة، إضافة إلى ذلك، يُوجَد سطر لطيف يُفيد بأن استشارات الأعمال هي مصدر ما نسبته «٧٠ بالمائة من العائدات». المشكلة التي أراها في هذا البيان هي الشيء الوحيد الذي لا يحصل على تأكيدٍ كافٍ. وسنتحدَّث عن هذا لاحقًا.

ولكن في الوقت الحالي، تظل النقطة المحورية هي أن الرؤية هي المكان الذي تريد أن تكون فيه غدًا.

(٣) القيادة تُعزِّز الجودة الداخلية

بول: لقد سبَقَ أن تطرَّقنا إلى النقطة الواضحة المتمثلة في أهمية القيادة. لكنَّنا الآن نُريد اقتراح فكرةٍ قد تُعطيك وجهة نظر مُختلفة حول ما تَعنيه القيادة بالفعل. ولتحقيق ذلك، سننظر أولًا إلى القيادة في دورها المُحدد في تعزيز الجودة الداخلية، والتي لا يُستدَلُّ عليها بمثالٍ أفضل من القصة التي يرويها توم كونيلان في كتابه «داخل المملكة السحرية».

بإيجازٍ شديد، تضمُّ القصَّة ثمانية أشخاصٍ من مختلف الصناعات والمِهَن الذين يحضرون برنامجًا في جامعة «ديزني» عن الخدمة والقيادة. في الليلة الثانية، تتجوَّل المجموعة في شوارع مملكة السحر في عالم والت ديزني لمشاهدة عروض الأضواء الكهربائية مُسجِّلين ملاحظاتهم حول ما يلفت انتباههم. تصِل المجموعة مُبكرًا للتمكن من الرؤية الجيدة. (إذا كان قد سبق لك أن زُرتَ عالم ديزني، فأنت تعرف أن صفوف الحشود تتراوَحُ بين ١٥ و٢٠ صفًّا وتمتدُّ لمسافة نصف ميل على الأقل.) يقفُ أفراد المجموعة خلف حاجز من الحبال ويرون عبر الطريق رجلًا ينحني لالتقاط قمامة. وبافتراضهم أنه عضو فيما تُسمِّيه ديزني «طاقم الحراسة»، سألوه بصوتٍ عالٍ عبر الشارع: «كم عدد الأشخاص الموجودين على قوَّة طاقم الحراسة؟» ينظُر الرجل إلى الأعلى، ويُجيبهم بصوتٍ عالٍ وسط الضوضاء بما يبدو لبعض أفراد المجموعة «أربعة إلى خمسة آلاف». أفراد آخرون في المجموعة مُتأكدون أن الرجل قال «٤٥ ألفًا» وقد دوَّنوا ملاحظاتهم وفقًا لذلك.

في اليوم التالي، تستيقظ المجموعة في وقتٍ مُبكر من أجل حضور اجتماعٍ خاصٍّ مع الفريق سيُقدِّم فيه الرئيس التنفيذي لشركة «ديزني» مايكل آيزنر عرضًا تقديميًّا. تجلس المجموعة في الجزء الخلفي من الغرفة ومعهم دفاتر من أجل تدوين الملاحظات. بينما يدخل آيزنر، ينهض الجميع ويرحِّبون به ترحيبًا حارًّا (تخيَّل التصفيق مع الوقوف لك قبل أن تنطق حتى بكلمة واحدة!) بينما يبدأ آيزنر في التحدُّث إلى المجموعة، يُدرِك البعض أن آيزنر هو الرجل الذي كان قد انحنى في الليلة السابقة لالتقاط القمامة. عندما أنهى آيزنر كلمته، سأل عمَّا إذا كان هناك أي أسئلة، فسأله أحد أفراد المجموعة: «هل أنت من رأيناه عبر الشارع الليلة الماضية يلتقط القمامة؟ إذا كان الأمر كذلك، فنحن من سألناك عن عدد الأشخاص الموجودين في طاقم الحراسة.» أجاب آيزنر: «نعم، أنا ذلك الرجل. وآمُل أن تكون قد حصلت على الإجابة الصحيحة ٤٥ ألفًا. بعبارة أخرى، كلُّ شخص في المُتنزَّه ضمن طاقم الحراسة بمن فيهم أنا!»

يا له من إيضاحٍ رائع لمعنى القيادة. في كثيرٍ من الأحيان نرى قادةً لا يكفُّون عن الوعظ والتوجيه لكنهم لا يُطبِّقون ما يُنادُون به على أرض الواقع؛ فنسمع القادة يُخبرون عملاءهم عن الاهتمام بالعملاء، ولكن بعد ذلك يُشيرون إلى العملاء بعباراتٍ تهكُّمية من وراء الكواليس على سبيل الفكاهة. إذا كان هناك شيء واحد يجب على القيادة انتهاجه فهو «الاتساق».

والرجاء عدم إساءة الفهم: لا تهدف قصة آيزنر إلى الإيحاء بأن القيادة الفعالة تتطلب بالضرورة شخصية كاريزمية أو شخصًا تُسلَّط عليه الأضواء. الأمر أبعدُ ما يكون عن ذلك كما يشرح جوزيف أل باداراكو في كتابه «القيادة الهادئة»:

كل مهنة ومنحًى في الحياة لها شخصياتها العظيمة وقادتها وأبطالها ورموزها. فكِّر في الرجال والنساء الذين يُؤسِّسون الشركات الكُبرى أو يُحدِثون تحولًا فيها، والزعماء السياسيين الذين يعيدون تشكيل المجتمع، ورجال الإطفاء الذين يخاطرون بحياتهم لإنقاذ الآخرين. نحن نُبجِّل هؤلاء الأفراد ونعتبِرهم قدوةً يُحتذى بها ونحتفي بإنجازاتهم. نحن نشعُر بأنهم يُمثلون النموذج الحقيقي للقيادة.

لكن هل هم يُمثِّلون النموذج الحقيقي للقيادة فعلًا؟ أتساءل عن ذلك لأنه على مدى مسيرةٍ مهنية قضيتُها في دراسة الإدارة والقيادة، لاحظتُ أن أكثر القادة فعالية قلَّما يكونون أبطالًا جماهيريين؛ فهؤلاء الرجاء والنساء ليسوا أبطالًا مشهورين يتزعَّمون قضايا مُعيَّنة ولا يُريدون أن يكونوا كذلك. هم لا يقودون حملاتٍ أخلاقية، وإنما يتحرَّكون بحرص وبخطوات محسوبة وثابتة. هم يفعلون ما هو صحيح ومناسب لشركاتهم وموظفيهم ولأنفسهم بهدوء ودون ضحايا.

لقد قررتُ أن أُطلق على هؤلاء الأشخاص «القادة الهادئين» لأن تواضعهم وضبط النفس هما المسئولان إلى حدٍّ كبير عن إنجازاتهم المُبهرة. (باداراكو، ٢٠٠٠: ١)

خلاصة القول هنا أن بمقدورك أن تكون أنت أيضًا واحدًا من هؤلاء!

(٤) الجودة الداخلية تُعزِّز سعادة الفريق

بول: إن الطريقة التقليدية في التفكير في الجودة الداخلية وعلاقتها بالسعادة هي تطبيق الأنظمة التي تُسهِّل على الأشخاص أداء الأشياء وتنفيذها مرة واحدة دون الحاجة إلى إعادتها؛ فذلك سيؤدي إلى سعادة الفريق (والذي يُعَدُّ هدفًا بالغ الأهمية كما سيتضح لك بعد قليل). بالتأكيد، كانت الأنظمة ولا تزال مُفيدة. ولكن عندما تدرُس العديد من الشركات (أو ربما معظمها)، ستكتشف أن ثمة أنظمة لكل نشاط يمكن تصوُّره، باستثناء أهمها؛ الطريقة التي يتواصل بها البشر بعضهم مع البعض. وهذا الغياب لنظامٍ بالغ الأهمية كهذا يؤدي إلى التوتُّر، وليس السعادة. ولحسن الحظ، يمكن تصحيح هذا الوضع. لمعرفة كيف يمكنك ذلك، انظر إلى طبيب الأسنان الأسترالي، د. بادي لوند. تحتوي قصته الرائعة على العديد من النقاط المهمة التي يمكن قراءتها بين السطور والتي سوف أوضِّحها. وكانت انعكاسات ذلك لافتة للغاية.

التقيتُ لأول مرة مع بادي في إحدى الندوات، حيث قدَّم نفسه بأنه طبيب أسنان خلال الجلسة الافتتاحية. ولأنني كنتُ أُعاني من بعض المشكلات في أسناني حينذاك، قررتُ البحث عنه وقت الغداء. وعندما كنتُ أتحدَّث معه، قررتُ أن أتحدَّث مباشرة عن المشكلة وأسأله إن كان بإمكانه علاج أسناني (حيث شعرتُ أنه كان ينظر إليها على أي حال). أتذكَّر ردَّة فعله وهو ينظر عن قُرب أكثر قائلًا: «هذا يحتاج إلى الكثير من طب الأسنان.» قالها بابتسامةٍ كبيرة. (وتبيَّن أنه كان على حق، بالمناسبة). خلال زياراتي العديدة له، كنت آتيه ليس لكونه طبيب أسنانٍ فحسب، ولكن باعتباره نابغة، كما كنتُ لا أعتبره مجرَّد مُمارس لطب الأسنان، ولكن الأهم من ذلك أنه كانت له ملاحظات وآراء ثاقبة بشأن الأعمال التجارية.

بمرور الوقت أصبحنا صديقَين مُقرَّبين للغاية. وقد علمتُ أنه قبل لقائنا ببضع سنوات، كان بادي يعمل في بيئة مختلفة تمامًا عن البيئة التي تراها اليوم، والتي تُعدُّ مُميزة للغاية. فبدءًا من الاسم — «دينتال هابينس» (وتعني بالعربية أسنان السعادة) — يتَّضِح لك على الفور أن هذه ليست عيادة طب أسنان عادية. فعند الوصول، يضغط العميل على زرِّ جرس وُضع في مكانٍ مناسب، وعند الدخول تُرحِّب بهم ممرضة رعاية كُلفت باستقبالهم، ثم يتسلَّم العميل قائمة لا تتعلق بخدمات طب الأسنان، وإنما قائمة فعلية من الطعام والشراب (في عيادة طبيب الأسنان!) لا يُوجَد مكتب استقبال. وقد استُعيض عنه بطاولة صغيرة تُشبِهُ إلى حدٍّ كبير تلك التي في «ستاربكس»، إضافة إلى ماكينة تحضير كابتشينو ضخمة ذات أربعة مقابض (بهذا تحلُّ رائحة القهوة محل الرائحة السيئة التي عادةً ما نشمُّها في عيادات الأسنان). إلى اليسار تُوجَد كراسي وطاولات مُرتَّبة لتبدو وكأنها مطعم إنجليزي لطيف وقديم حيث يمكنك «احتساء الشاي». وعلى كلِّ طاولة تُوجَد نُسخة مما يُسمَّى «قواعد التعامل»، يصف في قائمة نقطية مُبسَّطة وفعالة في الوقت نفسه الطريقة التي يُتوقَّع من كل شخصٍ أن يتواصل بها في المكان، وفي ذلك العملاء. (سنأتي على تفاصيل هذا بعد قليل لأن التواصل جزء أساسيٌّ من خلْق ثقافة يُعتزُّ بها.)

إذا كنتَ بالفعل أحد عملاء بادي، فسترسلك ممرضة الرعاية إلى قاعة انتظار العملاء الخاصة بك مع وضع صورتك أو اسمك على الباب. داخل هذه القاعة تُوجَد كراسي مُستديرة مريحة وطاولة قهوة وبعض الكتب الرائعة وهاتف. تسألك ممرضة الرعاية المكلَّفة بك عما تودُّ أن تتناوله من طعام وشراب. بعد ذلك بوقتٍ قصير، ستسمعُ طرْقًا على الباب (باب قاعتك، تذكَّر!) وبالطبع ستقول: «تفضل بالدخول.» (هذا ليس أمرًا بسيطًا: هم يفعلون كلَّ ما يمكنهم فعله ليجعلوك تشعُر كليًّا بالسيطرة على ما يحدث.) ثم يُقدَّم لك، بطريقةٍ لطيفة، القهوة أو الشاي إضافة إلى وجبةٍ خفيفة إذا كنتَ ترغب في ذلك.

إذا كانت هذه زيارتك الأولى، فإنه عند مُرافقة الممرضة لك إلى قاعة انتظار العملاء، وبعد أن تعرِف الوجبة الخفيفة التي تودُّ تناولها، تُعطيك نسخة من «قواعد التعامل»، بالإضافة إلى استبيان وقلم. وعند عودتها تُناقِش معك قواعد التعامُل والاستبيان. لا يتعلَّق الاستبيان في حدِّ ذاته بمشكلات أسنانك، ولكن ﺑ «النتائج» التي تُريدها و«توقُّعاتك». (نأمُل الآن أن تكون قد عقدتَ مُقارنةً بين بعض الجوانب الرئيسة لدى هذه العيادة ولدى شركتك.)

وبعد ٣٠ دقيقة على نحو التقريب، تُخبرك ممرضة الرعاية أن د. لوند يتطلَّع حقًّا إلى مُقابلتك، قائلةً: «سأذهب لإخبار د. لوند، إذا كان هذا يُناسبك.» (لاحظ على وجه الخصوص الكلمات «إذا كان ذلك يُناسبك»، فهذه كلمات يجب عليك استخدامها لإشعار العملاء بأنهم هم المتحكِّمون في الموقف.) قد تعرِض عليك الممرضة إذا كنتَ ترغب في دخول دورة المياه. وإذا رغبتَ في ذلك، فسترى شيئًا آخر مُثيرًا للدهشة؛ فهناك فوق الحوض مجموعة من العطور والكولونيا الرائعة، وفوقها رسالة تقول: «لا تتردَّد في استخدام مُستلزَمات النظافة؛ فهي هنا من أجلك.»

وعند عودتك إلى القاعة الخاصة بك، ستكون في انتظار قدوم د. لوند. سيطرق الباب مرة أخرى. وعندما تقول: «تفضل بالدخول.» سيتقدَّم بادي نحوَكَ بحيث تبقى جالسًا. سينحني لمُصافحتك قائلًا: «مرحبًا، أنا بادي لوند؛ من الرائع رؤيتك، هل يُمكنني الجلوس؟» يحدُث هذا بصورة طبيعية حتى إنك لا تُدرك أنَّ الهدف من ذلك هو إشعارك بأهميتك وسيطرتك. وبحلول ذلك الوقت، يكون بادي قد راجع استبيانك مع مُمرضة الرعاية الخاصة بك؛ لذلك فإنه يُصبح على دراية بالنتائج التي تُريدها. ثم يوضِّح أنه سوف يلقي نظرة فاحصة على فمك، وبعد ذلك ستعودان كلاكما إلى قاعتك لمراجعة ما يجب القيام به ولإبلاغك في وقتٍ مُبكِّر عن تكلفة الحصول على النتائج التي تريدها. في الواقع، هو يُعطيك اتفاقيةً ثابتة السعر! (الكيفية التي يمارس بها بادي طب الأسنان تخرُج في الواقع عن نطاق المناقشة الحالية، ولكن يكفي القول إنه طبيب أسنان من نوع شديد الخصوصية، ويتَّسِم تحديدًا بالمستوى نفسه من الاهتمام بالتفاصيل والعناية.)

عندما تنتهي جلستك مع بادي، ستدفع على الفور (فليس لديه ديون معدومة، في الحقيقة لديه حسابات مدينة سالبة.) ثم تجلس مُسترخيًا في قاعة الانتظار الخاصة بك لتناول القهوة أو الشاي مع بادي، ثم تُغادر ومعك بطاقتا إحالة وستُّ كعكاتٍ رائعة، تُعرف باسم «كعكات عيادة الأسنان». (في حالةٍ مُثيرة للاهتمام من تعزيز رأس المال الفكري، يُسوِّق بادي الآن وصفاته الخاصَّة بالكعك.) مكتوب على بطاقتَي الإحالة (كلٌّ منهما على شكل تفاحة) ما يلي:

نودُّ منك (وهذا لا نطلبه من الجميع)، محاولة إحالة شخصٍ واحدٍ على الأقل تشعر أنه سيحبُّ الأشياء التي نُقدِّمها. وبهذه الطريقة يُمكننا الاستمرار في الحصول على تدفُّق أشخاصٍ جُدد، ونكون هنا من أجلك عندما تحتاج إلينا في المرة القادمة.

يعمل بادي بهذه الطريقة لسببٍ بسيط للغاية: لأنه ليس مدرجًا بأي شكل في أي دليل هاتف. وعندما قرَّر خلق أعمالٍ عن طريق الإحالة، كان جادًّا.

الآن بعد أن عرفتَ كيف يُدير بادي أعماله اليوم، دعني أوضح الطريقة التي اعتاد أن يعمل بها. كان بادي يُعاني توترًا شديدًا لدرجة أنه بدأ يُعاني من اضطراب الوسواس القهري. في نهاية المطاف، أصبح مُعذَّبًا لدرجة أنه كان على وشك الانتحار. لحُسن الحظ، توقف عن التفكير في الأشياء التي كانت تحدُث له، وأسباب حدوثها. وأدرك أنه كان يُصاب بالتوتُّر بسبب عُملائه الذين كانوا على الأرجح يتجاوبون مع سلوكياته المُتوتِّرة. كان فريقه أيضًا متوترًا ومضغوطًا لدرجة أن عاملين لديه ذوي خبرة كانوا يُقدِّمون استقالاتهم. لذا بدأ يفكر في كيفية بناء عيادة أسنان بطريقةٍ مختلفة تمامًا. وقد أتته الإجابة من شيءٍ قاله أحد أعضاء فريقه غير الراضين. وكانت الإجابة بسيطةً للغاية؛ فقد قال عضو الفريق: «لا أشعر بالاهتمام في معاملتك لي. لم أسمع منك قطُّ من فضلك وشكرًا.»

لذا بدأتْ رحلة بادي، لخَلْق ما يُطلق عليه «العمل المتمركِز حول السعادة». في سياق هذا الفصل فكِّر في هذا الأمر باعتباره الرؤية المتمركزة حول السعادة. ما الذي يحول دون أن تكون السعادة جزءًا من تصوُّرنا للغد أو لِمَا بعد غدٍ؟ بل لماذا لا نضع السعادة على رأس قائمتنا؟ (ربما فهمتَ الآن وجهةَ نظري حول رؤية كيث سيلي التي تؤكد أهمية الاستمتاع.)

سعى بادي للعمل في خلْقِ عملٍ تجاري جوهره السعادة، وأدرك أن جزءًا من أسباب شعور الناس بالألم عند طبيب الأسنان هو أنهم يتوقَّعون الألم؛ لذلك عمل على تغيير أي شيء وكلِّ شيء ينقل أو يُساهم في شعور المرء بأنه على وشْك أن يخوض تجربةً مؤلمة. شقَّ بادي مكتب الاستقبال بمنشارٍ إلى جُزأين وتخلَّص منه ووضَع مكانه آلة لصُنع القهوة وطاولة صغيرة على طراز «ستاربكس» (أو مقهًى إنجليزي لطيف). لقد أحدث تحوُّلًا، بالاستعاضة عن كراسي عيادات الأسنان العالية التقنية (والمخيفة) التي يتشبَّث بها المرضى بالحياة الغالية عند سماع صوت المثقاب ووضَع في أماكنها أرائك. (في خِضمِّ هذا التحوُّل، بدأ أعضاء فريقه السابق في العودة.)

لكن ضع في اعتبارك أنه في تجربة بادي، لا يتمتَّع بتجربة نشاطه المتمركز حول السعادة سوى أولئك الأشخاص الذين يُلبُّون مُتطلَّباته فيما يتَّصِل بالعملاء. تذكَّر النقطة الواردة في الفصل الثامن حول اختيار العملاء، وقانون بيكر حول العملاء السَّيِّئين الذين يُطيحون بالعملاء الجيدين؟ كان بادي يمتلك تلك البصيرة تحديدًا، على الرغم من أنه ربما كان يُعيد صياغة قانون بيكر على النحو الثاني: «العملاءُ السَّيِّئون يضغطونني نفسيًّا. أما العملاء الجيدون فيمنحونني السعادة.» لذلك، كان بادي يُطبِّق مبدأ التصنيف الكلاسيكي «أ» و«ب» و«ﺟ» و«د» على عملائه. وقد لاحظ ببساطةٍ أنه لا يحبُّ بعضهم، وربما لنكن أكثر وضوحًا، نقول إنهم لم يكونوا يُحبُّونه بالفعل! لذلك أعدَّ قائمة بأسماء الفئة «د» وأحالهم (بلباقة) إلى طبيب أسنان محلي آخر (الذي كان سعيدًا بالمناسبة بالحصول عليهم).

ضع في اعتبارك أن بادي فعل كلَّ هذا فقط لخفض مستوى التوتُّر. لم يكن ثمة دافع آخر. النتائج: عددٌ أقل من ساعات العمل وانخفاض مستويات التوتر، سواء بالنسبة إليه أو إلى فريقه. الأمر الأكثر إثارة للدهشة بالنسبة إليه هو أن دخله ارتفع (قانون بيكر في صورة عملية!) واستنتج بادي أنه لا بدَّ أن ثمة علاقة تربط بين زيادة دخله وما اتَّخذه من إجراءات.

بعد ذلك، أدرك أن عملاء الفئة «ﺟ» تحوَّلوا فعليًّا إلى الفئة «د»، لذلك أحالهم إلى طبيب الأسنان المحلي، الذي لم يستطع تصديق كرم بادي. هل تستطيع تخمين النتيجة؟ أدى ذلك إلى تقليل ساعات العمل، فأدَّى ذلك بدَوره إلى تقليل التوتُّر (ذلك يعني المزيد من السعادة)، ومع ذلك تحقَّقت أرباح أكثر. (مرة أخرى، من المهم أن نُشير إلى أنَّ زيادة الأرباح، بالنسبة إلى بادي، كانت نتيجةً ثانوية غير متوقَّعة.) الآن تأكَّد بادي أن ثمة علاقة. تحوَّل العملاء من الفئة «ب» تلقائيًّا إلى الفئة «د». ووجد بادي طبيب أسنانٍ آخر ليُحوِّلهم إليه، عندما لم يتمكن طبيب الأسنان الأول من قَبول المزيد من العملاء الجُدد.

النتائج التي يُمكننا قياسها كميًّا هي أن د. بادي لوند يعمل ٢٢ ساعة في الأسبوع، لكنه يكسب ما بين ثلاثة وأربعة أضعاف مُتوسِّط ما يكسبه طبيب الأسنان في أستراليا. بالتأكيد الرسائل أصبحت واضحة الآن.

ولكن ثمة نقطة أخرى مهمة: لقد أدرك بادي أن العنصر الثاني من حيث الأهمية بعده هو شخصيًّا كان أعضاء فريقه (بالتأكيد هم أكثر أهمية من العملاء). لذا سعى إلى تحسين الثقافة أكثر. لذا أسَّس هو وفريقه «قواعد التعامل»، بناءً على قياس توتُّرهم والأسباب التي أدَّت إليه.

ربما يبدو الأمر من وجهة نظرك شديد البساطة، حتى إنك قد تميل إلى تجاهُل هذه الرؤى. لكن هذا هو الجمال الحقيقي لها! للتوضيح، دعنا نُحلِّل العملية التي خاضها بادي إلى أربع خطوات:
  • (١)

    رفع الروح المعنوية في المنشأة. والمعياران الرئيسان هما:

    • تحدَّث بأدب: قُل من فضلك وشكرًا.

    • وجِّه التحية وقُل إلى اللقاء للجميع مُستخدمًا أسماءهم وعن طريق مُصافحتهم.

  • (٢)

    تحدَّ السلوكيات الشخصية العميقة الجذور.

    • تحدَّث عن الناس كما لو كانوا موجودين؛ استخدِم أسماءهم.

    • إذا كانت لديك مشكلة مع شخصٍ ما، فتحدَّث معه هو فقط.

  • (٣)

    اكتشاف أدوات عمل قوية وفعَّالة.

    • اعتذِرْ لشخصٍ استاء من أفعالك وعوِّضه.

    • ألقِ باللوم على النظام وليس على الشخص.

  • (٤)

    الاحتفاء بالنهج الشخصي وتجديده في العمل.

    • التزِم بالصِّدق.

    • استخدِم لغة حوار إيجابية.

تأمَّل البند الأول من الخطوة الأولى لِلَحظة؛ قُل من فضلك وشكرًا. هل تظنُّ أن هذا يُعدُّ نوعًا من المبالغة في التواضُع وأنك كقائد فريق يجب أن تكون قادرًا على الحصول على الأشياء التي تريدها دُون مِثل هذه المُبالغة وأنها مَضيعة للوقت وأنَّ هذا قد يَعني تخلِّيك عن سُلطتك؟ ردًّا على ذلك، أقترح عليك النظر في هذه اللآلئ من دليلٍ يستخدِمه بادي لتثقيف الآخرين لجعْل السعادة هي محور العمل في أي شركة.

غالبًا ما نكون أكثر تهذيبًا في تعامُلنا مع الغُرَباء مقارنة بتعامُلنا مع أولئك الذين يؤثِّرون تأثير مباشرًا على سعادتنا. فالتأدُّب هو أساس التعاملات الاجتماعية. بل إنه أكثر أهمية بين المتزوِّجين من الغرباء.

عندما نتفاعل مع عضوٍ آخر في الفريق، فنحن نتعامل معه على الأقل مثلما نتعامل مع أفضل عميلٍ لدينا.

هذه التعليقات تجعل بادي يبدو فيلسوفًا أكثر من كونه طبيب أسنان، أليس كذلك؟

الآن فكِّر في هذه التعليقات من أعضاء الفريق حول معايير بادي الخاصة بتوجيه التحية والوداع:

تحية دافئة وإيجابية ستجعلني أشعر بالترحيب والاحترام. ومن المرجَّح أن أستمتع بيومي وأعمل بكفاءةٍ وفعالية. وسأكون أكثر إنتاجيَّةً في يومٍ كهذا.

في نهاية يومٍ طويل، وداع حقيقي يُثنَى من خلاله على جهودي ويضعني في إطار ذهني إيجابي للاستمتاع بأُمسيتي. إنه يملؤني بالطاقة الإيجابية التي أنقلها إلى مُحيط عائلتي وأصدقائي. ويساعدني على التطلُّع إلى الأيام المقبلة.

يمكنني أن أستمرَّ ولكن لا شكَّ أنك فهمتَ ما أرمي إليه. في كثيرٍ من الأحيان، نرى جميعًا أمثلةً لما يُناقض ذلك تمامًا، حيث تُوضع العوائق مكان الثقافة العظيمة وأمام الأشخاص الذين يُقدِّمون أفضل أداء لديهم. ربما يمكنك استخدام الفقرة أدناه كلوحةِ حائطٍ للتعبير عن هذه الفكرة دائمًا: «ليست مهمتي تحفيز الفريق؛ فهم لدَيهم تحفيز غير عادي. مهمتي هي عدم تثبيطهم. الأمر لا يتعلق بالأشياء التي تفعلها من أجل الناس، وإنما يتعلق بالعقبات التي «تزيلها» من طريقهم بحيث يتأتَّى لهم فعل أشياء رائعة.»

تأمَّل ذلك فيما يتعلق بسجلَّات ساعات العمل. واستحضر من الفصل العاشر ما كتبه إيكوجيرو نوناكا بفصاحة في كتاب «الشركة الصانعة للمعرفة: كيف تخلق الشركات اليابانية ديناميكيات الابتكار»:

أتِحْ للموظفين وقتًا لتعقُّب خططٍ طائشة أو لمجرَّد الاجتماع للدردشة، وقد تتوصَّل إلى فكرةٍ تُغيِّر السوق. أما إذا أجبرتهم على حساب كل دقيقة من يومهم، فستظلُّ أسيرًا للمنتجات الروتينية. (نوناكا، ١٩٩٥)

وبعبارة أكثر وضوحًا؛ إذا كنتَ لا تزال مُقيَّدًا بسجلات ساعات العمل، فستفقد فُرصًا هائلة لبناء ثقافة أفضل. الأمر بهذه البساطة.

(٥) إعادة توزيع الأدوار

بول: شركات المستقبل تحتاج إلى أكثر من مجرَّد التعرُّف على أنظمة قيمة جديدة. وبناء ثقافة وتنفيذ رؤية جديدة يتطلَّبان إعادة النظر للأدوار التقليدية على نحوٍ شامل (وإعادة صياغتها).

في الشركة المهنية التقليدية، لديك الشركاء (على الأرجح أولئك الذين لديهم أعلى سعر بالساعة) ثم مرءوسوهم، أولئك الذين، بطريقةٍ ما أو بأخرى، يحافظون على تدفُّق واستمرارية العمل. يحظى بالوقار الشريكُ الذي يرى ويعرف ويفعل كلَّ شيء (بكلِّ أسف). الأمر مختلف بالنسبة إلى شركة المستقبل فمالك شركة المستقبل يرى الأمر على هذا النحو: «من أجل تحقيق نجاحنا المالي، نحن نوظِّف أشخاصًا جيِّدين، ونملؤهم بالحيوية ونُطلق العِنان لبلوغ أقصى إمكاناتهم!» لاحِظ جيدًا الكلمات الأخيرة. يتمثَّل دور كلِّ شريكٍ في الأساس في تنظيم وإدارة أداء الفريق الرائع. لكن الشركاء لا يُؤدُّون العمل. في الواقع، أحد مفاتيح الاعتراف بشركة المستقبَل يُصبح مُتوافرًا عندما ينخفِض عدد الساعات التي يُحاسَب عليها الشريك الإداري من اﻟ ١٤٠٠ ساعة التقليدية (أو في أقصى أحواله ٢٥٠٠ ساعة) إلى الصفر.

تُعيدني فكرة إدارة الأداء التي تحدَّثْنا عنها في الفقرة السابقة إلى بنجامين زاندر الذي نقَلْنا عنه في بداية هذا الفصل؛ ففي فيلم وثائقي أُنتِج لتسليط الضوء على دوره، يُرى زاندر أمام الأوركسترا. ثُم يلتفِت إلى الكاميرا مع استمرار عزْف الأوركسترا قائلًا: «لاحظوا أنَّ الأوركسترا تعزف ما عدَّه نيل دايموند «ضجيجًا جميلًا». ولكن الأهمَّ أن تُلاحظوا أنني لا أعزِف بأي أداة!» إن وجه التَّشابُه بين هذا والشركة المهنية النموذجية واضح: الشركاء الإداريون لا يُباشرون العمل بتاتًا. هم يُحاولون العزف على الكمان الأول، والكمان الثاني، والتشيلو، وآلات النفخ، والطبول، وحتى المثلث الرنان! هذا ليس ضجيجًا فحسب (على عكس الموسيقى)، بل أيضًا طريقة عمل غير مُربحة.

ربما ستحتجُّ قائلًا: «لكنني لا أستطيع أن أثِقَ بأن مُوظفِيَّ سيؤدون هذا العمل بالطريقة نفسها التي يمكنني أداؤه بها.» إليك هذه الجوهرة الثمينة من زاندر:

هدفي دائمًا هو بلوغ أقصى ما في استطاعة البشر؛ فأنا لا أقبل بأقلَّ من ذلك. لقد قطعت على نفسي عهدًا بأن أساعد الآخرين على بلوغ أقصى إمكاناتهم.

هنا يكمن مفتاح رئيس من مفاتيح بناء شركة المستقبل. وهذا المفتاح الرئيس يرتبط بالربحية كذلك. على سبيل المثال، في أكثر الشركات نجاحًا حول العالم، ثمة علاقة عكسية بين عدد الساعات التي يُحاسَب عليها الشركاء الرئيسيون وربحية الشركة. يبدو أنَّ التنظيم (أو على الأقل الإدارة) أمرٌ مُهم. وهذا له ارتباط مثالي بامتلاك رؤية وثقافة تحويل المهنة إلى عملٍ تجاري. لكن عندما تنظُر إلى العديد من الممارسات المهنية، فإنك لا ترى شركاتٍ تجارية بالمعنى الدقيق للمصطلح. بل ترى بدلًا من ذلك كلَّ شريك مع عملائه. وتجد أن كل الذي يجمع بين الشركاء هو النفقات. في المقابل، عندما تنظر إلى الشركات الناجحة، فإنك ترى نتائج مُحددة لكل وحدة رئيسة. بعبارة أخرى، لا يعتمد النشاط التجاري على الشريك.

لقد أصاب مايكل جِربر كبِدَ الحقيقة عندما أشار في كتابه «إعادة النظر في خُرافة ريادة الأعمال» إلى أنَّ الغرض من إنشاء عملٍ تجاري هو بيعه. ومع ذلك، فإنَّ الكثير مِنَّا (أنت وعملاؤك) يؤسس شركاتٍ تعتمِد علينا. توقَّفْ واطرح على نفسك هذا السؤال: إذا كنتَ ستشتري نشاطًا تجاريًّا، فهل ستدفع أكثر أو أقل لنشاطٍ تجاري يعتمِد على المالك الحالي، بدلًا من نشاط تجاري له هيكل ويعتمد بدلًا من ذلك على أنظمة؟ الجواب واضح جدًّا، أليس كذلك؟

ربما تفكر عند هذه المرحلة وتقول في نفسك: «هذا كله منطقي للغاية. لكنَّ عُملائي يُريدونني!» حسنًا، في الواقع عملاؤك لا يُريدونك أنت. شئتَ أم أبيت، هم يُفضلون التعامل مع أعضاء فريقك المُدرَّبين جيدًا. إن عملاءك (وأعضاء فريقك أيضًا) يريدونك أن تقود الشركة مثلما يقود زاندر الأوركسترا. وقد حان الوقت لأن تفعل هذا. حان الوقت لأن تصنع ثقافة نافعة لك. وكما أشارت كريستينا كيرك في مقالٍ كتبتْه لمجلة «أستراليان فاينانشيال ريفيو بوس»:

تؤكد مجموعة مُتنامية من الأبحاث التي تزداد تطوُّرًا وتعقيدًا والمتوفِّرة لعموم الناس على أهمية الثقافة في أداء الشركات؛ فقد أجرى جون كوتر، من كلية إدارة الأعمال بجامعة هارفارد، دراسة مُتميزة حول ثقافات الشركات الأمريكية الرائدة في الفترة بين عامي ١٩٧٨ و١٩٨٩. ووجد أن الشركات العالية الأداء التي لديها ثقافات تُركز على مصالح الأطراف الرئيسة المعنية — العملاء والموظفين والمُساهمين — حقَّقت مُتوسِّط معدل زيادة نسبته ٩٠٠ بالمائة في أسعار أسهُمها على مدى فترةٍ بلغت ١٢ سنة مُقابل ٧٤ بالمائة لدى الشركات التي تفتقر إلى تركيزٍ مُماثل. (كيرك: ٢٠٠٠)

هذه أرقام مُذهلة. لكنها تُشير إلى فترة سابقة تزيد على أكثر من ٢٠ عامًا. تمضي كيرك قُدمًا في إثبات الفكرة التي كان يطرحها جون كوتر بفعالية، باختتام مقالها بهذه الكلمات:

لقد أصبحت الثقافة اليوم تُمثِّل عاملًا بالغ الأهمية في تحقيق مستوًى عالٍ من الأداء أكثر من أي وقت مضى. والإشكالية الحقيقية هي الانتقال من التنظير إلى الواقع، أو بعبارة أخرى التوقف عن الحديث عن أهمية الناس وإثبات أننا نؤمن بذلك حقًّا من خلال تصرُّفاتنا. (المرجع السابق)

لا يسعنا إلَّا أن نُسجِّل إعجابنا بهذا الكلام. بالطبع، عندما نتحدَّث عن الثقافة ورؤية مُلهِمة، يسألنا الناس «إذن ما هي ثقافتكم ورؤيتكم؟ لو كنتم تُديرون شركة مهنية، ماذا ستكون رؤيتكم؟» بدلًا من الإجابة على ذلك (فعلى أيِّ حال، رؤيتك هي ما يُهمُّ هنا)، دعني أطلعك على حُلمٍ يراودني على نحو مُتكررٍ؛ إنَّني أرى العالم كما قد تراه على خريطةٍ كبيرة مُسطحة تتوزَّع عليها جميع البلدان. ثم فجأة تبدأ مصابيح صغيرة في التوهُّج والتألُّق في كلِّ بلد. هذه المصابيح تمثل بالنسبة إليَّ شركات المستقبل؛ فهي، بكلِّ ما تحمله الكلمة من معنًى، مراكز تميُّز ومحاور رئيسة للمجتمعات تؤدي الأشياء الصحيحة على نحوٍ استثنائي إلى الحدِّ الذي تجذِب فيه تلك المصابيح أعضاء الفريق والعملاء إليها. إنها مراكز تؤثِّر على المجتمعات التي تخدمها بطرق عميقة وإيجابية. وهي بالتأكيد شركات تجعل أولى أولوياتها تحقيق السعادة، كما أنها تختار التعامُل فقط مع الشركات الأخرى التي ينصبُّ تركيزها على السعادة. وبفضل القوة المُذهِلة لشبكة الإنترنت، تتصل هذه الشركات اتصالًا فعالًا، وتشارك قصصها وخبراتها (وربما حتى عملاؤها وأعضاء فرقها). إن أضواءها تزداد سطوعًا وتألقًا.

(٦) هل ترغب في أن يعمل ابنُك أو ابنتُك هناك؟

إنَّ مستقبلنا أهم من أن نترُكه بين يدَي علماء الإحصاء أو علماء المنطق؛ فقدرتهم على التنبُّؤ مبنيَّة على استمرارية خط مستقيم يصل بين الماضي والحاضر، وهو شيء مُثير للشفقة جدًّا. إنَّ التوقُّف عن التحري الشديد للمنطق لهوَ في نفس قيمة التخطيط نفسه. يجب ترْك المستقبل للحالمين.

ستانلي ماركوس، «ستانلي ماركوس من الألف إلى الياء: وجهات نظر»، المجلد الثاني
رون: بعد أن قرأتُ كلمات بول السابقة، سعدتُ بإجراء مُحادثة هاتفية مع د. شيلا كيسلر، وهي امرأة رائعة، تعمل مُستشارةً لأكثر من ١٠٠ شركة من الشركات المُدرجة على قائمة مجلة «فورتشن ٥٠٠»، وعضوة سابقة في هيئة تحكيم جائزة «كاليفورنيا بالدريدج» الوطنية للجودة في مجلس كاليفورنيا للخدمات والجودة. وهي أيضًا مُؤلِّفة لتسعة كُتب، وقد عَمِلت واستُشيرت في ٥٤ دولة. وفي كلِّ مرةٍ يُسعدني حظِّي بالتحدُّث معها، يرتفع رأس مالي الفكري بلا حدود.

أثناء مُكالمتنا، طرحَتْ شيلا السؤال التالي: «كم عدد الشركات التي تستحوذ على إعجابك بحق؟» هذا يتجاوز مجرَّد التعامل مع تلك الشركات، ولكن يتعلَّق الأمر أكثر بما إذا كنتُ أرغب في أن يعمل ابني أو ابنتي لدَيها. إنه سؤال ممتاز، وبرغم كل خبراتها — مع مئات الشركات في جميع أنحاء العالم — قالت إنه ربما هناك عشرون شركة ستضعها في قائمتها. عشرون فحسب؟

وعندما فكرتُ في الأمر، لم أتمكن من ذكر أكثر من عشرين شركة، وعلى الرغم من اختلاف قائمة شيلا عن قائمتي فيما يخصُّ الشركات التي نحترمها وتستحوذ بحقٍّ على إعجابنا، أليس من السَّيِّئ أنَّنا لم نستطع ذكر أكثر من عشرين شركة؟

هذا سؤال تأمُّلي للغاية؛ لأنه جعلني أُفكِّر بعمقٍ في ثقافة إدارة الأعمال التي تلقَّاها مُعظمنا في الجامعات، ودورات التعليم المستمر، والنَّدَوات، والمؤتمرات، ومن الكُتُب التي نقرؤها خصوصًا. يبدو الأمر في أوقاتٍ وأمكنةٍ مُختلفة وكأنَّ الشركات المختلفة تُتَّخذ كنماذج محاكاة من أجل خدمة أغراض مختلفة — فشركات مثل «ديزني»، «نوردستروم»، و«ريتز كارلتون» تُعد نماذج في مجال خدمة العملاء، وشركات مثل «ساوث وست» تُعد نموذجًا في مجال إدارة توقُّعات العملاء والتنافُس على السعر المنخفض؛ وشركات مثل «ثري أم» تُعدُّ نموذجًا في الابتكار؛ وهكذا — ونحن نعترِف بأنَّنا أخذْنا هذا المنحى أيضًا في هذا الكتاب، ولكن بالنظر إلى تعليمي، أودُّ أن أقول إنَّني تعلمتُ من سِيَر الشركات والسِّيَر الذاتية أكثر من جميع كتب الأعمال التي قرأتها مجتمعة (باستثناء ما كتبه بيتر دراكر).

إنَّ تاريخ مجال الأعمال إنما هو تاريخ الحالمين وروَّاد الأعمال، أولئك الأشخاص النادرين الذين تخلَّوا عن أمان الوظيفة الثابتة التي يتقاضَون عليها راتبًا، وراهنوا بكلِّ شيءٍ لدَيهم، ليتعقَّبوا الحلم الذي يُمكِّننا في النهاية من صُنع مستقبلنا، وقد أشار الخبير الاقتصادي الكبير جوزيف شومبيتر إلى هذه العملية بأنها «العاصفة الدائمة للتدمير الخلَّاق»؛ فمصانع وتقنيات الغد — التي قد لا تكون الآن سوى حُلمٍ يراود بعض رواد الأعمال الناشئين — سيأخُذ نجمُها في الصعود في مرحلةٍ ما مُدمِّرةً النظام القديم، ومُمزقةً الوضعَ الراهن، وجاعلةً جداول توزيع الدخل الثابتة محلَّ سخرية. فها هو الطالب الذي ترك دراسته في السنة الثانية من الجامعة من أجل تأسيس شركة برمجيات ليُنشئ نظام التشغيل العالمي المعروف «مايكروسوفت»؛ إنه بيل جيتس. وها هو الطالب المُثابر الذي برغم حصوله على تقدير مُتوسِّط في امتحانه المقالي بالجامعة، تمكَّن من تأسيس شركةٍ استخدَم كلُّ قارئٍ من قرَّاء هذا الكتاب على الأرجح مُنتجاتها، أو لا يزال يَستخدمها بانتظام؛ إنه فريد سميث مؤسِّس شركة «فيدكس»، ومع ذلك فإنَّ مُعظم الشركات صاحبة الرؤية لا تُبنى على فكرةٍ واحدة، بالرغم من العُرف السائد.

إنَّ إيقاع العمل لا علاقةَ له بالثبات والنظام، بل يتعلق بالأحرى بحالة قِلَّة التوازُن وعدم الثبات؛ فالثبات موجود فقط في المقابر. كتَب رالف والدو إيمرسون ذات مرَّةٍ يقول: «ما المُؤسَّسة إلَّا ظِلٌّ مُمتدٌّ لرجلٍ واحد.» ويحكي مايك فانس، عميد جامعة «ديزني» السابق، هذه القصة عن لحظات والت ديزني الأخيرة قبل أن يُفارق الحياة عام ١٩٦٦ في كتابه «فكِّر خارج الصندوق»:

في استوديوهات «ديزني» في بوربانك بولاية كاليفورنيا، كان مايك يُطلُّ من نافذة مكتبه، عبر شارع بوينا فيستا، نحو مستشفى سانت جوزيف حيث تُوفِّي والت ديزني. في صباح اليوم الذي تُوفِّي فيه الأخير، كان مايك يتحدَّث عبر الهاتف عندما رأى العلَم وهو يُنكَّس من أعلى المستشفى في حوالي الساعة ٨:٢٠ صباحًا، وقد سبقَتْ وفاته حادثة مُذهلة قيل إنها وقعت في الليلة السابقة في غرفة والت بالمستشفى.

ألحَّ صحفي — كان يَعرف أن والت يُعاني من مرضٍ خطير — من أجل إجراء مُقابلة مع والت، وكانت آماله تتبخَّر في العديد من المرَّات بسبب منع موظفي المستشفى له. وعندما تمكَّن أخيرًا من الدخول إلى الغرفة، لم يكن بإمكان والت أن يجلس على السرير أو يتحدَّث إلا همسًا، فأشار والت إلى المراسل بأن يستلقي على السرير بجانبه، حتى يتمكَّن من الهمس في أذنيه. خلال الدقائق الثلاثين التالية، كان والت والمراسل يَرقُدان جنبًا إلى جنب حيث كان والت يَستوحي ما يقوله من خريطة من صنْع خياله لعالم والت ديزني على السقف الذي يعلو السرير.

أوضح والت المكان الذي خصَّصه حسب خُطَّته لمعالم جذب الجماهير والمباني المختلفة، كما تحدَّث عن وسائل النقل، والفنادق، والمطاعم، وأجزاء أخرى كثيرة من رؤيته لمكانٍ لم يكن ليفتح أبوابه لجمهورٍ قبل ستِّ سنوات أخرى.

حكينا تجربة هذا المُراسل المؤثرة، والتي أخبرَتْنا بها إحدى الممرضات، لكلِّ مجموعةٍ من مجموعات التطوير التنظيمي … وكيف أنَّ رجلًا يُصارع الموت في المستشفى، يهمس في أذن صحفي لمدة ٣٠ دقيقة يصِف فيها رؤيته للمستقبل والدور الذي سيلعبه فيه لأجيالٍ قادِمة.

هذه هي الطريقة المُثلى للحياة: الإيمان الشديد برؤيتك إلى حدِّ أنك تهمس بها في أذن شخصٍ آخر وأنت على فراش الموت. (فانس وديكون، ١٩٩٥: ٣٠)

بعد وقتٍ قصير من الانتهاء من إنشاء عالم والت ديزني، قال أحدهم: «أليس من المؤسف أن والت ديزني لم يعِش ليشهد هذا العالم؟» أجابه فانس: «لقد شهده؛ وهذا هو السبب وراء وجوده هنا.»

نحن لا نقصِد الإشارة إلى أن روَّاد الأعمال أو الرجال والنساء الذين يتمتَّعون بمستوًى مُذهلٍ من بُعد النظر والمثابرة، يجِب أن يكونوا نماذج يُحتذى بها ويُتعلَّم منها، بل سوف أعترف بأن لديَّ تحيُّزًا شخصيًّا لروَّاد الأعمال، وأعتبرهم أكثرَ إثارة للاهتمام بدراستهم مُقارنة بالمدير التنفيذي لشركة راسخة، مثل جاك ويلش. ولكن يُمكنك التعلُّم من كليهما. وهذا ليس معناه أيضًا أنَّ الشركة هي نتاج مجهود شخصٍ واحد فقط لأنها بالتأكيد ليست كذلك؛ فمقدار رأس المال الاجتماعي والبشري المطلوب لبناء «مايكروسوفت»، و«فيدكس»، و«ديزني»، فضلًا عن بقائها بعد رحيل مؤسسيها، شيء مذهل. إنَّ غالبية الأعمال التجارية اليومية في اقتصادنا العالمي يتراوَح مستوى إنجازها بين طريقة الحلَّاق الروتينية الرتيبة ودقَّة أخصائي جراحة الأورام المصقولة بإتقان التخصُّص.‎

كما أنه من المُبالَغة في التبسيط أن نقول إنَّ كلَّ ما تحتاجه شركات المستقبل هو بيان رؤية ممتاز، أو النوع المناسب من الثقافة، أو القيادة الملائمة. لا شكَّ أنَّ هذا كله مُهم، لكنه ليس كافيًا لضمان الشركات المهنية القادرة على الاستمرار، تلك النقاط الوامِضة على الخريطة التي ذكرها بول.

تأمَّل قائمة القِيَم المؤسَّسية هذه من التقرير السنوي لعام ٢٠٠٠: الاتصالات: «الاحترام، النزاهة، التميز». هذه كانت قِيَم شركة «إنرون». وبينما كانت هي نفسها الكلمات الموجودة في العديد من بيانات القيمة، هل كانت تلك ذات معنًى ومغزًى؟ هل ارتقت الشركات لمستواها؟ هل قدَّمت مثالًا مُتألِّقًا لبقية مجتمع الأعمال كي يُحتذى به؟

القِيَم الجوهرية في غاية الأهمية، فلا تُسيئوا الفهم، لكن المحكَّ الحقيقي لما إذا كان قادة أي شركة يَعنون بالفعل ما يقولون هو التمسُّك بهذه القيم الجوهرية في الأوقات الجيدة والعصيبة، حتى ولو بتكلفةٍ باهظة على عاتق الشركة. سُئل روي ديزني عن سِرِّ نجاحه المُذهل وأخيه في شركتهما فقال:

ليس هناك أسرار، لقد حاوَلْنا دائمًا الإدارة استنادًا إلى قِيَمِنا؛ لأنك عندما تكون على علمٍ بقيمك، يكون اتخاذُك للقرار أكثر سهولة.

يجب أن تكون قيمك مُتَّسقة مع أهدافك؛ ثم إن الناس لدَيهم تحفيز ذاتي، فهم لا يحتاجون دعمًا أو جرعاتٍ مكثفة من التحفيز، على الرغم من أن ذلك لا يضرُّ من وقتٍ لآخر من قبيل رفع المعنويات.

مُعظم الناس لديهم القدرة، ويجب تشجيعهم بوضع معايير طموحة ومِن ثَمَّ مساعدتهم على صقل مهاراتهم. ولهذا السبب ركَّزنا كثيرًا على التدريب والتعليم. (المرجع السابق: ١٨٠)

(٧) الأيديولوجية الأساسية = القِيَم الأساسية + الغاية

رون: في مُقدِّمة النسخة الورقية لكتابهما الورقي؛ «شركات تأسَّست لتبقى: العادات الناجحة للشركات البعيدة النظر»، يشرح جيمس كولينز وجيري بوراس ما يلزم لبناء شركة ذات رؤية:

المصدر الوحيد الموثوق فيه لتحقيق التوازُن هو النَّواة الداخلية القوية والرغبة في تغيير وأقلمة كلِّ شيءٍ ما عدا تلك النواة، والناس لا يمكنهم التنبُّؤ على نحوٍ موثوق فيه بالوجهة التي يتَّجِهون نحوها أو الكيفية التي ستُصبِح عليها حياتهم، لا سيما في عالم اليوم الذي لا يُمكن التنبُّؤ به. لقد فَطِن الذين بَنَوا الشركات ذات الرؤية الطموحة بحكمةٍ إلى أنه مِن الأفضل أن تفهم «مَن أنت» أكثر من «ما هي وجهتك»؛ لأنَّ الوجهة التي تقصِدُها ستتغيَّر أغلب الظن. إنه درْس يصلُح للتطبيق في حياتنا الفردية كما يصلح للشركات صاحبة الرؤية الطموحة. (كولينز وبوراس، ١٩٩٧: ٢٠)

ليس بالضرورة أن تبدأ شركة ذات رؤية طَموحة بمنتجٍ مُبتكَر أو ناجح للغاية. يُشير كل من كولينز وبوراس إلى أنه من بين الشركات الثماني عشرة ذات الرؤية الطموحة التي بحثوا سيرتها، لم تبدأ سوى ثلاث شركات فقط بفِكرة عظيمة وهي: «جونسون آند جونسون» و«جنرال إلكتريك» و«فورد». لم تفعل الشركات الأخرى ذلك، ولكنها بدلًا من هذا، رأت أن تأسيس شركة ذات رؤية طموحة هو هدفهم النهائي، وهو ما يعنيه المؤلفان بتفريقهما بين «صناعة الساعة» ومجرَّد «الإخبار بالوقت». إنَّ المُكوِّن الأساسي لبناء شركة ذات رؤية طموحة هو تطوير وصياغة أيديولوجية أساسية حدَّدَها كولينز وبوراس على النحو التالي:

الأيديولوجية الأساسية = القيم الأساسية + الغاية

القيم الأساسية: هي المبادئ الأساسية والدائمة للشركة؛ مجموعة صغيرة من المبادئ التوجيهية العامة؛ ولا ينبغي الخلط بينها وبين ممارسات ثقافية أو تشغيلية مُحددة؛ كما لا يجوز المساس بها لتحقيق مكاسب مالية أو منفعة قصيرة الأجل. الغاية: هي الأسباب الجوهرية وراء وجود الشركة بما يتجاوز مُجرَّد جني المال؛ أن تصير نجمًا هاديًا يلوح دومًا في الأفق؛ لا ينبغي الخلْط بين هذا وبين أهدافٍ بعَينها أو استراتيجيات العمل. (المرجع السابق: ٧٣)
تأمَّل القيَم الأساسية والغاية لدى شركة «جونسون آند جونسون»، في بيانٍ يحمل عنوان «عقيدتنا»، والذي نُقِشت نُسخة منه على حجَرٍ في المقر الرئيسي للشركة في نيوبرونزويك في ولاية نيو جيرسي، كتب المؤسِّس أر دبليو جونسون هذه العقيدة في عام ١٩٤٣، وكثيرًا ما استُشهِد بها كسابقةٍ لقراراتٍ تخطيطية جرى اتِّخاذُها منذ ذلك الحين، لا سيما خلال أزمة كبسولات التايلينول التي واجهتها الشركة في عام ١٩٨٢:

عقيدتنا

نحن نؤمن بأن مسئوليتنا الأولى هي الأطباء والممرضات والمستشفيات والأمهات وغيرهم ممن يستخدمون مُنتجاتنا. يجِب أن تكون مُنتجاتنا دائمًا على أعلى مستويات الجودة، ويجب أن نسعى باستمرارٍ لخفْض تكلفة هذه المنتجات، ويجب تغطية طلبيَّاتِنا بسرعةٍ وبدقَّة، كما يجب أن يُحقق وكلاؤنا لأنفسهم نسبةَ ربحٍ عادلة.

مسئوليتنا الثانية هي أولئك الذين يعملون معنا؛ الرجال والنساء في مصانعنا ومكاتبنا. يجب أن يكون لدَيهم شعور بالأمان في وظائفهم. يجب أن تكون الأجور عادلة وكافية، وأن تكون الإدارة عادلة وأن تكون ساعات العمل معقولة، وأن تكون بيئة العمل نظيفة ومنظمة. ويجب أن يكون لدى الموظفين نظام جيِّد للاقتراحات والشكاوى، كما يجب أن يكون المشرفون ورؤساء الأقسام مُؤهَّلين ومُنصِفين. لا بدَّ أن تُتاح فُرص الترقِّي لأولئك المؤهَّلين، ويجب أن يُعتبَر كل شخصٍ فردًا له كرامة واستحقاق.

مسئوليتنا الثالثة تجاه إدارتنا. يجب أن يكون جميع المسئولين التنفيذيِّين لدَينا أشخاصًا يتمتَّعون بالموهِبة والتعليم والخبرة والكفاءة، يجِب أن يكونوا أشخاصًا يتمتَّعون بالحسِّ السليم والفهم الكامل.

مسئوليتنا الرابعة تجاه المجتمعات التي نعيش فيها. يجب أن نكون مواطنين صالحين ندعم الأعمال الخيرية وأعمال البر ونتحمَّل حِصَّتَنا العادلة من الضرائب، يجب أن نُحافظ على الممتلكات — التي حالَفَنا الحظُّ باستخدامها — في وضعٍ جيد.

يجب أن نُشارك في تعزيز المواطنة وتحسين الصحة والتعليم والحكم الرشيد، وأن نحيط المجتمع علمًا بأنشطتنا.

مسئوليتنا الخامسة والأخيرة نلتزِم بها تجاه حمَلَة أسهمنا. يجب أن تحقق الأعمال أرباحًا جيدة، كما يجب تشكيل احتياطي وإجراء أبحاث وتطوير برامج جريئة، وتحمُّل تبعات الأخطاء، والنهوض بأعباء الأوقات العصيبة، ودفع الضرائب المناسبة، وشراء أجهزة جديدة، وإنشاء مصانع جديدة، وطرح مُنتجات جديدة، ووضع خطط جديدة للبيع، كما يجب علينا أيضًا تجربة الأفكار الجديدة. عندما تُنفَّذ هذه الأمور، سيحصل المساهم على عائدٍ عادل، ونحن مُصمِّمون بعون الله على الوفاء بهذه الالتزامات بكل ما أُوتينا من قوة.

هل هذه شركة تطمَح لأن يعمل بها ابنُك وابنتُك؟ إن الشركة ستتسامح مع الأخطاء ولكن ليس مع «الخطايا»، التي تُعدُّ خرقًا للأيديولوجية الأساسية. إنَّ الفرق بين الشركة صاحبة الرؤية الطموحة مثل «جونسون آند جونسون» و«إنرون» هو وضع هذه القِيَم مَوضع التنفيذ، والإخلاص لها، حتى على حساب الأرباح.

ومِن النادر أن تدوم شركة تضع الجشَع والأرباح قبل تحقيق الثراء لعُملائها لفترةٍ طويلةٍ؛ فالمال ببساطةٍ ليس مُلهِمًا كافيًّا للمشاركة في عمل يخدم غرضًا أكبر، كما نتعلم من زيارة واحدة لأي جمعية خيرية محلية أو مكتبٍ لمؤسَّسة «جيش الخلاص» الخيرية. فلا تجد أحدًا يُعلِّق صورًا للأموال التي جناها على جُدرانه، بل صورًا لتلك الأشياء التي نهتم بها — العائلة والأصدقاء والجوائز والذِّكريات التي تُشيد بالإنجازات التي تحقَّقت في حياتنا بسبب ما أسهَمْنا به، وليس ما كسَبْناه.

من الأهداف الأساسية للشركات الأبرز:
  • فاني ماي: تقوية النسيج الاجتماعي من خلال إضفاء الطابع الديمقراطي على ملكية المنازل باستمرار.
  • هوليت-باكارد (أتش بي): تقديم مُساهماتٍ فنية للنهوض بالإنسانية ورفاهيتها.
  • ماري كاي: منح فُرصةٍ غير محدودة للنساء.
  • ماكنزي: مساعدة الشركات الرائدة والحكومات في أن تكون أكثر نجاحًا.
  • نايكي: تجربة المشاعر المُرتبِطة بالمنافسة والفوز وتحقيق قصب السبق على المنافسين.
  • سوني: تجربة مشاعر البهجة المُرتبطة بالارتقاء بالتكنولوجيا واستخدامها بما فيه صالح الجمهور.
  • وول مارت: منح الأشخاص العاديين فُرصة شراء الأشياء نفسها التي يشتريها الأغنياء.
  • والت ديزني: إسعاد الناس.
  • تشارلز شواب: نحن الرُّعاة لأحلام عملائنا المالية.
حتى البابا نفسه يُدرك أهمية خلْق الثروة وتحقيق الربح بالنسبة إلى أصحاب الأعمال؛ ففي منشوره السنوي لعام ١٩٩١ الذي حمل اسم «العام المائة»، وافق البابا يوحنا بولس الثاني على الربح (وهو ما يُعدُّ تغييرًا كبيرًا في وجهة نظر الكنيسة الكاثوليكية عن السابق)، ولكنه أيضًا ذكَرَ أن الربح لا يُعتبر المؤشر الوحيد لنجاح الأعمال؛ فالرأسمالية ليست مُجرَّد نظام للأشياء فحسب، بل تتعلق أيضا بالرُّوح البشرية:

تعترف الكنيسة بالدور المشروع للربح باعتباره مؤشرًا على أن الشركة تعمل بكفاءة؛ إذ عندما تحقق الشركة أرباحًا، فإن هذا يعني أن عوامل الإنتاج قد وُظفت توظيفًا صحيحًا وأن ما يُقابلها من احتياجاتٍ بشرية قد لُبِّيَت كما ينبغي. ومن الممكن أن تكون الحسابات المالية في موضعها الصحيح، ومع ذلك، فإن الناس — الذين هم أعلى أصول الشركة قيمة — يتعرَّضون للإساءة وإهانة كرامتهم، وهذا أمر غير مقبول أخلاقيًّا وسيكون له في النهاية تداعيات سلبية على الكفاءة الاقتصادية للشركة. إن الغرض من الشركة التجارية ليس مجرَّد تحقيق الربح، بل أن تكون في جوهر وجودها مجموعة من الأشخاص الذين يَسعَون بطرقٍ مُختلِفة لتلبية احتياجاتهم الأساسية والذين يُشكِّلون مجموعة مُعيَّنة في خدمة المجتمع كله. الربح أحد العوامل المُتحكمة في العمر الافتراضي للشركة واستمراريَّتها، لكنه ليس العامل الوحيد؛ إذ يجب الأخذ بعين الاعتبار عوامل إنسانية وأخلاقية أخرى، والتي تحظى — على المدى الطويل على الأقل — بالقدْر نفسه من الأهمية لاستمرارية الشركة.

ثمة شيء واحد يفصل البشر عن الحيوانات هو أن البشر يعرفون أنَّ لديهم ماضيًا ومستقبلًا، وأنهم على استعداد للاستثمار بهدف تحسين المستقبل، على الرغم من أنهم يُوقنون بفنائهم وأنهم لن يطول بهم العمر للاستمتاع بثمار تلك الاستثمارات، كما أنَّ الحيوانات لا ينطبق عليها وصف الغنى أو الفقر؛ فهي إمَّا تشعر بالشبع أو بالجوع، وإنَّ التاريخ ليتذكَّر «بُناة» و«صانعي» الثروة، ولا يتذكَّر «المستهلكين». وبشكل ما، توجد فائدة ينعم بها كلُّ جيلٍ من رأس المال الفكري المتراكم لأسلافه. من المؤكد أن والت ديزني كان أحد من صنعوا وشكَّلوا المستقبل ببناء شركة ذات رؤية طموحة:

ستصل إلى مرحلةٍ لا تعمل فيها مُقابل المال … فعندما أُحقِّق ربحًا، لا أُبدِّده أو أخفيه؛ بل أبدأ على الفور مشروعًا جديدًا. إن لديَّ القليل من الاحترام للمال في هذا السياق؛ إذ أعتبِرُه مجرَّد وسيلة لتمويل الأفكار الجديدة، أنا لا أتمنَّى ولا أنوي جمع ثروة شخصية؛ فالمال — أو بالأحرى عدم وجوده لتنفيذ أفكاري — قد يُقلقني، لكنه لا يُثيرني، بل الأفكار هي ما يُثيرني حقًّا.

لم يكن بإمكاني قطُّ إقناع المُموِّلين بأن مشروع «ديزني لاند» كان ذا جدوى اقتصادية؛ لأن الأحلام لا تُقدِّم سوى النزر اليسير من الضمانات.

(٨) القيادة

مبدأ الإجماع يتنافى مع القيادة.

مارجريت تاتشر
رون: بالتأكيد لسْنا من أنصار مدرسة «القيادة هي كل شيء» الفكرية؛ فليس من الممكن أن يُصبح لدى كل شركة والت ديزني أو جاك ويلش في موقع القيادة. إن عزوَ جميع خصائص النجاح وعدمه لدى أي شركة إلى القيادة هو تنازُل عن فهمنا لكيفية تحقيق الثروة وبناء شركات ناجحة.

ما نعرفه من واقع عملنا مع شركات الخدمات المهنية في جميع أنحاء العالم أنَّ مُعظمها يُعاني من المبالغة في الإدارة وقصور في القيادة. فلدى عددٍ هائل من الشركات، يُعتبَر الشريك الإداري من أكثر المصادر التي تُدرُّ العائدات إن لم يكن أكثرها جميعًا، ونعتقد أنَّ أحد أسباب هذه الظاهرة هو مُعادلة الممارسة القديمة، والتي هي أقرَبُ لنموذج الإدارة منها إلى نموذج القيادة. فيتعيَّن عليك أن تتحكَّم في الموظفين وتستفيد منهم، وتتأكد من أنهم يعملون لساعاتٍ كافية على أساس المعدل المناسب للإنجاز، وأنهم يتَّبِعون القواعد. إنه ليس نموذجًا يغرس الثقة، إنما هو نموذج يؤدي إلى السيطرة على الناس بدلًا من إلهامهم.

في عام ١٩٩٠، أجرى قسم المحامين الشباب في رابطة المحامين الأمريكية دراسةً مُستفيضة عن استياء المحامين وذلك من خلال إجراء مُقابلات مع أكثر من ٣٠٠٠ محامٍ دون سنِّ ٣٦ عامًا، أو ممن لديهم خبرة أقل من ثلاث سنوات، وأشاروا إلى الأسباب الثلاثة الرئيسة التالية لعدم الرضا الوظيفي:
  • قلَّة الوقت الذي يقضيه الشخص مع نفسه والعائلة والأصدقاء، وذلك بسبب مُتطلَّبات ساعات العمل المُفَوتَرة.

  • ضَعف التواصُل والعُزلة داخل الشركة.

  • نقص التدريب والتوجيه داخل الشركة. (مُقتبَس في توبمان، ٢٠٠١: ٩٧)

إن هذا الافتقار إلى القيادة هو تعليق مُحزن على حال شركات الخدمات المهنية، ومع ذلك فإن الدراسات الاستقصائية لشركات المحاسبة والاستشارات تُشير إلى النتائج نفسها بصفةٍ أساسية. ويُلخِّص فريد سميث هذا الموقف على نحوٍ جيد في مقاله، «القيادة الخارقة»، في مجلة «هارفارد بيزنس ريفيو» قائلًا:

عندما ينضمُّ شخصٌ ما إلى شركةٍ ما، يكون لديه خمسة أسئلة تشغل تفكيره: ماذا تتوقَّعون منِّي؟ ما الذي سأحصل عليه؟ أين أذهب إذا كانت لديَّ مشكلة؟ ما تقييمي؟ وهل ما أقوم به ذو أهمية؟ يجب عليك دائمًا الإجابة عن هذه الأسئلة الخمسة، لكن عليك أن تُؤقلِم أسلوب قيادتك مع الوضع الحالي.

يجب أن يفهم الشركاء الإداريُّون أن عميلهم الوحيد هو الشركة. كلُّ الحديث عن نهاية التسلسُل الهرَمي والشركات القائمة على هيكلٍ تنظيميٍّ أُفقي يبدو جميلًا، لكن الحقيقة هي أنه في أي شركة، يجب أن تكون هناك سُلطة نهائية، شخص مسئول — وعُرضة للمحاسبة — لاتخاذ القرارات. ولا أدْعَى لذلك من أوقات الأزمات. إن مبدأ الإجماع لا يمتُّ للقيادة بشيء، وكما جاء في أحد قوانين روما القديمة: العبدُ الذي له ثلاثة أسياد رجلٌ حرٌّ. وتبقى الطبيعة البشرية على ما هي عليه؛ فمن الخطَر أن نضعَ الناس في صراع ولاءٍ لأكثر من شخصٍ يكونون مسئولين أمامه.

إحدى المشكلات الرئيسة في هيكل الشراكة التقليدي لدى غالبية شركات الخدمات المهنية هو أنه لا يُوجَد شخص واحد يخضع للمُساءلة، كما هو الحال في غيرها من الشركات؛ فالشركاء يتَّخِذون كلَّ قرارٍ بالإجماع؛ ومِن ثَمَّ يجري التعامُل مع مُعظم المسائل التافهة على مستوى الشراكة، على حساب المسائل الأكثر أهمية. لقد استمَعْنا باهتمامٍ لقصصٍ لا تُعدُّ ولا تُحصى من اجتماعات شراكات كانت أهمَّ القضايا التي نُوقِشت هي لون السجَّاد الذي سيُجدَّد أو آلة تصوير المستندات التي ستُشترى. هذا لا يرتقي حتى إلى مستوى الجرَّاحين الذين يُجرون عملياتٍ بسيطةً من قبيل ثَقب الأُذنين، بل هو أشبَهُ بمستوى الديكورات الداخلية.

لعل أهمَّ وظيفة لدى القائد هي الوثوقُ في الموظفين، وتزويدهم بالموارد اللازمة للقيام بأعمالهم على نحوٍ مُلائم، وغرس الشعور بالعاطفة والفخر بداخلهم تجاه الشركة، ثم إفساح المجال لهم والسماح لموظفيه بفِعل أشياء استثنائية؛ فالقيادة لا تتمحوَر حول «الشخصية»، بل تتمحوَر حول «الأداء». يجب أن يقضي القادة وقتَهم في العمل على تطوير الشركة، وليس العمل فيها؛ عليهم أن يَبنوا شركةً ليست بالضرورة أكبر، بل مَرِنة وبارعة وقادرة على التكيُّف مع عالمٍ مُتغير.

من المؤكد أنَّ المحكَّ النهائي لأي دورٍ قيادي هو التعاقُب الإداري. وفي ذلك يقتبس فلاهيرتي من بيتر دراكر قوله:

التفاعُل بين الشركة وبيئتها الخارجية هو تقلُّب بين الماضي والحاضر … والتعاقب الإداري جِسْر يربط بين هذين النطاقَين الزَّمنِيَّين، ونظرًا لأنه يجب أن تصبح الشركة قادرة على الاستمرار، يجب أن تظلَّ الشركة قادرةً على البقاء بعد انتهاء فترة تكليف شخصٍ تولَّى قيادتها.

لقد حاول دراكر جاهدًا أن يوضِّح مسألة أنَّ التعاقُب الإداري قد يبدو تجريدًا ميتافيزيقيًّا على المدى القصير، لكن تأثيره على المدى البعيد كان ملموسًا بكل تأكيد. وعلى الرغم من أن مسألة التعاقُب الإداري لا تخضع للقياس الفوري، فإنَّ النتائج القابِلة للقياس ستظهَر، للأفضل أو للأسوأ، بعد سنواتٍ عديدة. في إحدى المرَّات، سخِر دراكر من المسئولين التنفيذِيِّين الذين كان يُظَنُّ أنه لا يمكن الاستغناء عنهم، والذين لم يستقيلوا قائلًا: «إنَّ الطريقة الوحيدة للتخلُّص من الإدارة العُليا التي تفتقِر إلى الكفاءة هي أن تُصيبَهم نوبة قلبية.» ثم أضاف: «لكنها عادةً ما تُصيب الشخص الخطأ؛ إنها طريقة غير موثوق فيها.» (فلاهيرتي، ١٩٩٩: ٢٧٤)

اعتاد شارل ديجول أن يقول: «المقابر تعجُّ بأشخاصٍ لم يكن هناك غنًى عنهم.» ومع ذلك، فإن مُعظم شركاء الشركة المهنية لا يُعيرون اهتمامًا كافيًا للتعاقُب الإداري، وكان هذا هو السبب في أنَّ الشركات المستحوذة في مجال مكاتب المحاسبة القانونية — «أمريكان إكسبريس»، و«أتش آند أر بلوك» وآخرين — تمكَّنَت من شراء شركات محاسبة قانونية؛ لم يكن الموظفون يرغبون في ذلك.

تؤثِّر القيادة أيضًا على الثقافة، وتُؤثِّر الثقافة بدَورها على سلوك الموظفين؛ لا سيما عندما لا يخضعون للمُراقبة، لكن مثلما الحال بالنسبة إلى القيادة، فإنَّ الثقافة ليست حلًّا لكلِّ شيء، فجميع الشركات لدَيها ثقافة، ثم ماذا؟ ربما يكون التفسير الأفضل من الثقافة لدى شركات رائدة مثل «نوردستروم» و«ريتز كارلتون» و«ديزني» و«آبل» وغيرها، هو التعصُّب أو الحماس؛ فأنا مثلًا أستخدِم كمبيوتر آبل منذ عام ١٩٨٤. كما يقولون، إذا مزَّقْتَ شخصًا مُتعصِّبًا لماكنتوش، فإنه سيقطُر دمًا بألوان شعار آبل الستة. في أيام مجدِها وازدهارها، كان لدى «آبل» بالتأكيد ثقافة أشبَهُ بالعقيدة، وجذبت نوعًا مُعيَّنًا من الأشخاص، عازمة على تغيير العالم عن طريق جلب قوة الكمبيوتر إلى كلِّ سطح مكتب. تتمتَّع «نوردستروم» بثقافة خدمة عملاء قوية، ولكنها تمتلك أيضًا نظام أداء كثير المطالب (أداؤك هو تقييمك)، وهذا النظام يلفظ سريعًا أولئك الذين لا يُبلون بلاءً حسنًا.

ومع ذلك لا يمكن قياس مفهوم الثقافة؛ إذ إنها تُكتسَب بالخبرة والتجربة، كما لا تُوجَد ثقافة مُثلى واحدة، ولكن من المهم أن تكون على درايةٍ بالمؤشرات الثقافية لشركتك وما تدلُّ عليه بالنسبة إلى قِيَمك وهدفك. من الصَّعب الفوز بولاء المشتغلين بالمعرفة — إذ إنهم ليسوا مُوالين لشركةٍ مُعيَّنة بقدْر ما هم مُوالون لمهنتهم — دون تحمُّل العبء الإضافي المُتمثِّل في عدم تعزيز ثقافة وتطوير قادة يُلهمون المهنيين لخدمة عملائك.

(٩) ماذا عن التخطيط الاستراتيجي؟

الحياة هي ما يحدُث بينما أنت مُنشغِل بوضع خططٍ أخرى.

جون لينون
رون: تمنح الاستراتيجية مزيدًا من التَّحكُّم في شركة المستقبل أكثر مما تمنحه الملكية، وسيظلُّ هناك شركاء أو مُلَّاك، بطبيعة الحال، ولكن سيكون هناك أيضًا المشروعات المشتركة، وحصص الأقلية، والشبكات، والجمعيات، وأشكال أخرى من التحالفات. لم يحظَ التخطيط الاستراتيجي للأعمال بالاستِحسان في الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين؛ لأنه لم يكن يَفي بوعوده. وهنا نحن نُشير إلى التخطيط الطويل الأجل، أي نماذج تخطيط مُتقَنة تمتدُّ من ٥ إلى ٥٠ سنة، وتُذكِّرنا بخطط الاتحاد السوفييتي الخمسية السابقة أكثر ممَّا تُذكِّرنا به عن اقتصاد السوق الذي يُهيمن عليه عملية التدمير الخلَّاق والدينامية والتغيُّر المستمر. التحضير للمستقبَل فنٌّ وليس علمًا، ولم يعُد التخطيط الاستراتيجي أكثر من مُجرَّد نماذج رياضية وخطط عملٍ مُفصَّلة لا علاقة لها بالواقع، لهذا السبب أغلق جاك ويلش قسم التخطيط في شركة «جنرال إلكتريك» في عام ١٩٨٣.

فبالنظر إلى أنَّ التخطيط الاستراتيجي قد سقط من عليائه — خاصَّة بعد أن دقَّ كتاب هنري مينتسبيرج «صعود وسقوط التخطيط الاستراتيجي» مسمارًا في نعشه — فإن من المدهش أن نجد العديد من الشركات ما زالت تؤمِن أنه يجب أن يكون لديها «خطة استراتيجية»، بل الأدهى أن مستشاري المهنة يُخلِّدون هذه الفكرة ويُنسِّقون جلسات التخطيط الاستراتيجي باهظة الثمن، والتي تكون نتائجها مُتواضعة في أفضل الأحوال، وبالغة الضَّرَر في أسوأ الأحوال. والمشكلة هي أنه لا يمكن لأحدٍ التنبُّؤ بالمستقبل، ومِن المُرجَّح أن تُصبِح الخطط الاستراتيجية مُجرَّد تمرينات في استقراء الوضع الراهن بدلًا من محاولة إحداث تغيير، ونادرًا ما تتركُ هذه الخططُ الاستراتيجيةُ الماضي، بل تصحَبُه معها إلى المستقبل.

ما الذي حدث لخطة شركة «آرثر أندرسن» الاستراتيجية ذات الخمس أو العشر سنوات؟ أو استراتيجيات مُنافسيها وشركائها في التحالف الذين تضرَّروا من زوالها السريع؟ هذا لا يعني أن الشركات لا يجب أن يكون لدَيها أهداف، أو حتى استراتيجية واسعة النطاق، ولكن يجب على الخطة ألا تكون بديلًا عن التكيُّف مع التغيير. علاوة على ذلك، ينبغي أن تكون هذه الاستراتيجيات قصيرة الأجل، من سنة إلى سنتَين، وليس توقُّعاتٍ مُفصَّلة لعشر سنوات أو أكثر في المستقبل.

موجز ونتائج

ما الأيديولوجية الأساسية لدى شركتك؟ كيف يمكنك بناء عمل تجاري ذي رؤية حيث يُقرِّر الناس طواعية المُساهمة برأس مالهم البشري فيه؟ كيف ستُنشئ الشركة القادرة على البقاء التي سيتمنَّى الأعضاء المبتدئون شراءها في مرحلةٍ ما من حياتهم المهنية؟ هل ستقوم بتشييد مؤسَّسة تجارية تفخَر أن يعمل بها ابنُك أو ابنتُك؟

ما هي رؤية الشركة القادرة على البقاء؟ سنترك لك هذا الأمر لاتخاذ قرارك بشأنه. أما رؤيتنا فستشمل أن نكون قادِرين، ربما في غضون عشر سنوات أو عشرين سنة، على ذكر عددٍ من الشركات التي تستحوذ على إعجابنا والتي نفخَر بأن يعمَل فيها أبناؤنا وبناتنا. إنَّ المهن القانونية والمحاسبية مهنٌ نبيلة، ونشعُر بالقلَقِ إزاء تدهوُر الرُّوح المعنوية في كلٍّ منها، وندعو قادة اليوم إلى خلْقِ غدٍ أكثر حماسة. ونرجو أن نكون على القدْر الكافي من الحكمة بما يُمكِّننا من التخلِّي عن تلك المُمارسات التي تُضعِف معنويات المهن وتجعلها أقلَّ جذبًا لرأس المال البشري الجديد.

دعونا نتوقَّف عن مُلاحقة غدِ الأمسِ ولنصنَعْ مستقبل الغد. لقد بدأ مُؤسِّسو أمريكا تشكيل بلدهم الجديد برؤيةٍ واضحة للمستقبل، وهي بناء «نظام عالمي جديد»، كما هو مطبوع على ظهْر كلِّ ورقة دولار، نحن نُقدِّم رؤيةً لشركة قادرة على الصمود مستقبلًا — تلك التي يعمل بها أبناؤك وبناتك بكلِّ سرورٍ ويشترونها في نهاية المطاف — طريقةً جديدة للتفكير والعمل، مع التركيز على قيمة العميل وإعلاء قيمة تقديم الخدمة للآخرين، وعالمًا تُمارس فيه هذه الفضائل بقدْر ما يُدعى إليها. إنه الواقع الذي حان وقتُه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠