الفصل الرابع

رأس المال الفكري: المصدر الرئيس للثراء

الاستثمار في المعرفة يحقق أفضل العوائد.

بنجامين فرانكلين، صحيفة «بور ريتشاردز ألماناك»

في عام ١٩٧٤، أسَّس بيل جيتس الذي كان يبلغ حينها تسعة عشر عامًا وبول آلن الذي كان في سن الواحدة والعشرين شركةً أطلقا عليها «تراف أوه داتا» لقراءة بطاقات حاسوبية من آلات كانت ترصد التدفق المروري في البلديات المحلية. حقَّقت هذه الشركة، التي أصبحت في نهاية المطاف شركة «مايكروسوفت»، في عامها الأول إيراداتٍ تُقدَّر ﺑ ٢٠ ألف دولار أمريكي، ولم يكن بها سوى ثلاثة موظفين. حاليًّا، تفوق القيمة السوقية لشركة «مايكروسوفت» — بحسب اليوم الذي أُجرى فيه التحليل — إجمالي الناتج المحلي لتسع دول تقريبًا (تتجاوزها إسبانيا بهامش بسيط)، ويعمل بها ٤٠ ألف موظف في أكثر من ٦٠ دولة، وتقدَّر إيرادات الشركة ﺑ ٢٠ مليار دولار أمريكي سنويًّا.

•••

رون: كيف استطاع جيتس وآلن، في مدة تزيد عن جيل بقليل، بناءَ شركة تتجاوز قيمة شركات كبرى — فيما يتعلق بالقيمة السوقية — مثل «جنرال موتورز» و«فورد» و«بوينج» و«سيرز» و«لوكهيد» و«كيلوج» و«سيفواي» و«ماريوت» (بما فيها ريتز كارلتون) و«كوداك» و«كاتربيلر» و«دير» و«يو إس إكس» و«ويرهاوسر» و«يونيون باسيفيك» وغيرها مجتمعة؛ بحسب اليوم الذي أُجرى فيه التحليل؟ بالتأكيد لم يكن ممكنًا تفسير نجاح شركة «مايكروسوفت» استنادًا إلى معادلة الممارسة القديمة التي ورد ذكرها في الفصل الثاني؛ فالشركة لم تركز على ساعات العمل المدفوعة، كما لم تصمِّم نموذج عمل هرميًّا. إن ما عززته الشركة هو رأس المال الفكري الذي هو المصدر الرئيس لجميع الثروة.

هذا هو المبدأ الأساسي الذي يرتكز عليه الكتاب الذي بين أيدينا، وهو المبدأ الذي صُمِّمت معادلة الممارسة الجديدة من أجل تفسيره. نحن نعتقد أن شركات الخدمات المهنية لا تختلف عن شركة «مايكروسوفت» في أن مصدر ثرائها الرئيس هو قدرتها على تشكيل رأس المال الفكري وصنعه ونشره وبيعه؛ فشركة «مايكروسوفت» رأس مالها الفكري في صورة برامج حاسوبية، وتدمج شركات الخدمات المهنية رأس مالها الفكري في عروض منتجاتها وخدماتها التي تُقدِّمها للعملاء من أجل مساعدتهم على تحقيق أهدافهم العملية والشخصية. فرأس المال الفكري، من منظورٍ اقتصادي، هو الذي يحقِّق الثروة وليس الوسيلة التي يُنتج بها رأس المال الفكري (ساعات العمل المدفوعة مقابل ابتكار شفرة للبرامج الحاسوبية). لكن قدرة رأس المال الفكري على تحقيق الثروة لم تُستوعب جيدًا، لا سيما من قِبل مهنة تأصلت جذورها في معادلة الممارسة القديمة المتمحورة حول الساعات والإيرادات. والدورُ الذي يلعبه رأس المال الفكري في تحقيق الثروة لم يُستوعب جيدًا، أو يُقَسْ بدقة هو الآخر؛ فالمبادئ المحاسبية المقبولة عمومًا تؤدِّي مهمة بشعة هي تقييم رأس المال الفكري؛ إذ تُعامل معظم تكلفة تشكيل رأس المال البشري باعتبارها غير آنية العائد لأغراض المبادئ المحاسبية المقبولة عمومًا. وهذا يفسِّر كيف تمثل أصول المبادئ المحاسبية المقبولة عمومًا لدى «مايكروسوفت»، كما تشير ميزانيتها العمومية، أقل من ١٠ بالمائة من قيمتها السوقية. ليس الهدف هنا هو اقتراح مقاييس أفضل، وهو موضوع سنعود إليه لاحقًا؛ الحقيقة هي أن أهمَّ الأشياء في الحياة لا يمكن قياسها، وهذا يُحدِث حالةً طاغية من عدم الاتساق المعرفي بين المحاسبين؛ لذا نحن لا نحتاج بالضرورة إلى «مقاييس» أفضل، وإنما نحتاج إلى «فهم» أفضل.

اليوم، يُنظر إلى رأس المال الفكري باعتباره مجرد تعبير رنَّان (لاحظ أن هذا التعبير وارد بقائمة التعبيرات الرنانة العشوائية في مجال الأعمال المستخدمة في «مصمم بيان الرسالة العشوائي» على الموقع الإلكتروني ﻟ «دلبرت» www.dilbert.com/comics/dilbert/career/html/questions) لكن كما أوضحنا في الفصل الثالث، لا يتعلق رأس المال الفكري ﺑ «الاقتصاد الجديد»، بل كان دائمًا المحرك الرئيس للثروة — كما زعم الاقتصاديون — منذ ظهور مصطلح «رأس المال البشري» لأول مرة (في وقت ما خلال فترة ستينيات القرن العشرين). لا تكمن الثروة في الأصول المادية أو المال، وإنما تكمن في رأس المال البشري المتأصِّل في الطبيعة الإنسانية، وحيث إن هذا أمرٌ يصعبُ قياسُه للغاية (إذ كيف يتأتَّى للمرء أن يقيس، مثلًا، طموح ستيف جوبز الرامي «لتغيير العالم»؟) فإننا نتجاهلُه في أغلب الأحيان حتى يصبح بديهيًّا للغاية — كما هو الحال مع «مايكروسوفت» — بحيث يتعيَّن علينا الاعتراف بأن نظرياتنا القديمة للثراء لم تعد ملائمة.

تترتَّب على الأفكار نتائج، لكن الأفكار موجودة في كل مكان، إنما المعرفة نادرة، وأولئك الذين يملكون المعرفة المناسبة هم القادرون على تشكيل ثروة هائلة عن طريق الإقدام على المخاطرة اللازمة لاقتناصها، بدءًا من بيل جيتس وبول آلن وصولًا إلى أندرو كارنيجي وتوماس أديسون ووالت ديزني. حتى مصنع الدبابيس الشهير الذي أسسه آدم سميث احتوى على فكرة «تقسيم العمل»، وهي فكرة لتحقيق ثروة هائلة، تبعتها أفكار مثل الإدارة العلمية وخط التجميع الذي من المؤكد أن هنري فورد قد تبناه.

(١) المغالطة المادية

رون: على مدى قرون، ظل الاقتصاديون يوضحون «المغالطة المادية» — فكرة الاعتقاد بأن الثراء يكمن في الأشياء المادية كالذهب والمواد الخام وما إلى ذلك — ومع ذلك لم نستوعب بعدُ هذا المفهوم الاقتصادي البسيط على ما يبدو. يبدو أننا نعتقد أن «المادة» أهمُّ من «العقل»، في حين أن المفردتَين متضادتان تمامًا؛ فدولٌ مثل تايوان وهونج كونج وسنغافورة لا تملك «موارد طبيعية»، ومع ذلك فإن هذه الدول جميعًا لديها مستوى معيشة أعلى من روسيا وإندونيسيا الغنيتَين بالموارد الطبيعية.

من منظور مؤسسي، ثمة حادثة كاشفة في بداية المسيرة المهنية لوالت ديزني يمكن أن تسلط الضوء على المغالطة المادية، وذلك على نطاق أصغر وأكثر بشرية.

بالعودة إلى فترة العشرينيات من القرن العشرين، عندما خرج ديزني إلى النور لأول مرة كرسام كاريكاتيري، مكَّنته نجاحاته من تأسيس استوديو والاستعانة برسامين آخرين لرسم آلاف الصور المطلوبة لأفلام الرسوم المتحركة. حقَّقت استوديوهات ديزني نجاحًا مبكرًا بفضل شخصية كرتونية كانت تُدعى «الأرنب أوزوالد» الذي كانت تملك حقوق تأليفه شركة توزيع سينمائية وليس ديزني. قرَّرت شركة التوزيع تلك أن تتخلى عن التعامل مع ديزني ودفع أموال له، وأن تتعامل مباشرةً مع رساميه لينتجوا معًا المنتَج ويسوِّقوه. بمنظور المغالطة المادية، أصبح ديزني زائدًا عن الحاجة؛ فلم يعد يرسم الرسوم الكاريكاتيرية ولا ينقل الأفلام إلى المسارح ولا يعرضها على الجمهور. وتوقَّعت الشركة الموزعة، بمعاونة موظفي ديزني وحقوق نشر شخصية ديزني أن تحقق ربحًا بعد هذا الانقلاب المفاجئ ضد ديزني، لكن دون أفكار ديزني أصبحت الشخصية التي كانت مهمة في السابق عديمة القيمة على حين غرة كما تبين من حصيلة شباك التذاكر. إن ما بيع بالفعل هو أفكار وخيالات ديزني، أما الأشياء المادية كالرسومات والسينما والمسارح فلم تكن سوى وسائط؛ فلم يمضِ وقت طويل حتى أُجري الترتيب لمجموعة أخرى من الوسائط وجُسِّدت الأفكار في شخصية جديدة — «ميكي ماوس» — الذي سجل ديزني حقوق تأليفه باسمه.

كثير من المنتجات التي تُلبي متطلبات الحياة العصرية ليست سوى تجسيدٍ ماديٍّ للأفكار، ولا يقتصر الأمر على أفكار أديسون أو فورد، بل يشمل أيضًا أفكار عدد هائل من أشخاص غير معروفين يتخيَّلون تصميم المتاجر الكبرى ومواقع محطات الوقود وملايين الأشياء الأخرى التي تعتمد عليها رفاهيتنا المادية. تلك الأفكار هي الحاسمة، وليس التنفيذ المادي لها. والمجتمعات التي لديها أناسٌ أكثر ينفذون الجانب المادي وأناس أقل يقدمون الأفكار لا يحققون مستوى أعلى من المعيشة، العكس تمامًا هو الصحيح. ومع ذلك لا تزال المغالطة المادية مستمرة، دون أن تُزحزحها هذه الأدلة أو غيرها. (سويل، ١٩٨٠: ٧١-٧٢)

توضح المغالطة المادية السبب وراء قول أندرو كارنيجي ذات مرة بثقة تامة: «يمكنك أن تنتزع منا مصانعنا وتجارتنا ووسائل نقلنا وأموالنا — دون أن تترك لنا سوى مؤسستنا — وخلال أربعة أعوام، سنعيد بناء أنفسنا.» (مقتبس في براندن، ١٩٩٨: ٣٥). فهذا لا يشكِّل عائقًا في شركة خدمة مهنية؛ فقدرتك على صنع الثروة تكمن في رأس مالك الفكري؛ أو بعبارة أخرى في رأس مالك البشري والهيكلي والاجتماعي.

(٢) أكثر الموارد ندرة على الإطلاق

رون: قد يكون الفارق بين الأفكار والمعرفة خفيًّا، لكن الخبير الإداري سِيد سيزر أوضح هذا الفارق على أفضل نحو عندما تندَّر قائلًا: «الرجل الذي اخترع أول عجلة كان أحمق، أما الذي اخترع العجلات الثلاث الأخرى فكان عبقريًّا» (مقتبس في ستيوارت، ٢٠٠١: ٩٠). بالرغم من انتشار المعارف العامة في كل مكان، فإن المعرفة النوعية والمتخصصة نادرة. وفيما يلي يوضح توماس سويل الفارق بين «المعرفة العامة» و«المعرفة النوعية المتخصصة» بهذا المثال التاريخي:

إحدى الكوارث الكلاسيكية للتخطيط الحكومي تضمنت محاولات الحكومة البريطانية زراعة الفول السوداني في المستعمرة البريطانية روديسيا في أعقاب الحرب العالمية الثانية. بالرغم من فشل هذه الخطة وفداحة تكلفتها، ظل المزارعون العاديون حول العالم لأجيال يحددون أين وكيف يزرعون الفول السوداني، كلٌّ في أرضه، التي كانت خصائص كل منها معلومة من واقع الخبرة الشخصية المباشرة. لماذا كانت هذه الخطة الحكومية الرامية إلى زراعة الفول السوداني كارثةً اقتصادية، في الوقت الذي كان فيه المزارعون الذين لم يتلقَّوا قدرًا كافيًا من التعليم — أو حتى الأميون — قادرين على فعل ما لم يقدر عليه الخبراء الذين حصلوا على قدر وافر من التعليم؟ يرجع ذلك إلى أن المزارعين لديهم معرفة متخصصة، وهي في الغالب أكثر أهمية بكثير من «المعرفة العامة». (سويل، ٢٠٠٠: ٢٥٠)

في عمله الرائد عن المعرفة الذي حمل اسم «المعرفة والقرارات»، يُحدد سويل أنواعًا مختلفة من الأفكار استنادًا إلى علاقتها بعملية التوثيق: «ثمة أفكار مهيأة بطريقة منهجية للتوثيق (النظريات) وأفكار غير مشتقة من أي عملية منهجية (الرؤى) وأفكار لا تصمد أمام أي عملية توثيق (الأوهام) وأفكار تُعفي نفسها من أي عملية توثيق (الأساطير) وأفكار اجتازت بالفعل عمليات التوثيق (الحقائق) إضافة إلى أفكار تبين فشلها — أو من المؤكد أنها ستفشل — في تلك العمليات (الأكاذيب — بما في ذلك الأخطاء والادعاءات الزائفة)» (سويل، ١٩٨٠: ٤-٥).

في أي منشأة تجارية، ثمة مصدران محتملان للربح: ربح «اقتصادي» وربح «معرفي»؛ أما الربح «المعرفي» فلديه القدرة على النهوض بالمعرفة النوعية المتخصصة. والسوق، بمعنى المستهلك المتحكم، هي عملية التوثيق التي يُلمح إليها سويل، على الأقل لأنها ترتبط بعروض المنتجات والخدمات. فأي عروض لا تلقى تقديرًا من جانب المستهلكين سوف تُنبَذ بلا رحمة في السوق الحرة، في حين أن الأفكار التي يبحثها اختصاصيو العلوم الاجتماعية بحرية مثل ماركس لا يكون لها عملية توثيق سريعة أو أكيدة، لا سيما إذا كانت تنسجم مع الاستعدادات والميول العاطفية لدى عدد كافٍ من الناس.

إن الجانب المثير للاهتمام بشأن الاختلاف بين حضارة متقدمة وأخرى بدائية لا يتمثل في مسألة أن كل شخص لديه معرفة أكبر وإنما يتمثل في الواقع في أنه يحتاج إلى قدر أقل بكثير من المعرفة. فلا بد أن يكون الهمجي البدائي قادرًا على إنتاج مجموعة كبيرة من السلع والخدمات لنفسه ولأسرته، في حين يمكن أن يكتفيَ ميكانيكي السيارات اليوم بمجرد معرفة جانب تخصصه فحسب؛ إذ سيعتمد على المعرفة النوعية المتخصصة لدى الآخرين من أجل تلبية احتياجاته من الأخشاب والطعام والملابس والخدمات الطبية. فقد كان المصور الفوتوغرافي خلال الحرب الأهلية يتعين عليه أن يملك معرفة عن العملية الفوتوغرافية تفوق ما يحتاج إلى معرفته مستخدم آلة التصوير الرقمية اليوم.

ثمة منظور آخر تنظر من خلاله إلى شركتك وهو أن تعتبرها مؤسسةً تعرف الطريقة التي تُنجز بها الأشياء. فالمعرفة، على عكس الأصول المادية والمالية، هي ما يُعرِّفه الاقتصاديون باسم «الأصل غير التنافسي»، بمعنى أنه يمكن أن يستفيد منه أكثر من شخص في الوقت نفسه دون تنافس عليه. فعندما تقرر شركة الخطوط الجوية «يونايتد إيرلاينز» تخصيص طائرة بوينج ٧٧٧ لرحلات بين سان فرانسيسكو ولندن، لا يمكن استخدام الطائرة نفسها لرحلات بين سان فرانسيسكو وطوكيو، لكن قراءتك لهذا الكتاب ليس معناها عدم قدرة شخص آخر على قراءة نسخة منه في الوقت نفسه. عندما أعطيك رابطة عنقي، فقد تستخدمها الآن ولا أستخدمها؛ لكن عندما أعطيك فكرة — أو معرفة مفيدة — فإنها تصبح متاحة لكل منا، ويمكن أن نطورَها أو نجعلَها أكثر قيمة. لهذا السبب، أطلق اقتصادي ستانفورد بول رومر — وهو مفكر رائد في مجال المعرفة واقتصاد النمو — على المعرفة: المصدر الوحيد غير المحدود الذي ينمو مع استخدامه. ويوجز توماس ستيوارت، وهو مفكر ومؤلِّف رائد في مجال رأس المال الفكري، هذا الأمر، وذلك في مجلة «فورتشن»، بقوله: «عندما تبيع لي كعكة، فإنها لم تعد ملكًا لك، وعندما تبيع لي وصفة طعام، فإنها تصبح ملكًا لنا نحن الاثنين. فيما يتعلق بالأصول الفكرية والمُخرَجات غير المادية، يمكنك أن تحصل على كعكتك وتأكلها أيضًا. لكن لا يمكنك أن تعيدَها إلى صاحبها. ويمكن أن يستعيد البائع سيارته، لكن لا يمكنه فعل ذلك مع حقيقة من الحقائق» (ستيوارت، ١٩٩٧: ١٧١). هل تعتقد أن إميريل لاجاسي، وهو من مشاهير الطهاة، يفهم هذه الفكرة؟

هذه هي الاستراتيجية التي اتبعها سام والتون مع «وول مارت»: فقد استعاض عن «المخزون السلعي» ﺑ «المعرفة». إذا فكرت في الأمر، فإن المخزون السلعي هو بديل المعرفة. فإذا عرفت بالضبط عدد شرائح اللحم وعُلب الفول وغير ذلك من السلع الغذائية التي ستستخدمها الشهر القادم، فلن تكون بحاجة إلى مخزن مليء بالسلع. وإذا علم الجندي بالضبط عدد الرصاصات التي سيُطلِقها قبل الذهاب إلى المعركة، فيمكنه ألَّا يحشوَ سلاحه برصاصات إضافية ومِن ثَمَّ يخفِّف من حمولته. إن عدم وجود المعرفة هو ما يتطلَّب مخزونًا سلعيًّا. ومن خلال إمداد والتون مورديه بمعلومات آنية، استطاع أن يقلِّل من التكاليف الضخمة التي يتكبَّدها نتيجة لعمليات النقل والتوزيع المرتبطة بالمخزون السلعي؛ ومِن ثَمَّ يعود ما يوفره من مالٍ بالنفع على عميله النهائي.

الشركات اليابانية العاملة في مجال تصنيع السيارات فعلت الشيء نفسه عندما ابتكرت أنظمة مخزون سلعي آنية؛ وذلك بسبب عدم توافر الحيز المكاني الكافي وقلة الموارد التي يمكن اعتبارها مخزونًا سلعيًّا. وفي مجال النشر، ثمة عبارة تهكمية أطلقها ألفريد إيه كاينوف: «ذهب اليوم ليعود غدًا.» مشيرًا إلى ارتفاع معدل إرجاع معظم الكتب. وقد سألت امرأةٌ الناشرَ البريطانيَّ جوناثان كيب في أحد الحفلات التي أُقيمت في لندن: «هل تحتفظ بنسخة من كل كتاب تطبعه؟» ليجيبها قائلًا: «سيدتي، أنا أحتفظ بآلاف النسخ» (مقتبس في فاندربيلت الثاني، ١٩٩٩: ١٨٨).

ضرب رجلٌ مستقيمٌ مثالًا ربما يُعد أحد أفضل الأمثلة على تعزيز رأس المال الفكري من أجل تحقيق الثراء لامرأة مضحكة جدًّا. هذا الرجل هو ديسي أرناز، زوج لوسيل بول. كان مسلسل «أنا أحب لوسي» أحد أوائل مسلسلات كوميديا الموقف الرائعة. وُلد أرناز في كوبا عام ١٩١٧، لكنه لم يُقدِم على المغامرة المهمة في حياته حتى الخمسينيات من القرن العشرين؛ تلك المغامرة كان لها مردود هائل. فنظير خصمٍ من الأجر قدره ١٠٠٠ دولار أمريكي لكل ٣٩ حلقة، منحت شبكة «سي بي إس» التليفزيونية حقوق الملكية الحصرية للزوجين للمسلسل؛ إذ إنه في عام ١٩٥١، كانت تُبَثُّ جميع العروض والبرامج التليفزيونية بثًّا مباشرًا ولم تكن تُحفظ إلا على الكينيسكوب. ومِن ثَمَّ اعتقد مسئولو التليفزيون حينذاك أن عروض الأمس لها نفس قيمة صحف الأمس. كان مسلسل «أنا أحب لوسي» أول عرض يُسجل دون أن يُبَث بثًّا مباشرًا؛ ومِن ثَمَّ كان هناك شيء يستحق البيع بعد انتهاء البث الأصلي. واليوم، بعد انقضاء نصف قرن تقريبًا، تُباع الحلقة الواحدة بمائة ألف دولار أمريكي. وقد تعلم جيري ساينفيلد من النجاح وأودع في حسابه البنكي نحو ٢٢٥ مليون دولار أمريكي من بيع حقوق البث لمسلسله.

بالنظر إلى الثروة الكامنة في القصص والأغنيات، التي يُفترض أنها المنتجات الأسرع زوالًا، ليس من المستغرب أن قيمة شخصيتي «سكارليت أوهارا» و«ريت بتلر» تجاوزت بكثير قيمة السيارات التي صُنعَت في عام ١٩٣٩ وهو العام الذي عُرض فيه فيلم «ذهب مع الريح».

عندما يجتمع اكتشاف معرفة قيمة جديدة مع معرفة فنية، يصبح لديك الحافز الضروري لتحقيق ثروة جديدة من أجل عملائك. وكما أوضح والت ديزني عندما سُئل عن سر نجاحه: «في الواقع، ليس لديَّ أسرار بشأن منهجيتنا. نحن ماضون قُدمًا بفتح أبواب جديدة وفعل أشياء جديدة لأننا فضوليون. الفضول هو الذي يقودنا باستمرار إلى طرق جديدة. فدائمًا ما نستكشف ونُجرِّب … هذا الأمر نُطلق عليه هندسة الصورة (مصطلح ابتكره ديزني) أو بعبارة أخرى المزج بين الخيال الإبداعي والمعرفة الفنية» (معهد ديزني، ٢٠٠١: ١١١). ربما تكون المعرفة النوعية المتخصصة نادرة، لكن شركتك يكمن بها جميع أنواع المعرفة المتخصصة القابلة للتطبيق. الهدف هو تعزيز هذه المعرفة واستخدامها في تشكيل معرفة جديدة يمكن إقرارها في السوق من جانب عملائك. وهذا بدوره يصبح رأس المال الفكري لشركتك المؤلَّف من رأس المال البشري ورأس المال الهيكلي ورأس المال الاجتماعي. إنه يمثل نقطة الارتكاز النهائية لشركة المستقبل.

(٣) أنواع رأس المال الفكري الثلاثة

رون: مسألة تفوق الأصول غير المادية على الأصول المادية في تحقيق الثراء لا جدالَ فيها، ونحن ننتقل من المنشآت المعتمدة على رأس المال إلى المنشآت المعتمدة على المعرفة. ويُعدُّ نظامُ «سيبر» للحجز والاستعلام التابع لشركة «الخطوط الجوية الأمريكية» مثالًا ممتازًا على ذلك.

في ١١ أكتوبر ١٩٩٦، باعت مؤسسة «إيه إم آر» وهي المؤسسة الأم لشركة الخطوط الجوية الأمريكية ١٨ بالمائة (اجتزاءً من حقوق الملكية) من شركتها التابعة «سيبر» في اكتتاب عام أولي قُدِّرت فيه قيمة «سيبر» ﺑ ٣٫٣ مليار دولار أمريكي. وكانت قد بلغت القيمة السوقية الإجمالية لمؤسسة «إيه إم آر» (بما يشمل «سيبر») في اليوم السابق نحو ٦٫٥ مليار دولار أمريكي؛ ومِن ثَمَّ فإن نظام الحجز الذي أدرَّ دخلًا من وكلاء الرحلات وغيرهم من مستخدمي الخدمات قد شكَّل نصف القيمة السوقية لمؤسسة «إيه إم آر»، بما يعادل قيمة ثاني أكبر خطوط طيران في العالم، والتي كانت تملك ٦٥٠ خطًّا من خطوط الطيران (في عام ١٩٩٦) وغير ذلك من الأصول المادية والمالية بما يشمل حقوق الهبوط القيِّمة. وقد تمخض استثمار في البحث والتطوير بقيمة ٤٠ مليون دولار أمريكي في «سيبر» خلال فترتَي الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين عن قيمة سوقية تُقدَّر ﺑ ٣٫٣ مليار دولار في منتصف تسعينيات القرن العشرين. وبحلول ٣٠ أكتوبر ١٩٩٩، زادت حصة «سيبر» في إجمالي القيمة السوقية لمؤسسة «إيه إم آر» إلى ٦٠ بالمائة، ما يُظهِر قدرةَ الأصول غير المادية على تحقيق القيمة (إمكانية التوسع) مقارنة بالأصول المادية (ليف، ٢٠٠١: ٢٤).

وفي حين أن الخطوط الجوية المملوكة لشركة «الخطوط الجوية الأمريكية» تظهر في ميزانياتها العمومية، لم يُعثَر على «سيبر» في أي مكان. ذات مرة سأل أحد المعلمين يوجي بيرا: «ألَا تعرف أي شيء؟» فأجابه بيرا قائلًا: «إنني حتى لا أشك في أي شيء.» وبالرغم من جوانب قصور المعايير المحاسبية المقبولة عمومًا فيما يتعلق بقياس رأس المال الفكري، فإننا سوف نُقسِّم رأس المال الفكري للشركة إلى ثلاث فئات كما تناولنا في الفصل الثالث، وكما اقترح كارل-إيريك سفيبي في عام ١٩٨٩ وهو مفكر رائد في نظرية المعرفة:
رأس المال البشري.
رأس المال الهيكلي.
رأس المال الاجتماعي. (العملاء، الموردون، الشبكات، مصادر الإحالة، الخريجون … إلخ.)

سوف نستكشف كلَّ نوعٍ من هذه الأنواع بمزيدٍ من التفصيل في الفصول الثلاثة القادمة. النقطة المهمة التي ينبغي استيعابها جيدًا في هذه المرحلة هي «التفاعُل» بين الأنواع الثلاثة من رأس المال الفكري الذي يخلق فرصًا أمام شركتك لتحقيق الثراء. فمثلًا رأس المال البشري يمكن أن ينمو بطريقتين: عندما تستخدم الشركة المزيد مما يعرفه كل شخص، وعندما يعرف الناس المزيد من الأشياء المفيدة بالنسبة إلى الشركة و/أو عملائها. ولما كانت المعرفة سلعة «غير تنافسية» — بمعنى أن شخصَين يمكن أن يمتلكاها في الوقت نفسه — فإن المعرفة التي يتشاركها الناس هي المعرفة التي تتضاعف بفعالية داخل المؤسسة؛ وهذا هو السبب وراء قول «ليو بلات»، الرئيس التنفيذي السابق لشركة هوليت-باكارد: «لو تشارك العاملون بشركة «إتش بي» المعرفة بينهم على النحو الأمثل، لأصبحَتْ أرباحنا تعادل ثلاثة أضعاف أرباحنا الحالية.»

ولما كان بالإمكان العثور على المعرفة في أيِّ مكان تقريبًا، ولا يُشترط أن تكون قد شُكِّلت حديثًا، فمن الضروري أن ندمج رأس المال الاجتماعي في رأس المال الفكري؛ لأن تعريف ما نمتلكه من معرفة على أساس رأس المال البشري والهيكلي فحسب بمثابة تركيز مفرط على المصلحة الذاتية. فينبغي ألَّا تنحصر المعرفة داخل حدود الشركة فحسب، وإنما ينبغي أن تتجاوزها إلى الخارج أيضًا. فعن طريق التوسع في تعريفنا لرأس المال الفكري، بحيث يشمل البيئة الاجتماعية التي تعمل في إطارها الشركة، يمكن أن نحظى بمزيدٍ من الفرص لتعزيز معرفتنا؛ لهذا السبب، تمنح «بريتيش بتروليوم» جائزة «لص العام» للشخص الذي استطاع «سرقة» أفضل الأفكار، بينما تمنح شركة «تكساس إنسترومنتس» جائزة «لم تُبتَكر هنا، لكنني فعلتها على أي حال» للأفكار التي تُقتنص داخل أو خارج الشركة. تحتفي شركات المعرفة دائمًا بالتعلُّم، وليس فقط بتطبيق المعرفة على الخدمات التي تقدِّمها لعملائها. ويتعيَّن على شركات الخدمات المهنية أن تتجاوز مجرد استخلاص ثماني ساعات عمل من رأس المال البشري، إنما ينبغي عليها أن تعزِّز الأفكار أيضًا. وهذا يتطلَّب مستوًى مختلفًا من التفكير ومجموعة مقاييس مختلفة تمام الاختلاف من أجل قياس فعالية تعلم الشركات.

معظم المعرفة تتشكل على أيدي الناس وتُتملَّك من جانبهم؛ ومِن ثَمَّ فإنها تكمن في رأس المال البشري لأي شركة. وتحويل رأس المال البشري إلى رأس مال هيكلي إحدى المهام الرئيسة لكبير مسئولي المعرفة. وقد صارت الشركات المحاسبية الأربعة الكبرى جميعًا تعيَّن لديها كبيرًا لمسئولي المعرفة؛ وبحلول عام ١٩٩٧، استحدثت خُمس الشركات المدرجة على قائمة مجلة «فورتشن ٥٠٠» هذا المنصب أيضًا. وقد أوجز جون بيتس، كبير مسئولي المعرفة الأسبق بشركة «إرنست ويونج» رسالته المعرفية قائلًا: «نعتقد أن إدارة المعرفة مسألةٌ جوهرية. إنها واحدة من أربع عمليات رئيسة تشمل بيع العمل وإنجاز العمل وإدارة العاملين وإدارة المعرفة.» وكما أوضح توماس ستيوارت: «أوجز بيتس في توصيفه الوظيفي الذي كتبه بنفسه ثلاث مسئوليات لكبير مسئولي المعرفة: الترويج لأهمية تبادل المعرفة، وإدارة ودعم المشروعات التي تُنقب عن المعرفة في أرجاء الشركة وتنشرها وتوزعها؛ وإدارة فريق مكون من نحو ٢٠٠ شخص، أغلبهم في مركز معرفة الأعمال التابع للشركة في كليفلاند وبنية تحتية على مستوى الشركة من المواقع الإلكترونية» (ستيوارت، ٢٠٠١: ٨٢).

لديَّ تحفظات جدية بشأن «إدارة الموظفين»، لا سيما أننا نتحدث عن المهنيين الذين أومن بقوة أنه لا يمكن «إدارتهم» بالمعنى التقليدي. ومع ذلك، فإن الدور الجوهري لكبير مسئولي المعرفة هو التنقيب عن المعرفة التي تحملها عقول العاملين بشركته. وكما يشير إيكوجيرو نوناكا وهيروتاكا تاكوتشي في كتابهما «الشركة الصانعة للمعرفة: كيف تخلق الشركات اليابانية ديناميكيات الابتكار»: الفرد هو «صانع» المعرفة والشركة هي «المُعزِّز» لتلك المعرفة (نوناكا وتاكوتشي، ١٩٩٥: ٢٤٠).

هذه ليست مهمةً سهلة؛ إذ يجب أن نُميِّز بين المعرفة الظاهرة والمعرفة الضمنية؛ أما المعرفة الظاهرة فيمكن توثيقها وحفظها في مكان ما؛ في دليل أو خزانة حفظ الملفات أو على المواقع الإلكترونية أو شبكات الإنترنت (الداخلية) … إلخ. وهذا النوع من المعرفة عادةً ما يتضمَّن رأس المال الهيكلي للشركة. وأما المعرفة الضمنية فهي كائن مختلف. ونقصد بعبارة «معرفة ضمنية» هنا أنها معرفة «صامتة أو خفية»؛ لهذا السبب، يكون من الصعوبة بمكان توضيح الكيفية التي تركب بها الدراجة أو تعوم بها أو تلعب بها الجولف مثل تايجر وودز. يمكنك أن تقرأ جميع المعرفة الظاهرة — في الكتب مثلًا — بشأن الموضوع، لكن إلى أن تؤدي ذلك بالفعل، يظل فهمك محدودًا إلى حد بعيد. المعرفة الظاهرة والمعرفة الضمنية يكملان بعضهما بعضًا، فكلمة «ظاهرة» تعني أنها معرفة صريحة يمكن ترتيبها وتوضيحها وتفسيرها. يقول الألمان إن فلانًا لديه «شعور عند أطراف أصابعه» وهو تعبير يشبه المعرفة الضمنية (ستيوارت، ٢٠٠١: ١٢٣). ثمة طريقة مفيدة أخرى للتفكير في هذا الفارق، وهي أن المعلومات يمكن تحويلها إلى صيغة رقمية في حين أن المعرفة جزء أصيل وفطري لدى البشر؛ فقراءتك لكتاب أحد المؤلفين تجربة مختلفة تمامًا عن تجربة تحدُّثك معه شخصيًّا عن الكتاب. فالتجربة الأخيرة تمنحك شعورًا أكثر بالسياق وتزيدك وعيًا به فيما يتعلق بالمعرفة الظاهرة الموثقة في الكتاب، وقد تكون أكثر قيمة ونفعًا في بعض الأحيان. يمكنك أيضًا أن تتأمَّل الفارق بين قراءة ملف أحد العملاء — بما يشمل الإقرار الضريبي والقوائم المالية وما إلى ذلك — والتحدث شخصيًّا مع العميل.

هذا النوع من نقل المعرفة عملية «اجتماعية» بين الأفراد، وهي ذات أهمية خاصة لدى شركات الخدمات المهنية حيث القدر الكبير من رأس المال الفكري يكون على هيئة معرفة ضمنية «أكثر رسوخًا». يفترض نوناكا وتاكوتشي أربعة أنظمة مختلفة لتحويل المعرفة:
  • (١)

    من معرفة ضمنية إلى أخرى ضمنية، وهو ما نُطلق عليه التفاعل الاجتماعي.

  • (٢)

    من معرفة ضمنية إلى أخرى ظاهرة، وهو ما نُطلق عليه الإظهار.

  • (٣)

    من معرفة ظاهرة إلى أخرى ظاهرة، وهو ما نُطلق عليه الدمج.

  • (٤)

    من معرفة ظاهرة إلى أخرى ضمنية، وهو ما نُطلق عليه الاستدخال. (نوناكا وتاكوتشي، ١٩٩٥: ٦٢)

من المهم تفعيل الأنظمة الأربعة جميعها في أي شركة، لكن ما مقدار الوقت الذي تقضيه الشركة عادةً في توثيق ومشاركة ما بحوزتها من معرفة عندما يكون مقياسها الأساسي عدد الساعات المدفوعة التي أنجزَتْها خلال الأسبوع الماضي؟ كم من الوقت تقضي الشركات لتوجيه الشركات الزميلة بشأن أهمية التعلم ومشاركة المعرفة؟ لقد قال يوجي بيرا عن بيل ديكي: «إنه يعلمني خبرته كاملةً.» صحيح أن ذلك يحدث في معظم الشركات، لكنه يحدث بطريقة عشوائية وبالقدر المطلوب فحسب، بدلًا من أن يتم كجزء منهجي وقابل للقياس من معايير أداء أفراد الفريق. ببساطة لا توجد آلية لدى معظم الشركات لإثابة التعلم المستمر ومشاركة المعرفة الضمنية مع الشركات الزميلة أو تحويل المعرفة الضمنية إلى معرفة ظاهرة عن طريق كتابة تقرير ما بعد الحدث (تقرير مستعار من الجيش الأمريكي سوف نتناوله بمزيد من التفصيل في الفصل السادس) عن الالتزامات المعقدة. ونظرًا لأن معظم الشركات تقع في شَرَك التركيز المفرط على ساعات العمل المدفوعة وقوائم الدخل لديها، فإنها لا تبني ميزانيتها العمومية، والأصل الأساسي هو المعرفة التي تتواجد داخل الشركة. ومع ذلك فإن الاستحواذ على هذا النوع من المعرفة يمكن أن يكون ذا قيمة كبيرة للغاية بالنسبة إلى الشركة فيما يتصل بتعزيز القدرة على التفويض لأفراد الفريق الأقل خبرة، وكطريقة لزيادة رأس المال الهيكلي للشركة تحسبًا لأن يُقرر مستثمرون معينون لرأس المال البشري عدم العودة للعمل.

لا شك أن إدارة المعرفة الظاهرة أسهل من إدارة المعرفة الضمنية؛ إذ إن المعرفة الضمنية تتواجد في عقول المهنيين الذين أقل ما يقال عنهم إنهم يصعب إدارتهم. كما أنه من غير الممكن الاستحواذ على كامل المعرفة الضمنية الموجودة داخل عقل كل فرد من أفراد الفريق، لكن هذا ليس هو الهدف. الهدف هو الاستحواذ على جُلِّ تلك المعرفة ووضعها في مكان ما (في ملف أو شبكة الإنترنت أو على البوابة الإلكترونية … إلخ.) بحيث يستطيع جميع من في الشركة الحصول عليها متى احتاجوا إليها. بهذه الطريقة لا نُضطر دومًا إلى إعادة اختراع العجلة، بل نحاول فهم أكثر الطرق فعالية لوضع العجلات الثلاث الأخرى بطريقة تمكننا من بلوغ وجهتنا. يقدم توماس ستيوارت هذه النصيحة الذكية من أجل إدارة المعرفة الظاهرة: «اجمعها، تأكد من صحتها، قنِّنها واجعلها بسيطة بقدر المستطاع، حدِّثها وعزِّزها، وتأكد من أن جميع من يحتاجون إليها يعلمون بوجودها ومن أين يحصلون عليها وكيف يستخدمونها، واحرص على أتمتة وتعجيل عمليات استرجاعها وتطبيقها، وأضف إليها، ولاحق قضائيًّا أي محتال يسرقها» (ستيوارت، ٢٠٠١: ١٢٤).

يسعى الخبير ستان ديفيز إلى جعل عملائه يفكرون في صنع «منتجات ذكية»، وفي سبيل هذا الغرض يطرح تدريبًا معيَّنًا: «ما الذي ترغب ماكينة المياه الغازية «كوكاكولا» في معرفته؟» (المرجع السابق: ١٤٦). بعض أكثر الإجابات بداهة قد تكون مخزونها السلعي ورقم هاتف موزِّعها بحيث يمكنها أن تُموَّن من جديد عند الحاجة والمكان الذي تُوضع فيه، وما إذا كانت العملات التي تُوضع فيها حقيقية أم مزيفة. واليوم، يوجد بعض ماكينات البيع المزودة بالتكنولوجيا التي تُمكِّنك من شراء زجاجة «كوكاكولا» من خلال هاتفك الجوال. ثمة معلومة أخرى مهمة — وقد أعلنت «كوكاكولا» بالفعل هذه السياسة في بيان صحفي، لكنها قررت إلغاءها بعد أن حظيت بدعاية سلبية — وهي درجة الحرارة بالخارج حتى تستطيع أن تضبط سعر المشروبات في الأيام الحارة. والغرض من التدريب هو محاولة تحويل المعرفة الضمنية إلى معرفة ظاهرة. ويمكن أن تفعل شركتك الشيء نفسه بشيء من التفكير الإبداعي.

(٤) هل هذا كله أمر جيد؟

رون: قبل أن ننتقل من حديثنا عن هذا الموضوع المهم المتعلِّق برأس المال الفكري إلى مناقشة تفاصيل كل عنصر في الفصل التالي، من الضروري توضيح شيء ما قد لا يبدو بديهيًّا من الوهلة الأولى. عند مناقشة رأس المال الفكري، يحدث هذا في سياق إيجابي جدًّا، ومعظم الأمثلة التي نستخدمها مستقاةٌ من نجاحات في تعزيز رأس المال الفكري مثل نظام «سيبر» للحجز. وبطبيعة الحال، لا تعد جميع مشروعات البحث والتطوير أو المنتجات الجديدة ناجحة، ومعدل الفشل في الواقع مرتفع للغاية؛ إذ تخفق معظم العقاقير الجديدة، وكذلك معظم المنتجات الاستهلاكية والكتب المنشورة. وتنطوي الاستثمارات في الأصول غير المادية على مستويات أكثر ارتفاعًا بكثير من المخاطرة وعدم الوضوح مقارنة بالأصول المادية. فإذا أخفق البرنامج الحاسوبي الذي أنتجتُه، فإن التكاليف عادة ما تُكون قد ضاعت إلى الأبد ما لم أستطع استغلال المعرفة التي اكتسبتُها في محاولة أخرى (هذا هو النوع الثاني من المكسب المحتمل من مخاطرة ما، وهو ما يُعرف بالربح المعرفي الذي ذكرناه آنفًا، والذي يتعلق بالارتقاء بالمعرفة.) لكن إذا اشتريتُ مبنًى مكتبيًّا أو متجرًا تجاريًّا، وأخفق، فيمكنني استعادة جزء من استثماري على أقل تقدير.

لكن هذه ليست النقطة الرئيسة التي أريد أن أشدِّد عليها الآن. الشيء المهم هنا هو أنه يوجد ما يُطلق عليه «رأس المال البشري السلبي» و«رأس المال الهيكلي السلبي» و«رأس المال الاجتماعي السلبي». هذا بالتأكيد يبدو مناقضًا للحدس، لكنه مع ذلك صحيح. فليس كل شيء نعرفه جيدًا. تأمَّل مثلًا رأس المال الفكري الذي يمتلكه اللص؛ إنه يمثل معرفة من منظور أنه يعرف كيف يمارس حِرْفته تمامًا مثلما تعرف شركة «يونايتد إيرلاينز» كيفية تنظيم رحلات الطيران ونقل المسافرين حول العالم، لكن هذا لا يمنح المعرفة قيمة؛ فالمعرفة، فيما يتعلق باللصوص، تؤثر سلبًا على المجتمع.

انظر إلى البلدان التي تتشبث بعناد بمبادئ الاشتراكية أو الماركسية، بالرغم من أن كلتا النظريتَين المتعلقتَين بالتنظيم الاجتماعي قد دحضَتْهما الأدلة التجريبية. فثمة رأس مالٍ اجتماعي سلبي هائل تشكَّل على مدى العقود الأربعة المنصرمة في كوبا في عهد الرئيس كاسترو مثلما تشكَّل في عهد الاتحاد السوفييتي السابق. وبينما تناضل الأخيرة من أجل التحوُّل إلى اقتصاد السوق الحرة، لا تزال هذه الموروثات السلبية محسوسة (كعدم وجود حقوق ملكية خاصة آمنة، وعدم وجود نظام قضائي كفء للبت في المنازعات، وعدم وجود نظام مصرفي أو ائتماني فعَّال وما إلى ذلك). وعندما سُئل الرئيس رونالد ريجان عن رأيه في جدار برلين إبَّان زيارته لألمانيا، قال بإيجاز: «إنه قبيحٌ بقدر قبح الفكرة التي كانت وراءه» (موريس، ١٩٩٩: ٤٦١).

الأمثلة على رأس المال الفكري السلبي لدى شركتك يمكن أن تشمل التمسُّكَ الصارمَ بالطرق القديمة التي تعيق موظفيك عن الاستفادة المثلى من إمكاناتهم. ويأتي على رأس القائمة الساعات المدفوعة، والتسعير على أساس الكلفة، وسجلات ساعات العمل، وعدم التفويض، وغير ذلك من أشكال رأس المال الفكري السلبي التي تُدمَج في ثقافة كل شركة على حدة وثقافة المهنة ككل أيضًا. وهذه الأفكار عُزِّزت في كل نوع من أنواع المعرفة التي نُوقشت هنا — رأس المال البشري والهيكلي والاجتماعي بالتأكيد — وأصبحت جزءًا من أنظمة معرفتنا الضمنية والظاهرة. وأحد أهداف هذا الكتاب تسليط الضوء على فكرة أن أنظمة الموروثات هذه هي في الواقع أشكالٌ سلبية من رأس المال الفكري وينبغي أن تتغيَّر في شركة المستقبل.

موجز ونتائج

في هذا الفصل، تناولْنا فكرة أن المصدر الرئيس للثروة في أي اقتصاد هو رأس المال الفكري؛ ولأغراض مناقشة شركة المستقبل، قسَّمنا رأس المال الفكري إلى ثلاثة عناصر محددة هي رأس المال البشري، ورأس المال الهيكلي، ورأس المال الاجتماعي. وقد أشرنا إلى الحقيقة التي تفيد بأن رأس المال الفكري لا يُقاس بدقَّةٍ في القوائم المالية القياسية وفق المعايير المحاسبية المقبولة عمومًا، وبأن قدرتنا على اقتناص قيمة الأصول غير المادية محدودة للغاية. على مدى التاريخ، كانت «المغالطة المادية» فكرة سادت بقوة مفادها أن الثروة كامنة في الأصول المادية المحسوسة. كما ناقشنا أيضًا كيف أن المعرفة النوعية المتخصصة تُعد أكثر الموارد ندرة على الإطلاق، وأن التفاعل بين الأنواع الثلاثة لرأس المال الفكري — البشري والهيكلي والاجتماعي — هو ما يُحقِّق الثراء. وأخيرًا، بحثْنا الفارق بين المعرفة الظاهرة والضمنية وإلى أي مدى من الأهمية بمكان بالنسبة إلى الشركات أن تقتنص كلا النوعين من المعرفة وتستغلهما وتعززهما، وكيف يمكن أن تكون بعض أشكال رأس المال الفكري سلبيةً وضارةً في واقع الأمر.

والجانب الأهم في الاقتصاد يتمثل في رأس المال البشري الذي سوف نناقشه فيما يلي؛ إذ إنه يتعلق بالأداء الفعال لشركة المستقبل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠